|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:11 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب الثالث لحم العجل القرنفلي قبل سنوات قليلة، وحلاوة الاستقلال لازالت في الحلوق، شاع جنون غريب، خبل الناس، وخالط عقولهم، وثيابهم، ونام معهم في فراشهم ووسائدهم، زنخاً وعذب الغواية كرائحة إبط الأنثى، لم يكن كجنون الموتى حين هجروا المقابر، وخرجوا في الظهيرة يجرون أكفانهم وهي بلون التراب، وينفضون الرطوبة والديدان أمام الدكاكين والمخازن، والمقاهي، وواجهات البيوت، وقد ترددت أصوات ضحكات عظامهم الساخرة، وخطواتهم الصماء، وهم يعبرون عتبات الدور إلى الداخل يجرّون أحفادهم وأولادهم معم بقسوة وتصميم، والأحياء نصف أموات، والأموات نصف أحياء، وعجاج الأكفان يملأ المكان برائحة العفن والتفسخ، وألسنة الثكالى تلهج بالضراعات للآباء العائدين من الموت والجدات والأعمام. ـ يُمَّه، اتركي لي ابني الوحيد. ـ جدتي، البارحة أخذت أباه، دخيلك. ولا ترد الهياكل العظمية بغير حركاتها الصماء، وغبارها الكاتم، حتى خرج المفتي، وصعد المئذنة، وصاح بالخلق: ـ يا أمَّة محمد، قامت القيامة، وبطلت كل الشرائع والمعاملات، فاستعدوا للحساب والعقاب، ففي هذا اليوم لا ينفع مال ولا بنون. ومن الغريب أن الصوت ملأ البلد، دخل البيوت بيتاً بيتاً، والآذان، والمخازن، والجحور، والأوكار، وانتظر الخلق أن ينفخ في الصور، وتدوي الصرخة العظمى فهجروا البيوت والدكاكين والمقاهي، زهدوا بالمال الحلال، ورأوا أرواحهم تحلّق فوق رؤوسهم كجلود الخراف، صاح بهم المؤذن العجوز: ـ إلى أويس القرني، إلى المزار. واندفعت الجموع، عراة ونصف عراة، زوبعة صغيرة تكنس الطرقات والأزقة، والحيوانات، انطلقت الأصوات وسط العجاج، وفاضت الشمس بنور أحمر كالدم، خالط التراب والجلود، وخمش الوجوه. فاضت أثداء النساء بحليب باجر بلون الصديد، وضمرت أعضاء الرجال، تحولت إلى فتحات ضيقة للتبول، وتخنثت أصواتهم فصاح أحد الرجال: ـ الله يساعدنا. فلم يسمع قوله أحد، فاطمأن وتابع وسط الحشد، الأطفال والماعز والكلاب والنسوة، والخنازير التي قدمت من دغل الحوائج. ـ يا رب ليش؟ ضاعت التمتمة، وذاب ما في الأرحام، وازداد العجاج ونزيف الشمس، وعندما دخلوا القبور عوت الكلاب، وبغم الماعز، ولاذت الأجساد بالأضرحة، تحلّقت حول المزار، استظل الأطفال بشجرة التوت، تلك التي يودع الرعاة والفلاليح المنتجعون عندها أحمالهم ومؤونتهم، وأدواتهم المنزلية، ويذهبون إلى شأنهم، وحين يعودون مهما طال غيابهم يجدون أماناتهم مثلما تركوها غير منقوصة، فلا يجرؤ كائن على لمسها خوفاً من غضب أويس القرني. ـ يا ابن خالة رسول الله أغثنا، ياذا الطمرين، الأشعث الأغبر، أقسم على الله ليبرّك، فأنت البار المبروك. صاح أحد الدراويش الفقراء، ثم اندفع في غناء كالبكاء ومعه التعاويذي: يا ويس ما هذا الجفاء والصدُّ.. لأجلك أتينا بشوق جيت بضدو.. وضجّ الخلق والحواوين بالبكاء، انعقدت قبة كالبللور من الدموع وأجنحة الحمام الأبيض، وسمع الناس وجيب قلوبهم يدق، وصاح آرو الأرمني العجوز: ـ ونحن يا إلهنا؟! ثم اندفع يصلي بالأرمنية، فجاوبته أصوات أخرى، ومن تل البيعة القريب خرج نور، ملأ السماء والأرض، بان كالسراب أولاً، ثم اقترب فيضاً من الأجنحة والتراتيل، وشخصت الأبصار، كان "مار زكا" يخرج من ديرة المندثر، بصليبه النوراني، وثوبه الكهنوتي، ولحيته البيضاء، تقدم خفيفاً كالهواء، وركع الخلق، وحين رفعوا رؤوسهم كان ثوبه يرفرف أمام أنظارهم، وبوابة المزار تتفتح عن الأشعث الأغبر، ذي الطمرين أويس القرني، يزهو بنور الهدى وهلاله النوراني. ـ تأخرنا على الناس قليلاً. قال، وسكن كل شيء، وعادت القبور تفتح صدورها للجثث الخارجة، وانقشع العجاج والدم، وتوقف النزيف الشمسي، وكرنفال السحر الأسود، وأصبحت سنة الوجع تأريخاً قديماً. لا ولم يكن كجنون الجوع، حين حصد الخلق كمنجل أنكيدو، فتساقطوا في الخرائب والبراري والأسواق، وعلى ضفاف النهر، فملأت المقابر بالجثث، والقلوب بالحزن والقيح، وترك نصف المنازل خاوية، وبادت عائلات بأكملها، جنون ولا جنون جرمانوس أيام /4 تموز/ حين دك البيوت بالمدافع إرضاء لحكومة الاحتلال، ولا يقاربه جنون الشاي، هذا الشراب الأحمر الحار، الذي فتن الناس، وتغنى به الشعراء في قصائدهم، وحرص عليه المشايخ ووجوه الناس في المضافات والبيوت حتى لا يشناهم الضيوف وتقل أقدارهم في نظر الناس، لا ولا اكتشاف البندورة سنة /17/ حين حمل بذورها أحد ولاة الرميلة القادمين من يافا، فقد كلف أحد المستخدمين بحرائة قطعة الأرض الخالية الملحقة بسكنه، فكان العابرون يرونه منحنياً على الخطوط الترابية والمساكب المنتظمة، وقد تلوثت يداه وثيابه بالتراب والطين والعرق، فيتساءلون بغرابة وخشية: ـ ماذا يفعل البيك؟! وككل البيكوات السابقين كان الناس، كلما جاء والٍ جديد تلمسوا جيوبهم فالوالي أو القائم مقام تحديداً حسب التسمية الإدارية الدقيقة، حين ترسله الحكومة المركزية في استانبول تنساه بعد إرسال حصتها من ضريبة "الأعشار" وهي كما يبدو عمله المهم الوحيد مع الضبطية من الدرك، وتجبى ضريبة الأعشار من البدو والغنامة على الأغلب في الأشهر الأولى من السنة، ففي يوم غير محدد يلبس القائم مقام زيه الرسمي ونياشينه الكاذبة التي يكون اشتراها من أسواق حلب لمثل هذه المناسبة، وبمرافقة الدرك والمحاسبجي ينطلق موكبه وسط زوبعة من الغبار والصخب الرسمي إلى منازل العربان وبيوت الشعر، فتجمع الماشية والخلق ويتوقف صبية وسخون، ونسوة مجللات بالسواد يرقبون عملية الإحصاء، والمساومات الجانبية المعروفة، وزيادة في تأكيد الضغط والسلطة وهيبة الحكومة يفتش عدد من الدرك في الأنحاء المجاورة للبيوت، بحثاً عن ماشية قد تكون هُرِّبت بعيداً عن الأنظار، فلا يجوز خدعة الحكومة، أو السماح لمجموعة من الرعاة بالضحك من البيك، ونادراً ما تتذكر استانبول رواتب موظفيها من أمثال هذا القائمقام والضبطية، فتترك لهم أمر تدبير أمورهم، فلا ينجو من حيله حتى السفار الأجانب، فإذا أهدى أحدهم قطعة فخارية مما لا قيمة له، ويتكاثر في الخرائب، عليه أن يردها عليه "باطية" من النبيذ أو العرق. لم يعد للناس من حديث إلا البيك الجديد. فعصراً يخرجون طافات وعيونهم مشدودة إلى بقعة الأرض المفلوحة، يرقبونه وهو ينتقل فيها مع المستخدم "كنعان الدبوس" باستغراق كامل، ولانقطاع صلتهم به، صار المستخدم مركز استعلامات لهم: ـ كنعان ماذا يريد البيك أن يزرع؟ ـ هذا شغل حكومة. ـ وشغل الحكومة في الفلاحة والزراعة؟ ـ كل ما تعتبره الحكومة شغلها فهو شغلها، فهمنا؟! ـ فهمنا، ولكن نريد أن نفهم... ـ بسِّ. وينسحب كالطاووس، فلأول مرّة يشعر الدبوس أنه مهم، ومهم جداً في نظر الناس، فهو وحده القريب من البيك، ويعرف ما لا يعرفه غيره، ولكن ماذا تعرف يا كنعان؟ حين يسأل نفسه هذا السؤال يلعن البيك، وأرض البيك الشيطانية هذه، ويتابع عمله. وفي المضافة قال أحد النابهين للحضور، حين مرّ ذكر البيك: ـ برأيي أن البيك ربما يريد زراعة بعض أشجار البرتقال، فبلده مشهور جداً بهذه الفاكهة الطيبة. ـ يا رجل البرتقال يزرع على شكل شتول في حفر، ولا يزرع في خطوط. ـ إذن إمّا البيك رجل موسوس، أو فلاح بطيخ، وربك أعلم. عند هذا الحد، تبرع الحاج إسماعيل وهو جار القائمقام وأول من أولم له وليمة دسمة، وزار بيته من البلد، باستكشاف السرّ، ومعرفة نوع زراعة البيك، والبلد لا تحتمل "بيكاً" عاقلاً، فكيف إذا كان مجنوناً؟! عند العصر توجه الحاج إسماعيل بكامل قيافته، ووجاهته العربية إلى حيث يعمل البيك، سلم بلباقة وهو ينحني قليلاً: ـ السلام عليكم بيك. ـ وعليكم السلام. ردّ عليه، ثم انصرف إلى عمله، فشعر بالضآلة، لكنه أمام هدفه الجليل كابر، وتمالك نفسه، ووجدا عذراً للبيك، وما أكثر البيكوات الذين رآهم، ورأى من تصرفاتهم الغريبة، فالبيك "أبو بسوس" كان مغرماً بالقطط، والبيك العربجي كان مغرماً بسواقة العربات الجرّ، والبيك أبو حجيات وكان مغرماً بالنوريات، وفجأة انتشله صوت البيك وهو يخرج صرّة قماشية ملونة، فتحها بحرص وتأنٍ شديدين وعيونه تنطلق بفرحة غامرة: ـ حاج إسماعيل. ـ نعم، نعم بيك. ـ تعال، تعال. وتقدم بشوق المستطلع، نظر داخل الصرّة القماشية، وهو يدعو ربه ألاّ يكون هناك ما يسوّد وجه البلد، فلو طلع في الصرّة بذور مما يعرفه الناس، فستكون الأمور صعبة التسوية، ولكانت عباءته الجوخ لا تساوي فلساً، ولكان مشواره قفزة في جب مظلم. ـ الله، الله بيك ما هذا؟ ـ هذا الذي لم يعرفه ولا رآه أجدادنا، وستعرفه البلد لأول مرة في التاريخ، ولو ذاقوه قديماً لمّد في أعمارهم عشر سنوات أو أكثر. ـ كل ذلك يطلع من هذه البذور الصفراء الناعمة؟ ـ انتظر وسترى فعل هذه البذور. ـ وأيش تسمونها بيك؟ ـ اسمها "بانجان فرنجي" وأصلها من وراء البحار، من أميركا. ـ بانجان فرنجي. وهزّ رأسه بتعجب، بينما انصرف البيك إلى عمله، وفي المساء احتار كيف يشرح للناس، حتى الاسم نسيه لكنه ظل يذكر "فرنجي" وإلى اليوم لازالت التسمية الدارجة هي فرنجي للبندورة، أما البدو فالتسمية عندهم أكثر طرافة إذا يطلقون عليها "زرابة" ع اللحى "لأنها تلوث لحاهم حين يأكلونها. وكل عصر جمعة، كان الحاج إسماعيل يتوجه إلى البيك يدخنان النرجيلة، ويرقبان البذور تشقق جلد التربة، وتخرج برؤوسها الغضة الطرية إلى الشمس والهواء، والعالم الذي تحلّ عليه ضيفة لأول مرة، وكنعان الدبوس يقلّب شفتيه أسفاً على هذا الوقت الضائع ويتمتم بازدراء: ـ بيكوات الحكومة هؤلاء في رؤوسهم دوماً شغلة مجنونة ما يفهمها غير ربك، بيك وبقجة جي؟! وكبرت الشتول الخضراء ذات الرائحة الغريبة، تم نقلها إلى الخطوط الترابية في صفوف منتظمة، والبيك يعتني بها كالعاشق، وحين بدأت زهورها الصفراء الصغيرة تتفتح ازداد استبشار الحاج إسماعيل بجلاء السرّ، ومعرفة هذه النبتة الشيطانية. وكان البيك يردد: ـ يا حاج ستكون أول إنسان في المنطقة يذوقها. والحاج مستغرب، إذا كانت طيبة إلى هذه الدرجة لمَ لم يأتِ على ذكرها القرآن؟! ولا عدّها من طيبات الجنة؟ ومع تكور الثمار الخضر المدورة، جاء الأمر بنقل البيك، فدفع الحاج إسماعيل له مبلغاً صغيراً ثمناً للشتول، وظل يعتني بها، ويسقيها كما أوصاه الرجل قبل رحيله، والثمار الخضر تتكاثر، تغطيها أجنحتها الطرية الدبقة وتميل معها حتى تلامس الأرض، واحتفالاً بالمناسبة، دعا الحاج مجموعة من وجوه البلد إلى وليمة عامرة في منزله، وقد استعد لهذا الحدث استعداداً كبيراً فذبح خروفين، وقطف كومة من ثمار الفرنجي، وكان يردّد وهو يريهم الثمار: ـ البيك قال إنها طيبة مع اللحم مثل أكل السلاطين. ـ إذن حصتنا من البذار يا حاج. ـ محفوظة إن شاء الله. وبدأ حديث طويل، وانتظار طويل، وفي المطبخ غسل كوم الثمار، ثم قطع، وملئت القدور، ودارت القهوة المرّة، ضاء "اللوكس" والوجوه، وعرضت على الحائط الجصي فوق رأس أحدهم عظية مما يطلق عليه الأهالي اسم "سليمانية" من فصيلة سام أبرص فرفع يده لسحق رأسها قائلاً. ـ هذه العظايا المقرفة. ـ لا يا فلان. سايق عليك النبي اتركها. صاح بدوي عجوز من الزواية بلهفة، فدهش الجمع، فتابع: ـ من حقكم أن تستغربوا، فقدرة الله عزّ وجل تأبى أحياناً إلا أن تعبر عن حكمتها أمام غرور ابن آدم لتردّه إلى الصواب، فترتبط حياته بظفر عظية من العظايا كهذه "السليمانية"، وهذا ما حدث معي: "فمن سنيّات كأنها البارحة، وكنت في فورة الشباب، الحلال كثير، والمال والدنيا ربيع ما مثله ربيع، والناس ذبّان في نظري، وعيني فارغة، والعين الفارغة ما يملاها غير التراب كأني ضاري بن سلطان في عزّة، أو راعي البويضة في مقامه، حين جاءني الراعي صائحاً وهو يشير بكوفيته وعقاله: ـ يا عمي. وخبط قلبي. خفت أن بعض الغزّاية من عربان شمّر قد تعرض للبوش والحلال، فالحروب بيننا وبينهم كانت حامية. ـ يا عمي الحق. قال وهو يرتمي من الإعياء، فصحت به: ـ وايش صار؟! ـ الذلول الفلانية طفشت، دوّرت عليها في كل مكان، ملح وذابت. والذلول التي عناها، كانت أحب ناقة إلى نفسي، وقد مات فصيلها البكر، وبكر الذلول إذا مات نفرت من كلَّ فصلان الدنيا، ولا تقبل بديلاً عنه ـ جلت قدرته ـ ـ لا يا مهدوم البيت قل غير ذلك. ـ هذا الذي صار يا عمي. وصفقت بيدي هضيماً.، والدنيا صارت مثل خرّة الإبرة، طلع الحلال كله من عيني وكأنني أفقد واحداً من أولادي. ـ لا حول ولا قوة إلا بالله. تردّدت على لساني، وركبت فرسي وإلى جانبي سيف كأنه لعاب المنية، قلت "يا مسهل الصعب، يا رب" ونحرت البرية، باريت البليخ، سألت الرعيان عنها، وبيوت العربان، وبعد بياض وليلة وجدتها، ربك هداني إليها في بقعة كراحة اليد، لا ترى منها غير القندريس، قندريس بتيجانه البنفسجية تالع الأعناق مثل اللقالق، بحر من البنفسج فوقه قبة السماء الزرقاء الصافية، نزلت عن فرسي وتقدمت من ذلولي، كانت قد هدأت وشبعت من خيرات الأرض، عقلتها ثم ربطت فرسي إلى جانبها، وانحدرت إلى البليخ لأردّ إلى نفسي قليلاً من البرودة وأطفيْ عطش قلبي المحروق. اغتسلت، وانتعشت نفسي بعد تعب البحث عن ضالتي، وأغراني القندريس وقد تحرّك الجوع في أحشائي، قشرت واحدة من أشواكها وتناولت قرصها المستدير، فلذ على الجوع طعمه لي، فثنيت، ثم قشرّت ثالثاً.. وهكذا، ركبت حصاني وقدت ذلولي ومضيت، ومالكم بطول السيرة، وصلت أهلي، وأنا أشعر بوخز خفيف حول حنجرتي، لم أهتم به أول الأمر، قلت من التعب والعطش وسموم البرية، وفي الصباح ازداد الوخز حتى تحول إلى ورم مؤلم، يهدد بسدّ حنجرتي، شربت شيئاً من الحليب الحار بصعوبة، والنار لا تهدأ في حلقي، وفي المساء كنت أشهق، وآخذ النفس بصعوبة بالغة، فاسودت الدنيا في وجهي، فارقني الغرور ورأيت حالي أضأل من الجعل، وأقل قيمة من بيضة الصعو، وقلت نادباً نفسي بحزن: ـ جاء يومك يا حاشي وأنت مقطوع في البرية، بعيد في هذا الخلاء الموحش، يعجز طب الدنيا عن حالتك. نخيت عربنا، وين ابن أمي الذي يريحني من بلوتي؟! وانطلقت الخيل إلى كل مكان، جاؤوا بالعوارف والأطباء، هزّوا رؤوسهم ونكسوا عائدين، والوجع تحوّل إلى خنجر في حلقي، وطول الليل أجض مثل الطعين، لم أترك عيناً في التلول والرجوم والنزل من أنس وحيوان وجن تغمض، وعصر اليوم كنت في آخر رمق، الدمل يملأ حلقي، وأنا أشحذ النفس كالمذبوح، حين دخل عليَّ ابن عمي غثوان ومعه التعاويذي الذي تعرفونه، انحنى على فمي المفتوح، تلّمس زردومي وغثوان يتابع حركاته ويهون عليّ: ـ حاشي، اصبر يا ابن عمي، إن شاء الله جاءك الفرج. وسأل التعاويذي بصوته العميق: ـ ماذا أكلت؟! ولم يخرج صوتي، فتولى غثوان الإجابة عني، فهزّ رأسه، وخرجت من فمه كلمة واحدة، شعرت بعدها بالراحة: ـ خير. ثم طلب أربعة رجال من وجوه العرب أشهدهم على أن ليس لي عنده حق لو أصابني مكروه من العلاج، فقبلت بهزة من رأسي أمام يأسي من حالتي، وشهد القوم على اتفاقنا الشيطاني هذا، طلب بعدها من غثوان أن يبحثوا له عن "سليمانية" ـ سليمانية؟! ردّد غثوان، فنهره آمراً: ـ قلت سليمانية. وانطلق الرجال بحثاً عن سليمانية، وهم في عجب من أمر هذا الرجل النحيف، المسيطر كالرهبان، ثم جاؤوا بالذي طلبه، فقام من مكانه طلب إلى رجلين قويين تثبيتي إلى الأرض من يديّ، ثم أمرني: ـ ارفع رأسك عالياً، وافتح فمك قدر ما تستطيع. وأمالني الرجلان إلى الخلف بناء على طلبه، ورأيته طويلاً جليلاً، يطل عليّ كالغيم الأسود، ممسكاً بالسليمانية من ذيلها الطويل بين إبهامه وسبابته، وهي تحلول التملص ناظرة بعينين مذعوريتن، ودلاّها في فمي قليلاً، دفعها بدربة وهدوء، وهو يحركها ذات اليمين وذات الشمال، وعيون الناس تكاد تخرج من رؤوسهم خوفاً وجلالاً، وذيلها أصبح قطعة من أصابعه، حتى شعرت بأظافرها تجتاز سقف حلقي، فأغمضت عيني، ثم فتحتها، وقد اقتربت سبابته من أسناني، ووصلت روحي إلى خشمي، وعندها اشتعلت عيناه مثل قنديل إنكليزي، لمعتا ببروق خفيفة، وبدأت سبابته تتراجع مع إبهامه بالذيل، وتوقف تقدم السليمانية، بل رأيت بعيوني من الداخل أظافرها تنغرز في ورم حلقي، كابرت ألماً انطلق من عروق الرقبة إلى ماتحت الإبطين، وهو يتابع نترها إلى الخلف، وأظافرها تزداد تشبثاً وعمقاً، وقد تصبب العرق من جبينه النحيل، فزاده ألقاً ومهابة، قال آمراً الرجلين: ـ ميلا بجذعه إلى الأمام قليلاً، قليلاً، إلى هنا وكفى. ومثل برق، مثل اشتعال نار في كومة من الرمث اشتعل حلقي، وتفجر القيح والدم، اندفع من فمي إلى الخارج، وكان يقف جانباً وبيده السليمانية منتصراً، ولم يزد على كلمتين: ـ راح شرّك. وحين شفيت تعرفون ماذا فعلت؟ دفعت له الذلول التي كدت أدفع حياتي ثمناً للعثور عليها، وتبت عن أكل القندريس فأشواكه ألعن من أبر الشبوط، وجلت قدرته تعالى، فكأنه أراد أن يقول لي "يا ابن آدم تركت كل طيبات الدنيا من لحم وسمن وعسل ولحقت الإبل على طعامها". عند هذا الحدّ قدمت صياني الطعام، ومدّ الحاج يده، والعيون شاخصة ترقب تعابيره، فما ذاق اللقمة حتى لسعته مرارة كالدفلى، فصاح: ـ أعوذ الله، هذا زقوم، رجعوا الصياني. ونسي الناس الحادثة، كما نسي الحاج الأمر، وفي فجر أحد الأيام خرج إلى الوضوء يحمل إبريقه، وهو يلطا إلى جانب إحدى الشجيرات، لفت نظره احمرار غريب بين الأوراق الخضر، فمد يداً حذرة، ولمس الشيء الأحمر، فدغدغت أطراف أصابعه طراوة ونعومة لذيذة، تجرأ عندها وقبض عليهن فخرجت ثمرة حمراء مستديرة مثل خد معافى، صاح: ـ أنا أخو أمي، هذا فرنجي. وغسل الثمرة بالماء تذوقها، فأشرق وجهه للطعم اللذيذ، وهم أنّه تسرع، ولم ينتظر حتى تنضج، فردّد: ـ سبحانك يا ربّ. وحين قلب الشجيرة الخضراء، تدلت عشرات الثمار الحمر، كقلوب صغيرة، وابتدأ عهد جديد في حياة البلد، جذب فلاليح مهرة برعوا في زراعتها من بزاعة وسفيرة والباب. * * * جنون كان اسمه الجنون الأبيض. جذب هجرات باسلة من حوران وتادف والباب وسفيرة، بشر ممصوصون، صفر الوجوه، شعث الشعور، لوّحتهم الشموس وأيام الجوع والخوف، جاؤوا في مؤخرات الشاحنات، وعربات الجرّ، يجرّون أولادهم وزوجاتهم، ويحلمون بحياة جديدة، وقد افترشوا الأرض في خرائب الجامع القديم، وتحت ظلال الأسوار الأثرية. نّور وقرباط وجنكل وكاوليه وقرج تدفقوا، يحملون دفوفهم وغرابيلهم وأبرهم، ويدفعون ظعونهم وكلابهم وأساطيرهم الشيطانية، ويحتمي الضعاف منهم بشجرة التوت المقدسة "توثة أويس القرني" طلباً للأمن، وقد اجتمعوا من كافة أنحاء الدنيا، مما دفع إحدى العجائز إلى القول: ـ أصبح البلدُ مشكّلاً ملوناً مثل "سطل" الشحاذة القرباطية في رمضان. والشحاذات القرباطيات مشهورات في البلد باللجاجة والدبق، يخرجن في رمضان مجموعات إلى الحارات قبل المدفع بقليل بسطول من التنك، ويقتسمن البيوت، فتحتل كل واحدة باباًن هو حصتها من القسمة، تلصق أمامه كالقرادة، ويبدأ صوتها يلعلع: ـ من مال الله يا خالة، زكاة صيامكم. ولأن أخلاق الناس تضيق، وتخلصاً من هذا الإلحاح المؤذي، تسكب لها ربّة البيت مما طبخته، فتتحرك إلى الباب الثاني فالثالث كالشرارة، ولا تتوقف حتى يمتلئ سطلها الشهير بأشكال متنوعة من الطعام تبدأ بالرز والبرغل والمحشي والفاصوليا، والبطاطا، لتنتهي بالشوربة والتمر. ومنذ أن أطلق أول مجنون صرخته المشهورة في شوارع البلد، وهو يحمل في عبّه حسابه من الموسم، مئات القطع الورقية من "أمهات المائة الخضر التي تذبح الديك" وهو الذي لم تدخل جيبه في حياته قطعة أكثر من "أم الخمسين"، واعتبرها ـ يومذاك ـ إحدى عجائب الدنيا السبع. ـ أبيض يا قطن. صرخ بدون وعي، وفتح صدره، فخرجت الأوراق الخضر الجديدة، زوبعة صغيرة من الخرافة والواقع، من المال والحاجة إلى المال، ومثل علي بابا انفتحت للناس أبواب الخانات والبنوك في حلب، وبدأت أعراس جديدة، وغجريات درجت العادة عند البطرين ومحدثي النعمة إشعال سكائرهنّ بأوراق من فئة المائة، وعند كل "شوباش" تجد الساحة فرشت بالمئات، وعقال الزمار، ترفرف فيه الأوراق المالية رايات ملونة لهزيمة العقل، بذخ يشبه الكذب، وسيارات أمريكية فاخرة أقسم أحد السائقين إن الآغا والآغا لقب أصبح يخصّ المزارعين فقط، ملأ "طبون" السيارة من حساب الموسم الماضي بالأوراق المالية. أغوات يصعدون، وفلاليح لا يجدون اللظى، مسدسات وبيوت وقمار ونسوان وشموس وجوع وعلق اسمه الشحنة، وهو وكيل الآغا وعينه على سير العمل في المشروع، أغوات غنّامة، أغوات بدو، وأغوات وظفوا الأموال التي سرقوها من بغايا تزوجوهن طمعاً بالمال، أو من القشلة سنة "الفلتة" أمثال سعيد النهري وغيره. جنون بدأ مع نمو أول شجرة قطن خضراء. مع أجراسها المتبرعمة كنهود صبايا في طور البلوغ، امتدت شبكات السواقي ودارت محركات الماء على شواطي الفرات، نصبها صناع أرمن مهرة، فهدرت ودعق الماء مهيباً أبيض كالشبّ، وانتهى عهد النصبة والغرّاف. ومع توسّع دائرة الأغوات والوجهاء الجدد جاء البنك والخبز الأبيض والكاتو والخانجية من حلب شركاء وممولين، جاءت العشيقات مع الموظفين الكبار، ولم يعترض أحد، بل العكس عاملوهن كسيدات بدماثة ورقة أكثر، والمحظوظات منهن وجدن أزواجاً محترمين، وهذه السابقة لم يكن يجرؤ عليها من قبل إلاّ القائمقام. جنون قاد إلى جنون ركب عقول القرويين، فمع المال كثرت الزيجات والأسلحة ومحاولة تأكيد الذات بفتح الدفاتر القديمة فكل من له ثأر أو عتبة أو تبل أو قالة قديمة سارع إلى الأخذ بها من خصمه فإن كان ميتاً لطول العهد فمن ولده أو ابن عمه أو قريبه، مجرباً كل الأسلحة التي يعرفها من كفّ اليد إلى الخنجر والدبوس والبلطة والمسدس، وأين؟ أمام السراي الحكومي وهذا ما دفع عجوزاً فقدت ولدها إلى القول: ـ امتلأت الجيوب وخلت القلوب من الرحمة والأرحام. *** خرج يزدشير الكاولي "بصندوق البوبة" المزين بالمرايا، والخرز الأزرق، والتمائم، بطولـه الذي أحناه الثقل، فهو لا يتجاوز بضعة أشبار كونه لا يعدو العاشرة، والكاوليه جيل من القرباط عرف بالشراسة والغدر، والحرص على المرأة، فهي من ممتلكاتهم الأثيرة، يغالون في مهرها حتى الجنون، وفي عشقها حتى الموت، لذا كثر بينهم حوادث الخطف، حيث تدفع الخاطفة أغلب الأحيان حياتها ثمناً لفعلتها، ولو بعد زمن طويل، كما اشتهروا باللصوصية، والصناعات المنحطة من صبّ بعض المعادن الرخيصة وإصلاح الغرابيل والبيطرة، ومن مأثورات هذه الطائفة في تبرير سرقاتهم، التي يحرصون على ألاّ تتجاوز حاجتهم اليومية، تبرير لطيف وذكي يقول "أن اليهود، حين همّوا بصلب السيد المسيح، صنعوا لقدميه ويديه أربعة مسامير، وبينما هم يستعدون لصلبه، تقدم غجري من الكاوليه، وسرق أحد هذه المسامير، فحازوا الرضى الإلهي، والحق في سرقاتهم الصغيرة "وأنت لو دققت النظر في أية واحدة من لوحات الصلب لوجدت القدمين جمعتا في مسمار واحد مما يدل على الأساس الذكي لحكايتهم، ومن غرائبهم أنهم يدفنون موتاهم ليلاً، ويعتبرون سادة العالم في التحلل من كل عقيدة أو نحلة دينية، والمظهر الوحيد لتدينهم هو الاحتفال بعيد "القزان". خرج يزدشير بعد أن ألقى نظرة على جسد والده المكوم في الزاوية، لولا النفس الذي يتردد في غطيطه، لظنه كيساً من العظام والجلد، من جحره الذي كان عبارة عن ملحق بطاحونة قديمة متطرفة، للطحانة ودوابهم كان ينام فيه الآتون من القرى البعيدة لطحن حبوبهم، حين يضطرهم الازدحام إبانّ الموسم، فلا خان للمبيت سوى الخان الملحق بشركة عرق السوس، وأكثر زبائنه من الرحالة الأجانب الوافدين وراء اللقى الأثرية والمخطوطات وأنساب البدو والعشائر، هذا الجحر نظفته العائلة، وسكنته، فلم يعترض أحد، سيّما وأن صاحب الملك عراقي الأصل من عانة، بنى طاحونته في العشرينات فازدهر عمله، وحين كثرت الطواحين، وقل الرزق، دعاه الشوق للعودة إلى منازله القديمة، ذكره بها موال سمعه من نورية وهو يستعد للنوم على سطح الطاحونة. راقب الأرض الخلاء تمتد، وليس فيها غير العاقول وشجرة التوت الوحيدة، ومن بعيد لاحت البيوت الطين، والحيوانات الداشرة، والصبية المرحون، يمدّون رؤوساً حليقة مضحكة، من خلال الطوق والأبواب، يتفقدون كلابهم وحميرهم، ولم يفكر أن يذهب إلى أيّ مكان فالبنك محطته الأولى كالعادة، يقعي عند قدمي مسيو ديران ثم يتحرك إلى السراي، يجلس على الرصيف بانتظار زبون حريص على أناقته ونظافة حذائه. ولذة يزدشير، وهو يلمس حذاء مسيو ديران لا تعدلها لذة، فجلده اللامع النظيف وشعر يده الأشقر، تغرق فيه ساعة مستديرة أنيقة، وأصابعه الطويلة، ترفع فنجان القهوة اليومي، أو سيكاره الذي لا يفارقه، إضافة إلى صوته العميق خارجاً من صدره، أمور يحفظها، ويذكرها، كما يذكر الطاولة الكبيرة والأوراق، وجهاز الهاتف اللامع، والليرة الكاملة يدفعها بصمت، ثم يسترد قدمه، ويرخي بنطاله، وينصرف إلى عمله، وقد يداعبه أحياناً: ـ يزدشير لماذا لا تذهب إلى المدرسة؟ـ وماذا أفعل في المدرسة؟ ـ تتعلم القراءة والكتابة. ـ البوية تكفيني. وتستيقظ فيه تلك الرغبة الدفينة، فحين ينزل إلى النهر مع أخدانه، تسحره تلك المساحات من الطين، الذي انحسر عنه ماء النهر، فيمسك بقصبة أو عود، ويبدأ في رسم خطوط بدائية تعطيه متعة، وترضي رغبته، وقبل عودته يتمرغ فوقها، ليتحول إلى تمثال من الطين، يسلم بعدها جسده للماء.. خارج مبنى البنك الذي كان صالة سابقة للرقص والشراب أيام الاحتلال الفرنسي تنفس يزدشير بعمق تحت ضوء الشمس، ثم تابع باتجاه السراي الحكومي بقامته الضئيلة، وقد سبقه إلى الرصيف "حمو الأعور" بصندوقه البائس، وحركاته الخرقاء. ترك الساحة الخالية إلاّ من بعض العمال المياومين، ينتظرون عابراً يحتاجهم في بعض الأعمال البسيطة، ومن نوافذ المبنى تطل رؤوس الموظفين الحليقة، يرقبون المارة، وحركة السوق البطيئة، ويتوقعون حدثاً غير عادي يكسر رتابة يومهم، وقد بدا مخزن الحاج سعيد النهري مميزاً بسعته غير المعتادة، وبضائعه المكدسة، وزبائنه من البدو والقرويين، ولا يدري لماذا تذكر أمه، بوجهها الأسمر النحيل، وعينيها الواسعتين، وحزنها الأبدي. دفع يزدشير ظهره إلى سور مقهى السراي، وقد بدأ يغصّ بالزبائن، مزارعين، تجار أغنام، عاطلين عن العمل، سماسرة، وقد انتهى من آخر حذاء أرسله صاحبه مع نادل المقهى، ومن بعيد لاح له يدفع خطوه باتجاه المقهى، بعباءته الجوخ الثمينة، وكوفيته البيضاء وقد تربع فوقها عقال من المرعز الأسود، رجل مبجل غافل، راقبه يزدشير يقترب، ركّز بصره عليه، وفجأة خرج آخر من أحد الدكاكين، خفيفاً وسريعاً، تقدم نحوه وهو يخرج من تحت إبطه دبوساً من الجير والحديد، رفعه عالياً ثم أهوى به على رأس الرجل الذي شلته المفاجأة، فلم يدفع عن نفسه، وكرر العملية، فخرّ الرجل ذو العباءة الجوخ على الأرض، يسبح في دمه وقد تناثر عقاله وكوفيته التي صبغها الدم، وفرّ المعتدي وسط وجوم الناس وذهولهم. وكان أول من استرد وعيه الحارس المناوب أمام السراي، فمدّ يده بآلية إلى جنبه يبحث عن المسدس، ثم اندفع راكضاً، ببزته الرسمية، وبوطه الثقيل، لكن الحارات الضيقة ابتلعت الرجل سريعاً، وغاب في أحشائها، فخرج الناس من المخازن الكبيرة، والدكاكين والمقهى، يسبّون، ويلعنون هذه الحال التي باتت لا تطاق، فكل يوم يتكوّم رجل أو أكثر أمام سراي الحكومة، وأنظار العسكر. وهذا ما دفع أحد المحتشدين إلى القول: ـ ماذا جرى للناس؟! إذا شبع ابن كلب منهم عضّ جاره أو قريبه، وربما ابن أمه. فرد آخر: ـ امتلأت جيوبهم بأموال القطن، فماذا يفعلون؟ إما أن يتزوجوا أن يبتلّوا عباد الله، كل درهم مال يحتاج إلى درهم عقل. ـ الفقر حكمة. ردّ ثالث.. ثم تابع أقواله بعد أن رأى بداية تحرك السلطات الرسمية، لتطويق الحادث وقد امتلأت نفسه بالمرارة: ـ الرجل يموت، ثم تشرّف الحكومة، سلامات يا حكومة. وشعر يزدشير بمعدته تقلب، فقام إلى مراحيض المقهى، أفرغ كل ما في جوفه دفعة واحدة، وقد تحوّل وجهه إلى لون العصفر، بينما حملوا الرجل الجريح إلى عيادة الدكتور عبد الله الرفاعي القريبة. *** من لوازم المهابة في مخزن الحاج سعيد النهري. وجود وابور الكاز "بريموس" أبو طعجة، بنحاسه الأصفر اللامع، ورأسه المدوّرة، وأرجله الحديدية، فعندما يكتمل عقد زبائنه من المتعاملين البدو والفلاليح، يمد يده تحت الحاجز الخشبي وينادي أحد صبيانه: ـ عواد خذ الإبريق واملأه بالماء من المقهى. ويدرج عواد كالحجل بقامته الضئيلة نحو المقهى، وتخمد جمرة الزهو في الوجوه السمر وينتشي الحاج بلذة التفوق، ينعتق من مشاعر قديمة هرّأت قلبه، وكظّت نفسه. ويلتفت إلى الجماعة وهو يخرج الوابور قائلاً: ـ تعرفون يا جماعة، بدون كأس الشاي الملعونة، يظل رأس ابن آدم منا يدور مثل الغراف. ـ والله با حاج الرأس بلا كيف يستأهل القطع. يردّ أحد الحضور من البدو، وهو يمسّد عثنونه، ويمنّي نفسه بكأس الشاي مع لفافة تبغ وسرحة ينسي فيها سنوات المحل والجراد والميرة وموت الحلال والناس وجفوة الدنيا. ـ كلامك ذهب يا حاشي. ـ سلمك الله يا حاج. ويدخل الصبي بالإبريق، هذا الإله الوثني الساحر الصغير، والماء يقطر منه والعيون ترقبه، فيشير الحاج إلى الوابور طالباً منه أن يشعله، ويسرع في تجهيز الشاي، ويزيد من حلاوته: ـ أسرع يا عواد، طول الطريق لابدّ قطّب ريق أعمامك. ـ تعيش يا حاج. وتبدأ طقوس الشاي وكيمياء الماء والعشب الأسود والسكر، يشتعل رأس الوابور تاجاً من زهرة النار الخالية من الدخان، ويستوي الإبريق على عرشه الذهبي، وتتحول الوجوه إلى مساحات من الشمع، والترقب السابل: ـ أتعرف يا حاشي؟ الحال ما عاد يحتمل. ـ خير يا حاج. ـ كل يوم والثاني يتكوّم قدّام السراي جريح أو قتيل على يد أولاد أحياناً، البرية الواسعة كلها، تركوها وما عاد يرضيهم أخذ حقوقهم إلا بيدهم وأين؟! هنا أمام خشم الحكومة كأن الدنيا خالية من الحكومة، وإذا كانت اليوم ساكتة، تكون قد جهزت الخازوق، سقى الله أيام الزعيم يوم كان الحكم يقصّ البسمار. ـ تريد الصحيح؟! الحق معك يا حاج. ـ دنيا بنت حرام. ـ صحيح، دنيا مايلة زهت لبعض الكلاب فامتلأت بطونهم وجيوبهم من أموال القطن، فطاشت عقولهم، منهم من يريد أن يشيخ على الناس، ومنهم من يريد أن تخدمه الناس مثلما كان يخدم أبوه وجده، حتى ما عادوا يفرقون بين الشيخ والتابع، بين بنت الخلق والناس وبنت المنزول العمومي، أو باش عميت عيونهم وقلوبهم فصار الشين مثل الزين وهذا البهات والباطل. ـ لكن أرواح وأعراض العباد ليست لعبة. ـ ربك بالمرصاد آفة الجراد للزرع، والمحل للمواشي، والجوع والمرض والغرور لابن آدم، غداً تنظر بعينك، يخلق الله آفة جديدة مالها دواء، من المنادين بالإصلاح وتوزيع الأراضي على الفلاليح، فيرجع كل واوي إلى جحره، وما يطلع إلى العالي إلاّ العالي، تذكر سنة الجوع؟! لا أظن في ذاكرتك منها شيء، لكني أذكرها أكثر منك لأني كنت شاباً، أكلنا كل ما عندنا حتى الكلاب والفيران والأحذية ـ الله يعز ـ وكان ابن آدم منا يبيع البنت من عياله بطاسة حنطة أو طحين، سنة سوداء، وضنكة، لكنك تذكر سنة الجراد من سنيّات، تذكرها زين، جاء الجراد من الشرق والجنوب والشمال والغرب، غطى السماء، ونبع من شقوق الأرض، حاربته الحكومة والناس والطيارات، وكان يزيد ولا ينقص، أكل الأخضر واليابس، وسطا حتى على عروق السوس والنجيل، جراد، سبحان الله، وضاقت الدنيا، تخبّلت عقول الناس، فطس الحلال والأغنام جافت منها البرية، وشبعت منها الذؤبان، وبعيني هذه كنت أرى الذيب بين القطيع، لا تجفل منه الأغنام، ولا يطرده الراعي، حتى الحواوين زهدت وصار الموت مثل الحياة عندها، وفي البازار كان ابن آدم منا يدلّل على النعجة بليرتين، بليرة، وآخر النهار يبيعها "بباكيت دخان حموي" ويرجع إلى أهله وإذا قابل قاتل أبيه، صدَّ عنه وكأنه لا يراه، الشرّ يطرد الشرّ، والخير يجلب الشرّ، طبيعة ابن آدم، ما بيدنا حيلة. ـ حكي جواهر يا حاشي. ـ سلمك الله يا حاج. وتدور كؤوس الشاي، وتخرج من الأعباب والجيوب علب الدخان المعدنية، تسمع لها طقّات مميزة عند فتحها، وتبدأ الأصابع الخشنة عملها، إنها لحظة الكيف، لحظة مقدّسة عند الجميع. ـ عندك أخبار عن أسعار الصوف والسمن يا حاج؟ كسر حاجز الصمت أحد الغنامة، متسائلاً، فردّ الحاج: ـ ابن الحرام ما ترك لابن الحلال شيئاً، السوق اليوم للقطن ودعم الحكومة كله للمزارعين، أما السمن فقلّ الطلب عليه والسبب السمن النباتي، رخيص وخفيف على المعدة، وموجود في كل وقت. ـ كل هذا من علامات القيامة، الدنيا آخر زمن وإلاّ كيف نفهم هذه "الخربطة"؟ الحيوانات الحصان والجمل والحمار أكلتها السيارات، والغراف أكله الموتور الذي يعمل على المازوت، وينهب هو وأمثاله ربع نهر الفرات في اليوم، والصوف أكله القطن، والسمن العربي أكله السمن النباتي، والغنّام أكله المزارع، والشريف أكله الردي، والجبل أكله الديناميت، والعشاير أكلتها الأحزاب والأصل الكريم أكله المال، والراعي أكله الفلاح، تصدّقون بالله يا جماعة الخير، الراعي صار عندنا مدللاً، أكثر من وِلْدنا، وكلما زعل لملم أغراضه وقال: "بخاطركم، أنا رايح أفلح قطناً". لولا الحاجة الملعونة إليه لوضعت العشرة في ظهره وقتل "جير وجهنم." ـ الدنيا تتطور يا فلان، هذا كل ما في الأمر، وإلاّ من كان يصدق أن يأتي يوم ترفع فيه هذه السماعة وأنت جالس هنا لتحكي مع الشام وحلب مثلما تحكي معنا، أو من كان منا يصدّق أن يأتي يوم يهجر الناس فيه ثياب أبيهم وجدهم، ويلبسون هذا الذي اسمه "البنطرون" والقميص وفوقها يمشون برؤوس حاسرة مثل خواجات الأجانب، والدور على النسوان، أما الأولاد لولا العيب لقالوا "أهلنا أميركان" فما عاد يرضيهم أن نكون نحن أهلهم. ـ هذا خراب يا حاج، خراب وبسّ، وإلاّ عمرك رأيت حماراً أصبح حصاناً، الحمار حمار، والحصان حصان والقادم أعظم. ـ الدنيا مثل دولاب الغراف يا طويل العمر، تطلع مليانة وتنزل فارغة، ونحن مثل الماء، نطلع من ظلام البير إلى ضوء الشمس نركض، ونركض، ونركض وراء السراب ولا نحس إلاّ والقاع شربتنا. تدخل حاشي منهياً الحوار، فاستكان الجميع. رائحة الشاي المختمر، ودخان التبغ، وركود السوق، وهؤلاء العجائز الثاقبون من البدو والغنامة، دمثون، لسنون، يملكون رؤوساً أنضجتها شموس البوادي، ورمال الصحراء والمراعي، ونفوساً عجمتها الأيام والغزوات، وراضتها مطاردة اللصوص والذؤبان وصيد الطرائد، يكمنون أياماً بصبر يقرب صبر الجمل لصيد طير من الحبارى أو عنز من الغزلان، ويشقون عمراً، شقاء مثل الكفر أو دونه لتكبر قطعان المواشي تكثر الجمال، ثم فجأة يأتي المحل أو الجراد أو الثلج أو الغزاة في الليل، فيفقدون كل شيء دفعة واحدة، لكنهم لا يفقدون الأمل، فيعاودن من جديد، وعيونهم مرفوعة إلى السماء وكأنهم يقولون: ـ ليش يا رب؟! ثم يتراجعون بقلوب كسيرة، ويستغفرون: ـ يا أبا الغيم الأزرق، إرادتك ولا رادَّ لإرادتك فلا تؤاخذنا. ومع أول هبة ريح، أو زخة مطر، أو إرزامة رعد ينذرون للأولياء الصالحين من أويس القرني إلى الصبي الأبيض والشيخ عيسى. السيد صندويش. هكذا كان يطلق الناس على أحمد الرفاعي والده، فهو يخرج منذ الصباح الباكر، يدفع باكورته أمامه، ويطلق نحنحاته في جو البيت، وهو لانشغاله في العمل، لا يجد الوقت اللازم لتناول الطعام في بيته ، فكان يلجأ إلى أحد المطاعم التي تقدم وجبات سريعة، وقد شاعت هذه الأمكنة على أيدي بعض القادمين من حلب والمعرّة، وأغلب الأحايين تراه عائداً إلى أعماله أو أحد مشاريعه وصندويشته الشهيرة بيده. ومع هذا كان أحمد الرفاعي يخترع وقتاً يتزوج فيه، حتى ضرب المثل بكثرة زيجاته، وقتاً ينجب فيه كل هذا الجيش من الأولاد، وهو في صفقاته يقظ وحذر، يعاين ويدقق ويساوم ببراعة وعلاقاته تتحول إلى ليرات ذهبية لها لمعان وبريق يهتز لهما ويهشّ. وأحمد الرفاعي عاصر كل التحولات الاقتصادية وشارك فيها فهو أهم متعهدي السفن يوم كان السفن وسيلة العبور الوحيدة بين ضفتي الفرات، وبعد بناء الجسر لم يتأثر كثيراً، فسرعان ما جاء بأول محرك نصبه على النهر، وأقام مشروعه الأول لزراعة القطن، ولم يكتفِ بذلك بل وسّع أعماله فبنى طاحونة حديثة، وقد لعبت هذه الطاحونة دوراً خطيراً في حياة الدكتور عبد الله، فهنالك عرف الناس، وأشكال الحياة بألوانها الحارّة، فمن كل القرى القريبة والبعيدة كان الطحانة يقدمون، يدفعون حميرهم المحملة بأكياس القمح، رجال وشبان، فلاليح وبدو وغنّامة وأحياناً نسوة فتيات، وأبو جورج الميكانيكي والوزان والمشرف العام على المطحنة بثيابه الزرقاء وشعره المغطى بالدقيق، يقف عملاقاً أمام فوهتها المعدنية، وهو على الدوام يصرخ، وينادي بصوت يضيع في هدير الآلة، وأبو جورج العازب إضافة إلى جنونه بالعرق وسماع الموسيقا، يهوى النساء، ويعرف الطريق إلى إقناعهن بسهولة لزيارة غرفته ولا يكره في حياته شيئاً قدر كرهه للغجر، هؤلاء الذين يقدمون في المواسم ويخيمون قريباً من الطاحونة، ثم يطلقون كلابهم وصغارهم، وصياحم الذي لا ينتهي. ـ يا عبد الله. يصيح أبو جورج من أعلى الطاحونة هو يلامس السقف برأسه، ثم يرمي الكيس الفارغ ويتابع: ـ خذ منه الأجرة وسجلها. ووسط زحام الناس وحيواناتهم في الخارج والصخب يضيع عبد الله الصغير، هذه الآلة وهذا الطقس الخرافي، برائحته النفاذة وحضوره يدخل إلى البيت يغتسل ثم يأتيه صوت الجد: ـ يا عبد الله. ويقوم من مكانه فهو يعرف أن أوان الصلاة قد حان، ويتوجه من هناك إلى المسجد القريب وسط رائحة الليل وصفاء خاص يتقد في قلبه وسط تراتيل قرآنية خضراء من نخيل حجازي، ويبدأ الجد في الطريق بصوته الهادئ: ـ يا عبد الله، يا ولدي لا تأخذك الدنيا بعيداً، ولا تكن مجنوناً ببريقها فهو خادع، كن مع الله والناس تكسب أثمن جوهرة في هذا العالم ألا وهي الطمأنينة، يا ولدي لا أعظم من السكون وراحة البال في هذا العالم، أبوك مجنون ولا خير فيه، يكبر مثل هرش القرع، وفي النهاية يذوي دون أن يترك وراءه غير المال، والمال سلاح إبليس إذا لم تكن فيه حصة لله والفقير، يا عبد الله اسمع... ويحس بيده عصفوراً حاراً في يد جده الكبيرة، يلتحم النبضان ويضيع الصوت، يرتجف لصور النار وعذابات الجحيم كسعف النخلة، وتلوح أضواء الجامع، وقد استطالت مئذنته الجديدة جبارة في الفضاء اللامتناهي، ولم يفهم سرّ الضخامة الهائلة في الأبنية الدينية ورموزها إلاّ حين فسرها له أحد المهتمين بتاريخ العمارة الإسلامية حين قال له: أمام ضخامة وروعة التصميم يشعر الإنسان بالضآلة وبحالة من تقديس صاحب الملك والطاعة له ولجبروته." ـ يا عبد الله حين خلق الله الحيوان جعل الأسد ملكاً عليها، وحين خلق الطير جعل الصقر سيداً عليها، أما الإنسان فسيده وملكه الحقيقي هو الله لأنه خلقه على صورته، فاسمع... ولحظة يدخل الجامع يخلع نعليه، ويندس بين صفوف المصلين إلى جانب جده يغرق في نهر الناس، يتلمس ضربات قلوبهم القاسية الخائفة وعيونهم التي تبرق كعيون بنات آوى، وإلى اليوم لم يجد تفسيراً لذلك التصور الذي لا يفارقه بأن الفرات يسكن الجامع، عجوزاً أبيض الشعر، يربي السمك، ويقيم صلواته تحت قمر الجزيرة، وفي يمينه كتاب، لأن لكل نهر كتاباً يدّون فيه أيامه الرملية، ورحلاته الخالدة، ويقيم أبراجاً للعصافير في المئذنة القديمة بين لحم الفخار الأحمر والخشب. ويظل مع جده إلى أن يغادر معظم المصلين، ثم يقوم، يدس يده في يد جده، ويبدأ رحلة العودة، المدينة صغيرة، لم يكتشف كم هي صغيرة!! إلاّ بعد أن سافر لأول مرة إلى حلب والشوارع ضيقة، والناس في بيوتهم، كل شيء بسيط إلى درجة بدائية ومسطح وقليل العمق لكنه عصي الفهم مثل تلك النقوش الشعائرية على كسر الفخار وقطع الحجر التي يحملها النقابون من الخرائب القديمة. ـ إلى فراشك الآن يا عبد الله. ويستمر الحلم في الفراش، تزوره العصافير وكلاب الغجر ورائحة الدقيق الحار، تزوره سارة بنت حسين وهي ترفع ثدييها مثل آلهة طينية تريد أن تسقي "دجن" حليبها، وهي عارية تماماً، ويمتلئ بزهر الرمان الناري وهو يشعل أشجاره تحت ضوء القمر كطائر حبيس. يرى جدته ومرضاها من المصابين بأبي صفار "اليرقان" وقد جلسوا وظهورهم لها، وقد حنو رقابهم بينما تحمل أصابعها النحيلة، شفرة حادّة تقصد بها عروقهم، بينما الدم ينزّ من جراح سطحية في أمكنة خاصة تعرفها الجدّة وحدها لخروج الدم الفاسد، وقد ورثت هذه المهنة عن أسرتها التي اختصت بهذا اللون من الطب الشعبي لعلاج اليرقان، وحين تنتهي تناديه "عبد الله، الزبيب الأسود"، وعند هذه الحدود ينتهي الطقس اليومي الذي بذر في نفسه رغبة أن يكون طبيباً. ـ يا أم عبد الله. ويأتي صوت أبيه من الغرفة، تعقبه نحنحة خاصة، وتقوم الأم إلى غرفة الأب المجاورة التي ينام فيها وحيداً، إلا من زوجته التي يرغب في النوم معها، وقد ظلت هذه الغرفة سرّاً خاصاً لا يدخلها أحد ومفتاح بابها في جيب الأب، ففيها ثروته وعالمه الملون من بسط وسجاد وقهوة ونراجيل نادرة، وعلى الدوام تفوح منها رائحة العطر والتتن والجنس. * * * ولن ينسى ذلك الصباح البارد ألبسته أمه أجمل ثيابه، ثم قاده جده من يده، وقد تدلت إلى جانبه محفظة قماشية خاطتها أمه ووضعت فيها كتاباً صغيراً، كان طوال الطريق صامتاً، كما كان جده منصرفاً إلى أوراده وسبحته، يردّ تحيات العابرين ثم يعاود إلى تهويماته وإلى جانب منزل ملحق بالمسجد توقفا، ثم دخلا إلى فناء المنزل المؤلف من غرفتين وساحة، ومن إحدى الغرف وصل إلى سمعه صوت الأطفال، أطفال يرددون معاً وبصوت منغم عالٍ مقاطع من أحرف وكلمات. ـ هذا الكتّاب. قال الجد بعد صمت طويل ثم تابع: ـ اسمع كلام الشيخ يا عبد الله، وأطعه، ولا تضيع الوقت، افتح أذنيك وقلبك وعيونك وأنفك فكلام الله يا ولدي لا يدخل أذناً صماء ولا قلباً مغلقاً، هل سمعت يا عبد الله. ـ نعم يا جدي سمعت. وعبرا عتبة الغرفة، كان المشهد مفاجئاً، أطفال صغار يجلسون على حصيرة طويلة وعلى دكّة ترتفع قليلاً، جلس كهل بلحية أنيقة خالطها الشيب ما إن رأى الجد حتى وقف واندفع يرحب به بودّ واحترام: ـ أبا أحمد، أهلاً وسهلاً. ـ السلام عليكم يا شيخ حسين. ـ وعليكم السلام يا حاج، خطوة عزيزة ومباركة. قال ثم التفت إلى الصبيان وصاح بهم وهو يهز خيزرانته الطويلة بيده مهدداً كل من يخالف ـ استراحة. وهرع الجميع إلى باحة الدار، وقد غمرت فرحة الطفولة وجوهاً لوحتها شمس الصيف الجاسية، وجلس الرجلان على الدكة، وبدأ حديث يطول بينهما عن الوقت الذي يتغير والناس وقد نسياه تماماً. ومنذ ذلك اليوم بدأت حياته في الكتاب، وقد كتب فيما بعد عن الشيخ حسين الذي أرسل أيام العثمانيين يطلب يد ابنة السلطان عبد الحميد، ولولا أن اتهمه الوالي بالجنون لدفع حياته ثمناً لفعلته غير المعقولة. * * * مع الفجر أفاق. عماء شفيف، وأصوات عصفور تدغدغ قفص الأضلاع، فترد إليه برد العافية فتذكر حكايته مع العصافير، يوم جمع مصروفه اليومي ليرة وراء ليرة حتى حقق حلمه في شراء بندقية صيد متواضعة، حين حملها أحس أنه يملك الكرة الأرضية، فقام بتربص تلك العصافير القادمة إلى شجرة الرمان، وحين أطلق النار، سقط عصفور وحيد، وقد صبغ دمه العشب الأخضر، فخالطه الجزع، لكن ضحكة ساخرة انطلقت من الخلف عرفها فوراً، وجاءه صوت أحمد الرفاعي: ـ عفارم، عصفور بثلاثة ألواح من الزجاج. وفطن لأول مرة إلى ذلك الصوت المدوي الذي رافق سقوط العصفور وحين نظر إلى الشباك المقابل وجد ثلاثة مربعات فارغة من زجاجها وكأنها تسخر منه فانسحب خجلان إلى غرفته. أفاق من نومه وهبط إلى المطبخ، غسل وجهه، وسرح شعره ثم حمل دلة القهوة التي أعدها بنفسه وجلس في الفناء الخلفي وسط رائحة الشجيرات، صبّ لنفسه فنجاناً من القهوة السوداء الحارّة، وقد دخلت رائحتها خياشيمه مخلوطة برائحة الهيل. لكم تفقد الدنيا مباهجها؟! تتحول إلى عجوز متصابية ومنفرة، فها هو الخطاف الذي كان يقدم إلى البلد في مواسمه قد هجرها مع انتشار بيوت الإسمنت التي لم تعد تترك له مكاناً يبني فيه أعشاشها، فالسقوف الخشبية كانت مكانه المفضل ولم يعد في البلد أسقف خشبية، وها هو الفرات بدون الأمطار تحوّل إلى عجوز شاحب تملأ جلده الجزر الخضراء والرمال ويهزأ به الأطفال. هجس مع أول رشفة من فنجانه ولمس فخذه، ما أبشع النهايات غير المعقولة للأشياء والكائنات، ولا يعرف كيف لمعت كنصل من الفولاذ الدمشقي سارة بنت حسين، أووه يا للأيام العجيبة؟! كان طفلاً بعد، وكانت أنثى، كانت جسداً من النار والزبدة والعصب، مهرة لا تستقاد، شموس، تبهر أباه، وتحبها أمه، تأتي إليهم يوم الخميس، تقوده من يده إلى بيتهم المجاور، تعريه من ثيابه وتدخله إلى الحمام، وهناك تفوح رائحة البخار والبيلون والحناء والصابون المعطر، من أين تأتي به؟! لا يعرف كل ما يعرفه أن له رائحة خاصة ثم تتعرى من ثيابها، وتضحك وهي تدخل أصابعها في شعره، وتقف، تمثالاً من المرمر لم يرَ مثله إلا في المتاحف الأوروبية، إنها أفروديت وعشتار ومينرفا، تضغط ثدييها بيديها مثل تلك الدمى الطينية العارية التي اشترى الكثير منها من مهربي الآثار تحية لتلك الأيام، ثم تغمض عينيها وتتلمظ، تلحس شفتيها بلسانها وتتأوه، وحين يذكرها اليوم يرى آلاف الثيران المجنحة والأيائل والأسماك وطيور الحجل والدراج تنفر من تضاريس الجسد، يرى كفلاً يصعد إلى الكتف بريشة فنان بارع، وقد أسدل الشعر ستره على الظهر الفتي كظهر غزالة يزل عنه الخيال البارع، ومن النهدين يرى عبد الله دماً وأقراصاً كورد اللبلاب مدورة وغامقة تفر وتطير، وحين يخالط الماء جسدها يرى حباحب أشبه بالندى في البداية، كانت تخيفه خاصة حين تمتد أصابعها المحناة تحرّشه، فيستجيب لها، حينها تدفن جسده كاملاً بين فخذيها وتنخر، وتمتد أسنانها إلى أذنيه تغرسها بالتبادل، ثم تهصر شفتيه بين شفتيها، وتقول: ـ عبد الله. ولا يرد عليها، فتعاود: ـ عبد الله.. يا عبد الله.. ويل لك من هذا. ويثمل بالرائحة، يدس أنفه تحت الإبط، ويغيب في لحظة غامضة غير قادرة عن التعبير عن نفسها بالقذف القدسي.. ويستسلم لها يترك لأصابعها تعبث بكل شيء، الشعر واللحم، وينتظر الختام حين تقرصه من لحمه بتشفٍٍ ولهفة وغيبوبة. ـ عبد الله.. لن تخبر أمك. ـ لن أخبرها. وتنتهي الطقوس وسط الماء ورغوة الصابون والبخار، وتفتح ساقيها عن ثلم وسط الأعشاب السوداء وتهدأ. ويحمل الدكتور عبد الله فنجان قهوته الباردة، يقف وسط المكان ويناديه الورق والصوت يستعيد الماضي، أي جنون يعنيه الماضي إذا كان الحاضر قد تحول إلى جثة لا حياة فيها غير نبضات قلب تحجر وبات مضخة هرمة، هل يكفي ذلك ليربح الإنسان العالم؟! كيف يتصالح مع الراهن الآتي وهو يقترب من اللهب القادم؟! لقد أصدر في الأعوام الأخيرة كماً كبيراً من الكتب مادته الماضي وذكريات الماضي، هل هو تسليم وانتظار لحسن الختام؟! أم أن العربي يبقى أسير الماضي دائماً، في شبابه يعيش مجد أجداده لا مجده الشخصي، وفي شيخوخته يعيش ماضيه الذي هو ماضي أسلافه، أي جنون هذا؟! لقد مرَّ بأقدامه على معظم أصقاع العالم ولكنه لم يجد نبضاً لأرض تحت قدميه سوى هذه الأرض، ولم يألف نهراً سوى نهر الفرات، من السويد والدانمارك إلى فرنسا وأمريكا وإنكلترا مروراً بهولنده وبلجيكا ومع هذا ظل في داخله البدوي الذي لا يجد الشمس رائعة إلا على جدار منزله، ولا تلذ له غير قهوة أمه في مساء فراتي. وضع فنجان القهوة ثم دخل البيت، توضأ كعادته، ثم توجه إلى المكتبة، تناول سجادة الصلاة، وبدأ في إقامة صلاته اليومية التي لم ينقطع عنها يوماً حيثما كان، وهو لا ينسى ثلاث صلوات واحدة في القدس وأخرى في مكة، والثالثة في مسجد غرناطة يوم زار إسبانيا، صلوات أقامها وكأنها تختصر ألف عام في لحظة واحدة، صلوات كان يمكن أن تصليها خلال عام، لكنها اليوم تحتاج ألف عام. بعد الصلاة غادرته كل تلك الذكريات، كما تغادر الغيوم سماء صاحية وعاد إلى التوازن الرصين والثقة بكل هذه الثوابت فالبلد بلده، والناس هم ناسه الذين يحلمون ويثرثرون ويغنون قلمه بما يفيض فيه على الآخرين من حكايات ومفارقات. ـ أيها الحصان إنك تهرم. قال وكأنه يخاطب أحد أحصنة الرفاعي الأب، أحصنة كانت من سلالات أصيلة على الدوام، حين تشيخ تأنف الطعام، وتزهد في كل شيء وكأن في داخلها مؤشراً غامضاً بأن النهاية قادمة. *** من البيت توجه إلى التكية. اخترق حارات الرواد الأوائل الذين بنوا النواة الأولى للبلد، رأى صغارهم العفاريت وبيوتهم التي لم تلمسها يد التطوير كثيراً، رأى النسوة الطالعات من بوابات البيوت القديمة زاعقات أو حاملات، وقد فاحت روائح عدة لطعام ومياه آسنة، يا للروائح لكم يشمها بكل كيانه؟! لكم يرى فيها الشجر الطالع من سرّة الأرض، ورغوة الصابون الغار، وزنخ الإبط، وعبق الرقبة المغطاة بشعر مغسول بالبيلون والماء. ـ الدكتور عبد الله؟! قال شيخ التكية. ثم أردف: ـ يا ألف مرحبا. ـ أهلاً شيخي. قال وانسل إلى الداخل، رائحة عطر ثقيل، رايات الأجداد القادمين من العراق ودفوفهم وسيوفهم، أجداد لم يكن لديهم غير النعاس والبكاء والأصوات الجميلة. ـ بعد غيبة يا حكيم أليس كذلك؟ ـ بالتأكيد يا سيدي الشيخ. ـ في عينيك خبر يا حكيم، يقول كل شيء ولا يقول شيئاً. ـ طال الوقت يا شيخي. ـ لا يهم فالوقت ليس غولاً على الدوام يخرب خلايا المخ والعقل، ولكن المهم ألاّ يطول الجفاء. ـ ما في القلب في القلب. ـ لا تخش شيئاً إذن. ـ الله يا شيخي، ليس في صيدليتك غير المهدئات. ـ قل يا أيتها النفس المطمئنة ادخلي. ـ أعطني شيئاً آخر. ـ هو العاطي يا حكيم. ـ لا اعتراض ولا خلاف. ـ اللغة ضيقة والمقام جليل. ـ إيه يا شيخي أنت لا تهرم. ـ وهل هرمت أنت؟ ـ ماذا ترى؟! ـ أرى صحة وعافية وشباباً. ـ أما أنا فأرى شيئاً آخر. ـ بعينيك أم بقلبك؟! ـ بالاثنين. ـ هذه بداية الحيرة. ـ ماذا أقول؟ ـ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون. ـ اختلط الماء بالتراب فكان الطين. ـ ذاك شأن العارف أما العلم؟ ـ وماذا يقول العلم؟ ـ ما يقوله العالم. ـ أنا متعب على ما يبدو يا شيخي. ـ لا تسرع فالشاي مع القرفة قادم بعد قليل، أمّا الآن فدور القهوة المرّة والكلام. وقام سبطاً نحيلاً، في عينيه ذهول وشوق دائم للناس والكلام، وفي أصابعه رغبة في ملامسة وتر أو حدّ خنجر أو زهرة أو شعر امرأة مقدّسة، حمل دلة القهوة الفائرة من على الجمر وابتسم، ألف حمامة وعصفور فروا من تلك البسمة، وقال: ـ تفضل. هزّ الدكتور عبد الله الفنجان الواسع بنقوشه البدائية، نباتات وطيور تتداخل مع اللون الذهبي، راقب العين السوداء البراقة ببخارها الأزلي ورأى في برقها رفّاً من الزرازير يصعد. هزّ الفنجان مرّة أخرى ثم قذف الحسوة في فمه وتمطق. ـ الله، الله!! وتناول الشيخ منه الفنجان، صبّ فيه من جديد ثم دق مقدمه الدلة بالفنجان وناوله إياه، شربه سريعاً وعاود: ـ الله!! قهوة لا كالقهوة. ـ هنئياً. ـ ليس كصداقة القهوة المرّة والنار. ـ لا تتكلم كالمجوس. ـ أعوذ بالله. ـ لا تُخدع بالظل. ـ فات أوان الخداع. ـ الشيطان ماكر. ـ يا شيخي. ـ لا تقل شيئاً يا حكيم. ـ السكوت عجز. ـ لا تقل شيئاً. ـ ولمَ يا شيخي؟ ـ بعد القهوة المرة لا بد من الشاي بالقرفة. ـ كما تريد. ـ الإرادة له. وجاء مريد شاب بالشاي في إبريق أزرق وسط صينية بيضاء، اصطفت حوله الأكواب وفاحت منه رائحة الهيل والقرفة. ـ اشرب يا حكيم فموعد الصلاة قريب، وليس كالصلاة دواء لنا من الخوف والقلق والضعف البشري ولا تكن كالمقامر. ومدّ يداً خفيفة إلى الصينية ولا يعرف كيف قفزت إلى ذهنه صورة الشريف القره قلي بثيابه وخواتمه وبسمته الرخوة فسأل: ـ من أين جاءك كل هذا الإرث الملعون؟. *** ـ اليوم جمعة، والجمعة دائماً يوم ثقيل، وبطئ كالسلحفاة. قال سعيد النهري، وهو يخترع شخصاً يخاطبه، ثم رفع كأس الشاي الياقوتي إلى شفتيه الغليظتين، متخذاً سمت المتأمل، وقد هبّت من بخار الشاي رائحة القرفة والزنجبيل، فاتحدّت بخلاياه وأنفاسه، وراقب المكان، الحديقة الصغيرة، وعراتيل الورد، والطاولة الخشبية، وكرسي القش الكبير، الذي أوصى عليه ويسو النجار خصيصاً ليتسع لجثته الضخمة، وإبريق الشاي، والنرجيلة، المتوجة بالجمر والتبغ وسحب الدخان الهاب، التي يجد في صوتها راحة تغنيه عن حكايات الناس البائتة. إنه خلوته، ويوم راحته، ولا يريد لأحد أن يقتحم هذه العزلة، لذا اختار فريدة أصغر زوجاته للمبيت عندها، وفريدة من اصل حلبي، أبوها رجل فقير، هرب من حلب بحثاً عن فرصة للإثراء أو على الأقل عيشة مستورة، تاجر بالصابون وليف الحمام والزعتر، متجولاً على عربة يدفعها في الحارات والأزقة داعياً إلى بضاعته بصوت رجولي عريض: ـ صابون غار يا صابون.. الزعتر الممتاز... يا زعتر. ثم أضاف فيما بعد صنفاً جديداً هو الحناء والبيلون، زوده النهري برأسمال صغير، زاده حين اكتشف فريدة، وجمال فريدة، فلمّا عجز المسلاتي الأب عن الوفاء، خطب إليه البنت، فزوجه مرغماً شرط أن يكون لها بيت خاص، فقبل بكل شروطه دون تردد. ـ حاج هذه البنت روحي، عزيزة وغالية. وهي أمانتك. قال للنهري برجاء... فأجابه: ـ ستكون في الحفظ والصون. ولتأكيد حسن نواياه، وضمان طاعة فريدة، افتتح النهري لصهره الجديد، دكانة صغيرة للعطارة، الرأسمال منه، والربح مناصفة، وذلك في أول "دربة الربابة" وهو زقاق ضيّق، تفوح منه رائحة القصدير والنار ودخان الصدأ، يقصده القرويون لتبييض مواعينهم النحاسية، فيشترون منه حاجاتهم، ومعظمهم من زبائن النهري. ويوم زُفَّت إليه فريدة بنت عمر المسلاتي، تخبّل، ولم يصدق عينيه، كانت رائعة في ثيابها البيضاء، كجنيّة من جنيَّات الفرات، حين يخرجن لصيّادي السمك، في الليل ساحرات، عاريات في ضوء القمر، لإغوائهم واستدراجهم إلى عالم الماء السفلي، والزواج منهم، فلا يراهم أحد بعدها، ويلجأ الصيادون لحماية أنفسهم إلى غرز إبرة الخياطة، أو مسلّة في كوفياتهم، أو ثيابهم لإبطال سحرهن ودفع شرورهن، وليتواصلوا مع بعضهم كانوا يطلقون حناجرهم بأغانٍ حزينة، فيها حنين وشوق من السويحلي الفراتي والنايل والعتابا، فتردّد بنات الجرف: قـلبـي يجرّ بضلوعه * * * جرَّ السفن من عانه ما شفت رخو المخرم * * * تمشي جما الوجعانه ولأنّ فريدة بنت عمر المسلاتي قرأت القرآن عند الكتَّاب، كانت تعرف القاعدة الذهبية في أنّ الرجال قوامون على النساء، وأنّ من حرمت زوجها متعة جسدها، حُرمت الجنّة، وكانت أقرب إلى النار، من هنا، رضيت بقدرها، وجاءت مذهبّة، مزينة، عاطرة، صلّت في البداية ركعتين مع زوجها ثم جاءت بالماء الساخن والصابون وماء الورد، غسلت قدميّ النهري، ثم استأذنت ساعة، والنهري مثل شهريار أبله، مأخوذ بما يجري، يحصي الدقائق وينتظر، وكان شيئاً في روحه لا في جسده يستقيظ الآن، رقيقاً وناعماً كفرو الخروف. وعادت.. كانت امرأة أخرى، ملفوفة بقماش رقيق مكشوف، اسمه "بدلة الرقص" وبدأت تتلوى وتغني، في طقس أشبه بالخشوع الداعي إلى وليمة، أو عشاء وثني، كانت القربان والمذبح، الذابح والنار المقدسة، وظلّ النهري أسبوعاً لا يستقبل أحداً، ولا يذهب إلى دكانه. كانت فريدة تنفذ وصيّة أمها: ـ كوني في النهار خادمة في البيت والمطبخ، وفي الليل ملكة. وفريدة قليلة الكلام، تتحدث بعينيها وجسدها وأصابعها، وإذا كانت قد قصّرت في إنجاب طفل للنهري، فالله موجود، وأولياؤه في كل مكان. رشف النهري حسوة من شايه، والنهري مرتاح، فالموسم يبشر بالخير، والشيخ شملان بن جابر طوى موضوع حواء بنت التعاويذي، وذلك لسبب غامض ومجهول، فلم يعاود ذكره مرة أخرى، وهذا ما أسعده فهو يخاف سطوة التعاويذي حتى الموت. ـ هذا الرجل من أهل الأسرار. هكذا فهم النهري، وعلى خلاف عادته في الذهاب إلى المسجد، توضّا وصلّى في البيت لحرصه على العزلة من هنا استأذنت فريدة لزيارة مقام سيدنا "أويس القرني" أذن لها، لأنه يفهم السبب في الزيارة، وقد مازحته خرما القوّالة التي رافقتها، فقالت له: ـ تعرف يا حاج؟ حين تموت سأقيم لك أكبر معادة عرفتها البلد، بعد معادة الشيخ تركي يوم مقتله. ـ أعوذ بالله من شرّك يا حرمة. قال بانزعاج وتأفف... فتابعت: ـ وسأقول فيك ما لا يحلم ابن سعود. ـ هذا جنون. ـ الموت حق يا حاج. ـ حق.. حق فما علاقتي؟! ـ يا حاج.. بكيت ما يملأ سفينة من الدمع على ناس لا أعرفهم، منهم الشيخ ومنهم المستور، منهم مَنْ مات موت ربّه، ومنهم من مات مقتولاً، حتى صار الموت ابن عمي وصاحبي، يزورني في الليل لنشرب القهوة المُرَّة. ـ الموت لايعرف صاحباً.. وأنت مجنونة. ـ الله يسامحك يا حاج.. وضحكت ثم انطلقت مع فريدة، فنسي النهري كل شيء.. وعاد إلى نرجيلته وشايه الذي بدأ يبرد. *** المقبرة خليَّة نمل نبويِّ. والشواهد ترتفع بأطوال مختلفة، والمسالك متعرجة وضيقة بين الدمن، تركت لمرور العابرين وأكثر الموجودين من الأطفال والنسوة، اللواتي جئن يحملن التمور والسكاكر الرخيصة والدمع والحزن، وقد وقفن أو جلسن للتدخين ـ خاصة القرويات، وغير بعيد في الطرف الجنوبي من المقبرة، ارتفعت قبّة بيضاء من اللبن والجصّ، سوّر حولها مساحة من الأرض في وسطها ثلاث شجرات ضخمة للتوت، وبئر للشرب والنظافة والوضوء، وشجرة رمان وحيدة زرعها "أبو عرب" خادم المقام، وهو يجلس بعمامته الخضراء، وسبحته التي تتدلى من عنقه وعينيه الحولاوين، عين على مدخل المقام، والأخرى على حجر أسود أملس، يدعوه الأهالي "حجر السعد" فإذا نوى أحدهم أمراً، وشاء التأكد من حصول مراده، وضع قطعة من النقد المعدني على الحجر، وانتظر، فإذا ثبتت تأكَّد لديه حصول المراد، وإذا سقطت ـ لا سمح الله ـ التقطها ومضى عابساً، والدور نفسه تقوم به الصبايا، وإلى جانب المقام يقوم قبر مهيب من الحجر الأبيض والمرمر المنحوت، لأحد قوّام المقام السابقين، وكان لصاً مرتشياً وفاسداً أوصى بعد موته أن يدفن في فناء المقام، كونه تزوج من إحدى العائلات الشركسية المرموقة في محاولة للتكفير والاستغفار، ولتسهيل زيارة قبره، ومع مرور الزمن تناسى الزوار مفاسده، ثم نسوا اسمه، لفخامة القبر، فبدأ يشارك صاحب المقام في الأعطيات والنذور، ولم ينسَ الدكتور عبد الله الرفاعي سيرته، فأدخله ضمن حكايات قوّام المقام في ذاكرته، فكان موضع تنذّر بينه وبين الصحافي المرموق منير الريس صاحب القبس الحموي، كلما التقاه في مقهى "الهافانا" الدمشقي. *** الشمس تلقي بنورها، فتغسل المكان. وأبو عرب في مكانه المعهود، يرقب الزائرين ببلاهة، حين دخلت فريدة بنت عمر المسلاتي، ومعها خرما القوّالة. ـ سبحان الله، اجتمع الجمال والموت معاً!! تمتم، ثم عاد إلى شأنه. في الداخل هبت رائحة طيبة، ومعتقة تسكن الطوق والجدران وحجارة الضريح، وتعبق في الظلال المهوّمة في المكان الغارق في الجلال والرهبة وضوء الشموع، حيث تحولت القامات إلى أشباح خفيفة تتحرك بلا ملامح، بينما سجّي القبر بقماش من الأطلس الأخضر، فدارت المرأتان، ترتلان بخشوع آيات من السور القصار. وعند رأس الضريح، توقفت فريدة كسيرة الجناح، والدمع يهطل من عينيها السوداوين الواسعتين، تمسّحت بقليل من زيت البركة من "طاسة" الولي الذي يقسم بها الأهلون، فلا يكذبون، وبهمس خافت بدأت تضرعاتها، وقد ذابت في ألق النور والبهاء، وكي لا تستأثر بوقت الزائرين سواها تحركت. وضعت فريدة ما جادت به نفسها من نقود، في إناء أعد للصدقات والنذور، ولم تنسَ حين عبرت من جانب قبر القائم مقام، أن تضع حصته. وترحل. *** رفع الشيخ جنيد عينيه عن صفحات الكتاب الذي أمامه. وهو يتمتم بالأوراد، وقد انفرط عقد من ياقوت الكلمات في داخله، يستطلع وجه المرأة الصبيح وهي تنحني عليه، بثيابها السود وأقراطها الذهبية، وعيناها نافذتان لعصافير الله، تتدفق بمرح، لتسرق ما انفرط من عقد الياقوت، وابنها المريض بين يديها، يئن ويتوجع: ـ بالشفاء... إن شاء الله. ومست يده يدها، وهو يناولها الحجاب، فارتجف بخشوع، فالشيخ يعبد الجمال، ويرى فيه الحق والخير.. بل ويتبارك بالوجه الصبوح: ـ تعودين بعد أسبوع. وانسحبت بعد أن دسّت قطعة ورقية في راحته، فصاح: ـ حمدان. وأطل رجل أعور، متين البنيان، وقف أمامه وقال: ـ حاضر. وخرج الرجل إلى ساحة التكية، أغلق الباب الخارجي خلف المرأة الزائرة، ثم اتجه إلى غرفة منعزلة ذات باب متين، وشباك حديدي، ومفتاح كبير، ما إن أداره في القفل حتى صرّ الباب بصخب، ثم انفتح عن خليط عجيب من مرضى الصرع والعظام واللقوة وما أشبه ذلك. ـ شواخ .. تعال. جرّ أحدهم ثم أغلق الباب الثقيل باليد الأخرى، كان الرجل مصاباً باللقوة، وقد مال جانباً، وبدت عيناه زائغتان، وقد استكان أمام الشيخ.. الذي أصدر أمره: ـ شدّ وثاقه. نفّذ حمدان الأمر، ولم يعترض المريض، وبدأت الشعائر المعتادة، تناول الشيخ "داسومة" حمراء جديدة من الجلد الطري، مما تشتهر بصناعتها مدينة حلب، وبرشاقة بعد بسملة وقراءة سريعة أهوى بها على جانب الوجه المائل، أعقبها عواء حيواني محض، والشيخ يتابع بلا رحمة إلى أن أغمي على الرجل، فتناول "طاسة" نحاسية مملوءة بالماء، قرأ عليها، ثم بصق فيها ثلاث مرات، وقال: ـ اسقه حالما يصحو.. لا تنسَ. ـ لن أنسى يا شيخي. وقام إلى الفناء بوقار وهدوء.. يبدأ نشيداً، يمدح فيه الجمال بلغة مولاي جلال الدين الرومي. *** -يا درب الشام لا تغبِّر حساويهم. دندن تنباك اللحن بصوته العريض، وكأنه يسترجع ما فات أيام "السفربرلك" حين حمل الأجداد مصاحفهم وبنادقهم وجوعهم ليقاتلوا الكفار دفاعاً عن دين محمد (، ولم يعودوا، حصدتهم ثلوج "المسكوف" والبلقان، وظلّت هذه الأغاني الحزينة ترثيهم دون جدوى. وتنباك رجل لا همّ لـه سوى صيد السمك، ومعاقرة العرق في ظلّ الجروف، وقلما يألف الحانة إلا لماماً، لرؤية الأحباب كما يقول، وأكثر ما كان يثير أعصابه رؤية المخنثين ومربىِّ الحمام وقد تهلّل وجهه وأشرق لرؤية أبي محمد المصري، عامل ومدير الفندق الوحيد في البلد: ـ أهلاً أبا محمد.. الوحدة مع العرق وآدم لا تطاق.. ـ أهلاً حبيب. ـ وجلسا متقابلين، وقد أسرع آدم الأشوري ببطحة العرق والكأس. ـ تفضّل عزيزي. ـ شكراً. وسكب أبو محمد في الكأس، ثم أضاف إليه الماء، ورفعه عالياً، فقلدّه تنباك في ذلك.. وصاح: ـ محبّة. ـ محبّة. ووضعا الكأسين، ولم يكن أمامهما سوى صحن صغير فيه حبّات قليلة من فستق العبيد، فتناول كلٌّ منهما حبَّة لهمها بسرعة. لولا عيونك ما اطلع وأشوف الناس. دندن تنباك، فانفرجت أسارير أبو محمد المصري، فتناول كأساً آخر وقد تورد وجهه المنمش حتى بات كالفخار المحروق.. واندفع: ـ كان كأس العرق يفتل رأسي كالرحى، فأنسى نفسي. ـ واليوم أبا محمد. ـ دمجانة عرق لا تؤثر في هذا الرأس.. يجب أن أسكر.. ـ ولماذا يجب هذه؟! ـ لأنني إذا لم أسكر كيف تريدني أن أنام مع الغولة؟ والغولة هي زوجته، امرأة سمينة غامقة، بملامح غليظة، أقرب إلى الرجولة منها إلى الأنوثة.. ووسط قهقهة أشبه بالبكاء ردّد حكمته المأثورة: ـ نحن زلم ننام مع زلم. ومع الكأس الثالث بدأ العرق، يفرض سطوته ونشوته، والبهلولة تبزغ في الداخل، ومع دخول إسماعيل الفارس وصاحبه الدائم، بدأت الحركة في الحانة، وقد سلّما ثم اتخذا مكانهما المعتاد. ـ أين العرق يا آدم؟ بسرعة. ـ طيّب. وانتصب الكأسان وبطحتا العرق أمامها وبعد الكأس الثاني بدأ إسماعيل حكاياته وآراءه التي لا تدخل العقل.. فقال: ـ مائة سنة... نحتاج مئة سنة يا صاحبي. ـ وما حاجتنا إليها؟! ـ لنصل إلى مستوى بغلة "ثريا باشا". قال ثم سكت.. فسأله صاحبه: ـ ومن ثريا باشا هذا؟! ثم أردف بعد أن تناول جرعة من الكأس: ـ وما شأن بغلته هذه؟! وما علاقتها بنا؟. ـ هذه مشكلتك دائماً.. لم تقرأ التأريخ جيداً. ـ ماذا يقول تاريخك عن بغلة ثريا باشا؟! ـ كان ذلك في العهد العثماني يا صديقي، حين جرّدت الحكومة فرقة عسكرية لتأديب بعض العشائر المتمرّدة في المنطقة، وعلى رأس هذه الحملة كان ثريا باشا، والي حلب، ومعه بغلته المدلّلة التي يفضلها على أصائل الخيل، ولأنها مدللة وعزيزة عليه لم يكن يطعمها إلا السكاكر والفستق الحلبي المقشّر بدل الشعير والعشب، وكنا يومها نموت من الجوع ولا نجد خبز الشعير.. فهل نصل قبل مئة عام إلى مستوى هذه البغلة برأيك؟ أم لك رأي آخر؟! ـ حكاياتك مثل العرق، ليس من السهل بلعها بدون مازة. ورفع كأسه بمحبة... ثم تابع: ـ خبرني هل ربحت في لعبتك الأخيرة؟! ـ ألم أقل هذا الحاج مامو لا يهزم؟! لقد خسر في البداية، لكنه عاد فربح كل ما لدينا، وانصرف بعد أن ترك لنا "خرجية" يوم.. ابن حرام حقيقي هذا الحاج، لكنه يثير الإعجاب والاحترام.. أكثر من باقي الأوباش الآخرين، خاصة صاحب البيت ابن القره قولي. قال.. ثم ساد هدوء ناعم ومثبط للنشاط جو الحانة.. ومن بعيد جاءهم صوت بيرام الرهاوي في جولته اليومية: ـ يا زكيّة... آخ يا زكيّة.. ثم اندفع يخبّ كالحصان باتجاه السراي. *** من أعلى التل الأسود راقب الحاج مامو المكان. مخازن الغلال والحبوب، والجرداق، والنهار الذي يدبّ كشحاذ عجوز وكسيح، وقد انصرف عن لعبة الغربال، فترك فرصة لخادمه الذي أقعى أسفل التلّ، يراقب سيده بعيني كلب صيد، والصمت سيد الوقت العابر. ـ هذا الإسماعيل يفهم في اللعب والنسوان، لكنه يضع قدمه في المكان غير المناسب. هجس وهو يسترجع آخر لعبة مع الأوباش المحبوبين في بيت "الشريف" مع إسماعيل الفارس، ورفقاه، وقد أشفق على خسارتهم.. ـ بالتأكيد لم يخرج الإسماعيل هذا إلا بعد أن اختلى بإحدى بنات صاحب الوكر، الذي يستخدمهن كأشراك لصيد اللاعبين، ابن القرة قلي الدعارة في دمه ورثها عن الأب لكل بناته وأبنائه. والشريف يحتقره الحاج مامو، ويعتبره قمامة، يعتاش من هذه اللعبة، وبعد حساب الرابحين يختفي خوفاً عن ابنه البكر، مؤجلاً بذلك معركة دموية، يكون فيه الخاسر دائماً، ليدفع لهذا الابن بعد أن يشبعه لكماً ورفساً، ما يشتري به رضاه، ونكاية في بعض شيوخ البدو، وشم بناته وشمهم، وسمّاهن بأسماء بناتهم وزوجاتهم، وكان يناديهن بخبث ولؤم للدلالة على احتقار كل هذا التاريخ الذي بنوه بالدم والخوّة والغزو، وكأنه يقول: ـ كلنا أولاد تسعة. ثم ينطلق عن حاجة لا يفصح عنها. هزّ الحاج رأسه، وهو يطرد هواجس كالخفاش تساوره، وثمّة حاجة خرساء إلى رحلة، أو امرأة، أو لقاء أناس خارقين يدعوه إلى الاستعداد، فزهد بكل شيء، فودّ لو يشعل مواقده القديمة، ومواجده التي انطفأت ليرفع رأسه، وينقر بأصابعه، كما تنقر الظباء بأظلافها على كتاب السهوب، وهي تتجه عطشى إلى موارد الماء. ـ عوّاد.. وصعد الخادم التلّ لاهثاً، ثم توقف. ـ بأمرك حاج. قال بربع الصوت.. فأجاب: ـ العباءة والباكورة.. ولا تترك العدّة. وانحدر الخادم مسرعاً.. بينما ابتسم الحاج ابتسامة غامضة قبل أن يستعد للنزول، والشوق يقود خطاه إلى القاع، وخطاه ثابتة. *** قالت كوثر بنت مزهر لجارتها على عجل: ـ نلتقي عند الحفّافة، وتحكين لي عن كل شيء. وقالت سعاد الحامدي: ـ الحمد لله تخلّصت من شعر العنز الذي كان ينفر زوجي منه، والفضل للحفافة. أمّا سارة فأردفت: ـ الحفّافة مثل اليهوديات تشتغل في كل صنعة. خاطبة، وماشطه في الأعراس، وقوَّادة بين العشاق، وعندها كلّ خبر، تعرف كل شبر وكل عيب في نسوان البلد ليس بينها وبين إبليس حاجز، فكل أسراره عندها. وقالت الحفّافة لفريدة بنت عمر المسلاتي: ـ آخر الطب الكي، وآخر حلّ لمشكلتك عندي، إذا نيل المراد. ـ لم أفهم. ـ تأتين إليّ وحيدة بدون بومة الخراب خرما، وتفهمين، اتفقنا. ـ اتفقنا. وانتهى الكلام عند هذا الحدّ. ـ كل الناس لهم شمس واحدة، إلاَّ الأرمني فله شمسان، واحدة يشارك فيها الناس نهاراً، وواحدة له وحده، هي شمس الليل. يذكر ديران هذا العبارة التي طالما ترددت في باله، وهو في هذه اللحظة يشرك الناس شمسهم، فحركة البنك، ووجوه المتعاملين، والموظفين، تشدّه إلى دوامة العمل. ـ تحياتي مسيو ديران. فاجأه الصوت الأخنّ، فنظر إلى الرجل القميء أمامه ذي الطربوش الأحمر، والقنباز المخطط، والمحزم العريض، وقد استدارت لحية بيضاء حول وجه مدور كرغيف خبز، تطلّ منه عينان مثل حبتي عنب حامض. ـ أهلاً سيد مصطفى، متى كان التشريف؟ ـ مسافة الطريق من الكاراج إلى البنك. ـ الحمد لله على السلامة، أرجو أن تكون السفرة مريحة. ـ الله يسلمك، تعوّدنا. بدا لكلامه رائحة خاصة كرائحة الزعتر الحلبي والسمّاق، كما بدا لنظرته المتفحصة الناعمة طراوة الزيت الكردي وتسلله الدبق إلى الجوف، إنه يفهم هؤلاء "الخانجيّة" الماكرين، الذين يختزنون في رؤوسهم الذهبية إرثاً تجارياً عريقاً من الخبرة النادرة والدربة في تحريك رأس المال وتقليبه، فلهم حصص في الأغنام والخراف، وفي الصوف والسمن والجبن، إضافة إلى أجور تسويقها وبيعها، كما أن لهم شراكات في الخيل الأصائل، ومواسم القطن، وها هم يشاركون البنوك في تمويل المشاريع فمعظم المتعاملين يقوم الخانجية بتسديد قروضهم، وإدارة أمورهم المالية وتوريد السلع والبضائع إلى بيوتهم وفلاحيهم. ـ جئت مبكراً هذا العام. ـ مسيو ديران المال مثل العقل إذا توقف عن الحركة توقف عن النفع. ـ هل ستدفع عن الجميع؟ ـ بالطبع. لن أتأخر عن ذلك، تعرف. قال وفك حزامه العريض، وقد دخل المستخدم بالقهوة، ثم انصرف سريعاً إلى خارج الغرفة، وبدأ يكدّس على الطاولة أوراقه الخضراء، وابتسامته الماكرة تملأ وجهه المعافى. *** حين خرج الرجل، رن جس الهاتف. فمدّ يده يتناول السماعة السوداء، لحظات وجاءه صوتها عبر الأسلاك نديّاً مبحوحاً له طعم الدراق الناضج، ونفحة الجوري الدمشقي، فاشتعل بلذعة البهار الفاكه، أنصت إليها بكل كيانه، غرق في الياسمين والألق، وعرائش اللبلاب، وصدمة الذكرى المفاجئة: ـ ديران. ـ من؟! زكاء أهلاً. غير معقول. قال هامساً حتى لا يسمعه الموظفون.. فردّت: ـ ما هو غير المعقول؟ ـ بالتأكيد أنا أحلم. ـ الحلم شرط لاستمرار حياتنا. ـ بدأت الكتب تفسدك. ـ الوحيد القادر على إفسادي هو أنت. ـ زكاء. ونسي حاله، نسي المتعاملين والموظفين، ونظرة المستخدم الدبقة وتفتحت كل مسامة لاستقبال رائحة التفاح وزهر العسل. ـ مشتاق؟! ـ أكثر مما تتصورين. ـ المشتاق يأتي إلى دمشق. ـ تحت نار هادئة يطبخ أفضل حساء في العالم. ـ أنت لا تتغير. ضال مضللّ. ـ رأي خطير. ـ ما سأقوله لك أخطر. وتلوّن صوتها بنبرة جديدة.. وتابعت: ـ كل شيء انتهى لقد انفصلنا بشكل رسمي. ـ أنت مجنونة. ـ وهل ادّعيت أنني عاقلة في يوم من الأيام. ـ والبنت؟! ـ تركت له كل شيء ـ أنت أكبر مجنونة في العالم ـ وأنت أكبر فاسد. ـ زكاء. اسمعي. ـ اسمع أنت. انتظرني. سأكون عندك قريباً. ـ ولكن.. هذا لا يعقل فالبلد.. وانقطع الاتصال، فبدأ المكان يدور، والأشياء تختلط، فأرخى عقدة ربطه عنقه. وظل ينظر ببلاهة في الباب المغلق، لولا أن انتشله من ذهوله صوت الشيخ شملان بن جابر، فهبّ واقفاً مرحباً، وقد سبقه الشيخ في إعلان غرضه من الزيارة: ـ جئت مسلّماً.. فأنا في طريقي إلى الشام. ـ تسلية أم عمل؟! ـ الاثنان معاً. وابتسم الرجلان بمودّة واحترام نادرين. مثل فهد أسود متربّص بطريدته. جلس العبد ذباح الحارس الشخصي، والسائق، وراء مقود السيارة الفورد، ينتظر خروج سيده من بنك سورية ولبنان، وعيناه ترقبان من المكان خان الشيوخ القريب، الذي كان مقراً لشركة السوس الإنكليزية، ومأوى لبعض المنفيين السياسيين من معتقلي الرأي، وقد استأجره تاجر حلبي وإخوته، لتخزين بضائعهم من الصوف والسمن العربي والجبن أو القطن، وقد يقيمون فيه أحياناً حلقات للذكر، ومن هنا جاءت تسمية "الشيوخ"، وغير بعيد عنه، مطعم جورج منكلو، مطعم صغير ونظيف، يقصده وجوه القوم وكبار الموظفين عادة لتناول كأس من الشراب، وتذوق لحومات جورج اللذيذة من بسطرمة وسجق وشرحات العجل، أو الخنزير التي يحتفظ بها لزبائنه المفضلين أمثال رافي صباغ ومسيو ديران ميناسيان، وحاج مامو الذي يقول له حين يطلبها: ـ هات لي من الذي حلّلها دينكم، فالعرق بدونها لا لذة له. وجورج منكلو يفخر دائماً بصداقة قوّام المقام المتعاقبين، وكان المستشار الفرنسي الأخير لا يستغني عن أطعمته "وما زواته"، وقد عرض عليه الهجرة إلى باريس وافتتاح مطعم هناك، لكنه رفض وقال بإصرار: ـ الرميلة تكفيني. وإذا كان للشيوخ الفضل في نشر الطريقة الصوفية فإن لجورج الفضل في شيوع ظاهرة الشراب، ويبدو أن العلاقة بين الحانة والتكية قديمة، وإلا لما تلازمتا في الولادة، وقد صدرتهما معاً إلى البلد مدينة حلب. ـ ذباح. ـ عونك.. يا عمي.. انتبه العبد على صوت الشيخ، فتهيأ للانطلاق إلى الشام فهو يعرف عادات شيخه ورغباته، وطلباته الخاصة، ومزاجه الدموي الذي لا يرحم، ما أن استقر في المقعد الخلفي من السيارة.. حتى أعطى أوامره. ـ اتّكل على ربك يا ذباح.. ودرجت السيارة على الطريق، والعيون تنظر إليها برهبة وإعجاب، بينما أرخى الشيخ رأسه على المقعد الخلفي بارتياح، وهو صامت، لا يجد رغبة في شيء، وما أن عبرت السيارة الجسر، حتى أطلق لها السائق العنان باتجاه حلب ومنها إلى دمشق. *** لبس الحاج مامو أفخر ثيابه. وتعطّر بعطر ثقيل لا يتعطر به عادة، إلا حين يذهب إلى تكية الشيخ جنيد، ليخفي رائحة المشروب، أو للقاء غرامي، فمامو يحب الخضرة والماء والوجه الحسن، والتلّ الأسود الذي ظلّ شاهداً على حرائق الغزاة، ورماد مرورهم، فالخرز المدفون والفخار وعظام الخلق، كل ذلك يذكره بأيلولة المصير، وفي لحظة سكر خبيثة وحقيرة وبنت كلب توضأ الحاج بالرماد، ولم يكُ الماء مفقوداً، كل ما في الأمر تكاسَلَ، والخادم غائب في شأن من شؤون الحاج، فأقام الصلاة على القمّة بين النرجيلة والكأس الفارغ، وقد ارتفعت السماء، وخيمت عباءة تحضن الكرسي وسواه. ـ عوّاد. أطلق صيحته، فجاء الخادم يسعى. ـ بأمرك.. آغا.. ولقب آغا.. ويعني الكبير ـ يعرف عواد متى يستعمله؟ فهو يفهم جنون سيّده بالألقاب وتحوّلاتها، كما يفهم حبّه وحاجته للمديح والطاعة. ـ كل هذه البلادة صنعها خبز الشعير وقشور البطيخ. انتبه.. ثم تابع: ـ متى تفهم؟! ـ أنا لا أفهم آغا.. لا أفهم. ـ أعرف.. أعرف.. والله أعرف. ـ مطلوب مني شيء. ـ لا. لا. وهذا أول تمرين للآغا مامو في تعامله مع الفلاحين الذين احتار في طريقة السيطرة عليهم، لكي لا يسرقوه أكثر من مرة، كما يسرقه بالتواطؤ معهم أولاده وأحفاده الكثيرون، ليس كرهاً وإنما استجابة إلى نزعة غامضة. *** جلس رافي صباغ على كرسيه في مكتبة المفروش بفخامة وذوق. اشتهر بهما والده، كما اشتهر بطربوشه العثماني الأحمر، وثيابه الفاخرة، وقد خاطها له أشهر الخياطين في حلب، مدّد رجليه، حين دخل عليه عامل المحطة، بنرجيلته المفضلة، وصينية القهوة، فطقوسه اليومية في محطة المحروقات يعرفها عمّاله الثلاثة، فهو يحب الدقة في العمل، وعدم هدر الوقت في الثرثرة أو التجول في الساحة، فالزبائن أغلبهم من المزارعين، وهم دائماً على عجل، لذا تراه يكثر من استبدال العمّال حتى استقر على عمّاله الحاليين، لا لأنهم الأفضل، ولكنهم أهون الشرين فقط، ورغم أنه لا يرتاح إلى حركات المدعو حسن إلاّ أنه تركه، فصلة القربى تربط بين اثنين منهم والثالث صديق لهما. ـ مرّ الحاج مامو، ملأ خزان سيارته ومضى إلى زيارة مشروعه. قال حسن وهو يراقب ملامح سيده، ويسكب له القهوة، ثم تابع: ـ طلب أن نبلّغك سلامه. خواجه. ـ ... ـ ومرّ ذبّاح عبد الشيخ شملان، وقال إن الشيخ مسافر إلى الشام. ـ ... وحين وجد حسن، أن الخواجة غير راغب في الحديث، انصرف، وقد درج العمال والفلاحون على إطلاق لقب "خواجه" على المزارع المسيحي، وآغا على المزارع المسلم، أما الشيخ فتطلق على وجوه البدو غالباً، وبعض الأقوياء من الريف ممن تقف وراءهم عشائر كبيرة وقوية من الغنّامة. رشف راقي قليلاً من فنجانه، وهو ينفث دخان النرجيلة النظيف، ويتطلع إلى الخلاء الذي يحيط به، لأن المحطة مبنية بعيداً عن البلد، ليسهل اتصالها بالقرى القريبة. ـ حسن.. يا حسن. وجاءه العامل مسرعاً.. فابتدره: ـ نارة.. ـ حاضر خواجة. وكانت سيارة رافي صباغ الوحيدة في المحطة. *** لم يكترث الشيخ شملان بن جابر بشيء. تابع بعينيه القاسيتين منظر الجبل الذي عن يساره، ثم انصرف إلى مراقبة السهول عن يمينه، فحقول القطن الخضراء التي تروى من النهر، كانت شيئاً جديداً على الأهالي، حملت معها الثروة والأحلام، وجاءت بمزارعين وخواجات من كل مكان، والشيخ شملان لا زال يذكر الإنكليزي شارل في "مريبط"، كان رجلاً أحمر ونزقاً. يثير الحيرة والانتباه والخوف بجثته الضخمة، وكلبه الأسود، وحبه للأسلحة والصيد، والجولات الليلية في طرقات القرية النائمة بحثاً عن مجهول. جاء من حلب صحبة تاجر من أصل تركي يدعو عمر أقجة. قدّمه إلى شيخ العشيرة على أنه نبيل إنكليزي ثري، يريد استثمار أمواله في مشاريع زراعية تفيد الطرفين. كان يتكلم العربية بطلاقة، ويدخن الغليون، فسأله الشيخ منادي الأحمد بفضول ومكر: ـ هل يريد السيد العمل في تجارة السوس مثل غيره من الإنكليز في الشركة؟ ـ ولماذا السوس؟! ـ لقد احتكرت هذه التجارة شركة السوس الإنكليزية منذ زمن طويل، وقد تآمروا على الألماني باوم المسكين فأفلسوه .. ناس أقوياء وملاعين. ـ لا.. لا. تفكيري مختلف تماماً. قال بثقة وهو ينفث دخان غليونه. وينظر بتأمل. ثم تابع: ـ سأزرع القطن. ـ القطن؟! تساءل منادي الأحمد.. فأجابه شارل: ـ نعم القطن، فهو ثروة المستقبل، أمّا السوس فلم يعد السلعة المهمة، وهناك أشياء أخرى. ولم يضيع الرجل وقته، ركب سيارته مع الشيخ وصديقه الحلبي، وجال في أراضي القرية يسأل، ويستفهم، ثم وقف عند المعبر الذي يربط ضفتي الفرات، وسأل عن المتعهد الذي يقوم بالإشراف على عبور الناس والسيارات، فوق طوفه الخشبي الذي يطلق عليه الأهلون "البرك". ـ سافر إلى حلب. هناك بعض العمال على البرك. فهز رأسه هزّة غامضة، وقد بهره النهر، فأحس بأنه الوحيد الذي يستحق الاحترام، وكان ثمة ملاحظة احتفظ بها لنفسه، ولم يسأل عن السبب، فقد كانت القرية البائسة، خالية من مسجد لصلاة الناس، عكس المدن التي مرّ في حلب ودمشق والقاهرة أو بغداد، حيث تملأ سمواتها المآذن والقباب وأصوات الأذان. وفي طريق العودة، كان الإنكليزي صامتاً، يغرق وسط دخان التبغ المتصاعد من غليونه، وأصابعه بعد تتحرك بقلق. ـ ما رأيك؟! سأل صاحبه الحلبي، فأجاب: ـ الأرض جيدة، والماء قريب. ـ والمعبر مفيد. ـ إلى حدٍ ما. وتابع الإنكليزي التدخين، منصرفاً عمّا حوله، وثمّة عجاجة صغيرة من الغبار، هبت وراء السيارة، وفي داخله تتفتح رغبات حارّة، وأمان طالما عمل على تحقيقها، وقد اعتبرها أمراً شخصياً يخصّه وحده، وكي يذيب الثلوج، أطلق تنهيدة، أعقبها بسحابة من دخان غليونه.. وتمتم وكأنه لا يعني أحداً: ـ هذه أرض الصمت الخالد، فلا عجب أن تلد آلاف الشعراء والأنبياء. ولم يفهم صاحبه الحلبي العبارة، وهو الذي خبر هؤلاء الأجانب أباً عن جدّ، فكل ما يهمه كتاب التوصية الذي يحمل من صديق في بيروت، ثم الربح، فليراتهم الذهبية كثيرة، ومشاريعهم مجنونة وجريئة، لا يحبون الثرثرة، باطنيون ومحنكون، لولا الشراب والقمار لما استطعت الوصول إلى دواخلهم الضبابية ضباب بلادهم. وعند فندق بارون نزل شارل، وهو يودّع صاحبه قائلاً: ـ اليوم راحة، نلتقي غداً. وعبر إلى الداخل بقامته المنتصبة، وأناقته الأوربية اللافتة للنظر، تناول مفتاح الغرفة، ثم صعد الدرج، وهناك في الداخل أغلق الباب بإحكام وحرص، وبعد حمّام دافئ استلقى على فراشه، مستسلماً لاسترخاء ناعم ولذيذ، لم يعرفه منذ زمن بعيد، وكان بوده لو يذهب إلى حمّام السوق، ليمارس طقوساً جرّبها في القاهرة وبغداد والشام، حيث المقاصير الخاصة والبخار المتصاعد، والبلاط الدافئ، عالم من رغوة الصابون وأصابع المدلّك والأجران الحجرية والشاي المعتق والنراجيل في الاستراحة. ـ يا لها دنيا من البلاهة والحكمة!! تمتم.. ولأن حلب مدينة السهر والملاهي الليلية لم يجد بأساً في قضاء سهرة صغيرة، تعوّضه عن التعب والعناء، فانزوى في ملهى، يتمتع بالشراب ومراقبة الوجوه، وقد انغمس سريعاً في المشهد، الغناء والرقص الشرقي، وانفعال الناس غير المعقول في الجوّ، فتذكر ما حدّثه به صاحبه الحلبي عمر عن حكاية حلب مع الغناء والطرب، فقال: ـ حين اعتلى أحد سلاطين بني عثمان العرش ـ ولا أذكر اسمه ـ كان ورعاً، تقياً، سمع عن الفسق والفجور وتسلط الجواري والغلمان على عقول الناس خاصة في حلب، فأصدر أمراً إلى الوالي بإغلاق أماكن اللهو، ودور تعليم الرقص والموسيقا والغناء للجواري والغلمان، فاجتمع لديه خلق كثير من أصحاب الصنعة، احتار ما يصنع بهم، حتى قيل إن رجاله أحضروا من بيت التاجر اليهودي عزرا حدّاد أربعة آلاف جارية وغلام، أتمّوا تعليمهم، وتخرّجوا عالمين حاذقين بالصنعة، وكان أمر السلطان له كلمة واحدة: تصرف، لذا جمع وجوه الانكشارية ومفتي البلد، وأصحاب الطرق الصوفية، وكبار التجار، وبعد المداولة قرروا توزيعهم على بيوت المدينة، علهم يصلحون، فتحولت حلب إلى كباريه كبير لا تنام حتى الصباح، وكانت أجمل أصوات الغلمان من حصّة الزوايا الصوفية، فشاع السماع والغناء، فاختلط الصلاح منذ ذلك اليوم بالفساد. وآخر الليل عاد شارل إلى فندقه منتشياً سعيداً. *** وبعد ترتيب أموره المالية. انطلق شارل ماكلين من حلب برفقة صديقه عمر أقجة، وقد اصطحب معه عمالاً ماهرين في البناء، فبنوا له دارة لطيفة قريبة من النهر، تطلّ على القرية، ثم اشترى قطعة من الأرض بنى عليها الطاحون، وما بقي منها زرعه بالقطن، بعد أن نصب محرّكاً حديثاً يعمل على المحروقات، لإرواء الأرض، حين دار هزّ القرية النائمة. وعاماً عبد عام كان الإنكليزي يشتري أو يصادر أراضي جديدة يضيفها إلى ملكياته، ولم يكن يشبع، يقرض المُلاّك الصغار بسخاء مقابل رهن سندات التمليك لديه، وهو يدرك أنهم غير قادرين على الوفاء، فدودة القطن كفيلة بذلك، وكانت نساء القرية رهن إشارة الست زوجته، وقد مهّد لها طريقاً سمّاه الأهالي "درب الست" لا يسير عليه أحد غيرها. وكان إذا سكر تحوّل إلى عربيد، وقد نقل الشراب والقمار إلى القرية، ولم يصمد في وجهه سوى الشيخ شملان بن جابر، فقد لعبا معاً ذات يوم عند القره قولي، فلما حاول السخرية والتطاول على الشيخ، كان خنجر ذبّاح على عنقه، فتحوّل وجهه الأحمر إلى صفرة شاحبة، ولم يجرؤ على النطق، وبإشارة من الشيخ، أطلقه ذبّاح، فظلّ صامتاً طوال اللعب ومنذ ذلك اليوم توطدت أواصر الصداقة بين الاثنين حتى قتل الإنكليزي على يد أنيس سلطان رئيس مخفر مريبط في نزال ما زال الناس يذكرونه إلى يومنا، فتخلص الأهالي من شروره. ـ شارل ماكلين.. أكنت أفاقاً صعلوكاً أم فارساً نبيلاً؟! ردّد الشيخ شملان والسيارة تدخل حلب، ففكر بزيارة بيت غنيمة أصدقاء الوالد أولاً ثم متابعة الطريق. *** ـ لماذا أنت مثلوم كسكين استغنى عنه اللحام؟! سأل سعيد النهري نفسه، وهو يغلق مخزنه آخر النهار، ويتجه في طريقه إلى البيت، وقد شوّلت الشمس للغروب، وخرجت الخفافيش من أوكارها، خفافيش مرحة لعينة ملأت وجه السماء الكابي، ومن بعيد لاح له مطعم حسين الرميلاوي، وقد وضع مذياعه الضخم على طاولة، وإلى جانبه أقراص اللحم بعجين الحارّة، المغطاة في صينية نحاسية كبيرة على طاولة أخرى، حيث اللبن الرائب المثلج والبصل الأخضر والفليفلة. كان حسين الرميلاوي يجلس متربعاً على كرسي ضخم من القش والخشب، يدخن نرجيلته، ويستمع كعادته إلى إذاعة تركيا، فالإذاعات العربية لا تعنيه، ومشاكل العرب تخصّ العرب وحدهم، وهو التركي أباً عن جد، وبين لحظة وأخرى، يتناول خلسة كاس العرق من تحت الطاولة، ثم يعيدها بعد أن يرشف منها رشفة خفيفة، ويعود إلى التأمل، فالعامل عنده موكّل بتلبية حاجات الزبائن واستلام الحساب منهم. وعند نهاية السوق، هجم عليه "أبو علي" بائع أقراص المشبّك الجوّال، انحنى على يده، يريد تقبيلها، فنهره: ـ استغفر الله يا رجل، ماذا جرى لك؟ ـ يا حاج.. دخيلك.. امرأتي. ـ ماذا جرى لامرأتك؟! ـ أخذوها.. أخذها مني أولاد الكلب. ـ ومن أخذها؟ ـ بيت أهلها. ـ الصبر.. الصبر يا مؤمن.. ـ ومن أين لي الصبر يا عمي؟! ولذّ له سماع كلمة "عمي" التي لا ينادي بها إلا وجهاء العشائر، فانتفخ كالديك العشاري، وقال: ـ ليس للمرأة المتزوجة إلا بيتها وزوجها. ـ يا عمّي حماتي قويّة وبنت حرام. تريد طلاقها مني، وأنت رجل تعرف الله. ـ ورجل البيت؟! أبوها ما رأيه. ـ أبوها يا عمي رجل مسكين على باب الله، كلمة تأخذه وكلمة ترجعه. ـ سأسعى جهدي يا ابني.. ـ يا عمي صارت روحي الآن بين يديك، أنا بلا فطوم أفطس مثل الإكديش، وفطوم حلوة وصغيرة، مثل البيضة المقشّرة ومغطسة بالعسل، والحلاوة تجيب الذبّان، وحماتي معبودها القرش. ـ راجعني بعد أسبوع. ـ أسبوع يا عمي.. أسبوع؟ ـ قلنا الصبر طيّب. ـ أمري إلى الله. ومضى يحجل منفوخاً، تفوح منه رائحة الزيت والدبق، ولا يدري لماذا تذكر الإكديش؟! فهزّ رأسه ضاحكاً وقال: ـ فعلاً إكديش.. ولكن ماذا عن فطوم؟! وتذكر حديثه عن البيض المقشّر والعسل، ثم مضى في طريقه صاعداً إلى زوجته الديرية وقد استعد للنقار والمشاكسة. ـ والله أصبحت "عارفة" يقصدك ذوو الحاجات في البلد يا نهري. قال صوت نائم في داخله، فشجاه وأفسد عليه لحظة المتعة الخاصة هذه التي لا تعدلها كل متع الدنيا من مال وجنس وبنين، فأسرع في سيره وكأنه مطارد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |