سودوم سباق الإوزّ البرّي ـــ إبراهيم الخليل

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكتاب الرابع نجمة في الغبار

لِمَ تلح عليه صورة الرفاعي الجد؟‏

لا يعرف الدكتور عبد الله سبباً لذلك، فها هو اليوم، في هذه اللحظة يراه تحت ضوء القمر، يحمل قرآنه الكريم، ونوره ولحيته ذلك النور الذي لا يخبو لأنه نور العترة من آل البيت أولاد فاطمة الزهراء، وهو يسير على الماء كأحد آلهة بين النهرين، يجمع بين البرق والرمل، بين الماء واللحم والدم، ووجهه المستدير كقرص من الجبن الطازج قد تشرّب بألوان شقائق النعمان فتفجر بالعافية.‏

ـ يا عبد الله.‏

صوته العميق الأجشّ، يصل سمعه مغسولاً بالماء والنعناع ونرجس البراري المتوحشة.‏

ـ يا عبد الله.‏

صوت رجل من صلصال، رجل من لغة وإيمان، رجل عاش عابداً مترنماً بالبُردَة، وكل ما نهج نهجها، ها هو يلمّ الأصداف والكلمات والشبابيط ويرفع يداً ليست علماً وليست من دم أو دعاء يرمم ما تصدّع من روح الناس في بلد شارك في صنعه وخلقه، الرفاعي الكبير الذي ما زال الناس يقسمون بتربته ويتبركون به في الأعياد والجمع:‏

ـ ماذا تريد يا جدي؟‏

ورآه يقوده من يده طفلاً، إلى المدرسة الرسمية، بعد أن ختم القرآن وتوقف علم الشيخ العاشق، عاشق بنت السلطان، والعشق لغة ليست طارئة على الأسرة، فالرفاعي الأب عرفها في المشاريع الواقعية من التعهد للسفن إلى مشاريع الزراعة، إلى النسوة المبجلات، إلى الاستقلال في الاقتصاد، قاده بثياب وعمامة بيضاء من القماش الفاخر إلى الأفندي المعلم، ووقف أمامه خاشعاً وذليلاً، وللمرة الثانية يرى جده الأنوف ذليلاً، الأولى في الصلاة، والثانية هذه، ثم خاطبه باضطراب وتلعثم بصيغة الجمع:‏

ـ يا أستاذنا الكريم، اللحم لكم، والعظم لنا، همنا أن يكون شيئاً على أيديكم غداً.‏

وهزّ الأفندي رأسه بفخار، وزها قائلاً:‏

ـ استغفر الله يا شيخي.‏

ـ أنا أعطيك فلذة كبدي.‏

ـ في الحفظ والصون.‏

ـ أشكركم.‏

ومضى خفيفاً كأنما يطأ رملاً صابراً، كانا رجلاً لرجل، يعرفان أقدار بعضهما، كما يعرف الفرات قدر الصياد العارف، وكما يعرف الشيح والعرعر قدر المطر وبشارة البرق، وكما يعرف التراب قدر أصابع الأمواه.‏

ـ ما اسمك؟‏

سأله الأفندي المعلم، فردّ:‏

ـ عبد الله.‏

ـ أنعم وأكرم.‏

قالها بطريقة ساحرة ودودة قربته منه، وألغت حواجز كثيرة،‏

ثم أمره بالجلوس في مكان حدده إلى جانب تلميذ من سنه، تبدو عليه النظافة والصحة، وهذا امتياز لم يقدّر قيمته إلاَّ فيما بعد، حين رأى تلك المخلوقات الصغيرة تخرج من مكامنها في الرؤوس وتدبّ على الرقاب، إنه القمل، يأتي مع كثر ممن ألفوه، وعاشروه في بيوتهم وفي ثيابهم، كصديق لا بدّ منه.‏

ـ والآن، اسمعوني..‏

وأشار بيد رشيقة إلى مساحة سوداء مغطاة برسوم وحروف ملونة، ولم يكن يحمل عصا، أو يهدد بفلقة، ووجهه الحليق يشرق بفرح، وبدأ يتكلم، ومع كل كلمة يرسم بيتاً أو نهراً، وطوال الدرس لم يبصق، أو يمد يده إلى صرّة قماشية كشيخ الكتّاب يخرج منها تبغاً وورقاً ثم يبدأ في التدخين وهو يتكئ على الدكّة بثيابه ولحيته المهيبة وحذائه الذي يقعي إلى جانب قدمين حافيتين شققهما ماء الوضوء البارد في أيام الشتاء. تداخل ساحر سرى إلى الأعماق فتح نوافذ صغيرة على مطر ورمل وحصى وبروق وأعصاب، فأنس مع مرور الأيام إلى هذا العالم، وبدت الحياة في ثياب جديدة، يعرف كيف يلونها أستاذه الشاب، واتسعت الهوّة بينه وبين عوالم أبيه، مع اكتشافه الأول لسحر تلك الأناشيد الشعرية، التي ظلَّ يرددها ويترنم بها حتى خارج الدوام، فلم تعد الطاحونة تغريه، ولا سفن العبور، هجر حياة العجاج والصخب، لاذ في ظل الكلام، أغرته حكايات الأستاذ، وفك سرّ الأحرف، ثم الجمل ومعانيها، وحين قرأ في القرآن اكتشف فيه شيئاً لم يكن يدركه من قبل، شيئاً من عظمة وإجلال، فامتلأ بالإنساني بعد اللاهوتي.‏

ـ عبد الله.‏

ـ نعم يا جدي.‏

ـ هل أعجبتك المدرسة؟‏

ـ كثيراً يا جدي.‏

ـ إذن لا خوف عليك.‏

ـ والصلاة؟!‏

ـ في مواعيدها.‏

ـ بارك الله فيك.‏

ولم يفهم سرّ هذا الحوار إلاّ بعد زمن طويل، فالرفاعي الكبير، رجل التحديات الفذّ، يظل عقلاً صافياً مثل ماء النبع، ومفتوحاً على احتمالات الغد، بدأ حياته لاهياً وراء بيوض القطا وأوكار الحمام البري والثعالب، وجحور اليرابيع الفتية والقنافذ، وهو أصغر عشرة أخوة من أمهات عدّة، فتعدد الزوجات أمر معتاد في الأسرة، كان هو الاستثناء فيه، ويوم شبّ تعلق بالقمار، قمار بدائي يعتمد على تلك القطع العظمية المأخوذة من الذبائح الحيوانية يسمونها "الكعاب"، ولمهارته في اللعب، كان يحمل دائماً مجموعة من الكعاب في كيس قماشية، حتى غلب عليه لقب لازمه زمناً "أبو كعب"، وحارت فيه الأسرة، فالعادة عندهم التعلّق بالنسوان والخيل، أما القمار فشيء جديد ما عرفوه:‏

ـ السرّ عند الأخوال.‏

قال أحد الأخوة، فردّ آخر:‏

ـ لم نسمع عن أخواله شيئاً من ذلك.‏

ـ وما يدرينا فأمه غريبة؟!‏

وسكت الجميع فانبرى أكثرهم حكمة:‏

ـ دعونا من الأعمام والأخوال وفكروا في الحل.‏

ـ الحل؟!‏

قال الأخ الأكبر، ثم ضحك ساخراً وتابع:‏

ـ الحل عند أمونة، تربية النسوان لا ينفع فيها طب ولا خبّ.‏

وأمونه كانت أم الرفاعي الكبير، ربته بعد موت أبيه وكانت صغرى نسائه، وأكثرهن حظوة لديه، وقد وصل إلى سمعها المرهف ما دار من حوار وكان أكثر ما حزَّ في نفسها قول ابن زوجها وهو ينفض عباءته الثمينة ويخرج:‏

ـ الذئب إذا ربّته كلبة يطلع كلباً.‏

وفي الليل أخبرته الحديث الذي دار، وللمرة الأولى يشعر الرفاعي بأنه يغطس في ماء ثلجي، يغطس ويغطس وتكاد أذناه تنفجران، ومهما حاول أن يلمس برؤوس أصابعه العارية أرضاً لا يجد غير وحل وماء.‏

ـ هكذا إذن.‏

جملة يتيمة أطلقها، ثم دخل غرفته ولم يخرج منها إلاّ بعد أسبوع.‏

سبعة أيام مرّت، سبعة أحصنة حمر وسود وخضر وبيض ودهم وزرق وصفر مرّت تحت سماء وعصافير، وفتحت الدنيا صدرها من عجاج وهجير وعواصف فرأى في النهاية كما يرى النائم خنجراً يمنياً من الفضة يرتفع وبيد ترفع ثوبه عن عضوه النائم، تمطه ثم تزلف تلك الزيادة اللحمية، وصاح كالطعين "آ...آخ" ثم تلمس ثوبه، فغرفت أصابعه بدم وملح حار، إنه الطهور النبوي صاحت أمه، ثم خرج إلى الناس، أولم وأعلن توبته. ثم انطلق من الجزيرة الفراتية على قدميه يقصد الحجاز للحج إلى بيت الله الحرام.‏

ـ يا سبحان الله، من الكعاب إلى الكعبة.‏

قال الأخوة، ومضى، عاشر الوحدة والبراري، وهام ودليله قلبه إلى مكة، وفي كل مكان كان الله والقرآن معه، والشوق يحدوه، شوق لم يعرفه من قبل، فيه ثقة وهدوء ودأب، ومع الوحدة عرف الله، تجلى لـه في كل شيء، التلال والسهوب والحصى والطير، ولحظة يفيء إلى ظل شجرة ويقضم رغيفه اليابس مع حسوة من الماء يدرك معنى هذا الكائن العظيم الذي اسمه الإنسان حين يهتدي إلى الحقيقية، فالكون ينطوي مثل كرة في داخله، كل الكون والمحيطات والسموات تبدو ضيقة أمام عبارة من عبارات القرآن بل أمام حرف من حروف "ن.. أو..ق"، تتحول الدنيا إلى جزّة من الصوف الحقير تسعى فيها الخنافس والديدان، وتنصقل المعاني ووسط هذا العراء الأبدي الولادة الدائمة حميمة وأليفة، يتداخل الراهن بالأبدي، العارض بالجوهري، الجسدي بالروحي، والشكل بضده، ويرفع الرفاعي يديه إلى السماء ووسط الدمع والنشيج ينادي جدّه الحسين الشهيد، فترف القدسية راية من البياض الساطع والنور، وتحلق الحبارى في الفضاء، وتمرّ عانة من الغزلان تبحث عن صنع أو غدير ويألف المكان، يندغم الصوت بالعرعر والشيح:‏

ـ يا أبا القاسم، أنا دخيلك، يا جد الحسنين، يا جدي.‏

ومرّت الأشهر، تسلّخ الجلد والقدمان، وتعفن الجسد، هذا الجسد كافر ولئيم، فليكن طعام القمل والجرب والرمال، المهم أن يظل العقل صاحياً ومتقداً كجمر الرمث، المهم أن يدفع ثمن كل لحظة آثمة، هذا التطهير لا النار والجمر ولا السياط ولا المرض يغسله، بأية لغة أو عبارة يمكن أن يقول الربّ لخاطئ عفوت عنك، يا بن فاطمة بلّغ جدك أننا على العهد ولكننا خطَّاؤون، يا جدنا، دمك السبيل، وما نذرناك للقتل، هي شارة، وأنت تركت لنا شبيهك وتواريت، لم يقل الرفاعي كل ذلك بلسانه إنما دخله مثل ريبة، أو برعم تفاحة، أو ربما دلّ سلماسة تحضن بيض قطاة، والرفاعي تنكب الطرق الموحشة غير المطروقة، كي لا يلتقي ببشر أو سواهم ولم يعط بصره ووجهه لغير كتاب الله، يرشف أحرفه ويراجعها، من علمك الحرف علمك الحياة، هكذا ثمَّن من يومها قيمة الكلمة، وتابع الطرق.‏

ويوم وصل نبتت له أجنحة حملته وسط الحجيج حتى وصل شباك أبي القاسم فارتجف وهمس:‏

ـ اغفر لي وأرجو أن تكون فاعلاً.‏

ثم لثم الحجر فنسي كل قبل الدنيا.‏

وعاد الحاجُّ إلى ديارهم.‏

ولم يعد الرفاعي الكبير، رأى نفسه عارياً، مغسولاً بالضوء والرمل، يولد من جديد في يمينه القرآن، وفي يساره عصا يتكئ عليها، ولم يقرب طوال أيامه هناك غير الماء والخبز الجاف، افترش الأرض، استمع إلى قلبها يحدثه عن الموت والحياة، ويروي له طرفاً من سيرة الرسول ( وأصحابه، فرفع يدين عاريتين إلى الأعلى ونادى "يا جدي.. يا رسول الله" ورأى كما يرى النائم حمامات الحسن والحسين ترفرف بأجنحة من نور وبللور، وترش عطر الغالية والزعتر في السماء، ومن يومها جاور الحرم، مثله مثل المجاورين الآخرين القادمين من مصر والعراق والمغرب الأقصى، رجال جاؤوا يحملون قلوبهم وخطاياهم وأشواقهم إلى الروضة الطاهرة، رجال أنحفهم الجوع والخوف فباتوا كأشباح وأظلة، رغبوا عن الدنيا، وهجروا البيوت إلى الخلاء اللانهائي، نادتهم الصحراء فلبّوا، وأسرعوا خفافاً من الولد والمال والمتاع، شربوا كما شرب من زمزم، وجاس مرابع النبوة الطاهرة، فامتلأ بعطرها وروحها، واغتسلت نفسه من أدران الوقت والناس والمال والطمع الذي يزيّن الموبقات لذوي النفوس التي لم تحترق بنار القلب المقدسة، نار الله التي تنضج خبز القناعة والمعرفة، وتزرع سر الخميرة في عجين الطين، فيتبرعم الوعي كزهر الخرنوب الأحمر.‏

ـ يا شيخ.‏

رفّ قلبه للكلمة حين ناداه رجل عجوز من المغرب، فتحول إلى سمع ينتظر:‏

ـ نعم.‏

ـ لا تأخذ نفسك بكل هذه الشدّة، فالخطايا تمحوها كلمة أخفّ من لمس جناح الفراشة، وأنت تجور على حالك، فارفق تنل، وإلا فإن ظلمك نفسك يضيع الأجر.‏

ـ ماذا أقول في الحساب وأنا من أنا في الخطأ.‏

ـ قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأصدق النية فالصدق سفينة النجاة، من عرف الطريق إليها نجا.‏

ـ يا جدّي.‏

ـ جدّي وجدك رسول الله، ونحن في ضيافته، فاترك قلبك يبوح بخطاياه واخرس لسانك العاصي.‏

ـ يا ربّ أشهد..‏

ـ الشهد في الشهادة.‏

ـ ماذا أقول؟!‏

ـ كل القول الذي مضى في العصيان؟!‏

ـ من ذكر الله ساعة غفر له بقية يومه، ومن عرف الله نسي الشيطان، فلا تلّج وتحتار فتضيع.‏

ـ إنها سنوات.‏

ـ الزمن عند ربك الصفاء، وسنوات مثلها قادمة، فأنت شاب.‏

ـ سدّت الأبواب.‏

ـ وفتحت أبواب التوبة.‏

-عاقرت الخمرة.‏

-فماذا تقول لمن يعاقرها ولا يرجو التوبة؟‏

-وقاربت الزنى.‏

-الله غفور رحيم.‏

-وقامرت.‏

-مثلك كثيرون.‏

-وهجرت الصلاة عمراً طويلاً يا سيدي.‏

-ومع ذلك لم ينقطع ما بينك وبين ربك، ولولا ذلك ما تداركك برحمته،‏

-يا ربّ كل ذلك اقترفته، لكنني لم أعقّ والديّ.‏

-ذلك يكفيك.‏

-وهذا القلب؟‍!‏

-دع قلبك فهو في هذه اللحظة كالإناء المصدع، كلمة لوم تحطمه.‏

-كأنك تقول..‏

-أنا لا أقول، فحاذر الكلمات وقم إلى الصلاة، ففي هذه الرحاب الطاهرة ليس أثمن من الصلاة على سيد الخلق والعالمين، جدي وجدك رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏

-سيدي ومولاي لا تؤاخذي.‏

-قل يا عبد الله.‏

-من أنت يا سيدي؟!.‏

-عبد من عبيد الله أمثالك.‏

-وهذا العلم؟‏

-من الإثم.‏

-وهذه التقوى.‏

-من الضلالة، فمن لا يعرف المرّ لا يعرف الحلو.‏

-حيرتني يا مولاي.‏

-الحيرة طريق المعرفة أو المحبة فلا تجعل الصلاة تفوتنا.‏

-هيا بنا.‏

***‏

ومع مرور الوقت توثقت عرى الصداقة.‏

بين الرفاعي والشيخ المغربي، وفي كل يوم يرى لـه إشارة أو كرامة فتزداد نفسه اطمئناناً وإيمانه رسوخاً، وتلتئم جراح القلب المصدّع.‏

-مولاي كيف أردّ معروفك؟‏

-يا شيخ محمد، ما أخذته عني أعطه لمن يحتاجه، لغريب تلقاه، هكذا ينتشر المعروف بين الناس ولا يموت، ويعم الحبّ القلوب الضالة فتعرف لذة الإيمان وعظمة الخالق، هكذا تكون أوصلت الأمانة.‏

-مولاي هذا كثير.‏

-انس كل ما هو فانٍ أو ماضٍ، الجسد والشهوات والأغلال، واغسل قلبك بالدعاء والصلاة، انس الفضل فلا فضل إلاّ لله، وانس الأسماء فلا بقاء لغير اسم ربك.‏

-ونعم بالله.‏

وغرق الشيخ بكاي في دفقة من نور، وغاب، خلع نعليه، وتخفف من لباس الدنيا ومضى زمن كان فيه قاطع طريق، يرهبه كل البلد.‏

***‏

وبعد سبع سنوات عاد الرفاعي.‏

وقد عرّج في طريق عودته على القدس، وكانت عودته مفاجأة، فلقد ظنه معظم الناس غير أمه قد مات، تقدم به العمر، واستوى عوده، وفاح منه عطر خاص من حكمة وأبوة واستعداد لفداء، وشعّ منه نور السماحة والثقة التي لا تعرف الحدود.‏

-سامحيني يا أمّ.‏

قال وارتمى عند قدميها، مهيباً جليلاً، لا يحمل معه من هدايا غير قرآن وكسرة خبز يابس.‏

ويوم أراد العمل اختار الرفاعي الرعي فهو مهنة الأنبياء، اشترى قطيعاً ومضى إلى الخلاء، وليس معه غير قرآنه وعصاه، فاتحدّ بالطير والحجر والنبات، سمع لغة الأشياء، وعاشر الصفاء والوحدة، رأى فيما يرى النائم شيخه المغربي يمضي خفيفاً وراء التلال، نحيلاً يشع منه النور والكلام، فناداه مرة لكنه لم يردّ، فهجس "أعن قل لي يا مولاي؟‍" فردّ قلبه بلسان شيخه "نحن مثل ماء النهر، كل موجة تعطي لمن بعدها لتتابع، فاعط لمن هو أمامك، وانس الماضي، ابحث عن المحتاج بعد أن اكتفيت."‏

وبدأت رحلة الروح وسط بهاء صوفي خالص، وقيل يومها لم يفقد الرفاعي شاة واحدة من أغنامه، بل أقسم كثيرون أن الذئاب كانت ترافق الأغنام وتختلط بها في وحدة وأمان، ومع الأيام بدأت تتوطد مكانة الرفاعي وأهميته كرجل مبارك وعارف بالله.‏

-جدّك رجل مبارك ومتنور.‏

قال الأستاذ يوماً لعبد الله.. ثم تابع:‏

تعلّم منه وأطعه، فأمثاله لا يجود بهم الزمن دوماً.‏

والرفاعي الكبير لا يعكر صفاء أيامه، سوى تصرفات ابنه الذي جرفه تيار الدنيا الفانية، فتعلق بها وخاواها، لذا صبّ اهتمامه على حفيده.‏

***‏

خُلقت أَلوفاً...‏

كلما تذكر الدكتور عبد الله مطلع هذا البيت للمتنبي شاعره الذي تعشقه دائماً -تصاعد الدم في عروقه، ورفرف قلبه، وحضرته مدن ومساجد وحجارة، وتخبط كفرخ الدّراج بالماء والحصى والطرفاء.‏

هذه الألفة كالإلهام تقود خطواته الآن، طفلاً شاحباً، وضائعاً في هجير من الضياع والوحشة والبعد الحارق، يوم وقف ينظر إلى الرفاعي الكبير، يهتز كنخلة عجوز، وتدمع عيناه، نعم تدمعان في لحظة وجد وخوف وصوفية لا تملك شجرة المعاني تفسيراً لها.‏

-سلم على أمك.‏

قال له أبوه بود لا يعرفه فيه من قبل، هذا الأب المشغول دوماً بزواج أو أرض أو مشروع، وحين انتهى، تقدم من جدّه الواجم الساكت وقد بدت أصابعه ترتجف وهي تحمل حبات سبحته الصفراء، وقف للحظة ثمّ دفن رأسه في الصدر، سمع دقات القلب تختلط بعطر لا يجد له اسماً حتّى يومه هذا.‏

-إنها رحلة البداية، فكن رجلاً.‏

همس بذلك بصوت تخنقه الدموع، ثمّ خاطب الأب:‏

-ماذا تنتظر؟ خذ الولد وامضِ.‏

ثمّ استدرك وكأنه نسي شيئاً مقدساً:‏

-لا تنسَ الله يا عبد الله.‏

-جدي.‏

خرج صوته أجش مخنوقاً، فردّ:‏

-الله معك. سلم على جدك حمد.‏

ومضى الركب الصغير من الأب والابن وخادم شاب، يشق طريقه في ذلك الصبح الشاحب إلى عالم مجهول، عالم كان له أكبر الأثر في خلق هذا التأريخ من الدم والعصب والذاكرة والرحلات والكتب.‏

-أرض من ذهب وبشر من تراب.‏

يقول بسخط وهو يرقب مساحات الأرض الجرداء إلاّ من الشجيرات والصرّ، ثمّ ينفث دخانه ويوجه خطابه إلى خادمه الشاب:‏

-ولْ يا حسين.‏

-ها، أبا عبد الله.‏

-لا تنسَ حين نصل مريبط أن تذكرني لنزور الطاحونة الجديدة، فلقد سمعت عنها الهوايل.‏

-إن شاء الله.‏

-الله يأخذ روحك. يا عفن.‏

يقول بنرفزة معروفة لا تفهم منها أين حدود الرضى من حدود الغضب ومع ذلك يظل حسين أقرب رجاله إلى نفسه وأكثرهم جلداً وتفّهماً.‏

كان الحلبي يسلف الناس المصاري، ويقبض مقابلها الصوف والسمن والخرفان ونقول نصف مصيبة فهو ابن البلد ويفتح خانه للرايح والجاي، لكن المصيبة أن يأتي إنكليزي من آخر الدنيا ليبني طاحونة ومشاريع زراعية وينهب مالنا، ودليله ابن الكلب صاحب الخان الحلبي.‏

يقول أبو عبد الله بأسى وسخط، ثمّ يتابع نفث دخانه، وعقله يستطلع الأرض والقرى ويقرأ وجوه العابرين، ويبحث عن المشاريع والأعمال وهو يقبل كل شيء إلا وجوه الفرنسيين، كان يمقت المحتلين ويرفض أي شكل من العلاقة معهم.‏

-ول يا حسين.‏

-ها، أبا عبد الله.‏

-ذكرّني قبل أن نترك حلب، لنزور خان ابن الشحنة.‏

-إن شاء الله.‏

-الله يأخذك. يا عفن.‏

وطوال الطريق الطويل كان عبد الله يراقب ما حوله، وهو يردّد شيئاً من القرآن، والخوف يأكله، فهو لم يبتعد طوال عمره أكثر من بضعة كيلو مترات عن قريته وهاهو اليوم يمعن في البعد، وتطول المسافة، يرى جبالاً وأودية خضراء وسهولاً، وتطالعه قرى لا يفهم سبباً لوجودها فهي أشبه بأطلال خربة زرية.‏

وفي مريبط توقف الركب عند بيت واسع من الطين ألحقت به بعض القباب الجميلة، وهو يضجّ بالكلاب والحمير والناس والأطفال، رحب بهم رجال، وبعد الغداء عرّج الأب في طريقه على الطاحونة، كان بناؤها باذخاً وهديرها يصمّ الآذان وقد التفّ حولها بشر جاؤوا من كل القرى القريبة والبعيدة، يحملون حبوبهم ويدفعون حميرهم لطحن حبوبهم، فازدادوا مقتاً وكراهية لصاحبها، فعاتب منادي الأحمد الذي فرّط بأرض قريته، وترك للإنكليزي أن يفعل بهم ما يشاء، بل يسوقهم كالأغنام أمامه إلى بازار حلب ليبيع ويشتري فيهم، فلم يهتم.‏

***‏

ومهما مرّ من السنين.‏

لن ينسى البناء، ذلك البناء الحجري الأشهب، القائم في الطرف الجنوبي الغربي من حلب، على رابية تشرف على طلول قصر سيف الدولة الحمداني، بناء جميل، تحيط به حدائق غنّاء، وملاعب فسيحة، كما لن ينسى الخطوة الأولى وهو يجوز الباب الحديدي المشبك إلى الممشى الظليل المرصوف بالحجارة ثم إلى الباب الداخلي، حيث يبدأ بهو صغير يتفرّع منه رواقان جانبيان طويلان وينتهي إلى درجتين ملتويتين يقودان إلى الطابق العلوي، صورة مهما مرّ من العقود ستظل مرسومة كالوشم على ذراع بحار ضائع، صوت الطبل المشهور يعلن نهاية حصة، أو دعوة إلى تجمع، تطلقه عصوان في يدي محمد مرجان، رئيس الخدم الأسود، بقامته الرفيعة الطويلة، وملامحه الموروثة الدقيقة التي تشي بعصبية لا تجد لها متنفساً إلا في هذا الصوت، صوت الغابة البعيد، حيث سماء وأرض وبلاد منسية وعيون نسيت الأمن، إنه الصوت الذي يغيب فيه بنشوة صوفية حارّة، واتحاد معجز.‏

-هذه مدرستك الجديدة يا عبد الله، فكن رجلاً وبيّض وجهنا.‏

قال الأب ثمّ تابع بحرص:‏

-سامحك الله يا أبي، لو تركتني أعلمه صنعة حرّة، أو على الأقل كنت علمته كيف يدير أملاكي؟ عسى أن ترضى عني.‏

ووقف نحيلاً حائراً بثيابه الجديدة وطربوشه الرسمي:‏

-سيأتي جدك حمد ليأخذك إلى البيت اليوم. فأعرف الطريق.‏

-عرفته تقريباً‏

-سريعاً؟!‏

-نعم. والحمد لله.‏

وبعد الإجراءات المعتادة، أصبح عبد الله طالباً في مدرسة السلطاني، التجهيز الأولى، فنزل إلى الباحة، أشجار ومقاعد وطلاب بل قل بحر من الطلاب، فدهمه دوار وخوف فودّ لو يلحق بأبيه لكنه كتم الصرخة.‏

أجل، لم يكن الدكتور عبد الله قد عرف في قريته كل هذا العدد اللجب من الطلاب أو الناس، اللهم إلاّ في صلاة الجمعة أو العيدين، وهو الذي لم يعرف المبيت خارج بيته لأكثر من أسبوع إذا كان في زيارة لأخواله ومع أمه، لذا استظل سروة متطرفة وبدأ يدقق في الوجوه الصاخبة الضاحكة، والعيون التي تخلو في معظمها من الفضول فحمد الله على ذلك، فذلك ساعده على استرداد روعه، فعصى الخوف والرهبة وتقدم خطوات كطفل تغازل قدماه العاريتان ماء المحيط، ثمّ مضى في الحشد، وتمتم ببعض السور القصار كمن يدخل وجر الضبع، واستعان بها على الجهد الواضح، وللمرة الأولى ترّن كلمات أبيه في أذنيه بدل نصائح جده:‏

-في المكان الذي لا يعرفك فيه أحد، اترك الناس تسعى إليك ولا تسعَ إلى معرفة أحد، فمكة يأتيها الحاج من كل مكان من الهند والصين والغرب والشرق ولكنها لا تذهب إلى أحد، فهمت يا عبد الله؟!‏

هكذا فهم أبوه مكة، المحجّ والمركز التجاري وحمّام الغفران، ومع ذلك كانت في داخله نوازع لها قيمتها اليوم في فن الإدارة وتصريف الأمور دون الإخلال مع ذلك بالإنسان.‏

ومضى اليوم الأول بنجاح.‏

ثمّ توالت الأيام تحمل رنيناً خافتاً وإيقاعاً غامضاً فتتفتح براعم غامضة مثله لم يدرك مغزاها إلا بعد مرور وقت طويل، فالصباحات الندية التي يغادر فيها بيت أقربائه في جبيلة ثمّ ينحدر في ريف وخضرة حتّى يصل المدرسة خلقت منه الشاعر المرهف فيما بعد، أمّا أساتذته فشيء آخر وأروع.‏

***‏

-تصوروا يا أولادي، الأسد، نعم الأسد ملك الغابة وسيدها المطلق، هذا الحيوان بكل قوته وشراسته وسمعته، يرعب الغابة وما فيها من حيوان وشجر وإنسان، حين يزأر ترتج السهول والجبال ويقف الجميع كالمصعوق، ولزأرته دوي معين، نغمة خاصة، وحين يشيخ لا يبدو في شكله، فالأسد أسد، العيون والعفرة والمشية والجبروت، كل ذلك لا يتغير، إنما التغير يبدأ حين يسقط الناب الأول والثاني هنا يختلف الصوت وتكتشف الغابة ضعف ملكها وشيخوخته، فيبدأ الهجوم، من تعتقدون البادئ؟ إنها البعوض، من أصاغر مملكة فيها الفيل والجاموس ووحيد القرن، ثمّ يتوالى بالأكبر حتّى يحكم ملك شاب جديد، يعلن عن نفسه بصوت يصعق الغابة، وتفرّ لهوله المطامع والقلوب من الصدور، فكأن العالم دائماً يحتاج إلى فأر ليفتح ثغرة في جبروت الأقوياء فيأتي السيل العرم.‏

كان الأستاذ يقول ذلك، بحركته الوادعة، وألفاظه المختارة بدقة، فيحس عبد الله بعالم جديد، عالم مغاير لما سلف، فبرغم تشابه الطريقة بين ما علموه إياه في القرية وبين أساتذته الجدد، إلا أن كلام هؤلاء فيه شيء غير الحكمة، شيء من رائحة الأرض والبلد واللغة فالفرنسية لا تفتنهم بل يراهم يترنمون بالعربية بعشق وتعلق، ولم يدرك لمَ يصرّ الفرنسيون على تدريسهم تاريخ شارلمان وأدب لإمارتين بدلاً عن الرشيد ومجنون ليلى والمتنبي إلا بعد وقت.‏

وحين تعاود الدكتور عبد الله تفاصيل ذلك العام الحاسم في حياته، تطالعه في البداية سحائب من ضباب وخيالات وصور، إبريق وضوء وسجادة صلاة ومصحف عجوز وهريرة لا تشيخ، وأناشيد صوفية مبهمة وحارّة تنبت في براري حلب لابن الفارض هذا العربي الذي لم يواطن عمره سوى الكلام، رأى فيه الوحي والمنزل والوطن والمعجزات وبدء البدء ونهاية المعنى والإسراف في نفي الذات من أجل القول لا من أجل القائل.‏

-يا عبد الله.‏

صوت الشيخ حمد يسقط ناضجاً كالكمثرى، تفوح منه الحكمة كرائحة الحناء ليلة عرس، ثمّ تابع.‏

-قم يا ولدي. الصلاة.‏

ويقوم من فراشه، مليئاً بهمة ونشاط، قبل أن يختلط الخيط الأسود بالخيط الأبيض ويجهجه الضوء، ويسير وراء الشيخ العجوز، الذي يبدو ناحلاً وجليلاً، تتدلى من على كتفيه الهزيلتين عباءة من وبر حمراء، يتنحنح في الغبش الواقب، ويحوقل، زاجراً شياطين الوسواس، ويترنم وسط الهدوء الساجي:‏

يا حادي العيس عرّج كي نودعهم * * * يا حادي العيس في ترحالك الأجل‏

وينود في سيره، وقبعته البيضاء التي تعلو جمجمته، تفصح عن فضة ووقار لا يثمّن.‏

وبعد الوضوء، يستقبلان القبلة، ويزيد الشيخ حمد من ترنمه بآيات القرآن فيختلط الصوت بالظلمة وهذا ما ساعده فيما بعد في فهم الصور البيانية عند المعري فمن يبهره النور الإلهي كالأعمى، ينسى صور الأشكال الفانية ليذوب في الشكل الكلي الخالد.‏

وترفّ أوراق الدالية الخضراء في الهدوء الساحر، وتظل القطة ترقب الشبحين بعينين خلتا من الدهشة، فلقد اعتادت المنظر، والشيخ حمد عجوز بلا أولاد، هجر القرية قبل نصف قرن إلى ضواحي حلب، لخلاف استعرّ بينه وبين بني عمومته فقطع صلاته بالجميع، عدا الرفاعي الكبير، واستعان على ذلك بربه الذي لا يأخذ بل يعطي، وتزوج بامرأة صالحة من الجوار، تقضي أيامها بالعناية، والاهتمام بالمنزل، وهو يردّد على الدوام:‏

-دخلت امرأة النار بقطة، وسأدخل الجنة بقطة.‏

فصرف جلّ وقته يعتني بهريرة صغيرة تشبهاً بأبي هريرة، وعن غير قصد تراه يخلط الغزل بالتصوف، والنكتة بالجد، إنه إرث العشيرة الذي لا يخون.‏

ثمّ تقفز صورة أخرى إلى البال، صورة أليفة إلى نفسه، طالما استغرقته وسرقته حتّى من دروسه، إنها صورة الغراف القريب من المدرسة وسط حقل الشعير الأخضر، حيث يرى البغل يدور على الدوام، والماء يتدفق ليروي المدرسة والأرض والجوار، هذا الغراف أعاده إلى الفرات والناس وصوت أغاني النايل والسويحلي للورّادات، فكان يقف طويلاً يتأمله، ويبحث بين السوق الخضر عن بيوض القطا والصعو، ثمّ يخرجه من هذا العالم صوت الطبل يعلن نهاية الفرصة فيمضي متثاقلاً إلى الصف، حزيناً تشده إلى الشمال الشرقي نوازع لا تهدأ، فيكاد الدمع يغالبه لولا صوت أبيه يرن في أذنيه:‏

-يا عبد الله، كن رجلاً.‏

فيهرع في لحظات الفراغ إلى المسجد في المدرسة، يقضي بين رحابه لحظات تعيد إلى نفسه الأمن بعد الجزع، فيرى جده يقف أمام عينيه، ثمّ يمضي عموداً من النور والنخيل، طويلاً ومهيباً، يحمل قرآنه وعصاه ويتجه إلى الفرات، يتبعه قرنفل ونرجس بري وقطيع من الغزلان، فيغرق في مثل نشيد صوفي طالما ردّده أمامه الشيخ حمد في ساعات وجده "سائق الأظعان عرّج على كثبان طي.."‏

***‏

ومع طول ما قاوم شعور الغربة.‏

ظلّ هذا الشعور ينخر جذره الغضّ كالسوس، فيقطع ما يصل بينه وبين المدرسة والأساتيذ والطلاب، حتّى ودّ لو يعار جناحي طائر فيفرّ إلى هناك، بجسده الشاحب الذي بات عرضة لأي وعكة، وقبل نهاية العام وقع ما كان متوقعاً، فكان مرضه الغامض الذي لا يذكر منه سوى صورة الطبيب السويسري "مونيه" الذي عالجه ومنعه من تناول الحلو، وبعد أن علم والده، جاء إلى حلب، ليعود به، شبحاً غائر العينين، يتماثل للشفاء، والعافية، ولم يجد جده بانتظاره، ففهم سبب علته، إذن فقد رحل الرفاعي الكبير إلى ملكوت ربه، وسقطت دموع غزيرة على وجنته الشاحبة.‏

***‏

-منذ البداية قلت ما لنا ولهذا الطريق؟‏

قال أبوه يلوم نفسه:‏

-مدارس، مدارس، أشوف ما علمتنا المدارس والحمد لله نجحنا في حياتنا، تعال أعلمك الذي لا تعلمه المدارس.‏

وقاده من يده يومها، وقد بدأت دماء العافية تورّد خده الشاحب ومضى به في طريق ضيق طويل لا زال جزء منه موجوداً حتّى يومنا هذا، يمتدّ متعرجاً تملؤه الحفر وبرك الماء الآسنة والأطفال، ينظمه لون واحد، هو لون الطمي والفخار الذي بنيت منه المنازل، وفي الربيع يتبدل، فالأسطحة تكتسي بزهر ونبات أخضر لأنها من تراب بري لازالت بذور الحشائش في داخله وهي تستجيب للمطر فتربو وتهتز.‏

-اسمع يا عبد الله، جدك -الله يرحمه أراد ولكن ربه ما أراد لك وما قسم النصيب في المدرسة.‏

يقول أبوه وهو يهزّ كفه بعصبية اعتادها خلال تعامله مع فلاحيه وعماله المُتْعبين: ثمّ يتابع:‏

-المدارس على العين والراس، لكن الحياة أكبر مدرسة، فيها تتعلم كيف تكسب وتربح، وكيف تكتشف سرقات العمال، وحيل الفلاليح، وأساليب الصناع في الغش والبلف، المدارس لا تقول لك متى تشتري ومتى تبيع؟ متى تربح ومتى تخسر؟ جدك أرادك للجامع والكتب، وهذه الأملاك؟ نتركها داشرة للقرباط والحرامية وأبناء الحرام. لا. لا، خلّك من الكلام وحكي الملالي، وحافظ على قروشك. فالذي لا يملك قرشاً لا يساوي قرشاً.‏

ويطول الطريق، يتلوى، وقد بدت أسطحة الحوانيت القريبة سطحاً واحداً لتراصها وتقاربها، وبين لحظة وأخرى تهب زوبعة صغيرة من العجاج، والغبار، ويتابع الأب:‏

-اليوم سترى مشروع أبيك الجديد، مشروع يحتاج إلى رقابة وحب فالعمل بلا حب لا يثمر ولا يتطور، خاصة مع الآلات، هذا الحديد في داخله قلب، مَنْ لا يفهم لغته يخسره، وهذا سرّ صناع الأرمن ومهارتهم فهم يفهمون لغة هذا القلب، ويعطونه من أنفسهم ويدللونه فإذا لم يستجب انتظروا، وفكروا، ولا يقولون اكسر أبداً، لذا لا تسلّم آلة إلاّ لأرمني، ولا تستخدم في الزراعة إلا فلاحاً من بزاعة أو سفيرة، أمّا أفضل الخدم والعزبان فهم سكان الضواحي من الرعاة والغنامة، فهمت يا عبد الله؟!‏

-فهمت.‏

-زين، زين؟!‏

-زين.‏

وقبل نهاية السور الأثري الذي بدت أطلاله عن يسارهم، ينحدر الطريق الضيق باتجاه النهر، حيث يعرف عبد الله أن لهم أرضاً هناك، يزرعونها في المواسم بالخيار والقثاء والبطيخ، أرضاً كانت موئلاً في المواسم لقوافل الغجر القادمة من الجنوب، زهد بها أصحابها فشراها الأب بدراهم قليلة، وهو ينتظر معجزة أو إلهاماً يدعوه مشروعاً جديداً ليحولها إلى إنجاز ينضاف إلى سلسلة إنجازاته.‏

-يا عبد الله، اسمع، التاجر إذا اشترى الذهب وباعه وربح به، لا فضل له في شيء، أمّا التاجر الشاطر فهو الذي يشتري التراب ويبيعه على أنه ذهب، الشطارة هنا، الكيميا هنا.‏

يا الله! ماذا جرى؟ أبوه الذي لم يكلمه طويلاً كاليوم، ماذا أصابه؟!! إنه يندفع في كلام فيه سر وحكمة وقت تجمعت على مرور السنين، إنه أشبه بمدرّسيه في حلب، دائماً يخلطون، السمن بالعسل، والدبس بالطحينية، والتمر بالدسم، والوقت بشؤونه، والدروس بالمظاهرات، نعم يراهم يعلّقون الدروس، ويشاركون الطلاب الهروب من المدرسة في صخب وضجة وصياح لجوج، بينما يعاقبون الطلاب على تأخر بضع دقائق، يضجرون ويبتسمون حين تصدر الأوامر بإغلاق المدرسة لأيام.‏

-ماذا تريد يا أبي؟!‏

ودّ لو يصرخ ولكنه عطّل الصرخة، وتابع سيره، وحين انفرج الطريق الضيق عن خلاء وأرض وسيعة، رأى في أرضهم الزراعية بناءً جديداً فقال أبوه بفخر:‏

-إنها الطاحونة الجديدة والوحيدة في البلد، مثلها اثنان واحدة في مريبط والأخرى في تل أبيض، الاثنتان للإنكليز، والوحيدة لأبيك يا عبد الله.. نعم لنا.‏

وهمد كل شيء، وود لو يصرخ:‏

-يا جدي... رحماك.‏

***‏

ولحظة دخل هاجمه.‏

عجاج من غبار أبيض فهم أنه الطحين، وضجيج رجّاج هو صوت الطاحون، وقامة أبي جورج العملاقة، وبدأت رحلة جديدة مع الناس والحساب والحديد الذي يحتاج إلى دم من البترول، وعناية خاصة تقوم على الفهم والمعرفة فهنا تنتهي رحلة حبة القمح لتتحول إلى غبار وانتظار، وتردّد في القبول، فدرجة الطحن ضرورة لخبز جيد.‏

-يا عبد الله.‏

تآلف مع صوت أبي جورج وروحه المرحة التي لا تشهر أشواكها إلا حين يخيم الغجر في المواسم، وهو في لحظات صفائه يقول:‏

-انظر يا عبد الله إلى هرش الخيار أو البطيخ، إنه مثل ابن آدم، يحاول أن يخفي بأوراقه ثماره عن أعين الجناة، ولكن دون فائدة.‏

ثمّ يقوم إلى الآلات يتفحصها، ويستمع إلى قلبها الحديدي بحب، ولا يفهم عبد الله معنى كلامه.‏

***‏

يوم الجمعة تقفر الطاحونة.‏

من القادمين لطحن حبوبهم، ومن الدواب وتهدأ الضجة والغبار الأبيض ولكن أبا جورج يظل لا يفارقها، يتفحصها قطعة قطعة، ضارباً بكفه الضخمة المشعرة حديدها البارد، باحثاً بعينيه وأذنيه، متقرياً بأصابعه الحجر الجبار، وحين يطمئن يصعد إلى السطح حيث طاولته الخشب، وكرسيه، والعرق وموقد النار، ومن هناك يرقب النهر ودغل الطرفاء والحور، ويمتلئ بصوت العصافير وشمس اليوم، ثمّ يبدأ طقسه المعروف، تتصاعد رائحة الشواء والعرق، ويطلق لصوته العنان وهو ينتظر وعيناه على البئر القريب من الطاحونة، فربّ قادمة ترضى دخول مملكته، تلك الغرفة الملحقة بالبناء.‏

وقد لذّ لعبد الله مراقبة أبي جورج، وهو يعمل، أو يغني، أو يغمز لفتاة حلوة خلسة، أو يحمل الأكياس فارغة ومليئة، ويصيح بأعلى صوته:‏

-سجّل يا عبد الله، وخذ الأجرة.‏

ثمّ يستدير كأحد آلهة الإغريق، ويتابع عمله.‏

ولكن اللذة الكبرى، كانت حين يحضر يوم الجمعة بعد الصلاة وهناك يصعد مع أبي جورج إلى السطح يأكل ويراقب ويضحك، فأبو جورج يقول كلاماً كثيراً حين يشرب، يخلط فيه بين الحكاية والكلام الفجّ والحكمة، كما يخلط البندورة والخيار والبقدونس والبهار في صحنه الواسع.‏

-أبوك يا عبد الله رجل فهمان، رجل أعمال ذكي وشاطر أمّا الباقون فهم حمير يأكلون مما يصنع الله، ولا يصنعون شيئاً، يتسكعون في النهار ويشربون القهوة المرّة في المساء، وينامون مع نسائهم في الليل، والعمل؟ والحياة؟ والسفر؟! ما في من ذلك شيء، هذا البلد كان يجب أن يكون جنة، الماء والأرض الطيبة ماذا يلزم؟ يلزم ابن آدم يعمل لا هؤلاء الحمير التي ترعى وتتقاتل ويركب بعضها بعضاً.‏

ويتناول كأسه المترع ويغبُّ منه، ثمّ يمسح فمه بظاهر كفه، ويتابع في جو احتفالي:‏

-أعطني حماراً فأطعمه شعيراً وتبناً في ظل بارد، ستجده سعيداً، واعطني رجلاً من هؤلاء المخاليق، فأطعمه لحماً مشوياً ولبناً بارداً، بالتأكيد ستجده سعيداً، لكن الرجل والحمار لن يفهما شياً من الشعر والغناء والشراب، من هنا فالحمار والرجل متساويان في الفهم، ألم أقل لك هؤلاء المخاليق، أغبياء لا يمكن أن يشبهوا البشر إلا بالشكل، ولا أسوأ منهم إلا القرباط.‏

-أبو جورج، لماذا تكره القرباط؟‏

-لأنهم قرباط وهل هناك أكبر من هذا السبب؟.‏

ويتناول كأسه، ويغرق في غيبوبة وذهول، ويدوي صوته القوي الحنون بغناء فاجع وحزين فيخلط الأرمنية بالتركية بالعربية، وتمتلئ السماء برفوف العصافير، وحالماً محلقاً يظل عبد الله، يفقد الترابط بين الأشياء، وينبهر بأشياء لا أسماء لها، ولا أشكال لها.‏

-ياولْ، يا بو جريج.‏

يأتي الصوت من الأسفل، فيسكت أبو جورج، ثمّ يبدأ في التجديف والشتيمة فالقادم يعرفه من صوته المشروخ الغليظ، إنه حسين خادم الرفاعي الأمين، وتتعالى خطواته وهو يصعد الدرج، ثمّ يطل وجهه ضاحكاً، مثل ثعلب جائع:‏

-ياولْ، يا كافر.‏

-كافر أبوك وجدك.‏

-الكافر من يشرب العرق يوم الجمعة.‏

-ويوم السبت؟‏

-يشرب سماً.‏

-قرّب يا خنزير.. قرّب.‏

-الله يقرّب أجلك، ويخلصنا منك.‏

ويجلس قريباً من أبي جورج، ثمّ ينظر إلى الشواء تتصاعد منه رائحته الزكية فيفهم أبو جورج، ويتغابى، بل يقوم إلى النار، يأخذ كأساً طافحاً بالعرق ويرشه على اللحم، ثمّ يعود إلى مكانه، مدندناً بلحن تركي راقص، رافعاً من جديد كأساً طافحاً وقطعة من اللحم المشوية، ويهتف بظرف:‏

-سيد حسين، تفضل.‏

ويحكّ حسين ذقنه الخشنة ولا يجيب، فيتابع أبو جورج:‏

-قلنا تفضل.‏

-ابن أصول.‏

-نتعلم من أولاد الكلب.‏

-أي نوع من الكلاب؟‏

-القرباطية.‏

-أصيلة. ولا مثيل لها.‏

وقام حسين من مكانه، حمل إبريق الماء في يده ورشّ قليلاً منه على اللحم، فتصاعد دخان ورائحة وضحك أبو جورج، فقال حسين:‏

-الماء يغسل كل نجس.‏

-لكنك أفسدت طعم اللحم يا فاسد.‏

-المهم أنه أصبح حلالاً، والنار كفيلة به.‏

تبدأ مساجلات ومناظرات، فيعيب حسين على صاحبه عدم ختانه وبالتالي سكره المتواصل، بينما يعيّره أبو جورج بعلاقاته المشبوهة مع الحيوانات ويخص الأتان، فهو يخرج كل جمعة بحثاً عنها ليقضي وطره ويعود إلى المنزل:‏

-ولْ حسين، نصف الحمير التي تراها تحمل الحبوب إلى الطاحون من نسلك العظيم.‏

-الله يلعنك، خلنا ناكل.‏

-تاكل سماً.‏

ويرشق كأس العرق على طعامه، فيضحك ويتابع الأكل قائلاً:‏

-مستعد لأن أدخل النار شرط أن أغيظك.‏

-الحمير لا تدخل الجنة.‏

-ولا السلاقي.‏

-ما رأيك في كأس؟‏

-الله يبعدنا عن الحرام.‏

ولا يفهم عبد الله من كل ذلك شيئاً سوى أن ديكين يتناقران على سطح طاحون في الشمال البعيد، بعداء ومحبة.‏

***‏

آخر النهار يعود عبد الله.‏

يقوده حسين في الطريق نفسه، من مشرق البلد إلى مركزه الذي كان يومها مجرد بيوتات من الفخار المشوي والطين والجصّ والقلوب الفارغة من الهم والسياسة، وهو في طريقه تعاوده ذكريات العام الذي لم يكتمل في تجهيز حلب، فلا يحنّ إلى العودة رغم أن المرض فارقه، ويجد في التذكر خوفاً من تكرار التجربة رغم أنه يحس بنوع من خيانة الرفاعي الكبير، فالنشيد الصوفي ولون الكلمات تحوّل إلى طاحونة وحجر.‏

-عبد الله.‏

-نعم.‏

-اسمع يا ابن الناس، كلمة من جدك الرفاعي تساوي كل أملاك أبيك فالطاحونة، وأبو جورج، وأخوك الكبير حسين، كلها تشغلات فاضية فالدنيا بنت حرام لا أمان لها.‏

-لماذا تقول ذلك لي؟‏

-لأني أحبك وفيك رائحة جدك الرفاعي الكبير وعقله.‏

-المعنى؟‏

-مكانك في المدرسة مع الكتاب.‏

-والأملاك؟‏

-الملك لله وحده.‏

-تتكلم مثل جدي، وتتصرف مثل أبي.‏

-علمني جدك الكثير، لكنني أريد العيش، لقمة الخبز مرَّة.‏

-والطاحونة؟‏

-وين برج بابل؟ وين ملك فرعون؟ وتقول الطاحونة؟‏

-حسين؟‏

-يا ابن الرفاعي. اسكت، اسكت.‏

وتتسارع خطوات حسين، وقد ركبه ألف عفريت في تلك اللحظة.‏

***‏

كان معجباً باللغة الفرنسية يرطن بها، ويشعر بالامتياز أمام أقرانه في القرية، لكنه في تجهيز حلب رأى امتيازاً آخر يغاير ما درج عليه، فلقد رأى في المدارس الوطنية ما ذكره بجده الرفاعي الكبير، وهو الترنم باللغة العربية، وتمجيد المتنبي وابن زيدون، والمعري بدل لإمارتين وهوجو، فاحتار وقلق، لكنه احتكم إلى الذي لا يخون إلى القرآن فرجحت كفة اللغة الأم، فلغة القرآن عربية، ولغة أهل الجنة -كما قال مدرس اللغة العربية -عربية.‏

لذا لم يكن الفرنسيون يعنون شيئاً لدى عبد الله الرفاعي، شيئاً يثير الحقد والكراهية فالغزو والغزاة والانتماء القومي معانٍ لم تتبلّر يومها في باله فأستاذه الفاروقي كان يطرب لزهير وطرفة ويحاول أن ينحو منحاهما، في فنون القول الشعري، بينما أستاذ الفرنسية يبذل جهداً في إعطاء صورة حضارية للغته عبر لثغة لا تعني أكثر من صوت وصورة لجند مدججين بالسلاح.‏

ولم يفهم تماماً لِمَ كان الطلاب في التجهيز الأولى يخرجون في جموع حاشدة يسمونها المظاهرات، احتجاجاً على ممارسات أو تعبيراً عن آمال وأمان إلاّ بعد أن وقع ما اعتبره بداية الدرس الذي لا ينتهي لأمثاله من المتنورين الذين تطبخهم نار الأحداث الهادئة خميرة لما سيحدث دون علم منهم.‏

كانت البداية في الطاحونة، مشكلة صغيرة جرت كما يجري أمثالها في كل يوم حين يختصم الطحانة القادمون من القرى البعيدة وهم يتزاحمون على الدور طمعاً في طحن أبكر للعودة إلى قراهم، وقد لعب أبو جورج دوراً في سيادة النظام والدور فهو يهدد على الدوام بوقف الآلة، أو تغيير درجة الطحن للمخالف مما يفسد الطحين ويعّرض المخالف إلى كلام ولوم طويل في بيته.‏

لكن المشكلة هذه المرة جاءت من المحتلين الفرنسيين، ففي صباح مزدحم، دخل الفناء الواسع للطاحونة، مجموعة من القادمين على راسهم سرجان فرنسي يحمل بندقية حربية، يريدون أن يطحنوا بعض أكياس القمح بدل أن يحضروا الطحين من حلب أو يشتروا الخبز الجاهز من فرن رزوق، فيوفروا بذلك مالاً يصرف في غير وجهه.‏

فرّق السرجان الحشد. واخترقه كما يخترق السكين قالباً من الزبدة، ومن ورائه الحمير والرجال، ثمّ دلف إلى الداخل، ووقف الموكب عند الباب تحاصره العيون الغاضبة المتذمرة، والخائفة من فوات النهار وقدوم الليل حيث تبيت في هذا العراء الموحش عرضة للحيوانات المفترسة ولصوص البدو القساة وقد تصل أولاً إلى قراها.‏

دخل السرجان الطاحونة ووقف قريباً من عبد الله الذي فوجئ به، حيث فاحت منه رائحة خاصة هي خليط من عرق وزيت سلاح ولأول مرّة يقترب فرنسي كل هذا القرب من عبد الله.‏

-يا ولد.‏

صاح السرجان، وضاع صوته في ضجيج الآلات الصاخبة، وكان أبو جورج بقامته العملاقة ينحني على الفم الحديدي الفاغر، غير عالم بما يجري من حوله، ولو علم لكان له غير هذا الموقف.‏

-أنت يا ولد.‏

صاح السرجان بعربية مكسّرة، فردّ عبد الله بفرنسية حاول أن يفخم حروفها على طريقة أستاذه في التجهيز:‏

-أية خدمة أستطيع تقديمها لك؟‏

وصعق السرجان للحظة ثمّ استعاد نفسه، وصاح بأعلى صوته مخترقاً الصخب والغبار:‏

-أنت. هناك.‏

وفي تلك اللحظة استدار أبو جورج، فشاهد السرجان يصرخ في وجه عبد الله، وقد انتفخ كديك حبشي، فترك كل شيء وانحدر على السلم الخشبي، يكاد يطفر الدم من كل عرق في عروقه، فأبو جورج يعتبر الطاحونة مملكته وكنيسته ووطنه، وهو يصرخ:‏

-يا ابن الـ...‏

ويضيع صوته الغاضب، ثمّ يكبح اندفاعته أمام السرجان مثل موجة عملاقة، تريد أن تحتوي المكان في لجتها، وقد فعل هذا التصرف العفوي فعله في نفس السرجان، فالهجوم المفاجئ جعله يتخذ موقف المدافع المذنب أمام العملاق الغاضب:‏

-نعم؟!‏

قالها بصوت أجش وعريض ورفع يدين مشعرتين يكسوهما غبار الطحين مثل تمثال هرقل بائد، دبت في عروقه الحياة فجأة، ولم يجب السرجان، زاغت عيناه، وكطريدة محاصرة عرف الخوف طريقه إلى سويداء القلب وتلفت يبحث عن حشد أو لحظة إلهام، أو ثغرة في هذا الجسد دون جدوى، فأمامه غوريللا فائق القوة، فتجمدت أصابعه وصقيع السلاح البارد يجري في دمه، فلا تستجيب لأية إشارة من إشارات الدماغ.‏

-إلى الخارج.‏

جاءه الصوت هذه المرة آمراً بلغة فرنسية ركيكة فاستجاب فيه حسّ الانضباط، وتراجع بخطوات منتظمة، وحاصرته العيون من جديد وتقدم أحد مرافقيه من السكان المحليين الذين يستخدمهم الفرنسيون لأعمال الخدمة والتنظيف من اللفيف المجاور للثكنة.. وقال لأبي جورج بأدب:‏

-يا ابن الحلال ماذا فعلت؟‏

-وما علاقتك أنت؟‏

-طولّ بالك، وراجع نفسك.‏

-إلى جهنم بكل هذه الأشكال.‏

-يا ابن الحلال لا تمّد يديك في غار العرابيد هذا.‏

-عرابيد أو كلاب، لا فرق.‏

-يا رجل سمّ بالله، واسمعني، كل الشغلة ما تستاهل الزعل، عشرة أكياس من القمح نطحنها ونمشي ويا دار ما دخلك شرّ.‏

-كل إنسان بدوره، والفرنسيون ليس لهم دور.‏

هذا القانون سنّه أحمد الرفاعي لطاحونته، ووعاه أبو جورج جيداً ونفذه بدقة، فالرفاعي يكره الفرنسيين إلى درجة أنه رفض أي مشروع مهما كان مربحاً بالاشتراك معهم.‏

-أنت مهبول أو سكران، المجيدي مجيدي، والبرغوث برغوث.‏

صاح الرجل بأبي جورج وهو يراه يستدير إلى الداخل ويوقف الطاحونة عن العمل، ثمّ يقول ببرود:‏

-الطاحونة تعطلت، عندنا صيانة.‏

واتكأ على الجدار يتابع المشهد بلا اهتمام وقد سدّ الباب بجسده الصلب.‏

***‏

وتفاعلت المشكلة ثمّ تفاقمت فاستدعى المستشار الفرنسي أحمد الرفاعي، فالموقف غير الودّي الذي قوبل به عناصرهم يعتبر سابقة قد تقود إلى أعمال أكبر لها عواقب وخيمة وقد أوغر صدره إضافة إلى خصم الرفاعي الدائم في البلدية، أمر آخر وهو أن الرفاعي يرفض إشراكه في أي مشروع من مشاريعه العديدة، مما يحرمه من دخل مالي، ومن تأمين جانب رجل مهم وذكي في هذه القرية الفراتية.‏

فقد جرت العادة أن يدفع التجار ومتعهدو السفن وأصحاب الخانات أتاوات على شكل هدايا إلى المستشار الفرنسي، إضافة إلى ما يدخله من رشاوى الموظفين وعلى رأسهم القائمقام الجابي ورئيس البلدية:‏

-الرفاعي شايف نفسه أكثر من اللازم، يلزمه تكسير راس.‏

قال رئيس البلدية للمستشار الفرنسي.. ثمّ تابع وكأنه يحدّث نفسه.‏

-وصلت الأمور إلى هذه الدرجة؟! والله يا بن الرفاعي زين، تريد تحطّ راسك براس فرنسا.‏

-هذا الرجل يابس الرأس.‏

قال المستشار الفرنسي بغيظ مكتوم.. ثمّ تابع:‏

-ونحن لا نستطيع أن نذهب بعيداً.‏

فردّ رئيس البلدية بحماس يحركه حقد دفين:‏

-وماذا تنتظر سيدي، دقّ هذه الراس حتّى تطحنها وتصير فرجة الناس.‏

-المشكلة أن هذا الرجل ثعلب، وليس لدينا شيء ضده.‏

-وهذا الذي فعله؟‏

-يجب أن نتعامل مع ما حدث بحذر، وإلا وقعنا في خطأ كبير، فنحن لا نريد أن نجعل من الرفاعي بطلاً أو مناضلاً بحماقة صغيرة.‏

-إذن.‏

-يلزمه فركة أذن، كم ليلة ينامها في حظيرة الخنازير ثمّ نطلقه.‏

-بسِّ!!‏

قال رئيس البلدية بخيبة أمل، ورانت على وجهه سحابة من ضيق وقنوط حارق، فقام يستأذن ثمّ يخرج.‏

***‏

كانت صدمة عبد الله باعتقال أبيه كبيرة، فهو لم يفهم من المشكلة أكثر من خلاف على الدور بين زبائن، شاهد مثلها كثيرات، لكن أن يصل الأمر إلى الحبس والتوقيف فهذا خلق عنده شعوراً بالغضب والكراهية لكل ما يتصل بالفرنسيين.‏

وقد تعاقب على البيت زوار كثر، من الأقارب والأصدقاء والجوار والأهالي، فمنهم من استاء وشتم الفرنسيين، ومنهم من لام الرفاعي على موقفه المتهور ورأسه اليابسة، منهم من جاء لمعرفة ردود الأفعال والتشفي، حتّى باتت المضافة تغص بالناس على الدوام، وهذا ما عجّل في إطلاق الرفاعي، وأبي جورج، قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة لا يمكن السيطرة عليها.‏

-الحمد لله على السلامة يا أبا عبد الله.‏

انطلق صوت حسين يملأ البيت، فكان له وقع القنبلة، إذ اندفع الرجال والنساء والأطفال، يرحبون بالقادم، فتلقاهم بالتأفف المعتاد والغضب الدائم، الذي ينبئ عن السلطة والأمر، وعصاه في يده يلّوح بها، ويهّز برأسه يمنة ويسرة، وقد طالت لحيته أكثر من المعتاد وبان على سماته ولأول مرة إجهاد لا يلحظ مباشرة وسط مظاهر الغضب ولكن عين الخبير تدركه.‏

-كفّارة يا حاج، السجن للرجال.‏

فلم تعجب الكلمة الرفاعي، فدمدم بكلام غير مفهوم، ثمّ دخل المضافة، كأنه عائد من رحلة من رحلاته المعتادة إلى قرى له فيها مشاريع، وحين تصدر المجلس صاح بحسين:‏

-القهوة المرّة يا عفن.‏

-تكرم يا عمي.‏

ودارت فناجين القهوة، وفاح الهيل وعبق القهوة، يختلط بأنفاس الحضور، وجرت الأحاديث، عن الفرنساوي والظلم، وكأنه قدر من الله، أو جائحة مرضية لا بدّ أن تنحسر، وفي هذا الجو الحميم تفتحت نفس عبد الله كزهرة النيلوفر في رقراق الماء، ورنّت في سمعه كلمة جده وهو يقوده إلى المجلس:‏

-ليكن قلبك كالمسجد، يدخله الطاهر واللص والقاتل، فكل الناس خير وبركة، ولا تقف عند الصغائر، فربّ ضارة نافعة، وانظر إلى الكون الواسع هذا عالمك، بعصافيره وجباله وحيواناته وناسه، أمّا الأهل فهم ضيوف بين مقيم اليوم وراحل غداً، وهذا ربك يا عبد الله يرزق الكافر والمسلم والنصراني، كما يرزق الذئب والفراشة وطيور الفلا، ملكوته واسع ورحمته واسعة..‏

وعند باب المسجد يتوقف قليلاً ليخلع نعليه، ويدخل، لم تلحّ اليوم على عبد الله ذكرى الرفاعي الجد، ألأنه يرى مودة وفرحة عارضة في بيتهم غير مألوفة، ترى ماذا سيقول لو كان حيّاً؟! بالتأكيد سوف يتمثل بآية قرآنية ثمّ يهزّ رأسه ويعتكف في غرفته.‏

-يا جدي الكبير.‏

هجس عبد الله ثمّ انسحب إلى الداخل، كانت أمه تعدّ الماء الساخن لحمّام أبيه، وجدته تجلس شاردة، فهي بعد موت الجدّ تعيش في غيبوبة أشبه بالحلم، فاقترب منها وجلس، ولدهشته امتدت أصابعها تمسّد شعره بحنان وحب:‏

-كنت حبيب المرحوم.‏

قالت وكأنها تخاطب كائناً آخر، ثمّ مدّت يدها وناولته المفتاح وقالت أمس سألني مالي لا أرى عبد الله عندي؟!‏

وقام عبد الله، بينما عادت الجدّة إلى شرودها الذي لا تصحو منه إلاّ عندما يزورها مريض مصاب باليرقان، فإنها تستعيد نشاطها وتعمل بهمة ودقة.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244