|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الكتاب السادس زيزان الظهيرة تل الهوى!! ماذا فعل بك رافي صباغ؟! بل ماذا فعل بكل المنطقة المحيطة بك؟! هذا الرجل المفتون بالذهب والحياة والملذات دمّر روحك، عكر صفاءها الخلاب، وعذوبتها البريئة، فرهنك إلى شيطان القمار وأنفاس التبغ الثقيلة، وليالي الفسق الحرام، فكان المال نقمة بدل أن يكون نعمة، لقد حولّك القطن إلى مومس تغرق في طين الموبقات. أطلق هذه الصيحة رحمو الجيرودي، التاجر الحلبي الذي ورث مزرعة رافي صباغ ومشروعه الزراعي بعد مقتله ورحيل أهله إلى لبنان، حيث أصولهم البعيدة، فالصدمة كانت أكبر من أن يحتملها الأب والأم. ولم يكن رحمو الجيرودي قديساً، أو صاحب طريقة صوفية، فهو ابن ليل وخبير بفنون الحياة، وتلّ الهوى قرية صغيرة على ضفاف الفرات، لا تبعد كثيراً عن المدينة، عرف أهلها برقة الحاشية و الميل إلى العشق، فكان لهم نصيب من اسم قريتهم، وقد عاشت القرية عمرها على الزراعة ا لبسيطة للاكتفاء المنزلي لا للتجارة، وتربية الأغنام، ولأهلها غرام خاص بالشاي، يردّدون حوله أغنية مشهورة تقول كلماتها: مَشرب شنينهْ * * * أبوس ربّ الجاي عيون الحزينة * * * ضيّ الهدس بالليل ويوم جاءها القطن، وزراعة القطن على يد رافي صباغ ازدهرت، فأقام أول مشروع ضخم فيها، يسقى من الفرات بالمحركات، وكعادة الخواجات والأغوات من مزارعي القطن أناب عنه وكيلاً يسميه الأهالي (الشحنة)، ليشرف على سير الأمور في المشروع، أهم صفاته الاستعداد لكل أنواع الخدمات، ويفضل أن يكون لديه زوجة شابة حسناء أو بنات جميلات ولا بأس ببعض الخيانات المالية الصغيرة التي يتغافل عنها الخواجة. وقد يذهب رافي خلال الموسم لتفقد العمل، أمّا في نهاية الموسم، فكان يظل معسكراً في استراحة جميلة على التل الذي أخذت القرية اسمها منه، تشرف على المكان من جهة وعلى الفرات من جهة أخرى، بناها للنوم والراحة، ثم تحولت مع الأيام إلى وكر للقمار والشراب والليالي الحمراء. في البداية أغرم رافي صباغ بصيد السمك، والإوزّ. وكان يقيم حفلات صغيرة لضيوفه الذين يرافقونه أحياناً لقضاء يوم أو يومين، ولا بأس من دعوة بعض الشباب من أبناء ملاك الأراضي التي يستأجرها، والتي بدأت تدرّ لهم دخلاً جيداً، مما أعطاه صفة الزعامة بينهم، فاكتسب احترامهم ومن لعبة ورق بريئة للتسلية، إلى رهان صغير، ومن الخمرة وصوت "الفونوغراف" الذي أحضره معه، تطورت الأمور إلى ما آلت إليه. ومع مرور الوقت وتطور الأمور. أصبح الخواجة رافي يستعد لرحلته العادية، ففي كل زيارة يملأ صندوق السيارة بكل أنواع المشروبات والفواكه الموسمية، والتبوغ التركية الفاخرة، لتدخين النراجيل، ويصطحب معه حسين الرميلاوي صاحب المطعم، الشهير بإعداد الوجبات على الطريقة التركية، دافعاً له ضعف ما يكسبه في المدينة من مطعمه. وفي آخر أيامه كان يلبس كوفية بيضاء وعقالاً من المرعز فوق بزته الافرنجية، فيبدو فاتناً وأنيقاً كأمير من أمراء ألف ليلة وليلة، وينطلق مع السائق والطباخ باتجاه المشروع فإذا ما وصل، اهتزت القرية لوصوله، حيث يعامل بحفاوة وترحيب كإله صغير، لا تردّ له أوامر أو رغبات. ـ جاء الخواجة. تقول الشابات مستبشرات. ـ وصل الخواجة. يقول الشباب ممنين أنفسهم بسهرات رائعة. ـ الحمد لله على السلامة، خواجة. يقول الوكيل... فيردّ باسماً: ـ الله يسلمك. وينتظر في المقعد الخلفي حتى ينزل السائق، يفتح له الباب، فيمدّ رجله اليمنى أولاً وقد لمع حذاؤه المصنوع من أفخر الجلود في حلب عند باليان الأرمني، ثم ينسل، فيبدو للعيان بعباءته البيضاء الجوخ الطويلة المزينة بخيوط الذهب، وعصاه الأبنوس تمثالاً للفتنة والأناقة. ـ نزّلوا الأغراض. ويسرع بعض الشباب الفقير إلى تلبية الأمر بفخر، بينما يلتفت إلى وكيله الذي يسير بين يديه، منتظراً، أية حركة، قائلاً: ـ اذبح لنا اليوم خروفاً سميناً، أريده مشوياً على الصاج. فهمت؟!... ـ رغباتك أوامر خواجة. وينطلق الوكيل إلى الحظيرة التي يربّي فيها رافي أغنامه، ليختار ما طلبه منه الخواجة ويستعد لحفلة الشواء الطويلة، هو وامرأته وبناته الصبايا، ليكونوا تحت أوامر حسين الطباخ، ويتوجه الخواجة إلى الاستراحة وحيداً، فالسائق والطبّاخ ينامان عند الوكيل، وحين يصل تكون خاتون كبرى بنات الوكيل، وجميلة الجميلات في القرية بانتظاره: ـ كل شيء تمام. ـ تمام التمام. تقول باسمة، وهي تسير وراء الخواجة إلى داخل الاستراحة، وقد احتواها المكان الذي بدا مختلفاً عن كل شيء مما يحيط به. ـ الحمام. وتهرع خاتون مثل مهرة بريّة، تتفجر بالأنوثة، لإعداد الحمام. ولأن رافي صباغ كان مجنوناً بالنساء، اصطحب معه في البداية إحدى معارفه من فنانات حلب بحجّة الإشراف على شؤونه، وحين لم يجد اعتراضاً، بدأ يقيم سهرات غنائية، يدعو إليها بعض الغجريات من الخيام القريبة اللواتي يقصدن المنطقة في المواسم للرقص والغناء في الأعراس والمناسبات، فتكون الليالي الملاح هذه فرصة الشباب للمرح والمتعة. ويجلس رافي صباغ على المقعد الوثير، وقد بدا كل ما حوله نظيفاً، مرتباً بأناقة، وسرعان ما تحضر خاتون "الطشت" النحاسي والماء الساخن، لتبدأ طقوس غسل قدميه بالماء والصابون المعطر، وعيناه ترقبان الصدر المتفجر، والشفاه المترعة بشهوة، وهو يحلم بعريها بين يديه في الحمّام الذي أقامه فخاً لاصطياد الظباء البريّة. تل الهوى، ماذا فعل بروحك رافي صباغ؟!... لقد مات وشبع موتاً كان للصيحة مبررها، فإن يلعب الشباب القمار، ويتعاطو الشراب، فهذا أمر عادي، ولكن أن تطلب شابة منك زجاجة من الشراب، لا زجاجة عطر، فهذا أمر لا يصدق في قرية اسمها تل الهوى، منسية لا تذكرها حتى خرائط الجغرافية. ولأن الخواجة يشبه الآغا، وكلاهما من طينة واحدة، تدرّج رحمو الجيرودي في الانزلاق نحو الهاوية اللذيذة، فلم يعد يأتي في المواسم ومعه صديقة أو صاحبة للتسلية، فبدأت حفلات الشواء والشراب وغسيل القدمين والقمار. ـ تل الهوى!!... ماذا فعل بك القطن!! تلك آخر جملة أطلقها رحمو الجيرودي، وهو يقود سيارته باتجاه حلب، وفي رأسه أصداء غامضة لوجوه وأجساد وعيون... بانتظار الموسم القادم ليعود. قبل سنوات حين هجّ ضاري بن سلطان. يمم شطر الحماد يدفع خلوجه وكلابه القرباطية وجواريه السود، ولم يقل لأحد من عربه عن وجهته، تلثّم حتى ما تبين سوى عينيه ومضى، يومذاك امتحن جابر لأول مرّة، فاجأه الأمر، لكن زوجته واجفة وقفت إلى جانبه، قالت له بثقة وشجاعة: ـ الأمر بسيط يا جابر، كثِّر للعرب اللحم والثريد، اعقد زيجات جديدة للشباب، ابذل من جيبك، لكن لا تلين، خلِّ نظرتك نظرة ذيب، ولا تكثر من التلفت حولك ووراءك، الفرح مرهم للجروح، الدراهم مرهم للقلوب، اشغلْ العرب حتى لا يعرف الرجل رأسه من رجليه. ولم يعقّب جابر بن ضاري ، فتابعت: ـ ومع هذا يلزمك شيء جديد وغريب يترك العرب يسولفون ويتهوّلون به مدة من الزمن لحين يتعودون غيبة ضاري. ـ ما هذا الشيء يا واجفة؟ ـ فكّر معي. ـ وهل ظل بي فكر وعقل يجمع ويصرف. ـ هذا عيبكم يا جابر. ـ نتعلّم منكم يابنة الأجواد. ـ المعرفة زينة يا جابر، لكن اسمع أتذكر حديثك عن هذا الصندوق الذي يحكي ويغني ويسلي أهل المدن؟!... ـ تقصدين الراديو. ـ هذا هو الشيء يا جابر، من غد توصي عليه. ـ لا بأس يا واجفة. وفي اليوم التالي ضاق البيت بالضيوف والأضواء وصواني اللحم والثريد، وتصدّر جابر المجلس، ضحك لوجوه الناس، وبذل المال في زيجات، وحين جاء الراديو ومدّ الحلبي أسلاكه، وذهب وجاء ثم ركع الرجل أمام الصندوق الخشبي، وفجأة كالمعجزة انطلق منه صوت يترنّم بأغنية، في تلك اللحظة خرس كل من في المجلس، ولم يعد للناس سيرة غير صندوق جابر السحري، وتوطدت سلطته، نسي الناس ضاري بن سلطان أو أنساهم إياه العزّ والأفراح. وهاهو اليوم يتعرّض لهزّة قد تطيح بكل ما بناه وأكثر، فلقد انكشف كل شيء للحكومة، هذا ما أعلنه رئيس مجلس الوزراء في جلسة سرّية. *** ـ محاولة انقلاب جديدة تكشفها الحكومة. قال ديران لزكاء وهو يتابع القراءة في جريدة الأيام... فردّت: ـ كل يوم والثاني انقلاب جديد، ورئيس جديد، هذا خائن عميل، وهذا بطل، لتنقلب الدنيا على رؤوسهم جميعاً. ـ إنّها دوّامة، الزعيم قتل، والشيشكلي ترك ورحل، والقوتلي يريد مخرجاً للبلد قد يقوده إلى فخٍّ أو كمين، أو عمل متسرّع، وقد كثر الحديث عن الوحدة خاصة بعد الحشود التركية. ـ المهم الخلاص. قالت ثم قامت إلى المطبخ تعدّ المائدة وتستعد بعد ذلك لحياة بطيئة وثقيلة، ولكن لا مهرب منها وإن حاولت، فهي تغرق، والليالي شاخت، تحولت جمرتها إلى نوع من الرماد الباهت، ومع هذا لا مفر. ـ مسيو ديران. ـ نعم. ـ يمكنك الحضور. ومطّت قامة كالخيزران تتناول كأساً، فتلجلج بياض ساقها فضّة خالطها الدم، هذا البياض الذي أدار عقول الرجال وفتن سعيد النهري، ولكن هيبة ديران كانت تعيدهم إلى جادة الصواب. ـ مسيو ديران. ـ نعم. وتبخرت رغبتها في الكلام أمام ابتسامته ونظرته التي امتلأت بميلاد جديد ومساحة أكثر ثباتاً في علاقتهما. ـ هل أعجبك الطعام؟.. وصبّ قدحاً من الشراب وتابع: ـ أعجبتني اليد التي صنعت الطعام. وضحكت، أشرقت في القلب الذي بحجم الكف شمس صغيرة وناعمة تشي بفرح أسود وأخلاق سوداء ولكنها رائعة. *** ـ يقولون وراء الانقلاب بغداد. قال سعيد النهري فلم يهتم زبائنه كثيراً، تابعوا شرب الشاي والتدخين ومراقبة السوق بعيون خالية من المعنى، فالإحساس بالأمور والتحولات الحاصلة لم تكن تعني كل الناس، فتابع: ـ يقولون مع المتهمين شخص من البلد. ـ أي بلد؟ ـ بلدنا. ـ معقول؟ ومن يكون؟ ـ سمعت أطراف كلام عن شملان بن جابر. ـ العلم عند ربك. ـ على كلٍ يقولون المحاكمات ستكشف كل شيء، وستجري على مدرج الجامعة. ـ اللهم سترك. ولم يجرؤ سعيد على الإفاضة في الموضوع وإن أكد كلامه بعد يومين حضور سيارتين عسكريتين وعناصر من المكتب الثاني أوقفوا الوكيل أبا الخير، ثم توجّهوا إلى العين، فضبطوا الأسلحة وتسلموا "ذبّاح" الذي أقرّ بدور شملان، ومع هذا ظلّ الشيخ جابر بعيداً عن الشكوك لعدم توفر الأدلة وفي كل يوم كان يحسّ أنه يفقد جزءاً من مواقعه. *** للمرة الثالثة يرى شملان بن جابر جده ضاري عياناً هذه المرة كانت عند الحدود السورية ـ الأردنية وكان شملان يهرب من ملاحقة السلطة في دمشق فلقد انكشف أمر جماعته، وانتهى الحلم الطويل وخسر كل شيء حتى ربع ضاري من الدنيا، وتحققت مقولة أبيه في "الانقلابات تكون الخيانة بنت عم الوطنية، من يربح له الحق في اتهام خصومة بالخيانة، ثم يقيم من نفسه حارساً للوطن". وكزّ على أسنانه، وهو يرى جدّه يقود كلابه القرباطية وجواريه السود، وأولاده الخلاسيين وخلوجه، وقد ظللته سحابة من سعف النخل والغيم، وفهم الإشارة "إنه عائد إلى الصحراء والديرة لتأسيس نسل جديد، يكوّنه على شاكلته، فلم يعد لنسله الآخر مكان في الجزيرة الفراتية"، كان يبتسم بلؤم وسخرية، ثم صاح بدون وعي: ـ ضاري، يا ضاري بن سلطان. ولم يردّ عليه، عوت كلابه بوحشية وضاقت عيناه... فتابع: ـ ياجدّي. وضحك ضحكة باردة لها رنين المعدن، وأطلق سوطه في خاصرة خلوجه فاندفعت في المقدمة ومن ورائها الموكب فصرخ: ـ ضاري عليك اللعنة. ثم ضرب المقود بجمع يديه بقهر وتابع: ـ يا شريك الشيطان. وضاع صوته في الفضاء، وهدير المحرّك، وقد ملأت السماء أسراب من الجراد النجدي والعجاج والدم الذي صبغ كل شيء. ـ هكذا يضيع كل شيء كماء تشربه الرمال. ولاحت له صورة حواء بنت التعاويذي، مستحيلاً جديداً، له طعم الحنظل ومرارة الدعجة. *** ـ إنها لعنة التعاويذي. قالها شملان بن جابر، وهو يودّع الحدود إلى حدود جديدة قديمة، عبرها من قبل أسلافه حين فاضوا من نجد، وقاد طلائعهم رجال باسلون مثل ابن يعيش وابن رشود تحت الشمس الكاوية، وفي عواء الريح، خزّوا الأرض والعربان كما يخزّ الذيب قطيع الغنم، وكانوا يدفعهم أمامهم الإبل والنسوة والأطفال، الساعات تلك الأيام كانت أثمن من الذهب، والحياة أمام الهدف أرخص من التراب، وبذا مهدوا الطريق لمن جاء بعدهم، ثم انسربوا يتاخمون البادية على شكل سيف مقبضه في الشام وذبالته في خاصرة الجزيرة الفراتية، حيث أقاموا منازلهم ومظالمهم ومآثرهم، وفيما بعد مشاريعهم الزراعية على البليخ والفرات. هنا عالم آخر، تشمّ رائحته مع أول هبّة للهواء، هذا الصهد الكاوي، والتفرّد العاري، يوقظ كل النبوات القديمة والأرواح والأصوات، هنا صحراء من الرمل يأخذ بعضها بيد بعض، مهمه يسلمك إلى مهمه، وغمغة بدائية بتول تقودك إلى كهوف الروح لتتعرى من زهوك، ديك بين آلاف الثعالب، فحل قطا بين آلاف الشواهين، وعل بين آلاف الذئاب الجائعة. صحراء من الرمل والصمت والنباتات الرعوية، حيث رعاة الإبل القساة يقلّبون نظرات حذرة في الزوالات العابرة، ويمدّون أرجلاً حافية خبيرة بطعم الأرض ونبض الرمل، ومسالك الدروب في الليل إذا غوّرت النجوم، وحار الدليل، وتشابهت القيعان على الساري، وهم يحملون زهابهم من التمر والصميل ويحلمون بنعاج الحبارى تضرب بأجنحتها في الهواء، وتسبح في زرقة السماء كحواري ألف ليلة وليلة والنساء الولودات تفوح من أردانهن رائحة الخبز ودخان الغضا والخضيرة وزنخ الشهوة الباطرة، أو اليرابيع والأراول والجراد النجدي المحمص وكأنه النقل في الحواضر. أما الشيوخ ـ شيوخ السياسة فبطرون تافهون كجمل دخل شارع المدينة فأخافته الضجة والأبواق والسيارات فلطأ إلى الجدران ـ ولكن أخطرهم أولئك الذين بعدوا عن الحواضر، وعاذوا بالرمل والشمس، ولا زالت جلودهم مدبوغة بالوهج الكاوي والرمث والعرار، لم تفرّخ فيهم دودة القطن اللزجة الخضراء، ولا استفتاهم الانتداب ولجان الغرب، ولا رائحة البارات بعد، ولا امتلأت أيديهم بأموال الخوّة والنهب وسلب الفلاليح قوت الأولاد وبذار العام القادم، ولا زانوا أسماءهم بألقاب الحكومات المحتلة المتعاقبة من باشا عثمانلي إلى شيفالييه فرنسي كما حدث لجدّه ضاري وغيره من شيوخ الجزيرة والفرات والبادية الشامية. شيوخ يرفعون رؤوسهم كالصلّ، وهم يتصدرون الربعة، ويزنون الرجال بدربة ودراية ورثوها عن أسلاف ملهمين ، عرفوا العيافة والقيافة ورموا الرجل على الدم بفراسة لا تكذب، وإلى جوار كل منهم "عارفة" وهو رجل شيخ مولج بحفظ أنساب القبيلة ومآثر رجالاتها وخؤولتها منذ الجاهلية حتى اليوم، يعدد مساكنها ومنتجعات كل بطن أو فخذ أو أسرة كبيرة دون أي خطأ، ولطالما حذره منهم جده ضاري إذ يقول: ـ بالك من العوارف كلامهم مثل السمّ قليله ينفع وكثيره يقتل، لا تكثر من الحديث معهم في مجالس الأغراب، لأنهم كبريت أحمر كلمة تشعلهم مثل الشرارة فيحرقون كل شيء في طريقهم. والعوارف شيوخ ماكرون نحيلون كأنهم مركبون من أعواد القصب، بوجوه سمر كوجوه الثعالب، وعيون متوقدة كعيون الزرازير، بلحاهم الصغيرة، وهزّات رؤوسهم المحسوبة بدقة موازين الصاغة، مع كل سؤال يردّون عليه، ولهم طريقتهم الجذابة في الإصغاء والاستدراج المدروس لصالح الدم والعظم والعصب الذي يشكل وحدة الجنون والإلهام لكائنات هامت طويلاً في هذا الفلهم، ابتدأت قبل قرون من التحنث والتلصص على هاجس الرمل والناس والعظايا والشجر الرعوي والأعشاب الطبية التي خلقت ما يسمى بالطب العربي، وربما الجنون العربي. والعوارف يبدؤون من الأصول البعيدة ثم ينحدرون إلى البطون ثم الأفخاذ ثم العروق والفروع والخؤولات، ولابد سيسأل: ـ من أي الأعمام؟ ويجيب بلازمة لابدّ منها، لالتقاط الأنفاس ودراسة الوجوه، وتدبر الأسئلة اللاحقة بروية: ـ كل الإسلام أعمام. ـ قحطاني أم عدناني؟ ـ عدناني. ـ الصلاة والسلام على سيد العالمين ولد عدنان. يدخل الدعاء كلون من المفاخرة على القحطانيين بانتماء بيت النبوة إلى العدنانية، ويتبع ذلك سؤال آخر وانتظار لا يطول حين يجيب: ـ عنزي. وتأتلق فرحة حذرة، وهم يهزون رؤوساً خفيفة ثم يتابعون: ـ من أي عنزة؟ ـ فدعاني. وتأتلق الفرحة من جديد لإجابته، والفرحة تكبر لقرابة قد تكون قبل ألف عام أو أكثر، فرح عجيب أمام قضية أعجب، وتتكرر الهزّة والسؤال، والإجابة، وتبدأ الدوائر تضيق، والنفس يضيق، والسكين يقترب من العنق، ولحظة الدوي تتسارع والوجوه المحيطة تتحول إلى أقنعة جامدة. ـ على الزين، وبعد؟ ـ فدعاني. ـ أنعم وأكرم. من أي الفدعان؟ ـ ............................ ويلوح ضاري رافعاً يديه، يداً من دم وأخرى من طيب، وبعد الإجابة تفتر الحماسة، وتتوقف هزّة الرأس، فشيوخ الحكومات غير مقبولين هنا، والشيخة في الجزيرة الفراتية لابن غبين، وهذه مسألة لا يساوم عليها العوارف هؤلاء الصناديق الآدمية المغلقة على إرث القبائل ومآثرها، يعرّونك من ثيابك وعطورك ودم العافية، ويوقفونك على الصراط المستقيم، وصراطهم شعرة متى لمستها بقدميك انقطعت إذا كنت بلا أجنحة وسقطت، وأنت بجناح واحد يا شملان هو الدليمي أما ضاري وما قبله فلا شيء سوى رعاة إبل حفاة حفاة، وجناحك الوحيد لن يرفعك ولكنه سيجعلك ترقص رقصة مضحكة حتى البكاء أمام أعينهم. ـ إنها لعنة التعاويذي. قالها شملان وكأنه يختصر عمراً من الترقب ويودّع عالماً من الغبار والعبيد والسيارات وأبهة السلطة والرشاشات وعلى المرقب البعيد تقف واجفة بنت سلمان الدليمي نخلة مفردة تشكو للوعر قلوب الزلم الخائفة ولا أنيس إلا الرخم والحبارى وطيور اللقالق الساكنة. *** شربت واجفة بنت سلمان الدليمي قهوتها المرّة. بعد أن صرفت الخدم في أشغال اخترعتها، فقد كانت بحاجة إلى أن تكون وحيدة، فلاقت مرارة القهوة قبولاً من حنظل الروح في داخلها، واستراحت وهي تراقب العراء الأشهب، الواخز كشوك عوسجة جافة، والديرة سباريت موحشة، والرجال مجرد رائحة تبغ وثياب، وعيون مثل عيون النعاج، بلهاء وغبية، فأصوات الكلاب والطير والخيل والبشر تعبرها خالية من كل معنى. ـ مظلومة يا بنت الدليمي كما ذيبة ذُبحت جراؤها، كما مجدورةٍ تُركت في البر للوحش والشواهين، من حطّ يدك في النار بعد أن كانت في الطيب؟!... ومن التلول القريبة يتعالى النداء، مثل نغيط القطا وهو يعبر سماء الحماد في الليل يفري الكبد والطحال، ويعرف دربه إلى حشيشة القلب فتذبل، كما يعرف دربه إلى الماء والأنهار. عصرت قبضة خفيّة قلبها من الداخل فوعتْ "يا ولْدِي"، ومثل خلوج فقدت وليدها أسلمت نفسها لفراغ وهيمان أشبه بهيمان الإبل حين يطحلها العطش في البيداء. "نثيلة ومركى دلال وجمر وهيل ريحة الفراق، وجع بين الضلع والطحال، خنجر يحزّ الزردوم والعصب، يازي، أفرّع؟!.. وأنا بنت بيت الرجا للمعاديم، أهل الصهاوي والقهاوي والعداوة المرّة، ألاحي الحزن، وأدفع سود الغربان لو ضفّ الليل، والليل ونّة حزن وخوف، ومثل زوالة ترد ماي القلب والعين أحسّك، وأكظم الوجد، ووجدك يصابحني ويماسيني يابن جوفي، مثل خلوج يأخذني يَّمك هاجوس ينتل الروح من الجوف، يا وْلِدي مركاض قلبي من المنتفق للربع الخالي والديرة خجلانة بعدك، كل البختري والخزامى ذبل عودها، والرجاجيل انطفت نارها، وما من دخاتير تفهم علة بحشاي، وحنّا حراير يا وْلِدي مارخَّصن دمعهن لغير الولد. وأكزّ على الشفاه وأقول "كنا نسلّم أمام ثلاثة: الداب والنار والنهر.. ونقول قضاء الله فمن أين طلعت لنا الحكومة؟! وما الذي قلبها علينا؟!.. تريدني مثل واوية الزور؟!.. أصيح من ثدايا تمزق الثوب عنهن وأبرعن، ودرّن من جديد، يا ولدي هذا حليبك كله عزّة وفخار، نتنة يا ولدي مثل ريحة الضبع ريحة الخيانة، والطعن من ورا الظهر، سمّها سياسة، سمّها جنوناً، لكنك ما خوَّلت، السّاس غلب، طبع ضاري غلب، الشيخ ما يصير قاطع طريق، لكن قاطع الطريق ممكن يشيخ ويكبر ومن جوّا يظل قاطع طريق، اليرخص دم الخلق بلا سبب، رخيص، هذي دنيا جديدة، وحكومات جديدة. شربت واجفة بنت سلمان فنجاناً جديداً، وللمرة الأولى تكتشف أنها غريبة، مهرّة شموس ضلت بين قطيع من البغال والثعالب والضباع، ومن هاجوس المرارة، المُرذّ آناً، السكوب حيناً، تستيقظ عطابات الوجع، والطفولة، والعزّ القديم، يوم كانت الدنيا سلمان الدليمي، وسلمان الدليمي الدنيا، ومن السديم يطل وجه سلمان، العيون الواثقة والعباءة، والخشم الذي يرتفع حتى لا يبقى بينه وبين العرش إلاَّ مسافة إصبع، ثم سيارات الحكومة القادمة في الليالي بعيونها البلّورية المضيئة، وهديرها الذي يقلب الدنيا تطلب رضاء الشيخ، عسكر برتب ونياشين، حكام ووزراء، وخلق تقوم وتقعد، سيارات وخيل، خطّار وضيوف، أصحاب حاجات ومطاريد، وكل شيء يتوقف على كلمة من فم الشيخ أو إشارة من إصبعه. ـ يا عمتي. فاجأها صوت الفتاة السوداء بلونها المائل إلى الصفرة وكأنها قهوة خرجت لتوها من المحمصة، فبدت شهّاء خالطت روحها وجلدها عوامل هجينة، كما خالطت دماءها دماء ضاري أو أحد رجاله، رفعت رأسها فطالعتها عينان قرأت فيهما عيني ضاري فارتعشت ففي عمقهما يركس تراث من الدعارة والدم والجنون، والعواء المطلق، وجر ذئب أغبر ووحيد، وتابعت الفتاة: ـ تبغين شيئاً آخر؟! ـ لا. وعادت ترقب البيوت والعجاج والدروب، ودخان التبغ يفوح من كل مكان، من الثياب، والفراش، وجلود الرجال، ولحاهم، دخان كريه كقرارات الحكومة، والبليخ ما عاد للفيضان، وحقول القطن ما عادت خاضعة لسلطة الشيخ أو رجاله، وضعت الحكومة يدها عليها، وبدأ رجال جدد يتواجدون، ثمّة علّة في الأصل، خطأ كبير، وخلط قاد إلى كل ذلك، فشيخ تصنعه الحكومة ولا تصنعه عشائرهُ أو إرثه، تستطيع الحكومة أن تبدله، كما تبدل موظفيها، وبدوي يزرع ويفلح القطن "آغا" أكثر منه شيخ عشيرة، ينهيه قرار وتذكرت كلمات سلمان الدليمي في مجالسه "كرام النساء السليلات، وكرام الخيل: الأصيلات وكرام الحلال: الإبل، وكرام الزرع النخل، وعرّب وليدك عرّب، والنار من مجباسها، وعرق السوس ما ينبت إلا السوس... ومن بعيد جاءها صوت عبدها "مجبل"، هذا الذي جاءت به معها يوم زفت إلى جابر بن ضاري يترنم بأغنية "نخل السماوة يقول طرتني سمرا.". إيه يا ديرة النخل، زمان طويل مرّ، كأنه الدهر، تغير فيه كل شيء، فالسماء حبست المطر، والحكومة حبست الرجال، والصدور حبست الآهات، والألسنة حبست الكلام، شيء يشبه الجنون، أغوات القطن بعد العزّ والسيارات وليالي الفرح باتوا اليوم مرهونين للبنوك والمصارف وأصحاب الخانات في حلب، يثرثرون في المقاهي والربعات، وأمسيات الفراغ الطويلة، ويتذكرون أمجاداً من الليل والقمار والورق، أمجاداً صنعتها هذه النبتة الخضراء، بأجراسها اللزجة وصوفها الأبيض كصوف الأرانب، وديدانها التي استوطنت النفوس فأحالتها إلى قرية للنمل والدسائس الخضراء الهشّة اللزجة. ـ يا عمتي. جاءها صوت مجبل، حتى الألعاب باتت باهتة، مجردّ أصوات تعودها الناس بحكم الزلل أو العادة، لكن حواسها تنبهت إلى بقية من لهجة، شمّت منها رائحة الأهل والنخل "آخ" كبيرة يا دنيا، ووسيعة وسع رحمة الله، وزغار حنّا أزغر من وردة، من عطابة، من نبحة جرو بظلمة، وتأرضنت للبدوية السطوة القديمة فداست بقدمين واثقتين، ولم ترد، انحسرت إلى الداخل، كما الفرات في موسم الجفاف، تأنق الحصى والسمك والعماء العتيم، ونده رمل الحسافة "يا هلي". ـ يا عمتي. خامرها الصوت بما يشبه الخبل، ولم ترد، فانسحب منكس الرأس يسحل ظلاً من العجب والغرابة، والإحساس بفضاء من الرمل والعجاج والوحشة والرائحة الزنخة، زناخة إلية نعجة، ونبحت الكلاب، صهلت فرس بغلمة، وصعدت أشباح نسوة من العين، وماست بلا زهو رؤوس شجيرات رعوية نحيلة وصفراء، ولم تستجب نفسه لشيء من ذلك، حتى ضجيج الصبية وهم يتقافزون كالقرود بين البيوت وقد تعبوا من ملاحقة الحشرات والعظايا، بدأ يميل إلى التلاشي، ليحل محله صمت غامض لا تفهمه عقولهم الصغيرة، إنما نقلته جرثومة العدوى من عيون الكبار وحركاتهم الخرقاء إلى نفوسهم. ـ مضى زمن طويل لم يعرف الفرح طريقه إلى الناس، قلَّ منذ رحيل الشيخ شملان، حتى الزواج زهد الناس فيه. تذكر قول عواد لـه بالأمس، وهو يطعم النار شجر الرمث والقيصوم، ويرى النار غلالة من دم شاحب بلا حرارة أو جاذبية، فالشيخة أمرت أن تظل الأضواء شاعلة في البيت، فلم تطفئ الضوء منذ رحيل ولدها، لذا كان الشيخ جابر ينسل إلى بيت تلك الجارية السوداء الخلاسية، خفية في بعض الليالي، ابن ضاري يعيد سيرة أبيه، والشيخة، لو عرفت لحدث ما لا تحمد عقباه، ولطاحت رؤوس. ـ سبحانه، ما أعزّ شيئاً إلا أذله. تمثل مجبل بهذه المقولة التي حفظها لكثرة ما سمعها من "السيد حامد" في زياراته المتوالية إلى ربعة الشيخ جابر في المواسم، حتى هذا الدرويش الأفاق بعمامته الخضراء، ولحيته المصبوغة ما عاد يطلّ ليملأ مجالس الشيخ بأخبار الصحابة ورجال الله الذين لا خوف عليهم ومعجزات السادة. ـ تفو. بصق مجبل بصوت عالٍ ثم مدَّ يده يقصف عوداً ، وضعه بين أسنانه، وراقب بعينين ماكرتين مياه العين الزرقاء، ومن بعيد لاحظ شبح عجوز يعرفها جيداً، ويحفظ قصتها همساً من الرعاة، والعبيد الأكبر سناً في لحظات ندموا عليها، وقد ادعوا الخرف بعدها، إنها أمّ سليمان، زينة فرسان العرب، وشيخ شباب العشيرة، الذي طار صيته حتى ملأ الجزيرة الفراتية، والشام، والحجاز، تصعد ذاهلة وهي تراقب السماء علّ ذلك الطائر المعدني يعود من جديد، ليعيد لها سليمان من جديد، وقد تتوهم أحياناً بعض الرخم والحبارى ذلك الطائر، وحين تكتشف وهمها تنطفئ كشمعة غمست في الماء. *** عصر ذلك اليوم من عام ثلاثة وثلاثين لا يمكن أن ينساه أحد، قيامة صغيرة، أو زلزال فعر خاصرة السماء فاستولدها ذلك المخلوق الأسطوري الذي هزَّ العالم البسيط، وجعل القناعات الدائمة قابلة للمراجعة من جديد، أو للخبل المؤقت، فبيوت الشعر المستسلمة لهبات خفيفة من العذيبي، والرجال الكسالى منصرفون إلى ألعاب أو تهويمات أو أشغال معتادة، والرعاة الذين يستعدون لرحيل قريب يؤوبون بعده إلى المراح أو النشر قريباً من النزل، وقد بدت الطلاء الصغيرة مثل غمامات مرحة تتبع أمّاتها بعد انتهاء فترة الحلب متمتعة بذلك الهامش المهم من حرية اللقاء والرضاعة بعد حبس الصباح في البيوت، والنسوة في كواسر البيوت المخصصة لعمل العصر، يقمن بالعمل اليومي من تصفية للحليب الذي لازال حاراً ورغوته الفاتنة تلبس الأصابع إذا ما مدت إليها بحنو غريب، ثم يبدأ طقس آخر، يبدأ بإشعال النار، حيث الضوء المقدس ينتشر ببهاء غريب، هذه الغرابة التي تتسلل مع سناء النار ورائحة العرار والقيصوم، وأنفاس المساء البهاري، فتهتاج غلمة غامضة لزنى مقدس في حلمات النسوة ورغبة شيطانية في شرايين الرجال، تعبر عن نفسها في السهرات بإشارات عابرة في الأحاديث وكنايات ملغزة في العبارات يتقنها البدو على وجه الخصوص. حتى الجراء الصغيرة كانت تنبح وتعدو بين الخيام، تطارد فراشات وأعداء وهميين، وتمتحن غرائز كامنة، بينما الأمات منصرفات إلى راحة كسول، كأنها تعلن أن حماها في أمان، والأرض تتنفس مثل بقرة شبعى وهاجعة، ومن أقصى البيت كانت أم سليمان تتمتم "اللهم اكفنا شرَّ هذا اليوم، فمنذ الصباح وعيني اليسرى ترفّ، ومتى رفت لابد من شر، هكذا عودتني عساها تكذب هذه المرّة"، وتحمل طاسة الماء النحاسية، تقدمها إلى ولدها الذي اعتدل فلاحت سمرته الحلوة، وعيناه مثل عيني ذيب حادتان وذكيتان، وسنه الضحوك يجعله أنيساً إلى القلب يدخله بدون استئذان، حمل الطاسة بين أصابعه الطويلة وشرب بهدوء حصان أصيل ثم أعادها إلى أمه. ـ علامك يا ميمة؟! تتمعنين بي كأنك ترين ولدك لأول مرّة. ـ أنا؟! ما من شيء. وانسحبت تداري هذا الإحساس الذي ظنت لو أنها أفصحت عنه أمام ولدها لأصابه مكروه، ومن بعيد لاحت لناظريها زوبعة من الغبار انعقدت كعمود بين السماء والأرض، فاستعاذت قائلة بصوت ممطوط: ـ عوذاه، إبليس ماهو بعيد عن الديرة. بينما استلقى سليمان على ظهره وعيناه في كبد السماء الأزرق الصافي، تتابعان طيوراً ووعولاً يراها وحده، وكلاباً قرباطية تنطلق وراءها، ووجه جابر بن ضاري يضحك، يضحك حتى تدمع عيناه ويده على مقبض خنجره بانتظار ساعة الذبح. أنت يا مجبل أبعد الخيل الفتية عن بعضها، حصانان على مربط واحد، لابدّ أن يذبح أحدهما الآخر. أنت فاهم؟! وفهم سليمان يومذاك من كلام جابر، أنه المقصود بالكلام، فغزواته الجريئة، وصيته الذي انتشر كالسعير بين العربان، وربحه في كل سباقات الخيل، وعلاقاته مع الكتلة الوطنية في البلد حركت في جابر الغيرة والخوف على الشيخة التي لم تتأثّل بعدُ فيهم، مثلما حركت في المستشار الفرنسي لوناً من حذر الثعلب العجوز والتحسب الذي يضع المصلحة العليا فوق الاجتهادات الشخصية والمبادرات غير المضمونة، فهو ليس على استعداد لخسارة ولاء البدو لحكومة الانتداب، حتى ولو كان ظهور شخصية مثل شخصية سليمان مفيدة لممارسة ضغط أكبر على جابر بن ضاري، لكن مثل هذه المغامرة غير واردة لأن سليمان كما قيل له من طينة أخرى، طينة مستقلة وحادة وأكثر بدوية من ولد ضاري، ضاري الذي لعب نصارى حلب دورهم في تدجينه وقبوله الانتداب أمام لجنة كنج ـ كرين. ـ السموات الفسيحة لها ربٌّ واحد، هو الله بعزته وجلاله، ما رضي يكون له شريك بكل هاك الملك، وعربنا لهم شيخ واحد هو أنا وبعدي أنت وبعدك ولدك يا جابر أنت تفهم؟!... هكذا كان يقول ضاري بن سلطان جازماً في خلواته، أو في رحلات الصيد مع ولده، ثم يصوب نحو طير عابر ـ لا فرق إن كان حبارى أو صعواً ـ ويرميه مضرجاً بدمه، فتفوح رائحة البارود والنصر والموت والحذر الأزلي الذي يسكن كل حجر وشجيرة وغار في هذه البرية، ثم يتابع: ـ الطمع بالشيخة مثل الحبل لابد أن يفضح الحرمة حين تكبر بطنها، ولابد أن يفضح صاحبه حين تحمر عيناه وتعلو على حاجبيه، خوفك يا جابر من ولد الغرايب، هذول خذ بالك منهم واحذرهم. يقول ضاري وما أكثر ما يقول، ولا يعرف جابر من أين يأتي أبوه بكلامه؟!.. ربما الوحدة التي عاشها مع الوحش والرجوم وهوام الأرض، ربما هي الوساوس التي تسكنه كنمل أحمر، أو هي الدنيا التي صالحته وأعطته ما لم تعطِ لغيره بعد أن دافته مع المرار؟!... وآخر مرّة قال ضاري لولده، وهو يرقب سليمان على ظهر مهرته في السباق، وقد سطع وجهه الأسمر الصافي، وتندى كالعجين الذي يختمر: ـ جابر يا ولدي. ـ ياعونك. ـ خذ حذرك من ابن الشمريَّة هذا، لو خول تراه مثل ذيب شلوه. ـ هذا أجرب وجوعان. ـ الجوعان يشبع يا ولدي، وخوفك من الشبعان بعد جوع، أما من يجوع بعد شبع هذا لا نفع منه، وبعد... أعطِ للرجال حقها ولا تهون من شأن رجل... تخسر. ـ معقول؟! ـ مثل هذا يا ولدي رزقه بحدّ سيفه، لا تخف عليه من الجوع، لكن خوفك منه لو شبع واستراح وعرف الطريق إلى قلوب الرجال. وبين اليقظة والحلم، في هذه الغيبوبة الطريّة، سمع سليمان الصوت والضجيج فظن غزواً دهم العرب، أو لصوصاً فاجؤوا الرعاة، فجاء الصريخ، فقام إلى سلاحه، ومدّ رأسه، الأطفال والحيوانات والنسوة والرجال تعلقت أبصارهم في السماء ترقب طائراً معدنياً ذا أذرع طويلة، يقترب ويدنو مسفّاً وقد أثار زوبعة من الغبار والضجيج الآلي المدوي المصم. ـ هذي طيارة "هلكوبتر". رأيت مثلها من قبل.. فعلام الصراخ؟! قال في نفسه والطائرة تدور مترنحة بين البيوت تختلط أصواتها بأصوات الكلاب والأطفال والنسوة، وحين استقرت أذرعها الطويلة، وهدأت حركتها، انفتح بابها عن رجال بثياب عسكرية، نزل ثلاثة منهم، ظهر أنهم من الفرنسيين، ولكن في حركاتهم حذر وخشية. ـ أشكالهم غير مريحة أصدقاء شيخنا جابر. قال سليمان لنفسه، ثم عاد إلى مكانه، وقد شعر بانقباض عارض حاول أن يشغل نفسه عنه بالتخطيط لرحلة قنص إلى مناطق خالية، فالنار وأمسيات الهدوء المقمرة، مع فنجان قهوة تقعد النفس، وتعيد إليها نشاطها وحيويتها. ـ مرحبا. لا يعرف كم مضى عليه حين فاجأه الصوت، فرفع رأسه وقال: ـ أهلاً ذباح. ـ عمي الشيخ يريدك بالعجل. ـ أنا؟! ـ أنت. ومن غيرك؟!.. وسار إلى الشيخ، ومن بعيد كانت الطائرة تربض، وقد بدأ بعض الأطفال والكلاب يقتربون منها بحذر وخوف أبكم، والنسوة يتابعن خطواتهم بعيون امتزج فيها الهلع كما يمتزج البن بالماء. ـ قل لي يا ذباح. ـ يا نعم. ـ الظاهر ضيوف عمك الشيخ من الكبار. ـ علمي علمك يا سليمان. ـ لأول مرة نرى طيارة بالديرة، وعسكر بنياشين، ظني ماهم قناصة أو طلابة صيد ونزهات، لابد أن وراء آذانهم شيئاً مهماً، يتعلق بأشغال الحكومة وبلاوي الحكومة. ـ طال عمرك هذا علمه في الغيب. ـ ومن عند عمك الشيخ الحين.؟... ـ الضيوف. ـ ومن غير الضيوف؟ ـ مامن غيرهم إلا إذا جاء أحد من عربنا بعدي. ـ ألا قل لي يا ذباح. ـ يا عونك. ـ أشوف طالت خطبة عمك الشيخ جابر. ـ ما أنت عارف، مرض عمي الشيخ ضاري أجل العرس، لكن على حد زعم مرسالنا، غداً العروس تصل الديرة. قال ذباح ثم أفسح طريقاً لسليمان ليدلف إلى الربعة، فطالعته عيون جابر بن ضاري وضيوفه كعيون الثعالب، باسمة ماكرة، تدث ظلالاً ناعمة. ـ هلا بسليمان. قال جابر وهبّ واقفاً، فتبعه الضيوف يصافحون سليمان، ولا يعرف أحد ماذا جرى في الداخل؟! كل ما رآه الناس الضيوف يخرجون ومعهم سليمان ثم تدور الطائرة في الجو، ويدخل جابر إلى الربعة، يدخن ويشرب قهوته ويجهز نفسه لاستقبال عروسه القادمة من العراق. *** شربت واجفة بنت سلمان قهوتها المرّة. والشمس غزالة مطرودة في هذه البرية الزرقاء، ولم يفارقها ذلك الشعور الكاوي بالوحشة والفرادة، والشوق إلى ديرة النخل والرجال الذين لم تحولهم الأيام إلى مخلوقات تبخ التتن وتتسلى بمراقبة الدروب، وقد لانت جلودهم وهشّت إلى درجة غريبة وكأنهم ديدان القطن الخضراء، الشوق الذي تكابره وتدفعه بثمالة من عزة لا تساوم، فماذا يمكن أن تقول لهم؟! هجرت جابر لأن الدنيا مالت به؟!.. أم لأن حاله تغيرت وخانته قرارات الحكومة والوقت وكلابه؟! بنت الحمولة حمولة أبداً والدليمية لا تخون. ـ هيه.. تبرعمت الآهة من الداخل رأساً أخضر لثمرة الحنظل المرّ، وجنفت سيالة الشجا من الخاصرة، ومن بعيد عاودها صوت مجبل حنوناً، حزيناً، يشرخه الخذلان "نخل السماوة يقول طرّتني سمرا." فاستقادت لذلك الحزن ـ وهي الصعبة القياد ـ ثم اندفعت فرساً أصيلة، بدأ يحاصرها الهرم، والخوف، والشك، والعجاج، وانكسارات جابر وهزائمه أمام جراد الحكومة وأزلامها، وزيارات ضاري بن سلطان الليلية وشكواه المتكررة في مرضه الأخير: "بالليل أحسّ فراشي من شوك وعظامي كما الخناجر.". متى تهدأ يا ضاري؟!... ويهدأ هذا الإرث من المكيدة والدم؟!... وهذا القنديل لم تمتد إليه أصابعها منذ رحيل شملان لتطفئ ذبالته وتترك لجسدها سرحة قصيرة، دعي هذا الجسد يعوي مثل ذيب حاصره الثلج والجوع. ـ يا عضيدي. وعتّ من الداخل ثم أردفت: ـ يا خوف قلبي من الجايات. وتابعت إلى العين المستسلمة للضوء والعصافير وجراءة الصغار بعد أن نزل منسوبها لقلة الأمطار والجفاف الحارق كالكبريت، وقد تكومت عظام القطعان النافقة إلى جوارها، وظلال أجنحة الشواهين والغربان، تلامس سطحها الذي ما عاد يستر عري جسدها الطيني الواضح. وقد تشقق وخالطت لونه الغامق خضرة وسواد. وحين واجهت أم سليمان في طريقها مثل شبح أو شاهد، سرت في وجه العجوز فرحة سرّية سريان الخضرة في عروق الشيح اليابس، وقد بدأت تستعد لدورة الحياة الجديدة، تلك التي تعلن عن نفسها بإشارات غامضة، وتبدلات تصوغها بطونها لظهورها بدقة وحذر خلاق لا يخدع. ـ كل شيء خاو، الديرة، وقلوب الناس وبطونهم وعيونهم. هجست وهي تحس بهذا الذبول العنيد ينشر صفرته الذاوية ويدقّ أجراسه هذه الأجراس الصماء، ليملأ البرية برائحة الجنازات القادمة وعطر النخبة الجديدة من أنصاف الرجال والمخبرين وبنات آوى يجرون ذيولهم في الحقول الواسعة يثيرون الدخان والعجاج. شمس مطفأة من الوحول والدخان تنشر ظلها وتلص من خضرة الروح طراوتها، ومن الأرض يفاعها البتول، إحساس بالتدمير والعدم يفتك بالعصب دون أن يسمي نفسه أو تدركه واجفة، صخب ولا شيء آخر، مخافر وديكة وأبناء عرس ولا شيء آخر. *** حين صوّت البرلمان السوري للوحدة بين مصر وسورية. عرف الشيخ جابر بن شملان، أن النهاية قد اقتربت، فاعتكف في العين فترة طويلة لا يريد أن يلتقي بأحد، وهو يردد لخلصائه: ـ إنها بداية يوم الفلاليح.. وياله من يوم طويل!! ولم يتوجه إلى دمشق بتاتاً... فلم يعد لأمثاله مكان. *** ـ حين تولد الفطور بين الأصابع تكره كل إصبع أختها، مقولة رددها ديران ميناسيان، وهو يستعد للرحيل عن المدينة، فقد قرر الهجرة إلى أمريكا، فالدلافين تحتاج إلى بحار للسباحة، وحين عرض الأمر على زكاء رفضت، وقررت البقاء في البلد... ـ لقد خسرت كل شيء... فماذا يفيدني الرحيل غير تقليب المواجع؟!... *** ـ كانت الوحدة متوقعة. ـ قال الدكتور عبد الله الرفاعي لضيفه جابر بن ضاري.. الذي أعلن له: ـ حكيم...حنت الإبل إلى ديارها، والإبل لا تكذب، جئت أودعك. ـ إلى أين. إن شاء الله؟! ـ إلى ديار ضاري بن سلطان. وبعد أيام عبر مع عشيرته الفرات، كلاباً وإبلاً ورجالاً وأطفالاً، اندفعوا إلى الأمام دون أن يلتفتوا إلى الوراء، ميممين شطر بادية الشام، باتجاه نجد، وكان جابر بن ضاري حزيناً لأن إبل عنزة لم ترع شجر الغوطة ذلك العام. *** ـ جنت اللقالق هذا العام. قال أحد الركاب في السيارة الصغيرة المتجهة إلى دمشق، وهو يرقب السماء، فتنبه ديران ميناسيان ومع حركة الأجنحة البيضاء، شعر بأنه يبعث من جديد، فأخرج سيكاراً فاخراً، أرثه، وتابع الأسراب وهي تنأى بعيداً في المجهول... ربما كانت متوجهة إلى آرارات... شتاء الرقة 2002 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |