سودوم سباق الإوزّ البرّي ـــ إبراهيم الخليل

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:11 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رائحة لها نفاذ حادّ في الأنف.

واجهت عبد الله حين دخل الغرفة، سجادة الصلاة كانت ممدودة، والبسط العربية الملونة لم تزل على حالها وإن علا بعضها الغبار، لكن الكتب كانت مكانها، تناول أقربها، كان ديوان ابن الفارض، قلب صفحاته الصفراء فشع عطر وأنداء من الصفحات، ثمّ تلفت يبحث عن ضالته، هاهو القرآن والموطأ ودلائل الخيرات، والجوهرة في نسب الإمام علي، ثمّ فصوص الحكم والفتوحات المكية لابن عربي.‏

-أهلاً بولدي.‏

لسعه الصوت كنار العطابة، فرمح والتفت يبحث عن مصدره وقد خالجه شعور هو خليط من خوف وحذر وتوجس، فمّد يده إلى القرآن حيث الملاذ والأمن والسلام الذي لا يكذب.‏

-هل أنت خائف يا عبد الله؟‏

-أنا... لا... من أنت؟‏

-هل نسيت العهد يا عبد الله؟‏

-العهد؟!‏

-نعم العهد يا بن الرفاعي.‏

-ولكن أي..‏

-خانتك الشجاعة يا بن الرفاعي، فهل نسيت جدك؟‏

-جدي؟!‏

-نعم، جدك.‏

-ولكن جدي.. جدي ما..‏

-مات؟! أين ذهب ذكاؤك؟!‏

-يا ربّ.‏

-نعم يا ربّ، هذه بداية الطريق، فاسمع.‏

عند الكلمة الأخيرة، رأى عبد الله جدّه، طوالاً مهيباً، يحمل سبحته الكهرب وعصاه، ويقف أمامه، وإلى اليوم لا يجد لما حدث تفسيراً، وهذا الذي عكسه أدبه وكتاباته وحار فيه النقاد فيما بعد.‏

-يا عبد الله.‏

-نعم يا جدي.‏

-هل أفرخ روعك؟‏

-نعم يا جدي؟‏

-قل يا جدي ولا تخف.‏

-إنني أقولها.‏

-خذ الكتاب بقوة.‏

-سآخذه.‏

-كل وسخ يغسله الماء.‏

-نعم يا جدي.‏

-وكل إثم تغسله المغفرة.‏

-نعم يا جدي.‏

-وكل جهل لا يغسله إلاّ العلم.‏

-نعم يا جدي.‏

-فلا يأخذك شيطان المال.‏

-لن يأخذني.‏

ثمّ تقدم إليه وهو يقف في مكانه، ضمه إلى صدره ضمّة قوية وذاب كماء في رمل وظل الصدى يملأ الغرفة، ففرّ خائفاً، حيث ذاب في الصخب والضجيج بينما كان الزوّار يتكاثرون، والخراف تذبح ابتهاجاً بالمناسبة التي تمثلها عودة أبيه.‏

أربع سنوات تقضت منذ تقطعت الأسباب بين عبد الله الرفاعي، وبين المدرسة في حلب، سنوات مرّت بين عالم الطاحونة وما فيه من نبض وحياة وسيل من بشر جفاة ممصوصين يأتون على عجل، يدفعون حميرهم في طرقات خالية، من قرى بعيدة أو قريبة، وهم ينتظرون هجوماً مباغتاً يشنه بدو لصوص، اعتادوا التعرض للطحانة، يكمنون وراء الرجوم والآكام، وعيونهم تلمع كعيون بنات آوى، بانتظار الطرائد.‏

بشر ينتظرون أو يتقاتلون أحياناً، قتالاً وحشياً يستخدمون فيه العصي والفؤوس التي تتدلى على الدوام من محازمهم، وقد يستظلون أحياناً تحت الشجيرات التي زرعها أبو جورج ونمت سريعاً، وعند الدفع يحلّون أصرتهم القماشية الملّونة، وعيونهم تهمل لمرض مزمن يعالجونه على الدوام بالقرمز، ثمّ يسألون:‏

-كم مجيدياً؟‏

وبمكر يتصنعون الصمم وعدم الفهم إذا كان المبلغ يزيد بضعة براغيث صغيرة، فيزعقون:‏

-ها، أيش قلت؟‏

وحينها يتدخل أبو جورج من مملكته العالية، فيبتسم الرجل ويتذلل وهو يعدّ النقود قائلاً وأصابعه الطويلة ترتجف:‏

-لا تؤاخذني عمّك أطرش.‏

ويسرع في الركض وراء حماره ليلحق بأهله قبل أن يغلّق الليل ويصبح فريسة سهلة للحنشل.‏

وآخر النهار يحتاج إلى زند من حديد وعصا سنديان وعين حمراء، ولا مكان فيه للإنسان الطيب.‏

بينما يؤكد عليه أبوه مذهبه وفلسفته في الحياة:‏

-يا بني يا عبد الله، ها ترى هذه المجيديات؟ من يملكها يفصّل الدنيا على قدّه، مثلما يفصّل جلابيه أو ثوباً.‏

سنوات قطعها نجمة في غبار الطحين والعجاج وأسماك أبي جورج وغنائه الحزين بعد كأس العرق الثالثة.‏

-اسمع يا عبد الله -يؤكد عليه أبوه -هل ترى أبا جورج، هذا النصراني السكيّر، لولاه لكانت الطاحونة كومة من الحديد الأخرس، ولسرقك الأوباش الطحانة، فلا تأخذك عواطف الدين والعشيرة أو القرابة في الشغل، أنا أحب أن أسمع المفتي في الجامع، لكن الطاحونة شغل أبي جورج، هل فهمتني؟‏

ولا يفهم عبد الله تماماً، فيلجأ إلى غرفة جدّه، يقرأ في كتبه كلاماً عصّي الفهم، وقد انزلق إلى قراءات أخرى لكتب يأتي بها من دكان عطّار حلبي، تفاوتت بين ترجمات سقيمة لقصص بوليسي، وبين سير شعبية فتنته لأبي زيد وبني هلال، وعنترة العبسي، وحمزة البهلوان، ويوم قرأ ديوان ابن الفارض على يد قريب لـه، تفتحت نفسه أمام هذا السمو الرفيع واللغة الأنيقة، ووجد روحه تخضلُّ من رذاذ عطر نبوي مقدس، شتلة من ريحان بري تزهر، فازدهى، وتوازن قليلاً:‏

-ابن الفارض يا عبد الله عاشق الكون الكبير، الذي جعل قلبه جامعاً وكنيسة ومعبداً لكل الأديان، فتعلّم منه، فإنه نوَّارة الحب.‏

قال لـه قريبه، وهو ينهي درسه الأسبوعي، ثمّ كانت الروضة الغناء "الفتوحات المكية" لابن عربي، التي عاش في رحابها مع قريبه فترة طويلة يرفد ذلك كتب جرجي زيدان عن تاريخ العرب والإسلام التي قادت خطاه إلى قراءة التاريخ بولع ولذّة.‏

ويوم نظم عبد الله أبياتاً ساذجة من الشعر، أحسّ بلذة خفية وخجل كمن يرتكب إثماً مقدساً، فواراها عن العيون، لكنه ظل يترنم بها في لحظات انفراده.‏

-عبد الله، الخبز بدون اللحم علف للدواب، واللحم بدون سلطة وخضار لا يرفعك فوق مستوى كلب جوعان، واللحم والسلطة إذا لم يكن معهما المشروب جنة بدون ناس، واللحم والسلطة والعرق بدون الغناء مثل إنسان بلا قلب، طاحونة واقفة.‏

كان أبو جورج على جري عادته، يحاول أن يربط الأشياء فيما بينها، بعلاقات ووشائج، ليخرج بنتائج تهمُّه شخصياً، لأنه يطبّقها حرفياً كقانون ربّاني، كما يطبق يومياً دوشه المسائي، حيث يقف أمام البئر في وسط الفناء عارياً كآدم، يمتاح الماء ثمّ يدلقه على جسده بمتعة وصفاء نادرين، بينما يتعالى صوته مرحاً سعيداً:‏

-عبد الله.‏

يصيح من مكانه.. فيرد عليه:‏

-نعم.‏

-تعال.. اغسل عرقك.‏

-الماء بارد وجسدي لا يتحمّل.‏

-جرّب مرة.‏

-لا أقدر.‏

-تندم.‏

-الندم أفضل من المرض.‏

تدور الحوارية دون أن يتوقف أبو جورج عن متابعة ما يقوم به، ثمّ يتحرك عبد الله في طريق العودة إلى البيت.‏

***‏

حتّى كان ذلك المشهود الذي قلب مسار حياته، فقصيدة من الشعر ألقاها نيابة عنه أحد الأصدقاء في مناسبة رسمية، كانت السبب في هذا الانقلاب فحين شاعت وأعجبت الحضور وعرف المقربون أنها له، ألحّوا بعدها على أبيه حتّى عاد وألحقه من جديد بالمدرسة، ولم يذهب هذه المرة إلى بيت قريبه وإنما انتسب كطالب داخلي ينام في المدرسة.‏

***‏

إنها التجهيز الأولى مدرسته مرّة ثانية، يجوز بابها بخطوات غير خطواته الماضية، يعبر الممر الظليل، واثقاً متألقاً، وهو يشعر بكل حجر وكأنه يعرفه، ويرحب بمقدمه ترحيباً زاهداً أخرس.‏

-ألا نذهب إلى زيارة جدي حمد؟‏

سأل والده برغبة حقيقية، فتململ الأب محرجاً وقال:‏

-لن نذهب.‏

ولم يسأل لماذا أو ما الذي حدث، أطرق برأسه كما تطرق السنبلة برأسها أمام العاصفة.‏

فأردف الأب:‏

-جدك حمد مات.‏

وهاله الأمر، نفذت كلمة مات إلى سويداء القلب، إلى اللبّ مثل سهم قاتل لكنه كابر أمام هذا الطاغوت الموت، نظر إلى شجر السرو والمقاعد وحقل الشعير والغراف الذي لم يتغيّر، وتذكر الطاحونة، ومملكة أبي جورج، والحشد البشري المتقاتل، بينما عصا أبيه تشق درباً وسط هواجس ومحاذير تعني الكثير في مشاريع الرفاعي الأب.‏

-عبد الله.‏

-نعم.‏

-أنا أحمد الرفاعي خالفت جدك، لكنني نجحت فغفر لي، وأنا اليوم أعيد سيرة جدك فأترك لك الحق أن تخالفني ولن أغفر لك إذا أخفقت، ففي عائلة الرفاعي الإخفاق والفشل ممنوعان. -سأكون عند حسن ظنك.‏

-كن ما تكون ولكن إياك والعودة خائباً.‏

قال وهزّ عصاه في غضب هو بين الرضا والسخط يقرّبه إلى النفس ولا يخلق النفور إلاّ لماماً.‏

***‏

بعد الإجراءات المعتادة.‏

أسلم عبد الله نفسه إلى ما حوله، اتجه إلى الباحة وسط الطلاب الذين رآهم بعين جديدة، فلم تبهره الكثرة، ولا الألوان، أو التعدد بل ربما رأى في ذلك تجربة جديدة تثري عالم الطاحونة.‏

-عبد الله، يا عبد الله.‏

اخترقه الصياح مثل رصاصة، فاستفاق من شروده، ونبت من حوله شبحان عرف فيهما طالبين من بلدته.‏

-صالح، سعيد.‏

-عبد الله.‏

وتعانق الثلاثة ثمّ اندفعوا وسط الجمع، وكأنهم في دغل من أدغال الفرات يبحثون عن بيوض الدّراج والحمام البري، وهم يعلنون عن خشونة ليحموا جلوداً ورؤوساً حارة من صدامات غير محببة إلى نفوسهم.‏

-فرصة سعيدة يا عبد الله.‏

-أسعد بلقاكم.‏

-تصوّر: طلاباً من مرعش وأورفه وعينتاب والشام وطرابلس، ولا طالب غيرنا من البلد، أليست مأساة؟‏

قال صالح، فرد سعيد:‏

-ماذا تتوقع من جماعتنا؟ إذا جاءهم مجيدي اشتروا به خنجراً أو فأساً ليتقاتلوا، وإذا جاءهم عشرة بحثوا عن فرس أو امرأة.‏

-لا تظلموا الناس يا ناس.‏

-نظلمهم؟ يا رجل اتق ربك.‏

قال صالح، وضحك الثلاثة، فلفتوا الأنظار، فلم يبالوا وحين جاءهم صوت الطبل الذي لم يتغير نظروا إلى بعضهم وغرقوا في ضحك نظيف وحقيقي.‏

***‏

كانت المرحلة الأولى امتحاناً لعبد الله في مادة الرياضيات التي عانى منها في السابق، لكنه اليوم يقترب من مفاتيحها ويلج عالمها، ربما ساعده على ذلك النضج والمدرس الممتاز للمادة، فجلّى فيها كما في غيرها، هذا التجلي رسخ ثقته بنفسه، فاندفع غير هياب، يوّدع التردّد القديم والخجل، ويبدأ مشاركته الفعّاله في الحياة الطالبية، ويتقدم إلى امتحان فصلين دراسيين ينجح فيهما، فيكون الضائع مثلهما، ضاعا ولكن دون أسف فما ربحه كان أعظم وأثمن.‏

وعم النشاط بدأ اسم عبد الله الرفاعي يجد طريقاً إلى اللوحة التي تحمل التكريم والتقدير للطلاب المبرزين، وياله من فخر أحسّه حين جلس يلقي أول محاضرة علمية عن السرعة في عصر السرعة، ويوم جاءت أخبار فيضانات القلمون وما فعلته بالأهلين، تولى رئاسة لجنة التبرعات وجمع مبلغاً محترماً أدخل إلى نفسه لذة معايشة الحدث العام والتفاعل معه.‏

-عبد الله يا بن الرفاعي.‏

صاح به سعيد.. فردّ عليه:‏

-ماذا يا سعيد؟‏

-أصبحت نجماً.‏

-اتق ربك يا صاحبي.‏

ودار الاثنان في الباحة، فسأل عبد الله:‏

-أين صالح؟‏

-تراه ذهب إلى الغراف؟‏

-وماذا يعمل هناك.؟‏

-علمي علمك، أغلب الأحيان يذهب إلى هناك وكأنه عاشق على موعد مع الحبيبة.‏

وتذكر عبد الله علاقته الماضية مع حقل الشعير والغراف الذي كان يرى فيه الأهل والبلد وناسه البعيدين، فابتسم وتابع التجوال في المكان وحنين ناعم إلى عالم الطاحونة يمازج دمه ويخالط روحه.‏

-هذا عبد الله، هه.‏

صاح صديقه الإدلبي.. ثمّ تابع:‏

-تلقاه يضحك دائماً مثل المضيّع جحشة خاله، إن لقاها يغني، وإن ضيعها يغني.‏

-يا ظالم، بطلّ كلام الـ...‏

ولم يتركه يتم كلامه، بل سحبه من ذراعه ومضى به إلى زاوية من زوايا المدرسة الخالية.‏

وقال بطريقة جادة:‏

-عبد الله، ما أقوله لك أتمنى أن يظل سراً.‏

-في بئر عميق.‏

-اليوم بعد العشاء، تجهّز نفسك.‏

-وما وراءك؟‏

-المهم تلبس أحسن ما عندك، وتحلق.‏

-موعد غرامي..‏

قال عبد الله ساخراً.. فتابع الصديق بالجدية نفسها:‏

-غرامي جداً.‏

-أنا لا أفهم.‏

-ستفهم فيما بعد يا بدوي.‏

-ومن سيكون معنا؟!‏

-لا تستعجل‏

وانفلت مسرعاً وهو يقول:‏

-لا تنسَ.. ها.‏

وقرع الطبل، صحا عبد الله من انشغاله ثمّ أسرع إلى الصف.‏

***‏

كلّ شيء كان هادئاً في المهاجع الليلية، حين انسلّ عبد الله برفقة صديقه الإدلبي في الممرات الخالية إلا من أضواء شاحبة تتراقص.‏

-إلى أين تأخذنا؟‏

-اسكت؟‏

-ستورطنا مع رئيس النظار.‏

-لا تخفّ.‏

-يا..‏

-اس.. كت‏

وصالب سبابته على شفتيه، وتابع في اتجاه الباب الرئيس وقد بدت الموجودات خاشعة مستسلمة إلى سلطان النوم المستبد، وحين باتا على عتبة الباب الرئيس، وجدا أمامهما رئيس النظّار فلم يهتم الإدلبي بل تقدم إليه، وظل عبد الله في مكانه:‏

-تعال.‏

قال صديقه وهو يجرّه من وقفته. ثمّ رأى كالحالم الرجل الذي طالما بثّ الرهبة في النفوس، يفتح الباب أمامهما ليعبرا ثمّ لحق بهما، فاجتمعوا حفنة من الطلاب ثمّ ساروا، يتقدمهم رئيس النظار.‏

-إلى أين؟‏

همس عبد الله، فردّ صديقه ساخراً:‏

-سنسرق بيت المستشار الفرنسي.‏

-أعوذ بالله من شرّ هذه الليلة.‏

-ستظل تذكرها طويلاً.‏

-حيّرتني.‏

-احتار عدوك.‏

-بدأت تتحدث كالعجائز.‏

-يا عجوز، يا بدوي.‏

وراقب عبد الله ما حوله، الظلام البهيم، وأضواء قناق حسين المدرّس، ثمّ بيت الجنرال الفرنسي قائد المنطقة الشمالية، بحرسه السود الذين يقفون دوماً على الرصيف، يمنعون المارة من السير عليه، ثمّ صوت خطوات زملائه التي تبدو أعلى من المألوف وسط هذا السكون الهادئ، الذي لا يؤتمن.‏

-عبد الله.‏

-ولم يردّ.. فتابع صديقه:‏

-إذا اجتمع البدوي والليل كانت السرقة ثالثهما.‏

ردّ عبد الله، فردّ الصديق ضاحكاً بخفوت.. وتابع حديثاً هامساً عن وجهة سيرهما، فهم إنهم على موعد مع الدكتور ناظم القدسي أحد أقطاب الكتلة الوطنية المعارضة للاحتلال الفرنسي، هذا الشاب العائد من سويسرا يحمل درجة علمية في الحقوق ندر وجودها في البلد تلك الأيام.‏

***‏

على مدى أيام ظلّت صورة الدكتور الشاب النحيل، لا تفارق خيال عبد الله، كما ظل صدى كلماته المتقدة يرنّ في سمعه، "أنتم جيل المستقبل، وعدّة الأمة، وعمادها، فكونوا لائقين بالمهمة التي تنتظركم.." وتغيب المقاطع والحروف في جو احتفالي عابق بعطر فاغم وضوء وأناقة تشع من كل مكان في البيت، وألوان ولوحات تزين الجدران.‏

-والجانب الآخر لهم الحق في الكلام والرأي.‏

لم يدرِ كيف أفلتت الكلمات من بين شفتيه فران صمت، قطعته ضحكة ناعمة من الدكتور وتعقيب:‏

-نحن لا ندعو إلى مصادرة آراء الآخرين.‏

وتتابع الحوار وقد تكسّر الجمود والخشية في النفوس، وبدت الكلمات أقرب، والقلوب أكثر ألفة، وفي نهاية اللقاء، قال الدكتور:‏

-وكل ما نريده منكم، أن تكتبوا لنا تقارير عمّا يجري في المدرسة، لنكون في الصورة.‏

-تقارير؟!‏

صاح عبد الله كالملسوع، ثمّ تابع والدهشة لا تفارق كل كلمة ينطق بها أمام الدكتور:‏

-نحن نكتب تقارير؟‏

-نعم وماذا في الأمر؟ مصلحة البلد تتطلب ذلك، فأنتم لا تكتبونها لعدو يريد خراب البلد.‏

-لا. أبداً، لن نفعل.‏

-ولماذا لا؟‏

-لأن كتابة التقارير مهمة ووظيفة أناس آخرين بحكم وظيفتهم وعملهم، أمّا نحن فالأمر يختلف، فهو أقرب إلى التجسس على غيرنا، مما يقلل من احترامنا لأنفسنا، واحترام الآخرين لنا. فابحثوا عن وسائل أو أناس آخرين يفهمون الأشياء بنضج أكبر، فمن يتعود كتابة التقارير لا يهمه فيما بعد الجهة التي تطلبها منه.‏

ولم يعقب الدكتور، هزّ رأسه بأناقة ونعومة ثمّ ابتسم وهو يرافق المجموعة إلى الباب، دون أن يغضب.‏

أيام مرت، أعقبها تصاعد حدّة المظاهرات والاحتجاجات ولم يعد إلى الحديث عن اللقاء مرّة أخرى مع صديقه الإدلبي.‏

***‏

وقد حمل إلى عبد الله نشر قصيدة من قصائده ثقة جديدة، ومع ذلك ظل ينشر بأسماء مستعارة هرباً من تبعات لا يريدها، وحين قرر الاحتفال بالمناسبة نزل مع سعيد وصالح إلى مركز المدينة، فركبوا الترمواي بمتعة واحتفال، ثمّ حضروا فيلماً سينمائياً في صالة "رويال" وتابعوا بعدها التجوال في الشوارع وحينما مرّوا من أمام سينما "روكسي" صاح صالح وهو يرى امرأة تعبر من أمامهم كتلة من السواد لا يبدو منها شيئاً:‏

-امرأة.‏

-بل شبح، ففي حلب لا ترى النسوان سافرات إلاّ في الحلم.‏

-لكنني رأيت العشرات منهن حاسرات سافرات أمام عيني.‏

-كذّاب. أين رأيتهن؟‏

-لا تتسرع. اهدأ واسمع.‏

-أسمع مجنوناً يريد أن يقنعني أنّ الشمس تشرق من الغرب، لا، لا. قل كلاماً آخر.‏

صاح سعيد، فتابع صالح:‏

-نعم تسمع، فأنا كما تعرف نحيف، ضئيل القامة، أبدو أصغر من عمري بكثير. وهذا واضح.‏

-وماذا يعني ذلك؟‏

-أعوذ بالله من العجلة والعجولين.‏

-حسن، هات ما عندك، فكليّ آذان صاغية.‏

عند هذا الحدّ، تنحنح صالح، وتصنع الجدّ، وبدأ يروي:‏

-صباح أحد الجمع الماضية، سحرني الجو المشمس، والعصافير على الشجر فقادتني قدماي إلى هنا، تسكعت بلا هدف أرقب الناس والحركة الدائمة وواجهات الدكاكين، ثمّ توقفت أمام سينما "روكسي" فاقترب مني رجل كهل، يضع طاقية من الصوف على رأسه، ويبرق الذهب من أصابعه وأسنانه وقال:‏

-مرحبا خاي.‏

ورددت السلام بكلمات متشككة، فتابع:‏

-تحب السينما؟‏

فهززت رأسي وقلت بصوت خفيض:‏

-نعم.‏

-إذن تحب الدخول؟‏

ولم أحر جواباً، فقال:‏

-أنا مستعد لإدخالك السينما.‏

-لماذا؟‏

كان صوتي خافتاً، والخوف يلبط في عبيّ مثل فأر لجوج فتابع:‏

-الشغلة بسيطة، أنت تريد حضور الفيلم، وأنا أريد أن أربح.‏

-كيف؟‏

-الحفلة اليوم للنسوان، ولا مجال لدخول الرجال، وفي فترات الاستراحة سوف تحتاج الحاضرات إلى الماء، وهذه شغلتك، أعطيك الماء تبيعه لهن، كل كأس ببرغوث صغير.‏

-لا عمي لا.‏

-وفوق ذلك سأعطيك ربع مجيدي، بل قل نصف مجيدي، ولا برغوث فوق ذلك.‏

-لا.‏

قلت له بتردد، وقلبي يدق بعنف فبرم شاربه المصبوغ وتفكر لحظة ثمّ قال بعد ذلك:‏

-أنت ولد طيب، سأعطيك مجيدياً، ماذا قلت؟‏

-قبلت.‏

قبلت ثمّ دخلت، كانت الأضواء مطفأة، فانتبذت مكاناً قصياً ورحت أرقب الصور المتلاحقة بأنفاس لاهثة، ويدي تمسك بإبريق الماء والكأس المعدني، ومضى نصف ساعة على ذلك، وفجأة سطعت الأضواء فكاد يغمى علي والله، فما رأيته لا يمكن أن يراه الإنسان، نسوان، عشرات النسوان عاريات الأذرع والصدور، بيضاوات وسمراوات وشقراوات كعذارى الجنة يصخبن ويضحكن بعيون مكحولة وخدود تتفجر بالنار وزهر الرمان.‏

-وبعد؟!‏

قال صالح بلؤم:‏

-وما بقي لي وحدي.‏

ثمّ ضحك وقد بدأت المدرسة تلوح على البعد ببنائها الشامخ الذي يكاد يكون معزولاً عن المدينة آنذاك.‏

***‏

سنة مرّت، تلتها سنوات أخر في حلب.‏

وفي عامه الدراسي الأخير، عايش عبد الله جمر الغليان، واكتوى بلهب المواجهة العنيدة بين الحركة الوطنية، وبين المحتل الأجنبي، حتّى تحولّ البلد أرضاً من الجمر والغضب، ففي إضراب السبعين يوماً، وحلب منشغلة بالمواجهة والتحدّي، منعت قوات الاحتلال الفرنسي الأهالي من الصلاة في الجامع الكبير، خوفاً من وجود جموع بهذا الحجم، قابلة للاشتعال كقش يابس.‏

وقد جاءه صديقه الإدلبي ذات يوم بعد غيبة قصيرة، وكأنها أشهر، فبادره على الفور قائلاً بلهفة:‏

-عبد الله..‏

-نعم. مالي أراك ملهوفاً؟‏

-أين أنت يا رجل كل هذه المدة؟‏

-أين تريدني أن أكون؟ شرقي المخمر، غرب الصاج.‏

-دعني من أمثالكم البائسة الآن.‏

-هآنذا وكلي آذان صاغية. تفضّل.‏

-سنذهب للصلاة في الجامع الكبير هذا الأسبوع.‏

-ماذا تقول؟‏

-سنذهب للصلاة في الجامع الكبير.. سمعت؟؟‏

-ولماذا الجامع الكبير بالذات، وفي هذه الظروف الحرجة من المواجهة مع محتل فقد صوابه؟!‏

-لأن هنانو سيصلي هناك.‏

-وأمر المنع؟!‏

-ليذهب إلى الجحيم هو ومن أصدره.‏

وجاءت الجموع من كل مكان، من الأحياء الشعبية وغير الشعبية، من القريبة والبعيدة، عمال وأصحاب دكاكين وموظفون وباعة جوَّالون، لابسو طرابيش أو عمامات أو كوفيات، وكانت العيون غاضبة، تقدح شراراً، والنفوس هائجة تجيش بسخط حبيس، ومهما مرّت السنون لن تفارق خياله المحموم وستظل صورة إبراهيم هنانو يجرّ عطفيه في صحن المسجد بتحدٍ وكبرياء وإلهام عبقري. ولم تكن الصلاة يومها صلاة فحسب، كانت شيئاً لا اسم له، شيئاً خارقاً، مزيجاً من عطر النبوة وتراب الأرض، مطراً تمتد خيوطه ما بين سرة الأرض وقبة السماء.‏

وقد كتب في دفتره: "لم يكن هنانو في تلك اللحظة رجلاً وحسب، بل كان وطناً في صورة رجل."‏

ثمّ ردّد الآية الكريمة "إنَّ إبراهيم كان أمةَ".‏

وآخر العام حمل حقائبه وشهادته الثانوية.‏

عائداً إلى بلدته استعداداً لرحلة جديدة إلى جامعة دمشق حيث سنوات من الصقل والتحصيل والجمر.‏

***‏

على غير ما ألف أفاق ديران باكراً، ببساطة وآلية تثاءب وهو يرفع الغطاء عن صدره، وينسل من الفراش عارياً، يستقبل تباشير الفجر، ودوار خفيف يعصف برأسه، قام بحركات رياضية سريعة ثمّ تابع إلى المطبخ، وقد شعر بحلقه يلتهب من العطش والجفاف.‏

شرب قليلاً من الماء البارد فأحس بالانتعاش، ثمّ أعدّ فنجاناً من القهوة ومضى إلى ساحة البيت، حيث الطاولة والكرسي في مكانهما المعتاد، جلس ومدد ساقيه، وشرع يشرب قهوته بصفاء وعذوبة بعد أن أشعل سيكاراً من تبغه المفضل وسط هدوء بهي يسوّر عرائش الورد، ويتوج ذؤابات السرو، هذا الطالع بشموخ يريد أن يناط عروة السحاب الأبيض بينما أبره الخضراء تنتظر إطلالة إله بعربته النارية، ومواكبه الباهرة، لتبدأ تراتيلها الجنائزية اللائعة بأنين طويل لا يعرفه غير الأرمن.‏

رشف حسوة من فنجانه فأعادته حرارة القهوة إلى واقعه، تأمل أظافر قدميه، وأصابعه الطويلة، وجلده، ومربعات البلاط، وعضّ على شفته السفلى دلالة اليقظة، وودّ لو يلمس رأسه ليتأكد من أنّ الرأس ما زال موجوداً.‏

وتذكر هاتف الظهيرة، فأعادته الذكرى إلى أيام الاندفاع، والعشق، والشباب الغرير، أيام زكاء القربي المجنونة، تلك الفاسدة الصغيرة، التي جاءت إلى الدنيا نتاج لحظة جمعت بين عثمان القربي التاجر وإحدى الفنانات القادمات للعمل في مرابع دمشق الليلية من بلاد الضباب والجليد في الغرب.‏

فتنتها دمشق بروحها الأموية الشرقية أكثر مما فتنها الرجل الشرقي فتزوجت، وحين ملّت كل شيء رحلت مخلفة وراءها طفلة كانت ثمرة تلك النزوة، ولم يأسف الوالد كثيراً.‏

قالت له مرة بعد زواجها:‏

ديران.‏

-نعم.‏

-هل أنت غاضب علي؟!‏

-لا أعرف.‏

-إذا كنت غاضباً فأنت مجنون.‏

-وأنت؟‏

-أنا سعيدة فزوجي غني، معه المال الذي سأرى بواسطته الدنيا وحين أمل من الدوران والذهب والفنادق سيكون أول عمل أفكر به هو خيانته.‏

-اسمحي لي أن أقول: هذا عهر.‏

-بل هو ميراث الدم الذي ورثته عن الوالدة العزيزة.‏

-ولا تخجلين.‏

-لا تكن غيوراً مثل فلاح أحمق.‏

-وشرف الرجل؟!‏

-رجل مثله يملك كل المال هذه لا يمكن أن يكون له شرف وإلا كيف استطاع أن يجمع كل هذه الثروة؟!‏

-الرجل يعمل في التجارة‏

-التجارة تعرف الشرف صفقه رابحة.‏

-اليوم تتكلمين فلسفة.‏

-وهو كذلك.‏

بالتأكيد ستأتي، ولن يكون الأول أو الأخير الذي يصطحب عشيقته لتعيش معه فهناك بعض الأطباء والموظفين الكبار الذين يعيشون مع عشيقات جاؤوا بهن لكسر رتابة هذه الأيام الرمادية. وقام من مكانه.‏

***‏

تحت شجرة التوت الكبيرة.‏

جلس "قره بيت نها بيديان" صانع العربات العجوز، كان قلقاً محاصراً، وخائفاً متهيباً، وضع فنجان القهوة، وتابع حلقات الدخان تتابع من لفافته، ومن وجهه الأشقر المحروق كانت تطلّ نظرته الحزينة، الجزعة وكأنه مقبل على أمر عظيم وخطير.‏

فناء المنزل واسع تتناثر فيه قطع الأخشاب وأحواض الماء الواسعة لكنه اليوم خالٍ من أية عربة، فالمعلم "قره بيت" توقف عن العمل، هكذا قال للجميع:‏

-يوم الراحة يعني راحة.‏

ورغم التوسلات والإغراءات رفض كل عروض القرويين الذين اعتادوا على عمله المتقن وصدقه في التعامل ومواعيده الدقيقة، واقتصر في النهاية على هزّ رأسه الأشيب الكبير دلالة الرفض وهو يغص بالألم والدمع، ولا يبدي سبباً.‏

البيت خاوٍ ساكن لأول مرّة، فالنار مطفأة، وعدة الشغل متناثرة بإهمال وزهد لم يعرفهما المعلم طوال حياته التي قامت على الجدّ والعمل، والعمال صرفهم مع "بخشيش" مناسب لكل واحد. لذا بدا كل شيء يغرق في ذهول الصمت بدءاً بالخشب وانتهاءً بشجرة التوت والحيطان والعصافير التي وقفت واجمة أمام الجو الجديد.‏

كزّ على عقب سيكارة بنزق ورشف قهوته المرّة، ثمّ راقب قامة زوجته وهي تخرج من إحدى الغرف، لم يبقَ سواهما، فالأولاد هاجروا إلى أمريكا والبنت تزوجت وهي اليوم في حلب، قد يرونها أو تراهما في المناسبات البعيدة والأعياد.‏

واليوم؟! آخ من اليوم، وألف آخ من الأيام القادمة، لأنها لم تعد أيامك يا معلم "قره بيت" فأيامك مضت، صوحت بهجتها أعوام الذبح والترحيل، حيث أكلت من قدميك الممرات الجبلية، وصحراء دير الزور والرقة وعاشر جسدك الأرمني ثلوج الشتاء القاسي، والوحل، والريح الصرصر وعرف شموس القيظ، حيث يسقط مخّ العصفور، وتذوب الكائنات في هجيرها، فتآخى هذا الجسد مع كل ألوان العذابات، مع حشائش الأرض، وهوامها، مع الرجوم والوديان وكائنات الليل، ولصوص النهار، حتّى الأفاعي لطأت إلى جانبك وكأنك قربان مقدّس، ذبيحة المواقف الأولى، حيث كان على أجدادك أن يحفروا معابدهم في باطن الأرض، ليهربوا بإيمانهم عن العيون، هذا الإيمان الذي علّمك اليومي والخالد، العادي والخارق، وكانت بروق الأسئلة تمرّ برأسك الفائر من ألم وإيمان: ليش؟! ولا يجيبك سوى قنوت الوديان وانبساط الأرض العراء ولم تفقد وعيك أو أدعيتك، ركضت مثل سروة حزينة يتصاعد أنينها وسياط الجندرمة تسلخ لحمك الحيّ، والدم يتفزّر، يعلن عن انتمائه ووحدته، صابرت وصبرت، ورأيت في كل الوجوه وجهك الأرمني الصابر، المطمئن، المكابر، وكأنه غضار شققه العطش، وتجمعت كل الصرخات في صرخة واحدة "أرمينيا"، ومع ذلك خاف لحمك الدامي وما خاف قلبك، تهرأ جسدك الأرضي، وما تزعزع إيمانك السماوي، ومع كل ضربة سوط كنت تسمو، تصعد الجلجلة، وسط نشيد سرّي من تراتيل الشهداء والقديسيين، حيث تبرز وجوههم أيقونات تزين صحراء الجزيرة الفراتية، ويظل السؤال معلقاً في سقف الحلق، يتدندل علقاً، حسكة شبوط، يختصر عمراً واخزاً من الألم والأنين.. يتصاعد: ليش؟! من أرسل القتلة بثياب الناس؟! من أعطى للأصابع حركة الإطلاق؟ وللعيون حدّة الرؤية؟ من قال للأدوات: اقتلوا شعباً لا طرائد من الثعالب والغزلان؟! من خلق الضدّ وقال: تلك الأضداد؟!‏

هاكم شريعة الذؤبان، حين البيوت نهبت، والأعراض سلبت، والأرواح -يا عزّ هاتيك الأرواح -باتت أرخص من التراب، وكان كل شيء ضدكم ضدنا، ضد الدنيا، الآبار تحولت إلى مقابر جماعية، والأنهار عصابات لليل والنهار، الطرق، و... و...‏

هذه المشاعر تلمسها في كل عصب، في كل جرح اندمل في الجسد، ولم يندمل في الروح، وما من شيء يرفأ جرح الروح، كل ذلك حولته أناملك التي لم تفقد عزمها إلى رنين أجراس الكنائس المثقل بتاريخ أنت صداه، تاريخ مثقل بدمع وحجارة، بنار وحديد أو نحاس، بعصب ودم، نغم وقيثارة صعد منها كل هذا البكاء في براري الموت الأرمني حيث لا مفرّ من دفع ثمن ألا تكون الآخر الضدّ، وما خنت.‏

نحلة تستيقظ فيك بعد موت وعطش، تطلب زهراً لعسلها هذا الشعور الذي يتوالد فيك الآن يا معلم، ومع ذلك لا يفهم فيك الرأس ما تقوله الأصابع للقدمين.‏

-الطريق بات واضحاً.‏

-لا تنظر إلى موطئ قدميك فتعثر.‏

لو أثرت مثل هذا الحوار لخامرك الخبل، ومع ذلك تعبر عنه الرؤيا التي لا يفسرها أحد، فالعربات وحديد العجلات قالت كل ذلك ومع ذلك فهمت -ولكنّ ذلك كان متأخراً -فأنت اليوم تفقد كل شيء، يسكت الأنين في الخشب وحديد العجلات، وتفقد أصابعك رنين اللغة، ويهدأ الصخب في البيت ولا يبقى لك سوى الجسد المصلوب وعبء الشيخوخة.‏

واليوم؟!‏

ما في شغل؟! ما في معلم قره بيت؟ أين ذهب كل ذلك؟ وماذا بقي؟! هل هو هذا الحنين الجارف الذي لا يقاوم؟ أم الانتماء إلى مجرّة أخرى غير المجرّة الأم -قد لا تفهم كل ذلك يا معلم -لكنك تحياه، تحسه، تلمسه بأصابعك الملهمة، كما تلمس جلافة الخشب فيتحول إلى موسيقا ولحم ينبض بالحياة تصدح في اليباس.‏

***‏

-أهلاً وسهلاً مسيو ديران قال قره بيت وهو يقفز من مكانه ويقف باحترام وتقدير، فردّ عليه ديران بمودة وتقدير:‏

-مرحبا معلم قره بيت.‏

-أهلاً.. أهلاً.‏

وتصافحت اليدان ثمّ جلسا..‏

-أراك اليوم وحيداً‏

-صرفت العمال‏

-لم يعد هناك عمل؟.‏

-نعم.‏

-إضراب؟!‏

-وضحك بينما اقتربت سيدة البيت بالقهوة، ففاحت رائحة ألفة ومودة، وأجاب قره بيت:‏

-لا. بارون ديران‏

-ميرسي.‏

وتناول فنجان قهوته شاكراً، ثمّ رشف منه جرعة وأردف:‏

-مشروع جديد؟!‏

-لم يبقَ من العمر ما يكفي لمشاريع جديدة.‏

-إذن.‏

-لقد قررت العودة.‏

-العودة؟!‏

-نعم.‏

-وإلى أين تريد العودة؟‏

-إلى أين؟ إلى أرمينيا.‏

ووجم ديران ولم يعقب، ورفت في عينيه رعشة غامضة لا يدرك معناها إلاّ الخبير المدقق.‏

-لقد وفيّت هذا البلد كماله في رقبتي من دين، ولم يبقَ أمامي إلاّ العودة لأموت هناك في الوطن، مثلي مثل أي غرنوق عجوز.‏

-ولكن لماذا لا تهاجر إلى أمريكا؟‏

-وماذا أفعل في أمريكا؟ من أجل المال؟ هنا أربح أكثر من أمريكا.‏

ولم يعرف ديران بمَ يجيب؟ فتابع شرب قهوته.‏

***‏

-قلت ما اسم البلد؟‏

-الرميلة، أتعرفها؟‏

-الرميلة؟‏

كرر الاسم وهو يهزّ رأسه الأشيب باسماً، ثمّ رفع نظره إلى وجه أبي الخير الفتي دون أن يتكلم أو ينطق بحرف.. ثمّ انفجر:‏

-الرميلة يا سيدي قرية، وكلامي هذا قبل عشر سنوات فهي لا بدّ كبرت كثيراً الآن، تقع على نهر الفرات في الشمال، ربما ضايقك جوها الحار والعجاج في الصيف والوحل في الشتاء، لكنك سترجع بثروة فهي منبع القطن والصوف والسمن والقمح ومشاكلها قليلة.‏

-لكنهم قالوا لي في الداخلية، أنت ذاهب إلى بلد مثل تكساس في أفلام الكابوي كل يوم رصاص وخناجر وقتلى أمام سراي الحكومة، الوزير غاضب من هذا الأمر والمراجع العليا محرجة، وقد اختاروك لسمعتك، لتعيد هيبة الحكومة إلى ذلك البلد، ومعك صلاحيات فوق العادة من أعلى مستوى، المهم أن تتوقف هذه الموجة البدائية من العنف غير المعقول وغير المفهوم، فلا أهداف سياسية أو اجتماعية أو دينية وراءه مجرد هيجان دموي.‏

-إياك أن تردّ على هذا الكلام، فالرؤوس الكبيرة، والكروش المنفوخة وراء الطاولات اللامعة والرتب والنياشين عند أول زوبعة يختفون، اسأل من عمل معهم طويلاً، تجدهم في المكافآت والثناءات في الصف الأول، وفي تحمّل المسؤوليات في الصف الأخير، ويقدمون ضحاياهم، فلا تسلمهم رقبتك، أو تمكنهم من أذنيك.‏

-لا تنسَ أنني أبو الخير، بهذه الذراع القوية ركعت كل زعران وشيوخ الشباب في الشام والجوار، ومسحت بالمتظاهرين من جماعة السياسة الشوارع.‏

-الشيخ منا يجد كل ما قمتم به من عهد الزعيم إلى الآن لعب صبيان، فالذراع القوية بدون عقل تتحول إلى ساطور.‏

-يا شيخ لا تتحدثون إلاّ عن العقل.‏

-هذا لأنكم جيل طلّق العقل وركب موجة "الحيونة".‏

-اصرفوا العقل مكافآت ورتباً يا حضرة الشيف العجوز.‏

-موفقّ أبا الخير، لا تنسَ أن هؤلاء الذين تتعامل معهم أرواح وأبناء بلد.‏

-تكرم أبا عدنان.‏

تذكر هذه الحوارية بينه وبين جاره المتقاعد العجوز، والسيارة تخترق في غبش الفجر شوارع دمشق دمشق النائمة، أميرة أموية تحلم بذراع هشام العظيم، وقاسيون يبدو جليلاً وقوراً يدفع بمناكبه الجرداء السحب الشاردة وبقايا ضوء النجوم، وثمالة من سكرة الماضي لا زالت في خوابيه.‏

نظر عن يمينه، المقعد المخصص لثلاثة خالٍ إلا من امرأة جميلة جداً، أنيقة وواثقة جداً، يبدو أنها دفعت أجر المقعدين الآخرين.‏

-الوجه الجميل يجلب الفأل الحسن.‏

قال في نفسه.‏

-هذا الكركدن يبدو مضحكاً في ثيابه العسكرية، وهو يتصنع الحلم والاتزان، لكنه نافع في الطريق ومفيد.‏

قالت في نفسها، والسيارة تمضي كنجمة الصبح، تعبر البساتين، وتخلف أضواء البيوت الشاحبة، وحركة الاستعداد السرية لاستقبال الصباح تعلن عن نفسها تنتظر لحظة أن يولد النهار من الليل كما يولد السيف من غمده.‏

-مثل هذا الجمال يقلب حكومة.‏

قال الوكيل، وقد حبس أنفاسه، وكأنه يتقدم فصيلاً عسكرياً ذاهباً إلى الإعدام في غبش الفجر.‏

-هذه العصا الحكومية الغليظة لائقة بالقرى التي تذهب إليها.‏

-قالت المرأة، وشعور جارف في سيكارة، تغرق في دخانها الأزرق يسيطر عليها، علها تكسر حدّة التوتر، لكنها قد تكون مدخلاً إلى سوء ظنّ وخطل وضلالات تنكر عليها الراحة التي تستسلم إليها.‏

-لها رأس ملكة، وجسد عاهرة.‏

قال الوكيل.‏

-هذا الشارب شارب مصاص دماء.‏

قالت المرأة:‏

-داخل هذه الثياب الغالية جنّة صغيرة من الدفء والقهوة والهيل، لا يدخلها إلا الحصان الفحل وهي ذاهبة إليه.‏

قال الوكيل بثقة تقرب الإلهام.‏

-لا يمكن لمثل هذه اليد الثقيلة أن تعرف لمسة الحنان.‏

قالت المرأة.‏

-جمال ومال.‏

قال الوكيل.‏

-ترى ماذا يدور في هذا الرأس؟ أي نمل أسود يدبّ الآن؟‏

قالت المرأة.‏

-بالتأكيد وراءها عائلة تملك نصف الشام، وزوج من كرتون.‏

قال الوكيل.‏

-هذا الوضع محرج، كمن حبس في قفص مع غوريلا صامتة ومهذبة.‏

قالت المرأة.‏

-ومع هذا يمكن أن تكون عاهرة على مستوى عالٍ، عشيقة لواحد من الضباط القادة أو الوزراء.‏

قال الوكيل.‏

-اللعنة على الرميلة. وعلى ديران ميناسيان.‏

قالت زكاء القربي.‏

-اللعنة على الرميلة هذه القرية التي نسيها الله، ترى كيف يتذكرها القائد العام للدرك ووزير الداخلية؟‏

قال أبو الخير ثم استرخى، وقد بدت النبك في ضوء الشمس الغامر.‏

***‏

حين ألقت نظرتها الأخيرة على البناء الباذخ.‏

شعرت بذلك الشبع القابع في داخلها يتقلقل، وبتماسكه الصواني يتفتت، يتحول إلى حوّار هش ويتلاشى، شعرت أنها تغتسل من رائحة الغرف الواسعة والخشب الصامت، وعيون الخدم الخرساء والمرمر البارد، ومن الشبع، الشبع من المال، من التسلط، ووهج الذهب البارد، والرحلات، والثياب ووجوه الضيوف المقنّعة، شعرت أنها سلحفاة تخرج من ثلاجة وعند أول لمسة دفء إنساني خارج أسوار البناء تدفق الدم في عروقها يكمل دورة النشيد الأزلي الخالد، ومن داخلها همس الصوت:‏

ـ أنا إنسانة.‏

ثم انطلقت في الشوارع، كانت وجوه الناس قريبة، وأنفاسهم تلامس بشرتها وشعرها، وأيديهم قريبة أيضاً، لو شاءت لمستها بكل بساطة، هذا القرب من الناس وحشي وأنيس، يؤكد ذاته خفية، وبإشارات غامضة فيها الرغبة والتكامل والخوف والفقدان، ينطلق مرة من عيون غزلة، ومرّة من بسمة ذابلة، وأحايين من حركة الأصابع والخطوات، كادت أن تصرخ بهم "أين كنتم كل هذه المدة؟ بل أين كانت هي؟" أرنب حبيس في قصر من البللور في ظروف مثالية للموت السعيد.‏

وقاءت كل ما في داخلها من امتلاء وخدر وغثاثة هذا الداخل المعقم كقطن نظيف، لينطلق من الهدير، والأجراس الضوئية، والفراشات الملونة والإثم المتألق فالحياة الباردة طعام بارد، تأنفه الروح المشبعة بعبق الفلفل والبهار والدفء، وضوء الشمس كصارية غير منكّسة.‏

ـ من أجل البنت على الأقل... ها؟!.‏

ـ نعم.‏

قال بخنوع، ثم تحرّك في الغرفة بارتباك. وتابع:‏

ـ أرجوك زكاء.‏

ـ البنت قلت لي...؟‏

ـ نعم أرجوك.‏

ـ وأين البنت الآن؟! في المدرسة الداخلية أليس كذلك؟ كم مرّة نراها في السنة؟ خمس مرات، ست مرات...؟‏

ـ ولكن...‏

ـ أعرف سلفاً ما ردّدته على سمعي مائة مرَّة. التربية، والراحة، والتأهيل، والحياة، والمستقبل.‏

ـ زكاء. اسمعيني.‏

ـ شيء واحد من الممكن أن أسمعه منك إما طلاقي أو طلاقها، من الممكن أن يكون لك بيتان وسيارتان ورصيدان، أما زوجتان؟! مستحيل.‏

ـ زكاء.‏

ـ من كان يصدق، أنَّ هذا الرجل المشغول دائماً بالأرقام والحسابات يمكن أن يدبر هذا التدبير الماكر؟ سنة كاملة... سنة؟!‏

ـ زكاء اسمعيني، ما يلزمك الآن رحلة طويلة للتفكير والتكيف وسترين أن كل ما أحسست به مجرد تهويل.‏

ـ تهويل؟!‏

ـ نعم.‏

ـ نعم؟ جميلة هذه النعم، رائعة وفاتنة مثلك.‏

ـ لو فكرت قليلاً لوجدت أنها ليست نهاية العالم.‏

ـ فكرت؟! ليست نهاية العالم؟!‏

ردّدت بمرارة سوداء وسخرية، ثم تابعت:‏

ـ حتى الكروش الكبيرة بدأت تفكر، وتفكر بصوت عالٍ يا رب السموات، أين كانت كل هذه الأفكار مخبأة؟ هل طرحوا في الصيدليات حبوباً للفهم أم جرعات للفلسفة والمنطق؟‏

ـ بالرغم من كل شيء تظلين السيدة المطلقة.‏

ـ السيدة على ماذا؟‏

ـ على كل شيء.‏

قال واختنق وسط إحساس عميق بالورطة والعناد والإصرار على عدم التراجع، كطفل يرفض أن يتنازل عن لعبة اشتراها خلسة من مصروفه الخاص، رغم التأنيب والعقوبات، حصان عجوز ينهزم أمان حسّ التلاشي بدأ الخوف يدفعه إلى خطوات خارج مدار التوازن وهو الذي عاش مساحة من اللحم والشيكات والورم المالي يقبع كرنين جرس صغير، ينحدر وزكاء تتألق وتصعد، حمامة بيضاء إلى قمة النضج والثراء الرخص، يقلب أصابعه المثقلة بالخواتيم والشعر الأسود، وهذا الجلد اللامع المدهون بالعافية، غشته غمامة من الكتامة والجفاف، ورنين الجرس الصغير يثقب جدار اللحم مثل القرحة، وينحدر ويظل يزهو، يزهو بثيابه ولغوده وأمراضه وبرودة فراشه، ولعبته الصغيرة في خداع زكاء، والزواج.‏

ـ حين يكبر الثور فمكانه اللائق المسلخ.‏

قالتها بالفرنسية، وخرجت بشموخ أميرة أموية تشهد سقوط الشام من شرنقتها الحريرية إلى الضوء والدفء، أغلقت الباب، شعرت بآلاف الأذرع والشوارع والبيوت تشرع أبوابها ونوافذها وشناشيلها، ولم تسأل نفسها إلى أين عليها أن تذهب؟ فهي إن تعبت من المسير، ومراقبة العالم الذي عادت إليه بعد غيبة، فستذهب إلى منزل العائلة الباقي، العائلة التي لم يبقَ منها سوى جدّة عجوز، وأخ خسر كل شيء ثم هاجر إلى البرازيل، وحكمته في ذلك:‏

ـ لا تعش في بلد عرفك غنياً إذا افتقرت، أو كنت سيداً فيه فخانك الزمن فتدنيت، فمن يسقط تكثر السكاكين عليه.‏

ولم تعرف قيمة كل ذلك إلا الآن، نعم الآن، اكتشفت معنى العبارة التي قالتها يوماً في حديث عابر مع ديران "لا يعود التاجر إنساناً إلا إذا أفلس" فهذا الجلد القاسي من الغرور والثقة العمياء والاستهتار يتقشر كلحاء الشجر ليطل اللبّ الإنساني الأبيض اللدن، فتعرف العين ملوحة الدمع، والحنجرة الشجو، والقلب نبضه الحار، هذا الانكسار الأنيس في حركات أخيها الأخيرة، والحيرة، والمراجعة واللوم لم تثمنه إلا الآن، نعم، فلقد تغيرت نظراته، أصبحت أكثر أنساً، ولمسة أصابعه فارقتها خبرة التاجر بالأقمشة والمعادن، وبات لها عصبها الإنساني، نعم الآن.‏

***‏

ـ هذا الرأس الجميل لم يخلق للتفكير والتأمل.‏

قال الوكيل، والسيارة تخلّف النبك وراءها، والسائق يفتح حواراً مع الراكب الذي إلى جانبه حول مواصفات السيارات، وأنواعها.‏

ـ كل شيء أصبح حقيقياً، فمن يصدّق أن زكاء القربي في طريقها إلى قرية لا يعرفها أحد في دمشق؟!‏

قالت المرأة، وراقبت الطريق، والمرتفعات، ووجوه الفلاحين في القرى، وجوهاً معجونة بالشمس والتعب والعرق:‏

ـ امرأة مثل هذه لو طلبت إليك رأس قائد الدرك لقدمته لها على طبق من فضة، أو لبن العصفور لخلقته لها من تحت الأرض، ومع هذا تذهب وحيدة، وحزينة إلى جهة مجهولة، زمن ابن حذاء، ورجال من جصّ.‏

قال الوكيل، ثم أخرج علبة الدخان بأبهة قبضاي أزعر.‏

ـ بدأت الزوبعة.‏

قالت المرأة، وهي ترقب الأصابع الخشنة ترفع العلبة، وتسحب السيكارة، تغرسها بين الشفاه الغليظة وتشعلها:‏

ـ كل هذا الوقت لم يخطر لك الدخان إلاّ الآن؟!.‏

قالت المرأة، ومع أول نفثة أحست بدغدغة في حلقها وخيشومها وحلمة ثديها، وبين أصابعها:‏

ـ تشرب سمّاً.‏

قالت المرأة، ولأول مرّة ترغب في شيء ولا تجرؤ على الاقتراب منه، فكل تعاملها كان دائماً مع مدنيين، أما الدرك؟!‏

ـ الدرك كلاب حراسة لقصور الأغوات في الريف.‏

لا تدري متى سمعت هذه العبارة؟ ولا ممن سمعتها؟ لكنها تذكرها الآن وهي تراقب حركات الوكيل الجافية، ودخان سيكارته المُغري.‏

ـ أدفع رشاوى عام كامل لو رافقتني إلى الرميلة.‏

قال الوكيل.‏

ـ لو تكلم لكان أكثر قرباً إلى النفس، أو على الأقل تبددت هذه الوحشة.‏

قالت المرأة:‏

ـ لأول مرّة تنهزم يا أبا الخير، ولا تجرؤ على الكلام، مجرد الكلام، ومع من يا شيخ الشباب، وبعبع الدرك؟! مع امرأة.‏

قال الوكيل، يسخر من نفسه، ومن أدبه الذي يليق برجال الصالونات لا الدرك:‏

ـ هذا الوضع غير معقول، فليأكلني ولكن ليتكلّم أولاً.‏

قالت المرأة، ثم نظرت إلى الوكيل وقالت:‏

ـ ممكن؟‏

ـ نعم.. تفضّلي.‏

قال مأخوذاً، فتابعت:‏

ـ لو سمحت، زجاج النافذة إلى الأسفل قليلاً، فالدخان ملأ السيارة.‏

ـ أمر الجمال.‏

قال الوكيل وبدأ إنزال الزجاج وقد لمعت في عينيه فرحة ناعمة أعطت ملامحه شكلاً إنسانياً مقبولاً وقريباً من القلب، يبدد صورة الجلاد والخشية التي تفرضها بزّته الرسمية، وتاريخها في البلد.‏

ـ مرسي.‏

قالتها بالفرنسية دون قصد، فتردد في القول:‏

ـ عفواً.‏

وغرق في سعادة غامرة قلّما أحسّها من قبل، وقد بدأت في داخله مثل أسراب من النحل والفراشات وأزهار الحوذان والنمل النبوي الأسود، تتحرك ويتحرك الدم في عروقه التي ظلّت مشدودة كل هذه المسافة، دون سبب واضح إنما هي مواقف قلّما صادفها خلال عمله الطويل.‏

ـ أظنّها حمص.‏

قالت وهي ترقب الأبنية والبيوت الممتدة تلوح من بعيد معلنة عن مرحلة جديدة من سفر الجنون هذا الذي اختارته كما تختار ثوباً أو قبعة من محل عام من محلات الصالحية.‏

ـ أعتقد أنك وصلت.‏

قال بصوت من لا يريد للرحلة أن تنتهي.‏

ـ لا، ليس بعد.‏

ـ إذن حماة.‏

ـ أبعد من حماة.‏

ـ لم يبقَ إلا حلب.‏

قال وقد لذَّ له أنها لم تفارقه، وأن هناك مسافة جديدة تعبرها معه فتبدّد وحشته وضجره.‏

ـ لم تحزر. وأظنّ حلب محطتك أنت.‏

ـ محطتي لن تخطر لك على بال.‏

ـ واحدة من قرى حلب؟‏

ـ أبعد من حلب.‏

ـ إذن قد تكون الرميلة.‏

وهزّه اكتشافها الصغير، فصاح:‏

ـ وتعرفين الرميلة؟ غير معقول.‏

ـ لأنني ذاهبة إليها.‏

ـ وأنا أيضاً.‏

قال الوكيل ولم يصدق، إنه يحلم، بالتأكيد يحلم أو هو نوع من السحر، فالمناطق تلك مشهورة بالسحر والجنون، وها هو في موقف لا يحسد عليه.‏

***‏

لم ينم حمو الكاولي ليلته.‏

هاجمه الهلواس والأرق والتذكر كأسراب البرغش، ضاء قلبه فانوساً من العشق والدم المشاكه لون الكرز، واستيقظت الأيام السالفة من مقبرتها، قطعاناً من العجول والأكباش والتيوس يدفعها الرعاة في المقاريض والضهاري وشعبان الأقحوان والخذراف البري والكدري.‏

والدروب تسلمه إلى الدروب، وعيون المرأة الجزعة كعيون عنز الغزال الشاردة ترقبان خنجراً يولد من وراء رجم حجري أو يخرج من مغارة يعرف طريقه جيداً إلى العنق لينجز شعيرة الكاولية الخالدة "الذبح مقابل الخطف".‏

ـ حمو سيدركك هورو ولو اختبأت في بطن قطاة.‏

رنّت كلماتهم القديمة في ذهنه رنين أجراس الكباش:‏

ـ أعرفك لن تهدأ حتى تجدها.‏

قال لحظة صحوه الأول.‏

والنوم عصي عليه ليلته، وكأنما أهدابه شدّت إلى حواجبه، والهلواس يبعثر ما في داخله من أمن، يتمترس بين العصب والدم، ويطلق كلابه القرباطية على درّاج الروح، ويمام الحشا، هذا الجو مسكون، يطلق رائحة الضبع الجائعة، هذه الرائحة تملأ المكان، تنام في جمار القلب ونياطه، تعلن أن ما حوله غير آمن، ثمة حركة خطوات غريبة وبلطة وخنجر، وعيون حاقدة ترصد غفلة، وتدرس المكان، والكلاب تعوي في الخارج، وتوثات أويس القرني ترفّ بأذرعها الخضر، والقمر قصدير، خفّ جمل أبيض تائه في الفضاء، وتصله حركة دونا والولد وصوت تنفسهما المنتظم فيطامن من قلقه.‏

وعند الفجر غفا، وظلت عيون القلب يقظى، تحركت دونا، فتحت قلباً وعينين وقامت ولها رائحة أوراق التوت، كان الخيط الأبيض يخالط الخيط الأسود حين خرجت من البناء المتداعي القديم، ومضت تحمل وعاء الماء إلى الساقية القريبة، ومن مكمنه راقبها، زوالة سوداء تمضي في الفجر الندي، وليس سوى الكلاب والحجارة وشجر العاقول بورده الأحمر، وأسنته المدببة.‏

عند الساقية انحنت على الماء ثم اعتدلت، فشعرت بالزند الحديدية المشعّرة تلتف حول عنقها، وبالكفّ تغلق فمها، وبرأس الخنجر البارد ينغرز عند ملتقى الصدر بالعنق حاداً هتَّاكاً، يقص العصب والأضلاع إلى السرّة ثم الحوض، واندفع الدم والأنين، وانهار الجسد في خور الساقية، وارتفعت البلطة تقطع الأطراف والعظام وتفصل الرأس عن الجسد، ثم ينسل الشبح كما جاء.‏

وفي الصباح لم يخرج يزدشير إلى العمل، وظل صندوق البوية مركوناً في الزاوية وقد طوّق الدرك المكان بعد أن اكتشفت الجثة المقطّعة من قبل الورّادات، وشاع أمر الجريمة كالنار بين الناس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244