|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:11 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب الخامس الخلوج إيضاح: ومن عادة البدو. حين تنتج الناقة وليداً، أن يذبحوه ـ أحياناً ـ لطيب لحمه، أو لحاجتهم الماسّة إلى هذا اللحم في سنوات المحل والجوع، ويُجمع دم الذبيح في حفرة، تردم بالتراب ومع ذلك تستدلّ الحيوانة عليه، فتشمّ التراب، وقد أقسم كثيرون إنهم رأوا الدموع في عيني الناقة وهي تقف على المكان الذي ذبح فيه وليدها، وكي لا يغرز حليبها، يسلخون جلد الذبيح، ويملؤونه تبناً، ويخيطونه على شكل "بوّ" لتدرَّ حليباً، ينتفع به البدو، ولا ينتفع به الوليد، وكيف ينتفع الموتى بحليب النوق؟!. حين سمع الحاج سعيد النهري بالأمر، استعاذ بالله. ثم التفت إلى جاره وهو يرفع كأس الشاي ويتساءل: ـ قطّعها تقطيعاً؟! ـ ورمى كل قطعة في جهة. ـ ولْ، هذا ليس من عمل البشر. ـ وأكثر من ذلك يقولون شقّها من حلقها إلى رحمها بالخنجر. ـ اللهم سترك وعفوك، تحوّل البلد إلى مسلخ والحكومة نايمة. ـ الحكومة ما تنام يا حاج، وإن نامت، نومها نوم الذيب، عين وعين والفرج اليوم على الطريق. ـ لم أفهم قصدك. ـ البارحة وصلت برقية من الشام بتعيين قائد فصيل جديدة للدرك، يقولون إنه كبريت أحمر، عايق ومحنّك. ـ كلما جاءنا قائد فصيل جديد نقول خلاص هذا ما بعده، ثم نكتشف أنّ الشيخ الفلاني شراه وجاء به لتأديب خصومه الخارجين على سلطته وليس على سلطة الحكومة، دفع للقائد العام للدرك ليأتي به، ويدفع خصومه أكثر لنقله، وهكذا الدرك من اختصاص المشايخ الصغار والأغوات المزارعين والقائمقام من اختصاص شيخ واحد شملان بن جابر بحكم مكانته في المجلس النيابي ومكانة أبيه بين العشائر. ـ الأمر اختلف اليوم يا حاج فهيبة الحكومة مضعضعة، والشام أرسلت رجلها القوي لا رجل الشيوخ. ـ شهر شهران أو ثلاثة إفرض وتعود هيبة الحكومة وتدور عجلة القانون والسلطة ويخاف الناس، بعدها؟! يطرح رجل الحكومة في مزاد الشيوخ والأغوات لإعادة هيبتهم هذه المرّة في أعين الفلاحين والأتباع، فيقبض القائد العام للدرك من جديد ثمن رجله ويقبض الرجل ثمن خوف الآخرين على شكل هدايا ورشاوى أولها في البلد وآخرها في مكتب القائد العام، لعبة واضحة للطفل الصغير مثل واحد زائد واحد. ـ والله يا حاج الجلد الوسخ هو الذي يجلب على صاحبه الجرب. ـ لكل داء دواء. ـ إلاّ الحماقة والعقل الناقص يا حاج. قال الرجل ومن بعيد لاح لعيني الحاج "أبو علي" بائع المشبّك، يحمل صينيته على رأسه وينادي على بضاعته بصوت ثخين أشبه بخوار عجل، وخلفه لمّة من الأطفال والذباب والعجاج، وشرواله الأسود يعطي نصفه الأسفل شكل الدنّ الفخاري، فتذكر زوجته المغضبة عند أهلها، وحديثه عن حماته الظالمة وعمه المغلوب على أمره، فقرر بينه وبين نفسه أن يذهب للوساطة بعد صلاة العشاء وصوت سرّي جذّاب يدفعه إلى هناك، وقد ظهر كل ما حوله مدهوناً كحائط من حيطان السراي الداخلية يلمع بنعومة تذكره ساعات عمره الخشنة، ساعة انشقت شجيرات السوس عن وجه أحمر طافح بالعافية، تطل منه عينان زرقاوان، وجه باوم الألماني، وذراعه القوية تمتد كالقدر ترفعه من سقطته. ـ من أين جئت يا ولد؟ سأله بعربية مكسرة تعلمها من تعامله مع العمال والأهالي، لم يجب، أشار إلى الشرق أي من هناك، وكان الجوع والتعب والخوف قد هدّ قواه، فلم يسأله أكثر، حمله كالفرخ ثم ألقاه في الغرفة، مشيراً إلى الطعام والماء، فاندفع مثل جرو يأكل بيديه وفمه ورأسه ورجليه، وباوم يضحك، يضرب فخذيه ويضحك والجسد المكدود تدور فيه القوّة. باوم كان ابن حرام ضاحكاً وسعيداً، يعمل كثور في النهار، في جمع عروق السوس وتشغيل آلات معمله ويشرب كفيل في الليل، علمه كثيراً، وذات مرّة جاء شريكه من حلب مع الإنكليزي صاحب الشركة المنافسة، وبعد جدال صاخب وبرود من الإنكليزي الذي عاد من حيث أتى، ظل باوم ساهماً، وبعد حرب سريّة لم يفهمها أفلس الألماني، باع كل شيء، وأشعل النار في البقية التي لا تباع، ثم رحل إلى وطنه وهو يشتم الإنكليز والتجار، فنزل إلى البلد، وقد أحزنه رحيل صاحبه الضاحك من القرع في رأسه، وعمل خادماً في بيت الفراتي يجلب الحطب والماء ويعتني بالحيوانات. ـ ملعونة تلك الأيام. غمغم، ومن بعيد مرّت سيارة الدكتور عائدة بسرعة، فقال الجار وقد رآها: ـ عاد الدكتور من مكان الحادث. وخطرت في باله على الفور فريدة زوجته. لماذا كلما ذكر فريدة يهتز حطبه الجاف فيكتسي بالخضرة والزهر؟ لماذا؟! *** جلس ديران وحيداً. صبَّ قدحاً من الويسكي، ودخّن كثيراً، فلقد هزّت الجريمة وجدانه، شرب قدحه وفي غمره الاستغراق رنَّ جرس الباب طويلاً وبإلحاح فقام متثاقلاً إلى المدخل وهو لا يجد في نفسه رغبة في استقبال أي مخلوق ومع ذلك فتح الباب فدهمته رائحة العطر الأنثوي الفاغم والقامة المزروعة مثل زنبقة في المكان... فصاح: ـ زكاء ثم أوسع لها الطريق لتدخل... وهو مبهور الأنفاس. *** من أعلى المرتفع راقب محمد الأخرس العين. بيوت الشعر والكلاب، والصبيان، والخيل الأصيلة، والغنم المتخلفة، وبعض القباب، وبيوت الطين المستعملة كمستودعات للعلف ومأوى للحلال أيام البرد الشديد، أو الثلج.. آه يا للثلج! هذا القاسي الأبيض سفاح الشتاء البارد الذي يقتل بلا رحمة، وبين البيوت تدرج بعض جواري العبيد أو البدويات عائدات من العين التي أعطت للقرية اسمها، وتركزت نظرة محمد الأخرس على بيت الشيخ جابر يمتد مثل غيمة سوداء عملاقة من الأعمدة والشعر وإلى جانبه بيوت العيال والزلم خاصته. ـ ماذا تقول يا محمد بن زامل؟ يا عجوز. الشيب حوّل رأسك إلى رغوة بيضاء مثل رغوة الحليب، واللسان مربوط، سبقك الثلج يا مسبوع لوى لسانك وربط عروقه، فسمّاك عربك الأخرس، نسوا "زامل" شلايا الغنم والقطعان تروح وتجيء أمام عينيك اللتين بدأ نورهما يخبو، ينطفئ، وأنت ولا أنت، كل شيء راح يا بن زامل مضى سريعاً، وخلفك مثل خرابة، مثل قهدة حزينة في صدر يتيمة وما ذنبك يا عجوز؟! أيام ضحكت لك، وأرادت أن تحقق لك ما تريد... وأنت يا محمد الساكت، يا محمد الثلج، يا محمد الأخرس، قلت للدنيا بضراعة: ـ يا دنيا... يا مهيوبة، يا شينة وزينة، يا كبيرة وزغيرة، يا قلب قطاة ورجم صوان طلبتي هينة، ولا تعكر مزاجاً، مالي شغل بالنساء، ولا بالإبل الوضح، ولا لي طمع بالشيخة، كل همي قطيع غنم لي، بأجراسه ومراييعه وكلابه، وحماره. سرحت راعياً عند خلق الله عشرين عاماً، اخترت أحسن ما في القطعان أجراً لك، وكثرت أغنامك، وخذ يا بن زامل من الفطايم والخرفان، وجئت بالأجراس والمرايا والخرز، جئت بالكلب والحمار والخنجر، وحين تزوجت كل أخواتك اشتريت بالمهر أغناماً وإذا ما سألك سائل: ـ متى تتزوج يا بن زامل؟ تقول متبرماً: ـ ريّض بعد يا خلق. همي القطيع. ماذا أصابك اليوم يا عجوز؟ تفتح جراحك العتيقة، وتعاود استرجاع الماضي، إيه يا بن زامل!! يوم تثور زوبعة من الغبار من بعيد، يقولون: قطيع ابن زامل، يوم يجيء ذكر الأغنام يقولون مثل غنم ابن زامل. وأنت اليوم... الأخرس أم الساكت أم المخبل؟ راح الحلال، وراح الاسم معه، ولم تطع أحداً يوم رحلت، وأمعنت في البعد، وما دريت أن الدنيا غدّارة، بيد تعطي وبالأخرى تأخذ. أوغلت بكلابك وقطيعك في الحماد بعيداً، ومع المغيب بدأت دنياك تدثّ، والسماء تتعكر، قلت تواسي نفسك: ـ مزنة وتعبر. وقرصك قلبك، ولاجت كلابك، والمزنة تحوّلت ثلجاً، تربطت رجلاك، تخبلت، والأغنام اجتمعت، والثلج يتعاظم، ضجت الكلاب، وعوت الذؤبان، والثلج يطمّ كل شيء، وصياحك يتخافت، وكل ما حولك أبيض وبارد حتى كادت أطرافك تتجمد. وكوّمت خرافاً تحتك وخرافاً فوقك فبنى الثلج منكم قبّة بيضاء استدل من خلالها الرجال عليك، فحملوك بين الموت والحياة، بينما أتى الثلج على أغنامك وكلابك وحمارك، وقد خرس كل عضو فيك. ـ دنيا. يا بن زامل.. دنيا. وانحدر من التلة وهو يقصف عوداًَ بين يديه، في طريقه إلى بيت الشعر، يعد القهوة المرّة للمساء الهال، وقد استعاد هدوءه، وغمرته سكينة مكابرة، ومن خباء مجاور مدّ زنجي أسود رأسه، وصاح ساخراً، وروحه الداخلية العابثة، المتألمة، الملعونة لعنة لا تمحي تبدو جلية في نغمات صوته: ـ محمد، أنت يا محمد. ولم يجب تابع انحداره كالمسحور، والأرض تحت قدميه جاسية صلبة، تكشف عن نبضها السري وروحها المفردة، والقطعان تعود مبكرة إلى مراحها على غير العادة، تثير الضجيج والعجاج. ـ يا أخرس، يا أثول. وتابع انحداره، وقد قرر ألا يردّ ولو كان المنادي ضاري بن سلطان، فالعجاج ومنظر القطعان ذرّ الملح على الجروح القديمة، وفتق قطوبها، فاشتعل من الداخل بعوامل جديدة، تك كدلّة القهوة المرّة، فضرب الأسود كفاً بكف: ـ هل تخبل محمد الأخرس أم أصابه الطرش؟ قال ثم أردف: ـ ركبته الجن والله. وظل يتابعه باستغراب، كما تابعته أنظار خطر وحانوت بن تركي وجزاع الملوي وذلول الشيخ وفرسه وكلابه، وجراء العبيد، هذا الجيل الجديد من الخلاسيين الذي فضح غزوات الشيخ ورجاله الليلية إلى مضارب العبدان الغائبين عن عمد في مهام خاصة، وهذه الظاهرة بدأت مع شيخة ضاري بن سلطان، كما فشت ظاهرة خصاء العبيد، والمخصيون منهم بلا قلوب، يختارهم الشيخ للمهام الخاصة والعصيَّة لتأديب الفلاليح والخصوم. ـ هذا الرجل فقد عقله. قالت خطر وراقبت العبيد يجتمعون وراء ذباح يحملون خيوطاً خاصة، ينطلقون إلى القطعان، إنه موسم الخصاء، حيث يدفن الرجال خصيتي الفحول في بطونها ثم يربطون الصفن بتلك الخيوط حتى لا تعود للخروج مرّة أخرى، فتضمر ويتوقف نشاطها الجنسي، خصاء الأكباش الفتية كي لا تهدر قوتها في السفاد، فتهزل، وتصبح عرضة للبرد في الشتاء، يفتك بها، خصاء الجمال الشابة، وفحول الماعز، وربما الأحصنة غير الأصيلة احتياطاًَ، لكي لا يحدث مرة أخرى، ما حدث "للصقلاوية" فرس الشيخ الأصيلة. فذات صباح ككل الصباحات مرَّ رئيس المخفر القريب من العين ليشرب قهوته ويسلّم على الشيخ، كان يركب حصاناً أدهم فتياً، كأنه الفيل. يخبّ مزهواً، ضارباً الأرض بقوة وثبات قلعة وكأنه فحل إبل يرقل. ـ لو كان أصيلاً لفتن الدنيا، خسارة. قال أحد البدو، وصهيل الأدهم القوي يدعو كل أفراس الأرض والسماء إليه، ويوقظ في أجساد النسوة شبقاً نائماً إلى مجد الفحولة وعرشها المتألق، فترتعش، وتتهيأ المناطق الحساسة لعرق يبلل الثياب والأفخاذ. ما إن نزل عنه صاحبه، وأعطى رسنه لذبّاح حتى صهل، فردّدت البراري والرجوم والوديان صوته، وشربته الأجساد والأرض، وجاوبه صوت الصقلاوية في مربطها رهيماً أنثوياً فيه دعوة واستعداد، وما جرى بعد ذلك كان خارقاً ومفاجئاً كالمعجزة، صهل الأدهم مرة أخرى، ضرب الأرض بقائمتيه الأماميتين فارتفع مثل غيمة، مثل أيل أسطوري، فقذف بذباح مسافة بعيدة، ومضى بين بيوت الشعر، ففرّت النساء والكلاب والفتيان، وصاح ذبّاح بالرجال، فركضوا خلف الأدهم يحملون الحبال والعصي، طاردوه، ولم يتوقف إلا عند مربط الصقلاوية، حيث اعتلاها رغم العصي والرجال وقد راقبته النسوة بشغف وحين انتهى نزل عنها، ثم عاد إلى مكانه هادئاً، وقد أقسمت كل من رأته من النسوة أنها أحسّت برعشة لم تعرف مثلها طوال حياتها وببلل لزج بين فخذيها انحدر حتى الكعب. وثار الشيخ، نادى ذباح، فجاء خائفاً مذعوراً ولونه الأبنوسي يرشح بالعرق، وأمره بإزالة ما فعل الحصان الهجين بالصقلاوية، فمضى ذباح ومعه اثنان من الرجال إلى مربط الفرس، كانت هادئة نشوى، خاضعة، شمّر ذباح عن زنده الأسود الرفيع كقصبة، ثم أمرهم بإمساك الفرس من رأسها، ومدّ يده في داخلها، كان رحمها حاراً طرياً هزّه بقوة وهو المخصي، وبدأت عملية إخراج السائل المنوي حتى لا تمتزج الأجناس وتضيع الأصول، ومن بعيد سمع الطلقات ثم الصهيل المكتوم، قتل الحصان. ـ محمد. نادى شملان بن جابر، فأسرع الأخرس يلبي النداء، وقد تبخر من رأسه كل ما راوده من ذكريات وانطفأت شعلة الجليد. ـ هات قهوة بالعجل. ومضى مسرعاً إلى موقد النار، حمل الدلّة والفنجان، وقد تناثر الرماد خفيفاً في الهواء. وقرأ الأخرس في حركاته آثار حديث الشيخ جابر بن ضاري معه إذ قال له على انفراد "اسمعني زين يا شملان، الشيخة ما هي بتنكيس العقال أو ميلانه على صفحة مثل ولد الفلاليح، الشيخ بدع يا بن جابر وحفيد ضاري، عقل ما هي عقال مرعز وكوفيه مركزيت وركض وراء النساء مثل تيس ماعز، لا تكسر بهدبك مثل البنات واركز، خل لك هيبة بين عربك، كل يوم والثاني على البلد وأيش في البلد؟ عائلة ما صار لها في الشيخة عشرة أظهر تنام ربع الليل فقط أنت فاهم يا شملان، جدك سلمني الشيخة زدت عليها النيابة وزعامة كتلة العشاير بالبرلمان، وأنت أيش عندك يا شملان، وأيش هو زودك؟! جلّ الهرج والسوالف الغثة، وفكر بالوقت ترى الوقت شين يا شملان، يجي يوم ما تظل شيخة ولا شيوخ، وتأكلك واوية الزور أو تحجز كلاب المدن على خشمك والنفس الطالع من صدرك، هذي دعوات الإصلاح الزراعي والأحزاب، الدنيا مخبوطة يا شملان، اليوم للشيوخ وباكر يمكن للفلاليح وأيش اسمهم هذول العمال، الشيخة ما عادت تكفي، وكيل بالدرك اليوم أحسن من شيخ بلا معارف في الحكومة، فكر بزودك يا شملان، فكر يا ولدي، ترى الخلق من الجوع والعازة مثل الإبل لورعت "جزعة" تجنّ وتطفش وتحرق الأخضر واليابس. شرب شملان قهوته، تذكر حواء بنت التعاويذي مهرة قلبه، وسعيد النهري، ثم صرف الخاطر وعاد إلى مداره الحقيقي، وقد تذكر جدّه ضاري وعهده. *** ـ خطوة عزيزة يا حاج، والبنت أنت وليها. قالت المرأة العجوز بلهجة حلبية واثقة، وهي ترقب أصابع الحاج المثقلة بالخواتم تحرك حبات سبحته الثمينة، وقد فاحت منه رائحة المال والثروة والخيانات القديمة التي تفهمها هذه المرأة وتقدرها حق قدرها. ـ شكراً يا حاجة، المرأة ليس لها إلا بيتها ورجلها. قال وراقب ملامح العجوز، فردّت: ـ هذا إذا كان لها بيت ورجل يا حاج، أبو علي على عيني ورأسي لكن على الأقل يؤمن لها الستر والمرأة تكون له، وأنت يا حاج ما ترضى بالظلم. ـ أعوذ بالله، من يقبل بالظلم؟ ـ وكي لا أظلم الرجل سترى بعينك يا حاج. قالت ثم نادت بأعلى صوتها: ـ فطوم، فطوم، تعالي الحاج ليس غريباً، ادخلي. ودخلت، تسبقها رائحة عطر أنثوي، وخجل لذيذ، وحين سفرت تاه الحاج، رأى ما لم يره طوال عمره، قمر من زهر الرمان، والحليب على قامة من الرند، وأكملت العجوز هجومها الصاعق قائلة: ـ قبلي يد عمك الحاج. ورمشت العيون المثقلة بالكحل، امتدت اليد الرخصة البيضاء ترفع يد الحاج، واقتربت الأنفاس هبةً من الدفء، وغيوم البهار، واعتدلت العجوز، وقد أيقنت أنها قد ربحت حربها الصغيرة، فبدأت ترسم التفاصيل والشروط وأولها بيت في حلب يسجل باسم ابنتها. *** مسح ذبّاح العرق عن وجهه الأبنوسي الأصيل. الذي يفخر بأنه أسود خالص من ظهر أسود خالص، لم تخالط دمه دماء أخرى كما يشاهد اليوم، وقد شعر بالغبار ورائحة الفحول الفتية من الأكباش، تلك الرائحة الحريفة الخاصة، تدخل كل فتحة من مسامه، فتخزها كأبر العاقول، راقب الرجال، وكلاب الرعيان والحماد والتلول البعيدة، والأجساد المرمية على الأرض ترفس، وتجاهد يائسة في الدفاع عن ذكورتها دون جدوى، تلمس بأصابعه الطويلة خصية الكبش الفتي المكتوف، فأحس نبضها الحار ينقره كفرخ قطا حديث الولادة، وبالعصب والعروق والدم، ضغطها بقسوة وتشفٍّ فثغى الكبش بألم حاد، ثم دفعها بدربة إلى الداخل مع أختها، وربط الصفن بخيط خاص، ومضى إلى كبش آخر، وقد قرر أن ينتقل بعد ذلك إلى فحول الماعز لأن صوت تألمها أكثر علواً من الأغنام، فهو ينفجر ثاغياً مثل جرح في القلب، يقلق كل موجودات الحماد وطيوره. ـ ذبّاح أمهر خاصٍ للمواشي في الديرة. ـ وخاص للرجال أيضاً. دارت هذه الحوارية بين رجلين، ولم يكن الثاني يكذب، فذبّاح رجل الشيخ الدموي، ووارث خصوماته وذراعه اليمنى في حروبه وغزواته لتوطيد سلطته، كان يسلّ أرواح أعدائه من خصيانهم يمسك بأصابعه ـ التي تشبه الكلاّب الحديدي ـ خصيتي خصمه وبلذة سفاح مجنون يمرسهما كما يمرس قطعة لينة من "قمر الدين" وينتشي وجهه الأسود حتى يطفح بمثل قناع من البرونز بدائي يذكّر بشعائر أفريقيا وأرواحها وسحرتها، بينما يعلو جعير غير إنساني من خصمه، تتشنج القسمات، وتبرز عروق الرقبة، وتجحظ العينان، ويتلون الوجه بلون أزرق كلون المرارة، عند هذا الحدّ، يستلهما ذبّاح ويلقيهما في العراء، وكأنه ينتقم بكل هؤلاء من ضاري بن سلطان، شيخه الذي خصاه على غير سنة الشيوخ المجاورين: ـ "هؤلاء هم الشيوخ الجدد، لم تطرخهم الشيخة بعد، يظلون أمكر من ثعالب الزور، وأكثر حذراً من زرازير الحماد، وأسوأ من ذئاب الشتاء الجائعة، خائفين دائماً على نسوانهم وخيلهم وأرواحهم". تدور الكلاب حول القطيع لاهثة حذرة، وتسير المراييع القادة بصوفها الطويل وخرزها الأزرق ومراياها بعيداً، هي أيضاً مخصيّة، وقريباً منها تقف الفحول المنتخبة التي أبقى عليها فحولاً للقطيع ولم تخصَ، قويّة تهزّ بقرونها، وتندفع نحو بعضها بهجمات شرسة، تؤكد دورة الدم وبداية الفوران الجنسي، وتألق نشاطه، وهدوء البرية القانت، والعمل الرتيب يحرك في صدور الرجال رغائب يعبرون عنها بنكات بذيئة، تطول الرعاة الشبان وعلاقاتهم السرية بحميرهم الإناث، وتهديد السذج منهم بافتضاح أمرهم في حال حمل الاتان إذ ستولد جحشاً برأس إنسان، فالذكورة في نشاطها البدائي بعيداً عن سلطة العقل الواعي تتشابه فلا فرق بين نزوات الأكباش والجمال الفتية وبين نزوات الشباب من الفلاليح والرعاة وعلاقتهم "السادومية" الشائعة. تبغم تيوس الماعز وتلبط بذعر وألم، فتثقل خصى فحول الشباب، ويرتعش السود أمام هذا الطقس الوثني، وقد امتلأت رؤوسهم العارية بالتراب والعرق والدم الحار، و تشنجت أصابعهم أكثر من اللازم، وعلى الخصوص ذبّاح: ـ ذباح. يا ذباح. يأتيه الصوت الأنثوي الواثق، فيسرع: ـ يا عونك، يا عمتي. "وعمتي وعمي" هي الألفاظ الشائعة في مناداة الأسياد، وهي شكل من التهوين على العبيد وحفظ إخلاصهم ومودتهم: ـ هات ماء. ويعرف حينئذٍ أن الشيخة في الحمّام، وحمّام الشيخة وعاء معدني واسع تملأه بالماء الحار وتسدل من حولها أروقة البيت الشعري، وغير مسموح لإنسان الدخول عليها سوى ذبّاح، ودخول العبيد على شيخاتهم في عرف المشايخ القدامى أمر شائع حتى ولو كانوا فحولاً، فالعبد لا يعتبر أكثر من شيء أعجم مثله مثل ممتلكات الشيخ من خيل وكلاب وأغنام، فهل تستحي امرأة من حصان أو كبش؟! والشيخة واجفة بنت سلمان وهذا اسمها من عائلة عريقة في الشيخة، أصهر إليها ضاري بن سلطان سنداً له وظهراً لتوطيد أركانه بحلفاء أقوياء، لذا كان جابر بن ضاري يأخذ رأيها بكل كبيرة وصغيرة، ولا يخرج عن طوعها ويعاملها باحترام وإكبار، ولا ينغص عليه سوى سر صغير لا يجرؤ على البوح به لمخلوق، فأسرار الفراش مقدسة عند البدو، فمن يصدّق أن عبده ذباح يرى في الحمام ما يذوب الشيخ لرؤيته وعلى استعداد لدفع قطيع مقابله؟ رآها عارية، وهو إلى اليوم لم يرها، مرّة وحيدة دخل على غفلة، لكنها أحست به فنثرت شعرها الأسود فغطاها حتى كعب القدم، وغطته بنظرة كجمر الغضا، فانسل خجلاً، وهي في الفراش تستعد له حين تريد بإطفاء الأضواء فلا يظل يتردد سوى صوت نفسها المنتظم، وخلال الممارسة لا تندّ عنها ولو آهة أو حركة مهما ضؤلت، فهذه الأمور من شأن الجواري، فقط تشتعل عيناها في الظلمة ياقوتتين من الجوهر البراق والدم الحار. ويدخل ذبّاح بالماء، تقف عارية مثل آلهة الينابيع، تفوح رائحة الأنوثة والصابون، ويدلق الماء على الجسد العاري، ولا تهتم بنظراته الخرساء، ثم تأمره: ـ دونك المنشفة والثياب. وتخطر بقامتها المياسة المبللة، وشعرها الأسود الطويل، ينحدر من قمة الرأس إلى كعب القدم، وقد امتلأ المكان بها فرساً من القهوة والهيل والجمر: ـ ذبّاح. يردّه الصوت إلى الواقع، وضجيج الأكباش، ومن بعيد تثور زوبعة من العجاج وراء مجموعة من السيارات في مقدمتها سيارة الشيخ جابر بن ضاري، يلتفت الرجال، ثم يعودون إلى عملهم الذي بات مملاً. ـ إنه الشيخ وضيوفه القادمون من الشام. قال أحد الرجال يخاطب جاره، فردّ عليه: ـ والله يا فلان أرى ضيوف الشيخ كثّروا الزيارات هذا العام. ـ لابد أن القنص استهواهم السنة. ـ موسم القنص مضى. ـ لابد ما ظلت بقايا. قال الرجل ثم تابع عمله فالفضول أمر يكلف صاحبه كثيراً، وفي سيارة الشيخ جابر التفت ضيفه إليه وقال: ـ عليك أن تدبر أمورك بسرعة يا شيخ جابر، فالجماعة في بغداد غير مرتاحين للوضع هذا ما قاله السامرائي، وعدونا خبيث وعيونه يقظة، إذا انكشف ضعنا فالبلد على عتبة أيام حاسمة. ـ والجماعة في بيروت. ـ العقيد صفا جاهز، والقوميون السوريون يدربون عناصرهم بانتظار ساعة الصفر للتحرك والحسم. ـ والأسلحة؟ ـ عشرون ألف قطعة تنتظر والطرق مدروسة ومؤمنة عبر البادية ولواء من الجيش العراقي يأخذ مكانه على الحدود، كل ما هو مطلوب منك تأمين عبورها من الجسر والبلد دون أن ينكشف أمرها. ـ هذه عليّ. ـ ماذا عن الأموال؟ ـ مليون دينار سيكون بتصرفنا. ـ إذن اتفقنا. ـ عند أول إشارة نحرّك الناقلات، وسنهتم مؤقتاً بتهيئة الأجواء وتحريك الأقلام الصديقة في الصحافة. ـ كما قلت لم أسمع ولم أقل ولم أجتمع بأحد، علاقتكم المباشرة بولدي شملان. ـ كما تشاء. وبدأت عبارات متفرقة ترد في حديث الضيف والشيخ جابر، وترتيبات خاصة وسرية لاغتيال بعض الرموز الحزبية، مثل الحوراني وبكداش والسراج، وتقسيم الحصص بالتساوي، مع إعطاء دور مميز للجزيرة والفرات، والشيخ يلتقط عبارات الضيف ويزينها بعناية وتركيز رجل اللعبة السياسية التي خبرها، وعاشها بروح مرنة فهو يريد أن يكون خطوة على أبيه ضاري فلا يبحث عن الشيطان ليقاسمه الدنيا بل يحالف الحكومة مقابل حصة الله والشيطان. ـ على خيرة الله يا بيك. ـ خير إن شاء الله. وأطلق لسيارته العنان في عراء الحماد وقد حزم أمره ليدفع شملان في اللعبة فقد آن الأوان ليبدأ، ومن أعماقه نده الصوت: ـ عيناك تشوف يا ضاري، إبل عنزة سترعى شجر الغوطة نعم شجر الغوطة. *** أنُّوبْ... أنُّوبْ... أنُّوبْ. والعرق بلَّ الثوبْ.... يسرى يا أمّ خزام حلي لي أزرار الثوبْ... أنصتت زكاء إلى الصوت الطروب يأتيها من البيت المجاور، مدّت يدها إلى جانبها بعفوية فاصطدمت بديران العاري، وقد سيطر عليه التعب والنوم بعد ليال من الحب والجنس تعدّ مأثرة حقيقية في سباق الأحصنة والأفراس الجميلة. ـ زكاء هل تصدقين مرّ ثلاثة أشهر على مجيئك؟! ـ أصدق. ـ وهل تصدقين أن الأمر أصبح عند الناس عادياً؟! في الأيام الأولى قرأت في نظراتهم أسئلة كثيرة، وحين تعاميت عنها نسوا الأمر كلية. ـ نحن أمة النسيان. ـ وهذه حسنة من حسناتنا أحياناً. ـ هكذا إذن. ـ بالتأكيد فأناسنا البسطاء أحياناً يظنون أن آثام الأقوياء مقدسة، وحق المحاسبة عليها من اختصاص الربّ، وما عليهم إلا أن يسيروا "الحيط الحيط" محافظين على لقمتهم ومنافعهم الخاصة، هكذا كان شأنهم مع الشيوخ، والأغوات والموظفين فيما بعد. تذكرت تلك الحوارية ثم انسلت من الفراش إلى المطبخ بعدما تدثرت بثوب من ثيابها والصوت الطروب لا زال يردد الكلمات نفسها بإيقاع واحد دون ملل، وحين عادت تحمل القهوة والبخار اللذيذ يتصاعد منها، كان ديران متمدداً في الفراش، ينتظرها وعلى شفتيه ابتسامة ذابلة: ـ صباح الخير مسيو. ـ صباح الحمام والقهوة المرّة. قال يردّ على تحيتها، ويتناول فنجانه بحذر، ومع الرشفة الأولى تناهى إلى سمعه الصوت من البيت المجاور، ضحك وهو ينظر إلى زكاء وقال: ـ هل تفهمين ماذا يقول صاحب الأغنية؟ ـ لا، ولكنّ اللحن أعجبني. ـ اللحن جميل أما معاني الأغنية فهي جنسية. ـ جنسية؟! يبدأ صباحه بأغنية جنسية؟ ـ نعم. ـ وماذا يقول فيها؟ ـ يقول مرة بعد مرة والعرق الذي تفرزه نهود محبوبته قد بلل الثوب، ولا يُبلل الثوب عرقاً إلاّ نهد صبية صغيرة، لأنها متى كبرت توقف نهدها عن التعرّق، ثم يخاطب صاحبته المدعوة يسرى صاحبة الخزام، وهي حلية ذهبية مدورة توضع في وردينة الأنف للزينة، طالباً منها أن تفك له أزرار ثوبها المبلل بعرق نهودها الأنثوي، أما لماذا أزرار الثوب؟ ذلك أن النصف العلوي في الفتاة مباح لعاشقها، أما السفلي فتحتفظ به لزوجها ليلة الزفاف. ـ معنى رائع. ـ كل المعاني الشعبية لو فكرنا فيها لوجدناها جميلة وعميقة ورائعة. قال ثم طلب منها أن تبحث له عن علبة الدخان، ولا تعرف كيف خطر الدركي رفيق رحلتها في تلك اللحظة، ربما الدخان ذكرها به. ـ هل فكرت أين نذهب اليوم؟ قال يسألها... فردّت: ـ لقد رأيت كل معالم البلد، وقابلت كل معارفك من الطبيب المزارع إلى شيخ العشيرة، بالمناسبة كلهم يعملون بالزراعة إلى جانب أعمالهم الأساسية. ـ العمل في الزراعة لسببين الأول لتنمية الثروة، والثاني للوجاهة، خاصة زراعة القطن. ـ عند الطبيب ما اسمه؟ ـ الدكتور سمير مهنا. ـ بنت لطيفة لكنها مجنونة، وجنونها من وضع ما، ورجل ما. ـ ملاحظتك مدهشة. ـ لا يفهم المرأة مثل المرأة. ـ أما الوضع فهو هذه الفتاة لقيطة. ـ غير معقول، وهل تعرف؟ ـ كل شيء ممكن فهو معقول، وهي ـ على ما أعتقد ـ تشك، أما الرجل فهو مسيو رافي صاحب محطة المحروقات والمشروعات الزراعية. ـ هل تحبه؟ ـ نوعاً من الحب المخذول، فيه كثير من الوهم وقليل من الحقيقة. ـ وهل يحبها؟ ـ ليس من النوع الحالم، وهو يعتقد أنه يقدم لها خدمة في بلد ضيق. ـ رائع مسيو ديران إنك تتحول إلى عقل موسوعي تخلط المال بعلم الاجتماع. قالت بدعابة... فردّ عليها: ـ المعرفة هي الدرع الذي يدفع عن الإنسان وباء التسطح والسذاجة وأذى الرتابة القاتل وجنونها، تصوري أن تكوني سجينة مفردة في غرفة، ولا صوت في الخارج سوى صوت نقطة ماء تنزل من صنبور لم يغلق، هذا الصوت في الأحوال العادية قد يقلق نومك، لكنه في سجنك يتحول إلى مؤشر على الاستمرار في الحياة ونبضها وعلم الاجتماع هو علم المستقبل. ـ مسيو هذا الرأس الجميل الذي تراه لي، لم يُصنع للفكر والفلسفة. ـ أنا آسف. قال ثم نهض من سريره. *** أفرد أبو الخير ذراعيه وتنفّس عميقاً مثل ديك نمساوي عملاق. راقب البيت الواسع، وقرميد الجدران، والحشائش التي تغطي الأسطحة المتصلة، ومن القاووش تناهى إليه صوت الخراف، خراف وسمن وصوف وقطن، عرف كيف يوظفها في بناء علاقات وثيقة مع رؤسائه هناك، بحيث بات يتصرف مطلق الحرية، يجبي، ويسجن، ويعاقب، حتى أصبح اسمه يوقع الرعب في قلوب الجميع. في الليلة الأولى سهر مع الدركي المناوب، شرب شاياً، ودخن تبغاً، واستمع إلى أحوال البلد، وشؤون الناس، وعند الفجر غفا، رأى في منامه شمساً ورعاة وبيوتا ًمن الشعر وأسلحة وأجساداً مضرجة بالدم. وحال استلامه نظم دوريتين على مدخل البلد الشرقي والجنوبي، وأمر العناصر بتفتيش كل عابر مهما كانت مكانته، وحجز الأسلحة ابتداءً من الخيزرانة إلى المسدس، ومن لا يمتثل "أطلقوا النار عليه، نعم أطلقوا النار" ثم خرج هو مع عنصر آخر إلى السوق، نظر إلى الوجوه والقامات والرؤوس الملفّعة بالكوفيات البيض والعقل السود المصنوعة من المرعز. ـ إنها الخطوة الأولى يا أبا الخير، فاضرب ضربتك. قال لنفسه، والعيون ترقبه حذرة، تزينه بميزان الرجال وبدأ الهمس: ـ قائد الفصيل الجديد. ـ يبدو رجلاً من ظهر رجل. ـ أنظر هذه العيون، عيون صقر. ـ يكاد يأكل الرجال بعيونه. ـ الحكومة حليمة لكن جماعتنا همج. ـ خلهم اليوم يمدوّن رؤوسهم من غيرانهم. ـ حق الله عليه هيبة ابن الحكومة. تعالى الهمس حيث مرّ، امتد جسراً من الأقوال والحكايا بين الدكاكين الصغيرة، وزبائنها القادمين من البادية والقرى القريبة، وفي منتصف الطريق سأل أبو الخير مرافقه بدهشة: ـ أبا عبدو. ـ نعم سيدي. ـ لماذا يميّل بعضهم عقاله إلى جانب، أو ينكّسه إلى الأسفل؟ ـ والله سيدي هذا إمّا يكون شيخ عشيرته، أو عنده ألف رأس من الغنم والإبل، أو مزارعاً كبيراً، أو نصاباً وهؤلاء كثر. ـ هذا كلام جميل. قال ثم نظر إلى شاب متأنق بثيابه العربية، وكوفيته المركزيت وعباءته السوداء وقد نكّس عقاله حتى كاد يصل أنفه: ـ أبا عبدو. ـ حاضر سيدي. ـ أريد هذا الشاب. قال وأشار إلى الشاب الواقف فأسرع الدركي إليه: ـ كلّم الوكيل. ـ نعم؟!. قال الشاب باستغراب، فكرر الدركي مضيفاً هذه المرة إلى الرتبة كل ألقابها: ـ كلّم سيادة الوكيل قائد الفصيل. ـ أنا؟! ـ نعم أنت بلا لكاعة. وتحرك الشاب مأخوذاً وحين وقف أمام أبي الخير سأله: ـ هل تحمل سلاحاً؟! ـ لا سيدي. ـ فتّشه. أمر الدركي تفتيشه والعيون تراقب المنظر من بعيد، تنتظر حدثاً مهمّاً وحين هزّ الدركي رأسه قائلاً: ـ لا يحمل سلاحاً سيدي. سأله أبو الخير: ـ هل أنت شيخ عشيرة؟ ـ لا سيدي ـ عندك مشروع زراعي؟ ـ لا سيدي. ـ ملاّك؟ ـ لا سيدي. ـ كم رأساً من الغنم عندك؟ ـ خمسون سيدي. ـ إذن لا أنت شيخ عشيرة، ولا صاحب مشاريع زراعية، ولا صاحب أملاك أو قطعان أغنام، فلماذا تنكس عقالك؟ ـ سيدي والله يعني. ـ يعني أنت نصاب وأزعر. وارتفعت يده ثم أهوت على وجه الشاب فانقلب على ظهره، تلوثت الكوفية البيضاء والعباءة، وطار العقال، ففرخ الخوف في النفوس، وبنى التوجس أعشاشه، وبدأت العقول تعزز بدايات أمور جديدة، وشاع الخبر، كما شاع خبر الدوريات على مداخل البلد، ولم يكتفِ أبو الخير بذلك، كان يجمع حصيلة النهار من الموقوفين في ساحة البلد، ويأمرهم بإهانة بعضهم بعضاً، وتفنن في ذلك حتى أطعمهم روث الحيوانات والتبغ، وإذا ما قصّر أحدهم في ضرب صاحبه تناول العصا منه وأهوى بها على جلده عدة مرات صارخاً: ـ بقوة، بقوة هكذا. وخفَّت الحوادث، ثم تناقصت حتى كادت تختفي، وبدأ الحديث حول هيبة الحكومة، والخوف من الحكومة، ثم عرف الناس طريقهم إلى بيت أبي الخير وجيبه وقلبه، فتواصلت الخراف وظروف السمن وأكياس الصوف وصرر المال، وأبو الخير كالبئر مهما ألقيت فيه لا يمل ولا يمتلئ. وظل الأمر كذلك حتى جاءه أحد عناصر الدرك إلى بيته قائلاً بعد أن ارتاح: ـ سيدي، البلد الآن كخاتم في إصبعك، ولكن ظلّ عليك واجب أخير. ـ وما هذا الواجب أبا عبدو؟! زيارة الشيخ جابر بن ضاري سمعت عنه؟. ـ سمعت عنه، ولكن من هو بالضبط، حتى تكون له مثل هذه الأهمية؟ ـ يا سيدي هو الصديق الشخصي لقائد الدرك العام، وزعيم كتلة العشائر وأبنه نائب في البرلمان وعن طريقه أمّن له حصانه لمدة أربع سنوات أشبه بحصانة النائب، بموجبها يكون فوق مستوى المحاسبة، إضافة إلى أنه أكبر سلطة عشائرية في المنطقة يحسب حسابها. ـ وأين يكون؟! ـ في قريته شمالاً، هكذا العادة من القائمقام إلى أصغر رئيس مخفر، وإذا كنت محرجاً، نجعلها جولة على المخافر، وفي طريقنا نمر على دياره. ـ أبا عبدو. قال بلهجة أشبه بالتهديد فردّ: ـ سيدي كن على يقين من إخلاصي، ولا تنسى أن لي ست سنوات في المنطقة. ـ نزوره. ـ عين العقل سيدي. وتمت الزيارة كما خطط لها، فعاد أبو الخير مبهوراً بذكاء الشيخ جابر وشخصيته الآسرة، وبدعوة مفتوحة لتكرار الزيارة متى تشاء. *** دمشق!! كانت امتحاناً لكل قيمك يا عبد الله. دخلتها كومة من الرمل والكلمات، فصقلتك، أعطتك قلبها النار لتكون فولاذاً دمشقياً، وسيفاً أموياً. وكنت ـ يومئذٍ، مفتوناً، وعاشقاً، وصوفياً. تخلط الشعر بالتشريح، والفكاهة بالجد، وروح الغرابة ببساطة البدوي الماكر، وشطحات الصوفية بالرياضيات في تآلف عجيب، ثم تعود إلى زقاق "دك الباب"، تناقش حصيلتك اليومية في غرفتك المطلة على الطريق وأنت تشرب الشاي أو القهوة، وتقرأ وسط نسمات الياسمين الدمشقي والجوري الفوّاح، تهبّ من البيوت المجاورة، لتملأ الحارة وأجواءها. ـ هذا الشاب سيّد حقيقي. هكذا كانت أم فؤاد صاحبة البانسيون، تصرّح لجاراتها، وهي التي خبرت كثيراً من القادمين من أماكن شتى، ولتثير خيال الجارات كانت تلجأ إلى لعبة صغيرة، فتقول ردّاً على سؤالهن من أي بلد الأفندي؟ ـ من جزر الواق الواق. قد تضيف أم فؤاد أحياناً: ـ لبق وذكي. وتجد في مسلكك اللطيف مكسباً لنزلها، الذي تريده هادئاً وجذاباً للزبائن والطلبة والباحثين عن الراحة والهدوء، والشعور بأنهم في منازلهم لا في نزل عام. ـ عبد الله. كانت أم فؤاد تناديك لتسمع لهجتك البدوية الغامضة، بحروفها المعطشة، ومخارجها الفخمة القادرة على التعبير عن صاحبها، وكما تنفر الغزلان، أو يطير سرب من الإوز البري في سباق عبثي كانت تنفر الكلمات. ـ شتريدين خالتي أم فؤاد؟ ـ ماذا قلت؟ ـ قلت أي شيء تريدين؟ وتضحك المرأة بصفاء... ثم تقول لك: ـ تعال اشرب معي فنجاناً من القهوة... فأنت تستحقه. ـ أشكرك. وتذكرك أم فؤاد بزوجات الموظفين والقضاة المحترمين القادمين إلى بلدتك، فهي لا تشبه أناسك هناك، لكنك تشعر بجاذبيّة الأمومة الدافئة تشع منها، فأم فؤاد أرملة بلا أولاد، افتتحت نزلها حين لم تجد بدّاً من ذلك، لتعيش، في بيئة لا تعني فيها المرأة أكثر من أنها متاع للرجل. ولأن دمشق مجتمع نخبة، وتجارة، ومناقلات ذكية، لا يفهم تعقيداتها غير الحذّاق، استراحت روحك إليها، فلم تنزلق إلى التطرف، أو الجلافة. ـ الحزن صديقنا أما الفرح فهو شيطان. قلت لأحد أصدقائك يوماً، تعقب على كثرة الزوار لمقام السيدة زينب، زوار يأتون من كل مكان لتقديم النذور، والبكاء. ـ هذا الكلام يجافي الطبيعة. ـ طبيعة غيرنا. ـ كيف؟! لابدّ من مسجد ومقتول وولي لتكتمل الدائرة وتدور عجلة الزمن. ـ كلام بدو. ويضحك الصديق، ولا تضحك. كنت يا عبد الله مليئاً بالتأريخ والحلم والخرافة، ترى في الحجر كلاماً، وفي حركة الشجر إيماءة وفي علوم النسج والتشريح طريقاً إلى الحقيقة والشعر، وآخر الليل تقودك قدماك إلى شارع بغداد، وقد طفحت رئتاك بالقول، فترتاح إلى العتمة، وقلّة الأبنية، فالحرب الكونيّة الثانية فرضت التعتيم على المدينة فتسربلت بالصمت والظلام. حين صحا الدكتور عبد الله الرفاعي من غيبوبته. وجد نفسه أمام باب المنزل، وكشجرة عارية في الخريف، فرّت كل العصافير من أغصان الروح، فأخرج المفتاح، دسّه في القفل، ثم عبر فراغ الباب إلى الردهة المضاءة، بضوء شاحب والصمت يخيم على البيت. *** ـ أن يتزوج حاج مامو ليس مفاجأة، ولكن المفاجأة أن يموت صباح زفافه. قال إسماعيل الفارس حزيناً... ثم تابع حديثه مع صاحبه الذي يرفض دائماً أن يسميّه: ـ خسرنا لاعباً كبيراً. ـ وعروسه؟! ـ سترث ثُمن ثروته العريضة. ـ كل ذلك مقابل ليلة واحدة. ـ الدنيا حظوظ... سيطق أولاده. ودخل في تلك اللحظة تنباك... والنهار في بداياته. سلم، ثم جلس، وبعد بطحة العرق الأولى، وبداية الثانية، بدأ رواية ما جرى له في رهانه العجيب. فقال: ـ يوم الخميس الماضي كنت مفلساً، وجائعاً، وعطشان للعرق، وفوقها بدون سكائر، وكنت على استعداد للمراهنة على رأسي مقابل خمس ليرات، ومن كلمة إلى كلمة حدثني عمكم جاسم عن رهاناتكم القديمة، وشجاعة جيله، حين كان أرْجَلهم، يذهب إلى خرائب الجامع العتيق، يصعد المئذنة ويضع إشارة متفق عليها في أعلاها، ثم يعود، ليقبض رهانه من المراهنين بعد أن يتثبتوا من صدقه في النهار. ورفع تنباك رأسه ليرى صدى كلامه فرآهم جميعاً يصغون حتى آدم الآشوري.. فتابع حديثه بعد جرعة كبيرة من العرق... فقال: ـ ولأن عمكم جاسم نصف مجنون، وداعيكم مجنون حين يفلس، سألته: ما رأيك عم جاسم أن أذهب إلى الجامع العتيق وأضع خنجري هذا في أعلى المئذنة، تراهن؟ وبعد تردّد قال: أراهن. من خمس ليرات إلى عشرين ليرة. قبلت، قلت بلهفة ولكن بشرط أن تدفع لي سلفاً نصف المبلغ، ولأنه ظنّ أنني اشترطت الشرط لأنسحب دفع لي ليرتين ونصفاً شربت منهما واشتريت دخاناً، ثم توجهت إلى خرائب الجامع. وتوقف تنباك ريثما جرع دفعة جديدة من كأسه... ثم تابع والعيون ترقبه: ـ وكالعادة أخذت معي إبرة لدفع شرّ الجنّ، وبطحة من العرق، وخنجري، ثم انطلقت إلى هناك وحدي، خلّفت ورائي البيوت، والأضواء ولا رفيق لي إلا الليل والخرائب الكثيرة التي فتحت أشداقها، لتبلعني، وبيني وبينكم خفت، فأشعلت سيكارة، وقرفت قرفة من البطحة فعادت إلي شجاعتي.. ما لكم بطول السيرة وصلت، فإذا ساحة الجامع كلها أنوار، والرقص والدبك شغال، والشباب والصبايا يغنون بأصوات رائعة، قرفت قرفة من البطحة وانخرطت بينهم وكان العروسان يجلسان تحت الأضواء على الكراسي، وغنيت مثل المجنون، رقصت، وقد أمسكت بيدي بنت مثل القمر، حتى نسيت الرهان وعمكم جاسم، والمصاري، سكرت... وحين جاءت عيني بعينها، تجمدت، كانتا مشقوقتين بالطول، فصرخت، وحين أشهرت خنجري، انطفأت الأضواء والأصوات واختفى العرس، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم وقرأت الفاتحة وقل هو الله أحد... ومن قبّة سيدنا وابصة خرج رجل تركي، يلبس طربوشاً، بلحية حمراء وعينين بلون الزيتون... فأسرعت في الفرار، ومضى علي اليوم أسبوع في الفراش. تستأهل... قال إسماعيل الفارس، وعاد آدم إلى غيبوبته. *** تنقل أبو الخير في ساحة البيت. ولا يعرف لماذا خطرت في باله رفيقته في السفر؟! قد تكون مشاغله أنسته التفكير فيها، وذهبت به بعيداً. حين سمع قرعاً على الباب. فأسرع يفتحه، وهو الذي اعتاد أن يدير بعض الأمور العاجلة من منزله أيام العطلة. طالعته قامة أبي رافي صباغ المهيبة، بطربوشه الأحمر، فرحب به، وأفسح له الطريق كي يعبر إلى الداخل. كان الرجل قلقاً ومنكسراً على غير عادته. ـ أهلاً أبا رافي. ـ أهلاً سيادة الوكيل. فاستغرب أبو الخير نبرة صوته الخافتة، وهو الذي اعتاد إصدار الأوامر بحزم. ـ خير. أبا رافي. ـ ابني رافي يا سيادة الوكيل، أنا خائف عليه. ـ وهل رافي صبي لتخاف عليه. ـ أولاد الحرام في البلد كثيرون. ـ ماذا تعتقد؟ لا أعرف... كل ما أعرفه هو أنه اختفى. ـ كيف اختفى؟ قد يكون سافر إلى حلب أو الشام لبعض شؤونه مضطراً. ـ سألنا عنه في كل مكان دون فائدة. وبيروت؟ ـ لا يسافر خارج القطر دون أن يعلمنا، وإذا ما سافر مضطراً فإنه يتصل بنا مباشرة حال وصوله هاتفياً أو برقياً. ـ رافي رجل عاقل ولا أعتقد أن له أعداء. ـ أعداء؟! مستحيل. ـ كم يوماً مضى على غيابه؟ ـ ثلاثة أيام. ـ وآخر مرة شوهد فيها، أين؟ ـ في المحطة. ـ ومن شاهده؟! ـ عامل المحطة، نزل معه في السيارة حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً بعد أن انتهى دوامه، ليوصله في طريقه إلى البيت، فأنت تعرف البلد بعد السابعة مساء يخلو من الناس، ووسائل المواصلات، والرجل بيته بعيد. ـ ما عمر هذا العامل؟ وما اسمه؟! ـ في العشرينات، أو يزيد قليلاً، واسمه حسن. ـ وكم عاملاً في المحطة؟ ـ ثلاثة عمال، ينصرف اثنان منهم مساء حين يخفّ العمل، ويظل الثالث إلى وقت متأخر من الليل حيث يحاسب ويسلم الغلّة ثم ينصرف. ـ سأبذل كل جهدي فلا تهتمّ. ـ مشكور سيادة الوكيل. ـ العفو، هذا واجبنا، ولكن هناك سؤال أخير. ـ تفضل سيدي. ـ السيارة مع رافي؟ ـ نعم سيدي. ـ وهل تحتفظون بأموال سائلة في المحطة؟ ـ حصيلة أسبوع ثم نودعها في حسابنا في البنك. ـ وهل يعرف العمال ذلك؟ ـ أعتقد. ـ وأين تحتفظون بهذه الأموال؟ ـ في خزانة مفاتيحها عند رافي فهو المسؤول عن كل شيء في المحطة. ـ وهل يحمل الأموال من المحطة في يوم معين؟ ـ على الأغلب مساء الأحد. ـ وهل الحصيلة مغرية؟ ـ في المواسم نعم. كانت روح المحقق تستيقظ في أعماق أبي الخير، فهي قضية من طراز نادر لا يحدث إلا في المدن تقابله، لذا فهو يسعد بها ليؤكد سلطته، ويرى ثمار عمله خلال ثلاثة أشهر من القمع العنيف لدوافع بدائية في نفوس ريفية. *** قبل سنوات حين لم تكن البلد أكثر من بيوت قليلة يسكنها نصف رعاة ونصف مزارعين بسطاء، وسوق صغيرة للأقمشة والعطارة والصابون وتجارة السمن والصوف، يتحكم بها تجار حلبيون، وثكنة كبيرة عدد جنودها أكثر من عدد الأهالي حسب الوثائق الرسمية المحفوظة حتى اليوم في فانسان عن حملة "دوبيوفر" على وادي الفرات، وهزيمة "ترانجيه" مع حلفائه من البدو على مشارف البلد في "رطلة" وتقارير ضباط الاستخبارات من ليوتنانت دوكوست إلى الكابتن بونو. قبل تلك السنوات، سنوات الجوع والخوف، سنوات الزبل والروث المتخمّر حين تنعقد رائحته بفعل الرطوبة في سقف القاووش حيث العلف والحيوانات وأكداس التبن والحمري ـ وهو العشب الجاف ـ كان سعيد الأقرع خادماً في بيت الفراتي، يجلب الحطب في الشتاء من الحوائج للمضافة والبيت والماء من النهر في عربة الجرّ الخشبية وهو يغني ويضحك مرحاً مرح سلوقي، على إيقاع حوافر بغلته القوية. اندفع من معمل "باوم" الألماني بعد رحيله يكمل مسيرته نحو الشرق، وهو أكثر خبرة ومجالدة واستعداداً للصيال، منه يوم رحيله الأول من قريته "كديران"، لم يسأل إلى أين؟ ولا فكر لحظة واحدة بالعمل، قال "حتى الكلاب تجد ما تأكله، فالخير كثير، والأرض واسعة للنوم والتبول والأشياء الأخرى" عليه فقط أن يملك رجلين تحملانه في رحلته ولا تخذلان، مرّ في طريقه على بيوت الشعر، نبحته الكلاب بضراوة وكأنها تشم رائحة خاصة فيه، لم تفارق جلده منذ أيام الطفولة، وراقبته عيون النسوة السود بحذر، استسقاهن لبناً، ودفعن له قليلاً من التمر والخبز معه، ثم تابع في العراء وبين شجيرات السوس النامي بزهرة البنفسجي ورائحته الحادة، وعند الظهيرة أوى إلى شجرة الغرب، وفي ظلها قال، وعند البرودة عصراً انتهى من قيلولته وتحرك إلى الشرق مثقلاً برائحة السوس والنوم والفرات عن يساره يمضي جليلاً كقطيع من الفيلة المزدحمة، وعلى صفحته الصقيلة تنعكس صورة سماء زرقاء، تندفع في فضائها عربات آلهة الشرق القديم، على شكل غمامات بيض. وعند أبواب البلد توقف، أخذ نفساً عميقاً، ثم دخل، كانت الدكاكين تغلق أبوابها والطرق شبه خالية، اجتاز مقهى أبي شهاب بزبنه القلّة من عقلاء البلد، ومبنى السراي المغلق إلا من حرس ليلي، وفي مقهى بندر الشبلي انزوى يراقب الوجوه والطاولات، وحين جاء النادل طلب كأساً من الشاي، يذكر طعمها دائماً، طعم الغربة والوحدة والجوع. وبعد شهور، لم يبقَ في جيبه فلس، وحين عضه الجوع راهنه أحد المعارف من العمال الذين شاطرهم مهمات تافهة في نقل الحجارة أو تقطيع اللبن، أو نقل الأتربة والوحل للبنائين وحتى الحصاد في الحقول القريبة: ـ سعيد أنت جوعان ومفلس، وأنا عندي مجيدي، هل تسمع مجيدي؟! على استعداد لإعطائك إياه بشرط واحد. ـ وما هذا الشرط؟! ـ أن تسير عارياً كما ولدتك أمك من أول السوق إلى آخره. ـ أرني المجيدي. ـ هذا هو. ـ دعني ألمسه. ـ لا. وتحمس من حولهما بعض الحضور من العمال العاطلين، فالفكرة مجنونة وهكذا هي كل أفكار صديقهم، وتوقفت كل العيون على فم سعيد الأقرع: ـ قبلت. ـ حلال عليك المجيدي. وظلت الحادثة محفورة كالعطّابات في ذاكرة البلد، وإلى اليوم يذكرها الناس ويضحكون وكأنها حدثت البارحة، حتى أقسم بعضهم أنه لا زال يرى سعيد النهري أو الأقرع عارياً ولو لبس كل لباس الدنيا، وكان بعضهم ممن سمع الحادثة من أفواه العابرين أو الذين كانوا في السوق يومها، يستعيدها منه خاصة عندما عمل عند الفراتي فيتمنع حتى يقبض رشوة صغيرة، فيبدأ بروايتها، وتتحول المضافة إلى سفينة للمرح العالي، تعبر الليل الفراتي نحو القمر الغارق وراء التلال، ويفارق الرجال وقارهم، تسقط الأقنعة والحواجز النفسية وتدور القهوة المرة على الجميع، ويقسم بعقال جده، أنه شعر بعيون تطارد عورته كما تطارد الذئبة حملان الغنم، عيون سود وواسعة لنسوة تصنعن الحياء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |