|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:11 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ والمجيدي يا سعيد؟ ـ صار مجيديات وحكاية طويلة. وجاءت اللحظة التي ينتظرها ـ والذئب لا يغفل عن طريدته ـ نادته ضربة الحظ، خرجت من غموضها وألبستها عارية مثله يوم سار في السوق، وكان يقف على سطح القاووش يصلحه، والهدوء يرفع راياته على غير العادة لحارة تجاور قوات الاحتلال الفرنسي، فتطلع إلى مصدر الضوضاء والصخب الدائم للثكنة "فرآها خالية خاوية، ليس فيها غير زوابع من الأوراق والغبار تثيرها الريح وعند الأسلاك الشائكة تجمع الأطفال الذين يأتون طلباً لفضلات الطعام التي يتركها الجنود الغرباء بعد توزيع "القروانة"، وقد تجرأ بعضهم وعبر الأسلاك إلى الداخل كالقردة، ولمّا وجد المهاجع خالية من الفرنسيين صاح برفاقه، واندفع الأولاد كالكلاب والقطط إلى هناك، وقد استيقظ في داخلهم النهب، ولكن أين الجنود؟ دار السؤال في رأس سعيد الأقرع وأشارت له اللحظة بأذرعها، فأسرع في النزول وهي دليله، وكان الأطفال يجرّون وراءهم أكياس الخبز والبرغل وعلب السمن والزيت، بطون جائعة تبحث عما يهمها، وحين صار داخل الثكنة التي أشبهت قرية غضب الله عليها، فأمر الأرض فبلعت ساكنيها، وما لا يعرفه سعيد الأقرع أو الأولاد والكلاب وسكان البلد، كان يعود إلى بلد بعيد ومعركة ضارية بين تسميات سياسية بعيدة عن عقله أو عقول الأهالي البسطاء، فالقيادة العسكرية أمرت بالرحيل لأنها موالية "لفيشي" وتريد أن تكون قريبة من تركيا، وبعيدة عن غارات الإنكليز في العراق المجاورة، فكان هذا الانسحاب العجول المفاجئ. ومن مهجع خالٍ إلى آخر، كانت تقوده من يده ورائحتها تدخل أنفاسه كلما التفت إليها، وإذا ما حاول أن يحمل شيئاً مما يقع في طريقه، صرفته عن ذلك وضغطت على زنده، وفي مكتب فخم توقف، ثم أشارت إلى كيس قماشي أبيض، وابتسمت فحمله بأصابع مرتعشة، ثم عادت به، وعند باب القاووش اختفت، بينما أغلق على نفسه الباب، مدّ يده في داخل الكيس فلامست أنامله الأوراق النقدية، فارتعش، ومن طاقة في أعلى الجدار جاءه صوت الناس والكلاب والأطفال يقتلعون كل شيء. أيام قليلة واختفى سعيد الأقرع مع رواتب الجنود، ولم يلفت نظر أحد، وبعد خمس سنوات أي بعد الاستقلال مباشرة ظهر في حياة البلد من جديد، ووضع جديد تفوح منه رائحة الثراء، مدعياً أنه عمل مع تاجر حلبي في التجارة، وهل أبرك من التجارة؟! ومع المال نسي الناس سعيد الأقرع، وكأنه لم يكن سوى حكاية من حكايات ليالي الشتاء، وبدأ سعيد جديد، سعيد النهري فلقد خانه كل الناس إلا النهر. كل ذلك تذكره سعيد النهري في الرحلة من الرميلة إلى حلب حيث بيته القديم الذي اشتراه يوم فرّ بالمال المنهوب، وإلى جانبه زوجته الجديدة التي أجبر أبا علي زوجها على تطليقها، فدار كالمجنون في الشوارع يصرخ: ـ الحاج سعيد النهري أخذ فطوم مني، يا ناس. ثم يحمل ورقة بيضاء ويحلف للناس حوله: ـ والله يا جماعة، والله جلدها مثل هذه القرطاسة البيضاء. فيبتسم من كلامه الرجال، ويمضون وكأنهم يقولون "حلال على الشاطر". *** مثل دخان يعمي العيون، شاع خبر اختفاء رافي صباغ والتحقيقات تدور في حلقة مفرغة، العامل الذي رآه آخر مرة أفاد بأنه ركب معه سيارته وعند بداية الحي الذي يسكنه أنزله ومضى، أين ذهب؟! هذا هو السؤال الورطة الذي فيه تقبع مشكلة أبي الخير، ورغم الضرب المبرّح والتهديد، ونبش كل حجر في بيت العامل لم يصل إلى شيء، وحين اكتشفت السيارة في وادٍ قريب ظن نفسه وصل إلى الدليل، ولكنه في الحقيقة لم يصل إلا إلى اليقين بأن رافي قتل وذلك من الدماء التي وجدت في أرض السيارة، وأثبتت التحاليل الطبية، أنها من زمرة دمه نفسها، وجن جنون العائلة المنكوبة، حركت أموالها وقواها ومعارفها الأقوياء من بيروت إلى الرميلة، ولأول مرة تلج صاحبة الجلالة الصحافة بأقدامها عتبة البلد، وأمام مندوبيها شعر أبو الخير أنه يقف عارياً ومبلولاً، فهؤلاء الصحفيون ماكرون ولئيمون مثل بنات آوى لا تعرف من أين يأتون بأسئلتهم اللاذعة والتي تحمل دائماً الغمز وعدم الثقة والاحترام. ـ حضرة الوكيل هل تعتقد بالسحر؟! ـ ولا بالشيطان. ـ إذا لم يكن وراء اختفاء رافي الشيطان أو السحر فأين يكون؟ ـ وما يدريني أنا؟! ويندم على الجواب الأخير، كيف يورّط نفسه مع هؤلاء الناس؟! ويلجأ إلى الصمت وقراءة ملف الجريمة من جديد. ـ حضرة الوكيل، هل تعتقد أن في الأمر جريمة؟ ـ لا. ـ إذن ماذا في الأمر؟! ـ اختفاء فهل كل من اختفى كان بالضرورة في عداد القتلى؟ ـ والدم. ـ ربما كان جرحاً من تلك الجروح السطحية. ـ ماذا تعني؟! ـ أنا؟! لا أعني شيئاً مجرّد فرضية. وبدأت تؤذيه أسئلتهم ومناداتهم له "حضرة الوكيل"، وهو الذي اعتاد على "سيادة الوكيل" فأطلق كل شياطينه من قماقمها، فالدافع إلى الآن غير مفهوم أو واضح، فعداوة؟ ليس لرافي أعداء، سرقة؟ وجدت الخزانة خالية من أي أثر لمحاولته فتحها عنوة، إضافة إلى أن ما فيها لا يتجاوز مبلغ ثلاث عشرة ليرة فقط، وسجلات البنك تثبت أنه أودع قبل يوم من اختفائه مبلغاً يعتقد أنه حصيلة مبيع الأسبوع. ومع الحملة الصحفية، والاهتمام الحكومي بالأمر أخذ العطف العام والنقمة على مرتكبي الحادث يزدادان وجاء من يهمس في أذن أبي الخير "فتش بيت رافي جيداً فإنك ربما وجدت فيه ما يفيدك في البحث" وغمز باسماً ثم أردف "لا تفهم من كلامي بيت العائلة" ومضى بعباءته الجوخ وعصاه اللامعة، ودوهم البيت الذي كان رافي يستعمله وكراً لغرامياته، قلبه بوصة بوصة، وجد كتباً وكميات كبيرة من الدخان والمشروب، وعطوراً غالية، وبعض الكتابات بأقلام الحمرة على المرايا تقول "أحبك" أيها الولد الفاسد متى تكفّ عن حيلك"، ولم يهتم، صادف حاجات نسائية لم يحاول ربطها بالعبارات، فهو يبحث عن شيء خاص ومهم، وحين شارف اليأس عثرت أصابعه بالألبوم الخاص، ألبوم المخازي والخاصرة الطرية ـ كما يسميه ـ ولحظة فتحه توقفت أنفاسه، وضربات قلبه، وشلّت، ودار المكان أرجوحة سماوية، اختل توازن الأشياء صاح بمساعده: ـ أبا عبدو. ـ حاضر سيدي. ـ تعال معي. ثم أطبق الألبوم، وتحرك كأنه يخرج من وجر ضبع، ولم ينم ليلته، ظل يدخن في غرفته وحيداً، ويقلّب الصفحات على صور، وجوه وأجساد يعرفها ولا يعرفها وما عرفه من الوجوه يمكن أن يزلزل البلد "أي ابن حرام كنت؟ وقام من مكانه، دار في الغرفة، ثم عاد يقلّب الصفحات بنهم وجنون، أوضاع لا يصدق أنها موجودة ولم يسمع عنها في حياته "كل هذه الفنون تعرفن يا بنات الأفاعي؟! من يراكن في ثيابكن الطويلة والعباءات السود تغطي أجسادكن حتى كعب القدم، وأهدابكن تتكسر خجلاً يقول راهبات خرجن من الدير، وفي النهاية كل فنون الهوى نجدها عندكن، حتى لتتفوقن على بنات التياترو الأجنبيات، آه من المياه الساكنة!! ماذا سيقول غداً ذوو الكروش الكبيرة وعباءات الجوخ من أهاليكن؟! يا ربّ السموات أعني فالسكاكين تشهر والرقاب تشتهي الذبح، ورائحة البارود تختلط برائحة البنفسج، وعطر اللحظات الخاصة يعلن عن إثمه الفاضح، وأغلق أجفانه لكن الأجساد العارية في أحضان رافي لم تفارق باله، وردّد قبل أن يغرق في نومه. ـ يا بنات الكائنات ماذا أفعل؟ أعني يا الله. ورأى في منامه نملاً وفراشات وأثداء نسوة تغرق في الدم والعرق، وخناجر هلالية تحزّ عصب الرقبة فيدفق الدم عبيطاً، والبلد تهب عليه زوبعة حمراء كالنحاس. وفي الصباح، ولم يكن صباحاً ككل الصباحات التي يعرفها أبو الخير، شرب قهوته وراقب المكتب وكأنه يراه للمرة الأولى، كل الألفة ومشاعر الفهم والواجب والتقدير والاحترام، أصبحت موضع شك، كل وجه يراه وراءه امرأة خائنة، وكل وجيه يزوره مثقلاً بالعطر والخواتم والمال واللحم والجوخ ورائحة الفضيحة يراه قواداً يسلم إلى رافي مفتاح البيت، ويمضي كتيس خُصيَ. "يا تيوس الماعز، يا شيوخ النور والقرباط يلزمكم الآن ربابة وخيمة وزبائن وتكتمل الصورة، وجوه بلد؟! أقفية عارية" ويستحضر صورة الفتاة وصورة أبيها، صورة المضافة ودِلال القهوة والوجاهة، صورة بيت رافي بخموره ودخانه وأسرّته الملوثة بالرائحة والدم والأصباغ والإثم. ـ أبا عبدو. ـ حاضر سيدي. ـ أريد كل أصحاب الموتوسيكلات العامة الذين ينقلون الركاب أمامي هنا بعد ساعة، وليوقفوا كل رحلاتهم إلى القرى. ـ أمرك سيدي. ـ قلت كل أصحاب... ـ أمرك سيدي. ـ وأنت، لا ترجع بدونهم. ـ حاضر سيدي، هل تريد شيئاً آخر؟ ـ لا. مع السلامة. واستدار أبو عبدو، وهو يفهم أخلاق معلّمه، لكنه هذه المرّة يقف عاجزاً عن الفهم، فمنذ عودتهم من بيت رافي انقلبت طباعه، بات الغموض، والبرم، والنزق يكتنف تصرفاته وأوامره. وألحت عليه صورة معينة، تكررت أكثر من عشرين مرّة ويعرف صاحبتها طويلة بيضاء مثل ناقة، بوشمها الأزرق الفاتن، ورقبتها الرائعة كلما التقته عرّته من ثيابه بعيني رئم وجيد جداية ظن زماناً أنه اللوح المحفوظ تكتب فيه مصائر البشر بحبر سري، فإذا بها مجرّد... مجرّد، وهزّ رأسه وعاوده السؤال: "كيف يبدأ التحقيق؟! وهل يجب أن يكون هناك تحقيق؟! المشكلة في الأمر صحافة وضغوط من فوق وعطف شعبي على مصاب كان هو يشعر به لكنّ هذا الشعور فارقه الآن، وفترت همته في ملاحقة الوضع فقد قادته الملاحقة إلى "عش الزنابير". ـ "ملعونة مثل هذه القرى الكبيرة، حسنات مثل حسنات البغال في الجر والخدمة، وآثام مثل آثام سودوم وعمورة". صحا على صوت مساعده أبي عبدو: ـ كل شيء جاهز سيدي الشباب ينتظرون أمام المكتب. ـ أحضرتهم جميعاً؟ ـ جميعاً سيدي. وخرج إليهم، كانوا يقفون متجمعين أمامه، وعيونهم تنظر قلقة، ما يريده منهم أبو الخير القاسي، ابتسم لهم ابتسامة شاحبة وقال: ـ اسمعوا يا شباب كلكم تعرفون أن السيد رافي صباغ اختفى قبل أسبوع، أين؟ لا نعرف، الرجل اختفى، فهل بلعته الأرض أم صعد إلى السماء؟! إنه موجود في مكان ما من هذه الأرض ويجب أن يطلع وإلا ألقيت بكل من يملك سيارة أو دراجة أو حتى حماراً في السجن، فعليكم أن تمشطوا الأرض شبراً شبراً ومن وجد دليلاً فله مكافأة مجزية من الحكومة ومن السيد صباغ الأب، والآن بدون نقاش أو كلمة توكلوا على الله وابدؤوا. وانطلقوا والجائزة تهوّن من شعورهم بالظلم، يجوبون المنطقة بهدير وصخب يليقان بالمهمة الجليلة، ومضى يوم، ثم آخر، وقد وصلت أرواحهم إلى أنوفهم، تعب ومساءلة الرعيان العابرين والعربان والبدو في بيوت الشعر، ونباح الكلاب والعجاج والسموم والشموس، ومن تلعة إلى وادٍ حتى أقلقوا الأرانب وبنات آوى، وأخرجوا القنافذ واليرابيع من غيرانها، والضيق يلج النفوس، والشتائم تطال القاتل والمقتول والحكومة، والأب المفجوع بطربوشه الأحمر وبذلته الإفرنجية، يجلس في المقهى الشعبي الذي يستخدمونه محطة للانطلاق والاستراحة، يدخن النرجيلة ويشرب القهوة، ويراقب الباب بانتظار الخبر وعيناه زائغتان وكلما سمع صوت محرك وقف مرتعشاً. ـ الرجل فقد أعصابه. ـ المصيبة كبيرة، ولد يا رجل ولد ولا كالأولاد، وحيده الغالي. ـ الله يساعده. ـ ويساعد كل أمة محمد. يقولها بإيمان وثقة دون اعتبار لديانة أبو نبي الطرف الأخر، وفي كل يوم يضاعف الأب الجائزة مما شجع أصحاب الموتوسيكلات على الدخول والمشاركة في عملية البحث، وامتص من الآخرين مشاعر النقمة والضيق، كما أعطاهم الحق بملء خزاناتهم مجاناً من محطة المحروقات العائدة له. وفي المساء دعا أبو الخير مساعده وسلمون العبد إلى اجتماع خاص في منزله، ولم يواجه أبو عبدو غرابة في حياته مثل حيرته واستغرابه لوجود قواد عريق وعجوز مثل سلمون العبد في اجتماع حكومي في قضية تشغل الناس والسلطة من دمشق إلى الرميلة، ولكن حين رأى الألبوم فارقته حيرته ولجمه الخرس والخوف والدهشة، وبعد أن استعاد هدوءه بدأ يكتب قائمة بالأسماء والعناوين وحين انتهى توجه أبو الخير بحديثه إلى سلمون: ـ إذا خرج حرف مما رأيت سأشنقك على أعلى عمود كهرباء في البلد، هل سمعت أيها العجوز؟! ادفن لسانك القذر وإلا سحبته من قفاك. ـ أمرك سيدي. وخرج الرجل المهدّم، ولا زال في رأسه ثمالة من نشوة لرائحة الفضائح والدسائس وشؤون العباد النسوية. وفي اليوم الثالث وجدت الجثة في أحد الوديان، وأمر أبو الخير بتوقيف عامل المحطة وإعادة التحقيق معه على ضوء الواقع الجديد. *** مثل رائحة جثته المهترئة التي وجدها. سائق الدراجة عقلة الأحمد في وادي السيل، بدأت رائحة الفضيحة تدخل البيوت تسكن كهامة الجرب بين تلافيف الدماغ ونياط القلب، وعصب الشعور، فتغثي النفوس وتزكم الأنوف وتشل الجسد، وتنسف العطف القديم على عائلة صباغ وما أصابها ليحل محله الحقد والنقمة والعداء السافر. ـ يا لهؤلاء الفاسقين!. ـ قد عجل الله الجزاء، ـ جيرو جهنم. واستعاد أبو الخير سيطرته على زمام الأمور، تابع تحقيقاته مع العامل وقد أقسم الجوار القريب من المخفر أنهم لم يناموا ليلهم ولا الليل الذي وليه من هول صرخات التعذيب التي كان يطلقها العامل الموقوف. ـ من قتل رافي صباغ؟ ـ لا أعرف سيدي. ـ ومن يعرف إذن فآخر ابن حرام رآه هو أنت؟! ـ تركني عند بداية الحارة وراح سيدي. ـ إلى أين راح؟ ـ لا أعرف سيدي. ـ ماذا تعرف إذن؟! ـ بعرضك سيدي، أبوس رجلك. ـ اسمع يا هذا، أنت لم ترَ شيئاً بعد لا زلنا في "أبجد هوّز"، وإن لم تقل الصدق والله لأستلنَّ روحك شعرة وراء شعرة من هدب عيونك، ومن أظافرك، وصرصور أذنك وكعب رجلك، وكوع يدك، هل جربت طعم النار على حبة الثدي؟! وبعدها أرفعك على أعلى خازوق في البلد لتكون عبرة للناس على مرّ الزمان. ـ سيدي أبوس رجلك، والله لو كنت أعرف شيئاً لقلته لك. ـ كذّاب. ـ بأي الأنبياء والكتب أقسم لك؟! ـ كذّاب. ويشير بيده للدركي الواقف وينطلق الجئير طويلاً متألماً يدخل البيوت من النوافذ والطوق وأعشاش العصافير، وتنكمش القلوب والأجساد، وتدور الصرخة من حي إلى حي محمولة على أجنحة سرية تقلق هدوء الناس، وتبدد سكونهم، وتطلق ألسنتهم وخوف الخائفين منهم، وقد أخذ العطف يتسلق أسوار المخفر وحيطانه العالية ليصور العامل الموقوف وكأنه انتقم لشرف البلد المثلوم. ـ والتالي؟!.. قال أحد عقلاء البلد، ثم أردف: ـ بنات ومحاكم وكل استدعاء وتحقيق يهدم كرامة بيت، الاستمرار في الأمر مهزلة وعرض الناس وكرامتهم ليست رخيصة إلى هذا الحد. ـ والحل؟! ـ الحل وقف التحقيق بأي ثمن، بالمال، بالتهديد، بالجاه، بالقتل لا يهم، ثم كلنا يعرف أن الوكيل يبيع أمه بالمال، والذي لا دخل له في الأمر يتحرك قبل الذي تورط لأن الفضيحة فضيحة البلد وليست فضيحة زيد من الناس. ـ إذن نذهب اليوم مساء. ـ لا، يذهب اثنان أو ثلاثة إلى البيت زيارة عادية دون أن يلفتوا نظر أحد ويدبروا الموضوع معه. ـ وإذا رفض. ـ لن يرفض فالوكيل يبقى ابن ناس وخلق، ومفتاحه في يدنا، المال. وانفض مجلس العقلاء، قاموا إلى بيوتهم استعداداً لزيارة الليل. بعد أن ودعهم أبو الخير عاد إلى غرفته، ومشاعر شتى تغتلي في داخله، ملأ جيوبه بالمال، وأفرغ قلبه من الشعور بأداء واجب ثقيل، يجثم على صدره مع كل حركة في التحقيق، وحسم تردده قائلاً: "هو يستأهل القتل، وأنا أستحق المال، ورضى البلد، والناس يظلون مخلوقات تستأهل الستر، إذن لم يخرج أحدنا خاسراً من اللعبة، كل أخذ حقه".. وقبل أن يأوي إلى سريره، سمع قرعاً خفيفاً على الباب، فأسرع يفتحه، وفي ضوء القمر رآها أمامه طويلة بيضاء كالناقة، تزهو بوشمها الأزرق، وعينين واسعتين تعريانه من ثيابه. ـ تفضلي. قال وهو يوسع لها الطريق، ولم يلحظ شبح رجل يختفي في الظلام، وكأنه أوصل أمانة إلى صاحبها ومضى. *** من الجسر إلى الجبل تخلصت زهيرة من شعورها الخانق وحاجتها إلى البكاء، ومثل جناح مكسور قلبها هذا القلب الذي توقف منذ اليوم الأول للحادث، ولم تصدق أنه تحرك، ثم جاءت الأحداث والصور وعيون الناس، وصمت والدتها القاسي، وحركة الدكتور الحذرة، لتصدع جدرانه، وتشعل في الشرايين نيرانها. ـ "الصفقة كانت شاملة يا زهيرة، كل شيء أو لا شيء، نعم أخيراً مجد الفضيحة". وعندما اتجهت السيارة نحو الغرب، تحرك الدم، والعصب، وتذكرت قرارها في الرحيل إلى منهل في بيروت وقد رأت فيه العائلة قراراً معقولاً ومرضياً لكل الأطراف، وخاصة بعد طي ملف القضية المتعلق بالألبوم. ـ "على بلد المحبوب... تعالى صوت من راديو السيارة، ففتحت كل جروحها، ولاذت بالصمت تكابر دموع الخيبة والأسى، وتابعت السيارة بالسفر السفر، والبلد يتضاءل رويداً رويداً حتى تشربه المسافات. ـ على بلد... وديني. الصوت يدخلها، وعقلها الباطن بعناد يلغي كلمة "المحبوب" ومن نافذة السيارة راقبت السماء والعصافير والفرات البعيد، وأكواخ الفلاحين ـ خذني من سودوم... يا... ولم تتم عبارتها، ملأ النسيم رئتها فاستراحت وانحنت تلعق جراحها. *** أهلاً مدام أليس. قال ديران وهو يقوم مرحباً بالمرأة الأرمنية الكهلة وهي تدخل بالعزم والحيوية والحياة، واثقة من فرض احترامها حيث حلت. ـ أهلاً مسيو ديران. ـ من تل أبيض أم من حلب كان القدوم؟ ـ من تل أبيض. ـ كيف حال عين العروس هذه الأيام؟!... ـ جنّة لا تليق بهؤلاء البشر. وجلست على الكرسي بارتياح. فسأل ديران: ـ قهوة أم شاي؟ ـ قهوة. ومع رشفات القهوة الأولى بدأت مدام أليس شكواها، ولكن بدون ضعف: ـ حين جئت من القامشلي إلى تل أبيض، لم تكن أكثر من قرية ميتة، لا كهرباء، ولا زراعة أو صناعة، بشر رعيان وأغنام، استأجرت الأراضي من أصحابها البدو واشتريت ممن أراد البيع حول عين العروس. كان ديران يستمع وهو يعرف معظم التفاصيل، لكن كفاح هذه المرأة كان يسحره، ويبعث فيه الفخر.. وهي تتابع: ـ بنيت في البداية بيتاً، ثم تجمعاً للآليات وسكن السائقين والعمال، وجئت بمولد كهربائي، وبدأت العمل في زراعة القطن والقمح، وحين اكتشفت حاجتي إلى المحروقات، وبعد المسافة بين تل أبيض والرميلة، أقمت محطة محروقات، ثم جئت بمعلم ميكانيك أرمني من حلب مع عماله، وافتتحت لهم ورشة مناصفة، فأصبحت القرية مكتفية، والناس يجدون ما يأكلون. وعادت إلى ما بقي من قهوتها.. ثم تابعت: ـ واليوم مسيو ديران... الفلاحون يسرقونني، وعمال المحطة يزورون في الحسابات، ويغشون الزبائن، حتى معلم الميكانيك الأرمني أفسدوه.. هذا وضعي، وأنا أفكر في تصفية أعمالي والهجرة إلى أمريكا. ـ وتبدئين من جديد؟ ـ ماذا أفعل؟!... لا خيار لي. قالت .. ثم استدركت. ـ نسيت الأمر الذي جئت من أجله. ـ أنا في الخدمة مدام. قالها كما يقولها أخ لأخته الكبيرة، وانتظر أن يسمع منها ما تريد، وبالتأكيد لم تأته إلا من أجل شأن من شؤونها المالية. وقبل أن ترحل قال لها مازحاً: ـ احذري.. فقد أصبح أصحاب محطات المحروقات هدفاً للصوص، هذا رافي صباغ مثال على ذلك. ـ مسكين رافي. واستعدت للرحيل والعودة إلى تل أبيض، وجنتها في عين العروس. *** ـ منذ آرتين مادريان لم يأتِ إلى البلد أرمني إلا ديران، وهذه المرأة. قال اسماعيل الفارس لصاحبه الذي يرفض أن يسميه، وهو يلمح مدام أليس تخرج من البنك، فسأله صاحبه: ـ ومن آرتين هذا؟!.. ـ جاءنا منفياً مع رفاقه من بيروت، وكنت في بداية عملي مع الفرنساوي. سكت قليلاً ثم تابع: ـ تريد الحق؟؟ لقد دوّخ المخابرات، ولم يأخذوا منه حقاً أو باطلاً... كان أذكى من العصفور. ـ وما زلت تذكره؟! ـ الرجل مثله لا تنساه الذاكرة. ومضى الرجلان باتجاه النهر، بانتظار المساء للعب أو الشرب... لا فرق. *** للمرة الثانية يرى شملان بن جابر جده ضاري. في المرة الأولى رآه عياناً، وحيداً مع خلوجه، وفهم الإشارة "أن ابتعد عن النساء وأخص بنت "التعاويذي"، وفي الثانية رآه في المنام يقود كلابه القرباطية وجواريه السود وأولاده الخلاسيين ويمعن عميقاً في السراب، وخلوجه ترقل، والأرض بساط ينطوي تحت خفها، وقد ظللته غمامة من الجراد النجدي، وراقبته عيون الوحش والطير بخوفٍ أبكم، ولم يفهم الإشارة أو المراد، بل فهم أن روح هذا الشيفالييه البدوي ـ واللقب أعطته له فرنسا مقابل قبوله بالانتداب أمام لجنة كراين ـ مثقلة بالدم و الخطايا والآثام ولن تهدأ أو تعرف السلام". وفي صباح شرب قهوته من يد محمد الأخرس ونادى: ـ ذبّاح.. أنت يا ذباح. ِـ عونك يا عمي. ـ السيارة جاهزة؟ ـ جاهزة يا عمي. ـ رُحْ جهز روحك. ـ إلى البلد يا عمي؟ ـ لا.. إلى الشام. ـ علىخيرة الله. ـ لا تنسَ وأنت راجع خذ "الشنطة" من البيت. ـ أمرك يا عمي. وانفتل عائداً وهو يردّد بينه وبين نفسه "كل يوم والثاني سفرة إلى الشام. ماذا جرى لك يا بن جابر، هي روحك معلقة بالشام؟!". ثم تابع إلى حيث السيارة وبيوت الشيخ والخيل الأصيلة، وتذكر شملان أن كل شيء أصبح جاهزاً حتى موافقة الوكيل أبي الخير على عبور الشاحنات، هذا الوكيل الذي قبض ثمناً باهظاً مقابل عبورها الجسر وإغلاق المدينة مدّة أربع عشرة ساعة، قرية كاملة من قراهم وسيذهب اليوم لإجراء عملية التنازل في الطابو باسمه، والفرصة جاءت، الحشود التركية على الحدود، فلا أسهل من العملية، فها ساعة زودك دنت يا شملان، سترعى إبل عنزة شجر الغوطة، وفي تلك اللحظة فوجئ أبو الخير بزيارة أخرى لوالد العامل الموقوف، في الزيارة الأولى طلب الإذن في الدخول إلى ولده، علّه يعرف منه شيئاً، أو يقنعه بالاعتراف إن كان في بطنه شيء، وكان الرجل عاقلاً مهيباً، فارقه الشعور بالحرج من فعلة ابنه، بعد الفضيحة ومشاعر الناس بالعرفان وخروج العمل من الجناية إلى البطولة تمنى لو كان ولده هو الفاعل، فعلى الأقل يدخل رصيد العائلة مأثرة حقيقية في الرميلة تعتبر مفخرة، وبعد حديث قصير قام أبو الخير كالملسوع مسرعاً إلى السجن وبدأ اعتراف الشاب: "في الليلة المذكورة أغلقنا المحطة كالمعتاد، وكان المعلم مبسوطاً، يلّوح بسلسال المفاتيح ويترنم بأغنية شائعة، وعند إطفاء آخر ضوء من الأضواء الخارجية، قال: "اركب ولك حسن، هذه الليلة بألف ليلة"، ثم انطلق ولم يكن في الشارع "دومري" اللهم إلاّ صفارات الحرس الليلي البعيد، والظلام وفوانيس الكهرباء، وعند بيت الدكتور مهنا قال مازحاً وأظنه ـ والله أعلم ـ كان سكران "روحي راحت عليكِ"، ثم أسرع في الشارع الخالي وقبل البرج القديم رأينا شبحين أشارا فتوقف المعلم، ركب أحدهما إلى جانبه، والآخر إلى جانبي وراءه تماماً، ومضت السيارة وحين أراد الانحراف إلى الحارة لإيصالي قال له الراكب الذي إلى جانبه "لم يبقَ لدينا ما يكفي من الوقت، دعه يذهب معنا فعلى ما يبدو هو ولد طيب وينفع لحراسة السيارة"، وانحرفنا إلى اليمين، خرجنا من البلد وعند الطريق المؤدي إلى الجزرة، وكنت نائماً تقريباً صحوت على صرخة ألم، وصيحة "يا حسن ذُبحتُ" لجمني الخوف وأنا أرى يد جاري مرفوعة والدم يقطر من أداة حديدية نسميها بلغتنا "راسكيته" لها ثلاثة رؤوس مدببة، وبعدها لم ينطق، واستلم المقود جاره، الذي هدّأ من سرعة السيارة ثم نزل واستلم القيادة وقد توقفت كل حركة في جسد المغدور، وقد هدداني فأنا على معرفة بالاثنين، وفي وادي السيل ألقينا بالجثة وعدنا إلى المحطة والمفاتيح معنا، وصدمنا حين اكتشفنا الخزنة فارغة وتعاهدنا على السكوت، واليوم سمعت أنهما سيهربان إلى الأردن، فها أنا أعترف وأقرّ بكل شيء". ـ على كل فعلت عين العقل باعترافك. قال أبو الخير ثم انطلقت البرقية إلى كافة المراكز والحدود بأوصاف شريكيه واسميهما وأصبحت القضية من اختصاص القضاء، فتنفس بارتياح، وتحركت أموال رافي وسط سخط عام ضايق محاميه فيما بعد كثيراً وساعد الجناة. ـ هل السيارة جاهزة؟ ـ كل شيء جاهز يا عمي. ـ هيا بنا الآن. وقام شملان إلى السيارة يجرّ عباءته، وكأنه يربط الدنيا إلى خيط عقاله الأسود، والشمس فاكهة من الضوء والبهار، ومن أقصى الخيام جاءته دعوة أبيه جابر بن ضاري: ـ موّفق يا وِلْدي بكل خطوة. وكشّر ذباح عن أسنانه البيض، ومضت السيارة إلى سبيلها تاركة زوبعة من الدخان والغبار خلفها. *** في حلب تمت إجراءات نقل الملكية بسهولة ويسر بالغ. وعاد أبو الخير إلى البلد يحمل في جيبه أوراق ملكيته الجديدة، وحميا للعمل في حفر الخنادق الدفاعية تحسباً لهجوم محتمل من قبل تركيا الجارة، بينما تابع شملان بن جابر طريقه إلى الشام وفي أصيل ذلك اليوم عوت سيارة الإسعاف وهي تنحدر إلى السوق، وعند زاوية مقهى السراي ترجل رجلان منها واقتربا من أبي علي بائع المشبك، وربتا على كتفه، وبعد حوار قصير: ـ أنت حسين بن علي حميشة؟!.. ـ نعم. ـ مواليد حلب حارة الكلاسة؟!.. ـ نعم. ـ اسم الأم عيوش؟ ـ نعم أخي، أي خدمة؟! ـ تفضل معنا. ـ إلى أين؟... ـ ستعرف بعد قليل. ـ وجرّه الرجلان إلى داخل السيارة، وانطلقوا به فصاح: ـ عدّة الشغل، المشبك... المشبّك. ـ لن تحتاج إليها بعد الآن، فالمكان الذاهب إليه يتكفل بكل شيء. ـ وهذا المكان بعيد أخي؟ ـ قبل حلب بخمسة كيلو مترات، هل عرفته؟ السرايا الصفراء. ـ مستشفى المجانين يا إخوات... جعر بألم لكن المرافقين أجبراه على الخضوع، فقال بحزن: ـ فعلها الحاج سعيد النهري، أخ يا حلب الخائنة، حتى أنتِ عليَّ. وتابعت السيارة طريقها إلى الغرب، والناس ينظرون باستغراب إلى القادمين الجدد، وظلت الصينية مليئة بأقراص المشبك الحلو أمام المقهى إلى اليوم التالي، وكأنها تنتظر صاحبها الذي لن يعود بحزن. *** قد مرّ أيام وربما أشهر عديدة. ولكن ما جرى تلك الليلة، يظل محفوراً في ذاكرة الناس، يمكن استعادته ولكن لا يمكن تكراره، حين تحوّل كل شيء أزرق، الوجوه واللحى والشوارع والليل، والأطفال وأدوات المنزل والأسرة، وبزات الحراس وبنادقهم، وقمر الديرة وفوانيس البترول ولمبات الكهرباء، وأجساد النسوة العاريات في الحمامات أو الفرش. أول من اكتشف الأمر سعيد النهري الذي لا ينام إلاّ عارياً مع زوجته الأخيرة، فبعد غروب الشمس وبداية زحف الظلام، امتدت يده إلى مفتاح الكهرباء، يشعل الضوء، وكان نسي أنه دهن الزجاج ولمبات الكهرباء باللون الأزرق، ففاجأه هذا اللون الذي تدفق، فصبغ الأثاث والثياب كحبر هائل، ولمَّا نظر في المرآة، فوجئ أكثر حتى أسنانه ولسانه وشعر رأسه تحوّل إلى الأزرق. عرَّى زوجته فرآها زرقاء، ولأول مرة ينام مع امرأة زرقاء، ففكر بخوف لو نام معها أن ينجب طفلاً أزرق فقال: ـ فطوم. ورفعت إليه وجهاً أزرق وعيوناً زرقاء، ونظر إلى زهرتها، كانت أيضاً زرقاء فهاجمه خوف لم يعرفه من قبل، اقترب من النافذة، ونظر إلى الشارع، كانت البيوت تغرق في ليل من الحبر الهائل، ولما رفع رأسه إلى السماء طالعته النجوم زرقاء، فاكتشف لأول مرّة قيمة تعدد الألوان فأعاد نداءه: ـ فطوم. ـ نعم. ـ البسي ثوبك وهاتي لي فنجاناً من القهوة. لبست ثوبها ومع هذا لم يفارقها اللون، وحين عادت بالقهوة كانت الصينية والفناجين والدلة مصبوغة باللون نفسه، فقاوم خوفه وقام إليها، أغمض عينيه وقادها من يدها إلى الفراش، وقد اشتعل نصفه الأسفل، تاركاً القهوة يتصاعد منها بخار أزرق وحار. *** أمّا العجوز "عدّولة" فبعد أن دهنت لمبة الكاز بقليل من "الزيرقون" الذي تستخدمه في الماء الحار عند الغسيل فإنها أشعلت الضوء ونامت منذ الغروب بعد أن قدّمت للعنز الوحيدة التي تملكها الأكل، وعند منتصف الليل أحست العجوز بأنفاس حارّة عند رأسها، أرادت أن تصرخ لكن لسانها خانها، فكل ما حولها أزرق، الجدران وأثاث الغرفة، وهذا المخلوق الذي يشبه عنزتها لكنه أزرق هو أيضاً. ـ بسم الله الرحمن الرحيم. أسعفتها الكلمات أخيراً، ثم وقفت على قدميها، نظرت إلى القمر و النجوم والليل كلها تحوّلت إلى لون الزيرقون، كأنما غطست في وعاء واحد، فتشاهدت ووحدت ربها جلّت قدرته وانتظرت مايمكن أن يحدث. *** ولم يكن وقع الأمر أقل على "زغير البسَّان" وابنته سعدى. فمنذ يومين اكتشف أن جلد الفتاة وعيونها تلونت بالأصفر، وارتمت عن حيلها وفارقتها الشهوة للطعام، انطرحت تئن، فحار في أمره، ماذا جرى للبنت؟... سأل نفسه وهو يلعن لحظات المرض فهي تكلف مالاً ووقتاً ودكاترة متعجرفين والحلال دائماً بحاجة لمن يقف إلى جانبه فالراعي في هذه الأيام لا ينفع، يوم أو يومان ويتراجع هذا الصفار، وخاب ظنه، ازداد أكثر وقالت العجائز: ـ البنت عندها "أبو صفار"، ويجب أن تراجع الحكيم لأن علاج المرض يطول وعواقبه ملعونة. وأبو صفار هو الاسم الشعبي لليرقان، ونزولاً عند إلحاح العجائز، جهزّ زغير البسان عربة الجرّ، وسقى حصانه، ثم انطلق من قريته عند الغروب فالمدينة قريبة بعد أن أوصى أهله بالخراف الصغيرة، وطوال الطريق كان ينصت إلى دواليب العربة تصارع الدرب الخشن، فتتمايل ذات اليمين والشمال، وفي منتصف الطريق غابت الشمس تماماً، فلفّ سيكارة أخيرة على ضوئها، ثم دفع حصانه وقد بدأ الطريق ينصلح. لم يفكر زغير البسَّان أن ينام؟.. فالبلد خالٍ من الفنادق، وآخر خان كانت تستخدم شركة السوس جزءاً منه لمبيت موظفيها وإيواء بعض السفار الأجانب أغلق أبوابه، ثم لماذا الفنادق؟.. هل انقطعت المعارف والعادات، فأي بيت فيه ضوء وساكن لك حق الاستئذان والأكل والنوم فيه. ـ سعدى.. سعدى. كانت سعدى تغرق في النوم، فالتفت خلفه، ناداها، فرفعت رأسها وردت بصوت ضعيف. ـ ها، يابا. ـ قربنا من البلد، كيف صرتِ؟.. ـ زينة. قالت وشعر زغير البسَّان بحركة الأرانب وبنات آوى العاوية تلمع عيونها، والدرب يطول، وتمتط المسافة، هل ضيع الدرب الصحيح، على كلٍ في الليل تتشابه الدروب والأرض، نظر حوله، رأى القمر يصعد من وراء التلال قرصاً من الجبن الأبيض والنور، والنجوم ضاحكة في غابة الظلام. ـ ماذا لو انتظرت إلى الصباح يا زغير البسَّان؟.. الليل وسفر الليل وشغل الليل دائماً مذموم وناقص ثم هذا جزاءمن يطيع النسوان. قال زغير البسَّان يلوم نفسه، ثم تابع: ـ كل هذه المسافة التي قطعناها ولم تظهر أضواء البلد؟!...كل مرّة نراها من مسافة ساعات، يعني هربت البيوت أم ابتلعتها الأرض؟!... ولفّ سيكارة جديدة على ضوء القمر، فآنس الدخان، وعاود الاستماع إلى روح البرية الساكنة، وصوت الدولابين وذيل حصانه يتحرك بعصبية وكأن ضيق صاحبه انتقل إليه بالعدوى، هل يعقل بعد كل هذه السنين أن يضل زغير البسان في البرية؟.. وهو الذي يعرف الأرض من هنا إلى العراق والأردن والسعودية كما يعرف راحة يده، فما أكثر ما مشاها مطارداً أو مع أغنامه، أم أن عليه أن يظل طوال عمره يدفع ثمن جريمته من فرح أيامه وأعمار أولاده الذين اخترمتهم يد المنون واحداً بعد الآخر فلم يبقَ له سوى سعدى والصغير عساف. *** قبل ثلاثة عقود، كأنها البارحة، رفع جاسم السلمان ـ وهو الاسم الحقيقي لزغير ـ خنجره في ساعة شرّ شق بطن ابن عمه حمود، فدلق مصارينه في الأرض، وكل ذلك من أجل بئر ماء حفرها بأسنانه وأظافره مع إخوته، وفي النهاية أراد حمود التحكم بها، وحتى لا يتفانى الناس بينهم وهم أبناء عمومة دفع الدية من ماله الخاص حتى لم يبقَ له مال، ففي العرف القبلي لا تدفع العشيرة ديّة حين يكون الأمر بين أبناء عمومة منها، ثم قرّ العارفة بأن يجلي عن الديرة ولا يرى الفرات طوال عمره، ومن وجده، فدمه مباح ولا ديّة له، وغاب من ديرة إلى ديرة، ومن أرض إلى أرض، ومن عرب إلى عرب، والجزيرة تأتيه في المنام بقطعاتها وعربانها، وفراتها المهيب، كوّن مالاً وتزوج وغير اسمه، والجزيرة لا تفارقه حتى مرّ عشرون حولاً، وكلما أتاه ولد أخذته يد المنون، فطاش عقله، وفي لحظة يأس قال لامرأته: ـ هذه الديرة لا توافقنا، واجب نرحل. ولم تعترض المستورة، عافت حمولتها وتبعته، فالفرس تتبع الرسن، وقال في نفسه يعزيها: ـ على الأقل ندفن عظامهم وعظامنا بأرض ديرتنا، إذا تنكر لنا الناس، فالأرض لا تتنكرلنا بالتأكيد. وكان زغير البسّان قدترك لحيته كالدراويش، فما عادت تتعرف إليه حتى أمه، ويوم نام ليلته الأولى بعد أن عبر الفرات في الجزيرة، شعر بأثقال عمره التي أنقضت ظهره، وبأحزانه تفارقه، وبرائحة أهله وديرته القريبة تدخلان كل روحه وجلده فقال لنفسه: ـ اليوم أنام على ظهري وأنا مستريح. ومع هذا ظلّ زغير البسّان يدفع ثمن جريمته، ولا يقترب من عربه خوف افتضاح أمره، فالفراسة ورائحة الدم وطريقة النطق، لا تخفى على الرجال المجربين حتى لو استطاع أن يتستر وراء ألف قناع، وهو لا يطمع في أكثر من البقاء قريباً من الديرة يرى أناسه من بعيد، ويشم رائحة الخضيرة كلما هبّت الريح من ديارهم، ويشاركهم الأرض التي لا يخون ربيعها، لتلمّ عظامه مقبرة الأهل كما ضمت ـ دون علمهم ـ عظام أولاده الذين ماتوا في الغربة، لقد نبش قبورهم كلصوص الآثار وجاء يحملها لتواسدها عظام من لحقهم من إخوة فيما بعد. ـ آه يا زغير، يا من ليس له كبير، دنياك حجر صوان ما تلين، ولا يلين لها قلب أو يضحك لها سن مثل أم القتيل، أخذت منك الحق وثلثين الباطل وأنت تركض حفيان الروح من شيخ إلى حكيم، وما من فائدة، الموت ساكن معك بين الرفة والكاسر، الحلال يزود، والأولاد ينقصون، أي ابن حرام هذا العارفة الذي قضى عليك أن تجلي ولا ترى الفرات بعينيك؟!... لو سلمك للحكومة لكان أهون، سجن يمر وتعود. لكن.. آخ، أنت ما قتلت ابن عمك يا زغير، أنت قتلت نفسك وخلفك. لا يعرف زغير البسّان كم مضى من الوقت، نسي الدروب، والعربة، والحصان، وهو بين اليقظة والمنام، وفجأة إثر هزة كادت تلقي به خارج العربة أفاق، فتح عينيه بدهشة وخوف، يا ربّ القدرة، ما هذا الذي يراه؟!... وأين هو؟!.. هل هو على ظاهر الدنيا أم اختطفه الجن الأزرق إلى مملكته؟ أم أن الله استدعاه إلى السماء لتصفية حسابه الأخير؟ تلفت زغير حوله، الشارع والمنازل والجدران التي يحفظ شكلها، والأشجار، وأعمدة الكهرباء والعربة والحصان وسعدى النائمة ويده التي تمسك الرسن كلها زرقاء، يا إله الكائنات رحماك، ومن جوف هذا البحر صاح أحد الدرك. ـ أنت، هناك قف. وتوقف تماماً، وجاء الدركي، كان هو أيضاً أزرق، أسنانه وبارودته وصوته البارد الآمر الناهي: ـ ماذا تفعل في مثل هذه الساعة؟ ـ أنا؟! ـ نعم أنت. ـ يابن الأجواد، لا تزعل من عمك، الليل والتعب والهموم خبلنّ عقله. ـ ألا تعرف أن التجول ممنوع بعد السادسة. ـ وما معنى التجول؟ ثم من أين لي أن أعرف وأنا غريب عن البلد؟ ـ تظلون أجحش من حميركم. ـ الله يسامحك. ـ خلاصته، إلى أين تذهب؟ ـ إلى الحكيم معي مريض. ـ وأي حكيم في عيادته الآن؟! ـ والحل برأيك؟!. ـ ترجع، تدبر رأسك خارج البلد، لأن أية دورية تصادفك ستأخذك إلى الحبس فوراً. ولم يجرؤ زغير البسّان على الاستفسار عن اللون الأزرق، وهذه الدنيا التي انقلبت إلى لون الحبر، فاستدار بعربته عائداً، وحين خلف البلد وراء ظهره عاد كل شيء إلى حالته الأولى. كانت أنباء العدوان الثلاثي تملأ البلد. فالآذان تلاحق نشرات الأخبار من محطة إلى محطة، وقد امتلأت النفوس بالزهو، والاعتزاز، فلا حديث في المقهى أو المضافات والدواوين ومخازن التجار إلا عن مصر وعبد الناصر، والعروبة التي تجمع القلوب، وقد رافق ذلك أنباء محلية غير مؤكدة عن تهويلها، فكثرت الأحاديث عن سور الدبابات والجند المسلح والمدافع وعن توقع غارات جوية ليلية على البلد، كل ذلك ينتظر إشارة من استانبول للتحرك. وقد تأهب أبو الخير بسلاحه الكامل، وهو يمر على رجال المقاومة الشعبية من المتطوعين يتفقد سير العمل في إصلاح الخنادق الدفاعية التي حفرها الرجال في ظاهر المدينة قبل عام مضى أيام الحشود العسكرية السابقة، وكان الرجال المتعبون الذين علاهم الغبار حين يرونه قادماً ينهضون، ثم تسري في عروقهم موجة من الحماس والاندفاع فيهزجون بأناشيد شعبية تنطق من حناجرهم، تمجد البسالة وتتوعد العدو القادم بالويل والثبور. ـ يمنع التجوّل من الساعة السادسة مساءً إلى الثامنة صباحاً وكل من يخالف الأوامر يعتبر جاسوساً لتركية، ويتعرض لإطلاق النار من أية دورية تصادفه، والأمر ساري المفعول إلى حين صدور تعليمات جديدة. أعطى أبو الخير أوامره في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني أمر: ـ يدهن زجاج النوافذ والأبواب الخارجية باللون الأزرق، وكل من يخالف يدفع غرامة خمسمائة ليرة سورية والحبس شهراً. وفقد اللون الأزرق من البلد، فلقد صبغ الناس كل شيء الزجاج ولمبات الكاز والكهرباء وتصرف آخرون، فدهنوا لمبات النور في الشوارع، ومن فاته الدهان لجأ إلى الزيرقون الذي تضعه النسوة مع ماء الغسيل للتنظيف، وكان قد تلقى ساعة الصفر من الشيخ شملان في تلك الليلة الزرقاء فأشاع عن احتمال غارة جوية، وطلب الاقتصاد في الإضاءة قدر الإمكان، وعدم فتح الأبواب والنوافذ لأي طارئ كما نشر حرسه في كل زاوية وشارع، وبيدهم الخيزرانات والبنادق، ينقرون بها على الطوق وكأنهم يقولون للناس "نحن هنا" وعند أية حركة يصرخون. ـ نوّس الضوء يا حيوان. ثم يردفون بعد جولة حول البيت: ـ أغلقوا الشبابيك جيداً. وفي الظلام الأزرق الذي فاجأ الجميع تعالت الهمسات لعجائز خائفين: ـ ياربّ بحسنة حيوان، يا ربّ بحسنة طفل، استر يا ساتر. ثم تسبل العيون أجفانها بتبتل صوفي، ويتذكر الرجال خطاياهم، والنسوة آثامهن في خوف، وتموء القطط تحت ضوء القمر الأزرق وتعوي الكلاب بالمقلوب في الهدوء المخيف وتقول عجوز: ـ هذا شيب رأسي إذا رأيت طوال عمري ليلاً أزرق مثل ليلنا. ويتعالى وقع الأحذية العسكرية الثقيلة على الأرصفة والطرقات، وتبدو مصابيح البلدية في الضوء الخفيف والأعمدة الزرقاء، وعند الساعة الحادية عشرة كانت طلائع قافلة من السيارات الشاحنة تعبر الجسر دون توقف ثم تتابع في قلب البلد الهاجع في الظلمة الزرقاء، وقد ظنها الحرس تحركات عسكرية سورية سرّية في طريقها إلى الحدود السورية التركية، وقد مدّ الحرس عنقه وسأل رفيقه هامساً: ـ ألا ترى أن القافلة صغيرة العدد؟ ـ وهل تظن القيادة حمقاء إلى درجة أنها تحرك كل قواتها دفعة واحدة تحت سمع وبصر العدو القريب؟... بالتأكيد تراها الآن وزعت القوات علىطول المعابر وهي في طريقها الآن إلى مواقعها الجديدة. ـ معقول. وتابعت القافلة طريقها وسط الهدير دون توقف، وقد أخفى السائقون ملامحهم تحت واقيات قبعاتهم العريضة، ولم تصدر عنه كلمة أو حركة خارج عملهم في قيادة شاحناتهم سالكين الطريق الذي يقود إلى العين، حيث ينتظرهم رجال الشيخ لإفراغ الحمولة في مستودعات خاصة بعيدة عن القرية، كانت تستعمل للأعلاف وخزن الغلال. وفي الساعة الثالثة كانت القافلة في طريق العودة تعبر المدينة، ثم الجسر، وتتجه إلى الشرق فالجنوب عن طريق جانبي غير مطروق، وبعدها غابت الأصوات في ملكوت بادية الشام وغاب معهم سر الرحلة، وأفرخ روع أبي الخير مع غياب آخر صوت وضوء، فعاد إلى البيت، لينام طويلاً. **** في الصباح بعد القهوة ركب الشيخ جابر بن ضاري سيارته ومضى وحيداً يقطع الطريق إلى البليخ، وهناك توقف، نزل من سيارته ولم يتكلم، كان بحاجة إلى أن يكون وحيداً، فالآمال قادمة مع رجال الحكم الجديد فلن يكون له ربع أو نصف بل ستكون له هذه الدنيا كاملة، وسيمتد مجد ضاري وسلالته من ظهر إلى ظهر دون خوف وستكتم دعوات الإصلاح الزراعي والخوف من المستقبل وستكون سلالة من الجيل الجديد الذي لم تعرفه سلالات المشايخ، جيل يخفي تحت عباءة الشيخة ثوباً حكومياً، فله سلطة العرف وسلطة القانون تطبيقاً لشعاره الذي أعلنه: "شيل السلاح، ورفع الإصلاح". ـ خلِّها في بالك يا جابر قلب الشيخ واجب أن يكون مثل البير لا يفيض بما فيه، والشيخة مثل النهر الذي لا يبدل مجراه، وأنتم اليوم مجراه وأرضه. قالها له ضاري بن سلطان في هذا المكان، وكان طفلاً يركض وراء اليرابيع والقطا وبيوض الحمام، وما نسي، ظلت الكلمات محفورة في ذكرياته مثل كيّ الحديد الحامي واليوم أين عيناك يا ضاري؟ هجس ثم انحنى يحمل حفنة من التراب الخشن "هذا هو الشيء الوحيد الذي يملأ عين ابن آدم الفارغة، ورمى الكومة ثم استدار عائداً إلى السيارة، وقد شعر برغبة في فنجان من القهوة المرّة. *** ـ سأحتفل اليوم وأسلطن مثل هرون الرشيد، فهذا الرأس نسي الكيف، وما عاد يحتمل كل هذا التعب والتفكير، فالأمر تمّ كشربة الماء، وليحكم الشيطان، فهذه البلاد نسيها منذ زمان بعيد. قال أبو الخير وهو يتخفف من ثيابه طروباً، ويرمي بحذائه العسكري بعيداً، وقد بدا البيت نظيفاً مرتباً يليق بساكنه، وحين حشر جسده الضخم في الجلابية بعد الحمام انتشى برائحة الصابون والهدوء، تناول طعاماً بارداً من الثلاجة، ثم غفا، وعند الغروب صحا على جرس الباب، تحرك وهو يفرك عينيه ليطرد بقايا النوم، ولم يشعر بالغضب. ـ عفواً يا سيدي. قال له أبو عبدو وهو يفتح الباب له، فردّ عليه بتكاسل. ـ خير. ـ سيدي يمكن الوقت غير مناسب... سعادتكم. ـ بلا وقت بلا بطيخ أبا عبدو، خير؟ ـ سيدي قلت بعد كل الجهد الذي بذلته لابد لك من الراحة. ـ ما الفائدة وأنت ورائي مثل غراب البين. ـ أعوذ بالله سيدي، من بعد إذنك؟.. قال ثم أسرع إلى باب البيت... صاح: ـ عواد، تعال. ودخل رجل يحمل سلة ومن ورائه شخصان يحملان أشياء أخرى وقد بان الخوف والحذر في الوجوه الشاحبة. ـ من أين كل هذا أبا عبدو؟.. ـ سيدي الحاج سعيد النهري يسلم على سيادتكم ويقول لك مأكول الهنا، ومقام سيادتكم أكبر من كل أشياء الدنيا. ـ وماذا في السلال؟ ـ فروج ولحمة وكبب وفواكه ولوازمه. ـ وهل انقطع الأكل من البلد. ـ أعوذ بالله سيدي، لكنه يقول لك إن زوجته الأخيرة من حلب، وهي طباخة ماهرة ومعلوم جنابكم سيدي، البلد مافيه مطاعم تليق بمقامكم. ـ مقبولة وبلغ الحاج شكري. ـ لا شكر على واجب سيدي، تعالوا إلى المطبخ شباب. وتحرك الرجال وراءه، ومن بعيد تناهت ضجة أبي عبدو وجماعته وهم يرتبون هدايا الحاج سعيد إلى سمعه، فقام إلى ساحة الدار يرقب السماء التي امتلأت بالخفافيش والأضواء الزرقاء، فطن إلى لعبته الكبيرة، فابتسم بتلذذ وانتصار وكأنه ملك الصين وما وراء النهر. بعد رحيل أبي عبدو استسلم أبو الخير للنعومة ودماثة النسيم، ثمّة أفكار كثيرة تعبر رأسه كرفوف السنونو في موسم الدفء، ثمة مستقبل مشرق وراحة فياضة بعيداً عن الشموس والمنافي ووجع القلب في بيت دمشقي وامرأة جميلة، يا الله حتى المرأة نسيها في زحمة مشاغله، فتذكر زكاء رفيقة الرحلة، لكنه صرف النظر عنها سريعاً فهي في حمى رجل حقيقي، وشاقته تلك الزائرة الليلية في حادث رافي فحّن إليها، كانت امرأة من نار وزبدة وجوري، لها ضحكة كرنين الذهب، فيها غواية إبليس وسرّه، قالت: ـ هل تصدق؟.. القائمقام العجوز السابق ظل يدفن رأسه في هذا الصدر من الرميلة إلى حلب غير عابئ بالعابرين والسائق وطول المسافة، وقائد الفصيل الذي قبلك "باس" عتبة البيت فلم ينل ولو نظرة، وابن الكلب مأمور الطابو قال متوسلاً: أنام ساعة فوق سرّتك وأسجل باسمك البلد من العراق إلى الحجاز". وسكتت لحظة ثم تابعت: ومدير المال عرض عليّ كل مافي الخزينة، ومثلهم ضيوف من الشام جلودهم ناعمة مثل الحريم، لهم أصابع وألسنة جيدة. ـ وماذا عن رافي؟!.. ـ هذا معدن آخر، المرأة بين يديه تتحول سروة ريانة وفرحانة رأسها تحت العرش وخلاخيلها على صدر إبليس. ـ والشيخ جابر؟؟ ـ الشيخ جابر لا يجرؤ. ـ والسبب؟!.. ـ الدليمية فهو يخاف من حرمته، لكن ابنه شملان لا يقّصر، فهو مجلّي في مثل هذه الأمور. ـ والبنات الأخريات؟ ـ بنات كلاب، يركضن وراء الكيف والذهب. قالت، ثم أردفت: ـ نحن في مخفر للتحقيق أم في بيت للكيف عجيب أمركم يا الدرك؟ ـ الحق معك. كانت بنت حرام خالصة، تترك ندوبها في القلوب والجسد والروح كالعطّابة، كلما تحركت أوجاعها حننت إليها، إلى هذه النبعة وسط المنفى الخالي هذا، والآن ما عليك إلا أن ترسل في طلبها لتحتفل، علّ هذا الرأس ينتشي بعد كل هذه الأثقال القاصمة والتوترات. ـ أين سلمون العبد؟ سأل ثم قام واقفاً، وتحرّك إلى المطبخ العامر بكل شيء، ولم ينتبه إلى الوقت الطويل الذي مرّ، لكن جرس الباب فاجأه برنين طويل. ـ من هذا الزبون؟.. قال ثم توجه إلى باب الدار متثاقلاً، وحين فتح الباب هبّت نسمة من العبق العاطر، وطالعته قامة شاب ملثم بكوفيته، وقد أمال عقاله المرعز على جانب وكأنه يتحدى أبا الخير، ومن خلال الضوء الأزرق الخافت أطلت عيناه البراقتان ودون أن يقول شيئاً عبر إلى الداخل. وتبعه أبو الخير مشدودهاً، وفي الغرفة جلس وخيزرانته بيده وقد لحظها لأول مرة، فقال: ـ أهلاً وسهلاً. أية خدمة؟ ـ سلامات. وأسقطت اليد القناع، فأشرع وجهها كقرص من الجبن الأبيض المشرب بالجوري وانطلقت ضحكتها ساخرة جذابة. ـ هذا أنت؟ ـ نعم، من لا يسأل عنّا نسأل عنه، فنحن لا ننسى المعروف. ـ أهلاً ومليون مرحباً. وبدأت تتخفف من ثيابها طروباً مرحة، والبيت يتحول إلى سفينة من العطر والضوع، تمخر ليل المدينة الأزرق. ـ في الطريق اعترضتني واحدة من دورياتك. ـ وماذا فعلت؟.. ـ همست في أذان العريف "عندي ورقة من أبي الخير" فتركني، على كلٍ المسافة كانت قريبة من بيتك. ـ اسمعي هذا الباب لن يفتح للرئيس. قال ثم توجه إلى باب الدار يغلقه بالمفتاح، وتابع: ـ كل شيء جاهز في المطبخ عندك. وقامت شجرة من السرو الريان رأسها تحت العرش وخلاخيلها على صدر إبليس الآثم، مثل غواية وفتنة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |