|
||||||
| Updated: Monday, August 15, 2005 11:08 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(3) بعد أن صحوت، وجدتني مستجماً مستريحاً. راودتني نفسي في أن أجتمع به. وأحن إلى الديار ((ديار سلمى)). ولكن تراني أخشى العلوق، وأرهق. و..... وأنا سائر كانت نجمة الصبح قبالتي، ياسمينة، تشع متألقة في وسط لوحة الخالق المبدعة في هذا الكون الساجي.... ثم رياح لوافح هبت على وجهي: حصان أبلج كالفجر، برق لي من خلف فجاج واسعة. قد اعتلى صهوته فارس ذو عمامة خضراء. أجل ثمة أمر جديد!... أأمدّ نظري؟... تماهيت في عالم ((سروتي)) ورأيت. بل فجرت عيني بشكل هائل. كان يرتدي قباءً فضفاضاً، وعباءة خشنة سوداء. ترجل. كانت لـه قامة ارتفعت عن سطح الأرض بل ارتفعت عن سطح الصحراء. إذن المكان في البادية، واحة تحف بها الرمال من كل جانب. تفرست فيه. الرجل نفسه، بملامح العينين وقسمات الوجه إلا قليلاً، بسبب لفح الصحراء... لم أحسب الزمن الذي مات من خلفي. بل سألته: أين نحن الآن يا سعيد؟... افترّ ثغره كالعادة، نحن موجدان حيث يسعد الإنسان بالشمس الساطعة في النهار، والسماء الصافية في الليل. النجوم تداعبها والقمر يغازلها.... هنا يعيش المرء مع المناظر الجميلة، بما تصدره النجوم والكواكب ومجرات هذا الكون العظيم المطلق. فتندغم النفس ببهاء شعاع ناغم بارد، ممزوج بنسائم الأسحار، ومشاهد الفجر المضرجة بخضاب الشفق. ثم أسر إلي: ((كل هذه اللطائف، تجعل الإنسان قريباً من الله، ويتحول إلى كائن خالص من الخير والروح معاً)).../. وصمت. *** بعد أن جالسته في أحد مضاربه المنتشرة، فوق الرمل الحواري تنهد: ((البادية هي بداية الدنيا، بداية الخلق. يعني بداية الحياة والإنسان. و....). واسترسل يحلل معنى البادية ومعنى سكانها منذ عصور الإنسان الأول. -((الإنسان القديم تعلم في البادية الحياة –بالفطرة-وكيف يمكن أن يمارس العيش. كان يسرح مع قطعان الحيوانات، وأسراب الطيور، جنباً إلى جنبٍ، دون عداء..... ((البجعات والرهوات مع الأيايل والفهود، وبقية الأنعام مع بني آدم يتواقفون جميعاً على برك الماء. الكل يشرب بسلام، ثم يعود إلى مرتعه)). وركز على((موضوعة)) السلام بين جميع المخلوقات: الحيوانات والإنسان ولهذا ((كان الإنسان يشاهد خالقه بأم عينيه، فيباركه بفضائله ويغدق عليه نعمه وخيراته. في هذه البراري الشاسعة من باديته الجافة الآن...)). -((أجل، أجل كانت هذه البادية في ذاك الزمان، تظللها الغيوم، وهي مثقلة بحبات المطر. إذ سرعان ما تدلهم فوقها، وتتحول إلى سحب هاطلة، فينبت الغيث، في ترابها الخصب الخيرات العميمة. يتغذى الإنسان بها والحيوان والطير على حد سواء.....)). وكأن نَدَهَ: ((انظر إلى ما تراكم، الآن، تحت اللون الأزرق، تراها ادلهمت، وتكاد تهمي.....)). أتهمي حقيقة الآن؟... وحين تيقنت، تلاشت أمداء البادية، في نظري، وأحلولك الفضاء وكانت قزع من الغيوم قد احتلت مساحة واسعة من سماء الربدة التي يقبع فيها شيخي سعيد، وكم سعدت برؤية الغيوم، فوق هذا الدو وتذكرت في الحال طبيعة الجبال وكيف كان يتساقط المطر فوق رأسي، ويملأ المكان عبقاً برائحة اندغامه بالأرض. راحت حبات المطر تقرع سقف الخيمة. نطق: ((سيتوقف هذا المطر وينتهي. كما سيتوقف وينتهي كل شيء على سطح هذه الأرض)). بعد قليل توقف المطر. لكم يطفح قلبه بالأسرار!... تأوه، وتابع: ((الحياة هنا كلها سراب))!... وشرح معاناته في الحياة التي يحياها الآن، في بادية ((الربدة)) التي نفي إليها لتعيد الحياة فيها بدايتها. نطقت: الزمان؟... -((خط مستقيم ينتهي طرفاه في وسطه، كما يتعادل طرفا معادلة رياضية في نقطة الوسط، فالوسط خير الأمور. الوسط هو المنجاة......)). كاد يغشى علي.لم أعد أعي فلسفة الزمن هذه. وفلسفة الوسط والموجودات الرياضية و.....)). عرف، فنطق: يعني الزمن حاضر دوماً، أي متوقف. -والمكان؟.. -المكان وعاء، والقيمة للمضمون. -والزي؟ -كذلك لا قيمة لكل مظاهر (الظاهر). -أي.....؟... -نعم القيمة للجوهر و((والثلاثة)) بجوهر واحد، طالما ((سلكهم)) في النهج واحد، والهدف واحد، وهو الخلاص والوصول إلى غاية الغايات الحقيقة الخالدة. والنعيم الدائم في بلوغ السعادة القصوى. ثم تأوه: آه كم كانت الحياة هنا في بدايتها، في البادية، بريئة ، ووديعة وفاضلة كما قلت لك، حينما كان الإنسان يعيش فيها نباتياً، لا ساحقاً ماحقاً للمخاليق!... ونغمة الإنسان النباتي، والإنسان الحيواني عادت تطرق مسامعي، من جديد كعقيدة ملازمة مرافقة لـه في كل أدواره وطرق سلكه، سأتغابى وأعدل عما رمى إليه. حتى لا أعود وأفلق رأسي بها مرة ثانية: -العيش هنا حياة يا.... سعيد!.. أنت هنا تنعم في هذه البادية الطلقة بمشاهدة الطبيعة البكر، التي تخلب اللب بفطرتها السمحة وبراءتها الخالصة !... غضن تضاعيف سحنته السمراء أكثر: لا تخف ما كنت قد أدرته في بالك.... -أنّى لي أن أمكر عليه فكرة ما قد تتسرب خلسة إلى خاطري.؟... تابع: أنا هنا لا أعيش في عزلة، كما سوف أعيش في ذلك المعبد المشيد في رأس الجبل. بل هنا أقوم بما سوف أعيده في القصر، أي أنا هنا أشتغل بقضايا الناس.... حقيقة. تذكرت ما مرَّ عليَّ، من سيرته الفعالة، وهو يعيش في القصر، من سياسة المعارضة والدفاع عن المظلومين، من أبناء الأمة. قال: وتذكر أيضاً صعلكته. حين كان قاطع طريق ينهب أموال الأغنياء المتنفذين الجائرين، ويوزعها على الفقراء المساكين. وتذكر أيضاً استقامته على المبادئ التي يطرح والعقيدة التي يعتنق، وشجاعته. فهو كان أول من صرح بالشهادتين علانية في مكة، في بدء الدعوة. وقد نال بعد ذلك الأمرين من أهل مكة المشركين... بعد لحظة سكوت عاد ونطق: ولكن سأبقى في عزلة، كما خمنت... وتوقف فجأة عن الكلام. لا أدري لماذا؟... * * * * * * * بعد أن أخذ نفساً حاراً، كحر صحرائه لـهج، وهو يشد قبضته، كأنه يشد على شيء مقدس: -((العزلة تبقى في الجوهر، ففي معبد الجبل سوف أعيش عزلة فردية مجردة، أعبر فيها غلاف هذه الأرض تلبية لنداء يأتي من صوب ذلك اللون الأزرق. فأعيشها في فضائه، مملوءة ببوح الروح والأنس والاستشعار بالوجود الكلي. لعل الحظوة بالسعادة القصوى تحل عليَّ. وأما عزلتي، هنا على وجه هذه الأرض المعذَّبة، والمعذِّبة في آن واحد، فهي عزلة اجتماعية، ناتجة عن مقارعة البشر ذوي العقول المغلقة، الذين أشاحوا عن نور العقل، وأصبحوا بشهوات ترابيتهم، عرضة، بل مطية، لنزعات ((أنواتهم)) الشريرة، وهكذا أمسوا كالمفترسين..... ثم أخذ نفساً حاراً آخر. بعد أن استراح استأنف: ((فأراني أدافع عن الجياع وأخوض غمار معارك شتى ضد أصحاب الباطل والبطش والتسلط، من أجل رفع الظلم والحيف عن المعذبين المغمورين، مهضومي الحقوق، من الأرامل والأيتام، والأيامى، والفقراء المستضعفين. )) ثم سرد لي كيف كان يتردد على أهل (الصفة)، وهم فقراء المدينة الذين كانوا ينامون في المسجد، على الطوى. لعدم وجود قوت ومأوى لـهم. يؤازرهم ويواسيهم حيواتهم المدقعة، وهم بدورهم كانوا يصنعون أضرحة لأحلامهم الخائبة في هذه الحياة الدنيا...((فكرهني الأغنياء وطفيليو الحكم وسموني بعدو الثروات.... هذا ناهيك عن صرخاتي التي كنت أطلقها ضد العبودية والرق)). كنت أطامن رأسي.ثم نبست: وماذا بعد ذلك، يا..........؟. -((من استجاب من هؤلاء الطغاة –هكذا لفظ- كان طمعاً منه في أن يتفجر لـه الكون ينابيع من اللبن والعسل، وحوريات. أبدانهن تلمع كالبلور...)). سكت على ضيم. شعرت أنه يغلي في جوفه. لم أحرك ساكناً علّه يهدأ. ثم ثار: -((تراني قضيت قرابة خمسين عاماً، من عمري أعيش على حافة الحقيقة. -الحمد لله تعالى-وأعمل على نصرة الحق-والحمد لله تعالى.....)). وصمت. وها أجدني أجلس معه كوحيدين في معبد الصمت. غبنا تجوّلنا في معالمنا الداخلية. فطنت: -((ندهتك: (يا حق ما تركت لي صاحباً). انتشرت، يا.... سعيد، في الأصقاع كافة)). أغمض عينيه وغاب في ملكوت أعماقه ثانية. ثم رفع رأسه: ((على المرء أن يفتح عقله. ويستنير بهداه......)). واستأنف: ((على الإنسان أن يستعمل هذه الخاصة البشرية –العقل- الذي امتاز بها عن سائر المخلوقات. جاءته هدية من الله تعالى. منحه إياها قبساً من نوره الشعشعاني.......)). نطقت بعفويتي المعهودة: على الإنسان ألا يهمل هدية الله. أعلنت ذلك بحماسة. وارتفعت معنويتي في نفسي كشلاّل فرح! ابتسم. وألقى نظرة غائمة على المكان، ثم شرع يشرح عصمة العقل، فيما يسمى بـ((النفس الولية))، وأن العقل لا يأتيه الباطل من خلفه، ولا يصدر عنه وسعادته تكمن في الفضيلة نفسها)). وحكم عليَّ أن أقول: وماذا؟... -((ومن غلبت عليه شقوته بـ((نفسه الضدية)) يكون قد أهمل عقله –هدية الله- وهكذا يميل إلى الشهوات وعبث نزعات الغرائز)).... ****** *** *** لم يعد يخفى أن ((الرجل) ظهر في هذا الزمن المبكر من ((الدعوة))، ليمثل بسلوكه تياراً متنوراً في مجتمع جديد لم تستقر أوضاعه بعد. ثم ينفى. أو يبعد، إلى((الربدة)). لتكون هذه البقعة الحارة من العالم مقراً لـه. وقد اتخذ القميص البدوي رداءه يقارع به أصحاب النفوذ والقادة وأهل الردة العصبية والقبلية. من أجل إحقاق الحق وسيادة العدل ورفع الظلم عن المحرومين وسائر المظلومين.... _((أنا لست وحدي في المعارضة)). تذكرت ما سوف يكونه، في سياسته عندما يحل في قصر الرابية. تابع: ((نحن جماعة ((حزب المستضعفين)) كثر في الأمة وفي مقدمتنا. ((أبو اليتامى صاحب النداء المجيد)). نطقت وكأنني ما زلت غراً في معشره: ما النداء المجيد؟.. -((النداء (الحق) المودع في عمق النفس الإنسانية)). ثم نهض ونزع عمامته،ليفرج عن رأسه. مقدار من الشعر الأبيض تلامع في مقدمته. رأس مستدير كبير يستحق أن تنحني لـه الرؤوس كسنبلة... قطع تفكيري وامتشق عصاً أم سيفاً. لا أعلم. وهبَّ يهزه أمامي بيده كأنه ينتخي: ((عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه)). رجل ثوري يدعو للثورة وقبل نظرية ((الصراع الطبقي)). خفت. وغبت.... بعيون اللا وعي مني، شاهدت وقائع من ثورة هذا الرجل: التفّ رجال ذوو عباءات مرقعة، حوله، في باحة المسجد ثم تفرقوا.... أحدهم أمسك بتلابيب أحد المتنفذين، وهزه من ياقته، وهو يمشي متبختراً في الشارع..... ومستضعف آخر يصيح بوجه صاحب قصر، وقف في بوابته المزينة: ((بيت المال للفقراء، وذوي الحاجة....)). وذاك صوت الشيخ سعيد نفسه: ((خففوا من الفقر-ماذهب الفقر إلى بلد إلا وقال لـه الكفر، أنا معك)). ذهلت!! وبنقلة خيالية رأيته جالساً في حلقة مسجدية، يعظ الناس ويرشدهم. تكلم في العدل والإيمان، ثم تكلم في ((السعادة الحق))، ثم سمعت منه: ((سدرة المنتهى)). و((المشاهدة بعد المجاهدة والمكابدة)). وبالتالي ((الخلاص والوصول)). و..... وارفق بي يا شديد العزائم. ماذا أسمع؟ أين أقف؟ ماذا قطعت من الطريق؟ إحباط حاد اعتراني، وصرت كمن تسكنه خرائب. ولكن عدت وسمعت كلمات من يقين وإيمان معمدة بماء الصبر والثبات: ((لا تيأس. الإنسان مفردة أمل، في هذه الحياة الدنيا))..... ولا أدري كيف تحرك لساني: بل مفردة سماع فله أذنان ولسان واحد. تلطفت قسمات وجهه، وابتسم. ثم أخذ يكرر في مذهب ((سلكه)): ((..... بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو، من نار تكوي جباههم، وجنوبهم يوم القيامة....)). ((على الإنسان أن يستخرج قوى الخير التي زرعها الله في أعماقه... ((النفس الإنسانية تكمن فيها قوى عظيمة من الخير تنقل الإنسان من عالم الظلمة إلى عالم النور. قوى خير مودوعة فيها هبة من الرحمن. فليكنها الإنسان كما فطرت. فإذا ما اغترف من بلسمها، وخيرها، وفك طلاسمها... شارك في ملكوت الله.... تركته يتكلم ، وأخذت بدوري، سرحة استجمام. تراها ترمض، فأين خضرة الجبال؟... وواحة من الأنهار والأشجار والظلال؟.. لا، لا... بل نظرت إلى الأفق، فها هي ذي المساءات الجليلة تلملم قطعانها. ثم هاهي ذي الصحراء تغفو..... ويحلّ فوقها الدجى........!. (4) ذات يومك أشرق صبحه زاهياً رائعاً.... ثم أخذ يغطيه الغيم شيئاً فشيئاً، بعد أن ارتفع الضحى. لا أدري أين قادتني قدماي عقب شوط من المسير. وهأنذا أقف على ذروة. امتدت أمامي سلاسل الهضاب والجبال. كنت أتخبط كالتائه. مللت المشي. فجأة رأيتني، في وسط غيض، يحف به البحر، من جهة الغرب. والجبال الشاهقة من جهة الشرق. وانداح أمامي شريط بديع من تعاريج الخضرة، في سفوح تشاطأت مع حوافٍ ((قارية)) كسّرتها الأمواج الأزلية وحولتها إلى أخاديد ونواتئ، كالموازيك، لتشكل ثغوراً ورؤوساً وخلجاناً. الريح تخفق بأشرعة القوارب، قرب الساحل. والريف على اللحوف يعجّ بالقرى والسكان والكروم. الحياة((جنة)) هنا. رخصة وطرية!.. هبتّ عليّ نسائم ناعمة رقيقة. ياللمناخ الندي! قد أغرقته عذوبة شمس لطيفة وربيع خميل! أين مناخ (الربدة) القاسي ذاك؟... *** *** *** المملكة تنعم بالأمن، والحكم والجاه. أنا في بهو قصر السلطان، حاكم المملكة السعيدة. لم أجده جالساً على كرسي الملك، كالعادة، سألت عنه. قيل لي إنه ذاهب في سياحة بين السهل والجبل. وبين الحاضرة والبادية.لحقت به مدفوعاً كالمرسل. ماذا جرى يا سلطان الزمان؟.. وضع يديه خلف ظهره ومشى أمامي يخطر بجبة من صوف. كان قد اتخذها رداءً لـه، بعد أن نزع بذلة الملك البهية. تعجبت من لباسه الصوفي هذا؟... يا.......... يا سعيد. /قاطعني فوراً. دهشت أكثر فأكثر، وأنعمت النظر في تقاسيمه وملامحه. فهو نفسه! سألته: لِمَ هذه الجبة الصوفية، يا...... سعيد؟... أجابني لإخماد حرارة الجسد بحرارتها. المنطق السلكي ما زال نفسه. والنطق في منطقه ما زال واحداً. ثم لا أدري كيف أشرق في ذهني أن الصوف، سيغدو لباساً خاصاً لجماعة ((الحرفة)) والصوفية من ((الصوف))!!... طبعاً علم ما خطر في بالي –كعادته-: -((دعنا من اللباس الظاهري ثمة حديث أهم، من حديث الشكل هذا، ينتظرك، يامن تجشم المجيء إلى هنا.... حديث يدخل في الجوهر.....)). لم يعد إلي رشدي بعد. ظللت تحت سيطرة ذهنية ((الانخلاع)): ((لماذا تركت كرسي الملك أيها السلطان))؟ كرّب قبضة يده، كأنه يكمش حفنة من روحه، ونطق: لا تقل ((السلطان)) ثم أراد الكل ترك الكل.... عدت وتذكرت هذه ((القولة)) وقد شاعت كحكمة في ربوع الزهد والورع. وأيضاً: ((صار لي كل شيء بعد أن تركت كل شيء))! وتابع كمصاب بحبس الكلام: ((كنت في سجن الملك والسلطان، والآن أعيش حريتي الكاملة، حرية الروح الأبدية....)). ((كنت تحكم الرقا.....)/. ـ ((آه! لو يعلم حكام الرقاب مدى السعادة التي أحياها الآن، لتركوا عروشهم في الحال وتبعوني))!.... بعد أن ساد الصمت. استأنف: ـ ((هل ثمة سعادة صفاء خالص كسعادة الرجوع إلى القدوس الرحيم))؟ ثم أخذ يدلي شيئاً من أفكاره الخاصة، مثل فكرة ((الموت قبل الموت)). واسترسل في حديث ذي مستوى عالٍ فهماً واستيعاباً. تراني ما زلت كالعاجز في كل (قميص)) يتخذه. ... وطرق أذني: (الروح في حنين دائم، وميل جارف، من المحب إلى الحبيب ومن المنفى البعيد إلى الوطن الأول، الذي كان لـها وخرجت منه. من الغربة في عالم الأرض إلى دفء الزرقة في العالم الرحماني....) و: ((الوسيلة للوصول هي العشق الروحي الخالص، كالشعاع للحبيب)).. وأخذ يكرز على تنشيط النفس وتقويتها برياضة الجوارح، بالتواجد والتهجد. وفي ((ترك الوساد، والالتزام بالسهاد))... حتى تتلاشى الحواس ويحل نقاء الوجدان.... ((فيقترب السالك من مرتبة ((الوله)) الروحي. ثم مرتبة القرب والأنس))....... ثم النعيم الذي ما بعده نعيم! ((لم يخطر في بال بشر)). أنا شاخص بعيني كتمثال من جماد أمام معلم يشرح تاسوعات (أفلوطين) في المبدأ الأول وفي العلة الأولى. وفي ((الواحد المطلق والفيض عنه، فكان منه الوجود، والكون.....). أكان سلطاً أو فيلسوفاً؟ هو الآن يعي ويعني ما يختلج في نفسه، ويقوله لسانه من مثل هذه الأفكار التي يطرحها. ليتوجه بها إلى قضية آمن بها كل الإيمان هي قضية ((الرجوع)). الرجوع المشفوع بحنين الفرع إلى الأصل. والرجوع... ويكمل نصه العشقي: ((إلى الحبيب... إلى الحبيب..... غير الحبيب كل شيء زائل....)) أشرت بيدي. توقف. قلت: إنك تتوغل في بحور الفكر والفلسفة العليا، فلسفة الروح، لتكرس زهدك وتصل. اعتلت جبهته مسحة من بهاء. كأن انبلج من نور. ثم نطق عبارته الشهيرة: ـ (طرح رغبات الجسد تكسب الآخرة))! ثم ابتسم وشدني من يدي: ((اعمل لتنتقل من ذلة المعصية إلى عزل الطاعة)). حركت شفتي لأتكلم، دون أن أدري ما سأٌقوله. بيد أنه أنجدني. وأخذ يقص عليّ كيف اكتفى بالحبيب المنشود، عن كل شيء في هذه الدنيا. وإن كان فيها أميراً أو ملكاً... ((إنها فانية زائلة لا محالة)). قدّرت من خلال كلامه، مدى تفانيه في مذهب زهده. واستجابته في تلبية خالصة، لذلك النداء الذي ألم به ـ أو حل عليه ـ وهو في عز سلطانه. عندما كان في كوكبة يخطر ببذلته الأميرية، التي توهجت بخيوط الذهب، وهو يرمح فوق صهوة فرسه المحجّل باتجاه البادية، للصيد مع حاشية تهمز حوله بالخيول الصافنة الضامرة. ناداه من أعالي اللون الأزرق، بعد أن أطلق عنان فرسه الأغرّ، خلف أرنب قفز من أمامه. ((صوته! آه يا صوته! من أين أتى، من أية موسيقى؟....)). نعم سمعته يهتف جرساً علوياً: ((ألهذا خلقت يا....؟ أم بهذا أمرت يا....؟)). فاستوعب في الحال مضمون هذا النداء وانصاع لـه كأن جلجل في أعماقه صوت الحق. فشق في قلبه نوراً مبهراً. أعشى عينيه عن كل ما كان حوله وانطلق مسرعاً إلى أحد رعاته. (ـ قف يا ثليج أيها الراعي. ـ أرعبتني يا جلالة السلطان. هل أخطأت؟ أقبل التراب بين يديك ـ لا تخف يا ثليج. بل انزع عنك جبة الصوف. والبس بذلتي المذهبة هذه. ـ لا تقل السلطان، ولا سيدي. ـ لا. لا تخلعها عن جسمك سيدي السلطان. ـ يا.... ـ وسأعطيك هبة فرسي وسلاحي. ـ لم أصدق ـ بل صدق ـ وأنت أين؟ ـ أنا سأسيح في حب الله تعالى في البوادي والسواحل والجبال والمغاور. مرتدياً جبتك الصوفية، ولتكن شعاراً وتسمية لأصحاب هذا السلك). *** *** *** وظل يقص علي. وأنا في غاية الذهول والاندهاش، كأن تطاير جسمي قطعاً في أرجاء المكان. ألحت برأسي. حركت شفتي. لا أدري. رفع كفه وقال: (العبرة في العروق وليس بالخروق. بل العبرة في السلوك وليس بالملوك. ........... وسكت. تابع: ((بهرجة الملك سخرية. فالحياة الحق هي في العالم الآخر. وهي طبعاً لمن جاهد بإيمانه، في الله واليوم الآخر. ((قال لوقا في إنجيله: ما من خادم يستطيع أن يخدم الآخرة والدنيا معاً)). من جهتي ظللت صامتاً وأنا أقدر لـه، وفيه، هذه القوى المكتسبة الجديدة في الروح والإرادة. والإيمان. ـ و.... *** *** *** بعد أن ساد الصمت بيننا عدت وأمعنت النظر في وجهه. ظهر لي منوراً بهياً همست في داخلي: ((هو من الذين ((خلوا بالرحمن)) فنوّر الله وجوههم بنوره الكريم.....)). ـ ((لم يغش وجهي كدر منذ التزامي)). حين نطق، علمت كالعادة أنه يرصدني في نفسي، وما يختلج في باطني. ثم ساد صمت كالقنوت في الجلسة. بعد فترة نظرت إليه كان قد استولت عليه سبحات الوجه المشرقة. قال: يا لنعيم هذه ((الشطحة)) كنت بلا جسم، بجوارحي فقط، أرى دون عين، أسمع دون أذن. و...... هل جن اللاوعي عنده؟ أو جن الوعي عندي؟ وهو يسترسل بـ((لا شعوره)). ـ ((أنا هنا غريب. كل إنسان. بحقيقة أمره غريب على سطح هذه الأرض))! ثم رأيته يفرد لي وجهه، الذي ازدهر أكثر، كأن يقدم لي مواساة لعجزي في عالم اللاحواس الجميل الذي يعيش. لكن سرعان ما عادت تتقافز الكلمات بين شفتيه: ـ ((كنت محمولاً على أجنحة اللحظة الخاطفة. مفصولاً عن عظامية الجسم...)) افتكرت وحزنت. الفرق بيني وبينه، كالفرق بين الكثافة واللطافة. فباسم جهلي الصامت. استعيذ ألاّ أتشظى حسرة وكآبة. إذن سأبقى بصحبته، وفي الصباح يحمد السُرى. *** *** *** في جلسة صفاء أخرى. عاد يذكرني باجتهاد زهدي لـه في ((منع النفس)) أطلقه. فشاع كقاعدة فقهية: ـ منع النفس في ثلاث حالات: في الحلال فضل وفي الحرام فرض، وفي الشبهات سلامة. قلت بدوري هذه الكلمة: والإقلال. أخذها على محمل الجد: هذا سؤال في غاية من الأهمية، فالإقلال يكون في ثلاث حالات أيضاً: ـ الإقلال في النوم، والإقلال في الطعام، والإقلال في الكلام! ثم ذكرته بحادثةٍ: ظل قابضاً على نفسه بها، كسرٍّ، بإرادة من حديد: هل شكوت من تصرف ذاك العتريس؟ ـ لا ـ هل دعوت عليه؟ ـ لا وربي طبعاً أراد ألا يفشو بكرامته في قضية موت الرجل المتجبر الذي تضاعفت عنده شهوة ((الأنا)) فانتزعه من مكان جلوسه وألقاه أرضاً ولكنه عاد فمات بلبطة من بغله.... ثم نهض ليطفئ الخبر. طاف بي في المكان. أرأيت خضرة الله البديعة؟ (5) عندما سرت معه. كدت أفقد عقلي. كم أحتاج إلى دربة ومرات لأقف على (سرّ) هذا الرجل، واكتشف جوهره؟ ليتني أحظى بشيء من بركته، حتى أتمكن من بعض مجاراته، ولكن أراني لم أتحلل من ثقالة معصيتي بعد.... ها هو ذا يمشي ببذلته الرسمية. رأسه حاسر دون عمامته السابقة. شعره الأشمط مهدل. قامته المديدة تنوس مثل شجرة حور باسقة تحركها الرياح... تعثرت قدماي، بجانبه، عدة مرات ثم أجدني أدخل القصر معه، ذاك المشيد، فوق تلك الرابية الغناء، البديعة برياضها وبساتينها. وعن شرفته الشاهقة، شاهدنا في الأفق البعيد قباباً خضراً، وسطوحاً حوارية وشوارع مخططة بالأحمر. و.... ورعيلاً من الأطفال يتجمهرون تارة. ويتقافزون، تارة أخرى. ـ ((الأطفال صنعة الله الكريمة، على وجه هذه الغبراء، أو بالأحرى هم وديعته فيها. تنظر البراءة في عيونهم، والطهارة في نفوسهم. كيف يصرعون بأفظع الأسلحة التي صنعها أكلة اللحوم)).. قلت وقد انفعلت كما انفعل: ـ ((ذلك بتزيين من أكذوبة تاريخ وسخافة عقيدة زائفة،.....)) ثم تحشرجت حنجرتي، وغصصت ببقية الكلام. هَدَرَ بمرارة: ((الأطفال يقتلون وهم يقفون أمام بيوتهم التي تهدمت ليرموا حجراً بمقلاع. أو حصاة بنقاف، على دبابة مجنزرة لا يخترق درعها الرصاص...)). ولهج نفساً ساخناً، كالجمر. لم أره، قط، مربدّاً، كما هو اليوم! أيعلو فمه الزبد، وهو يرغي؟ ((.... الحق عندهم باطل. والباطل حق. الأعزل عندهم هو الإرهابي، والقاتل والمعتدي، والسفاح المدجج بأفتك السلاح هو الحمل الوديع! انظر......)). *** *** *** كانت الدبابات والجرافات والمدافع، فيما وراء الأفق تفعل فعل الشيطان! ثم صوت دوّى من قذيفة. وثار الغبار زوبعة عظيمة. بيت يهدم. وأسرة يقتل أفرادها بالكامل تتطايرت الأشلاء الآدمية شظايا في الفضاء، مع الأتربة والحجارة. ـ ((منظر فظيع))! جاريته في انكسار عينيه. وانخطاف لون وجهه، الذي اصفر أسىً: ـ هذه هي أحكامهم المجرمه يمارسونها يا.... سعيد. همجية تجبر الإنسان أن يستعمل جسمه قذيفة، ويختصر عمره، بثوان طالما عزت عليه القذائف...))! واختنق الهواء بتأوهات قانية، بلون الخضاب! دخلنا. في خلوته، في غرفة الجمجمة، عاد يكرز بقاموسه المعروف، عن الحياة الأخرى. التي قدّم لـها كل تبرير. بعد تلك الفظائع التي شاهدناها من شرفة القصر. ((على الإنسان أن يربأ بنفسه، ويترفع، ويرتفع أيضاً نحو ذاك اللون. فهو الأبقى، وهو الأسعد. زرقة السماء ولا رمادية الأرض. ماهية الروح ولا مادية الجسم....)) نطقت: ((الأنا)). ابتسم هذه المرة، لفطنتي. وعاد يعزف على وترها: ـ ((الأنا ما هي، بحقيقة وجودها، إلا علقة في أولها. وجيفة في آخرها... أتستحق من الإنسان العاقل أن يخضع لأوامرها ويتعلّق بشهواتها........... غباء............ ما بعده غباء!....))! ((آه... يا لذاك العالم الآخر))! وطفت بأجنحة غير مرئية مغموراً برفيف لحظات سحرية، حتى خيلت وأنا أنهض واحتضن الهواء بذراعي أنني قد امحيت بالبتة.... وغبتُ. *** *** *** وجدته جالساً في الغرفة نفسها، دون أن ترمش لـه عين، أو يرف لـه جفن: اندماج تام في ((التأمل)). ترك عالم الأرض الميؤوس. وغاب في بلهنية مشهديته التي يعيشها بكل حواسه وجوارحه الآن. احترت طالما لا قدرة لي على المشاركة في هذا السبات النوعي، فلأذكره بقولته السابقة: ولم الخوف؟ ولكن أراني بحاجة إلى أن أضع يدي على جبهتي وأخفي وجهي. تركت جسدي يتهالك على البساط بجانبه. أغمضتُ عيني. بدأ قلبي يتسارع بدقاته. أمسكت به وألقيت كلماتي: ((كنت تعلمت منك أن الحياة في هذه الحياة الدنيا، مسؤولية... والإنسان فيها كناية عن رسالة.....)) حملق فيّ. وحرك رأسه: ((صح. صح)) ثم طامن نحو الأرض: ـ ((الحق معك يا عمي ولكن لا تنسَ أن ذلك يكون وسيلة للحياة الثانية. الحياة الباقية في الهدف المنشود للإنسان ككل)). بعد هذا تجرأت في مغامرتي معه، كان قد خف (ضغطي): من قام بتوزيع أملاكه وطبق النظام الذي ينادي به على نفسه يظل مرفوع الجبين. بل ((شيخ المتصوفين)) وابتسمت. جاراني بالابتسام. ورفع يده لأكف عن هذا الكلام ثم ناولني ورقة من مذكراته الشخصية. قرأت فيها جانباً من اعتراضات والدته: ((يا ولدي سعيد، هذه أملاك آبائك وأجدادك. كانت لـهم سلطة ووجاهة. وهذا قصرهم يشهد بذلك... أسرتك الهاربة في ذهنك، توارثت الزعامة والحكم، في هذه المنطقة، منذ أجيال وأجيال. أتعبث بها وبأملاكها؟ هذا جنون!..... جنون! بل الجنون الأكبر أن تأخذ أموال الريوع وتوزعها على الفقراء هنا، والشحاذين في بلاد الهند)). ثم قرأت حاشية على الورقة يرد بها على أمه: يا أمي هذه هي تعاليم معلمي (شري أتمانندا) ـ مترجم الأوبانيشاد ـ صافحته بدوري. أجدني ما زلت قابضاً على ناصية الشجاعة أمامه. الأمر الذي دفعني إلى أن أخوض معه في نقاش مفيد عن المرأة بصورة عامة. وأخذ يتكلم بحسرة وألم عن المرأة وعن تاريخها المغمور في هذا العالم الأرضي. ((عالم المظالم والسطو. انظر، كاتبة شهيرة في بلاد راقية، قد استعارت اسم رجل لتروج كتابتها ـ جورج صاند ـ بينما مؤهلات المرأة توازي مؤهلات الرجل في كل شيء)). ـ (( إذن هي تصلح لأن ترنو إلى اللون الأزرق، وتتلقى حنينه مثل الرجل)). أجاب حماسة ((يا إلهي! تصلح...... تصلح))! هنا تسلل اسم والدته إلى لساني، وهربت من انفجار ضحكة. قال: ((عرفت من تعني. ثمة نساء أرضيات، وثمة نساء قانتان عابدات. كما هي الحال عند الرجال. لذلك أقول: الرجل والمرأة خلقهما الله صنوين متكاملين متوازيين في الحقوق والواجبات. لـهذا يكون السلك واحد لـها والخطوة واحدة في قوة الشطح، وفي المشاهدة، وفي...)) ثم ظل يتكلم عن إنسانية المرأة وفضيلتها إلى أن حان موعد انصرافي. (6) ظل حديث المرأة يطرق مسامعي. لا عجب فالرجل يبقى منشداً إلى هذا (الصنو) الذي يقابله. وبعد تزكية الشيخ سعيد صرت أتمنى أن أعثر على المرأة المسلك. أي المرأة ذات السلك المكرّس للشغل بهموم الحياة الآخرة. علني أغني تجربتي الجديدة. ثم رحت أتساءل: هل أبواب الزرقة فتحت لي وقبل النداء؟ أراني في أواخر عمري السلكي هذا، صارت تقبل فيه، بعض أمنياتي، طبعاً هذا بشفاعة من ((كرامة)) شيخي سعيد التي يخفيها كسرّ... على كل حال وجدتني مشلوحاً على هامش مداخله بين اللازمان واللامكان. وبعد أن تيقنت من هويتي. رأيتني واقفاً على باب مدينة تقع على شط العرب. عبرت الشوارع والأزقة دخلت إلى كوخ. وجدتها منورة بوجهها الصبوح المشرق، الذي يشبه بسماته وجه الشيخ سعيد. كان مؤطراً باللثام. نهضت. النفحات ذاتها. وأجواء البهاء تشيع في المكان. وحين مشت رفل ثوبها الأزرق، المكون من عناق البحر والسماء. ابتهاج شع في كياني ودفء جمال مسالم ملأني. رفعت قليلاً رأسي: بين اللثام ونوني الحاجبين، سطعت عينان، فامتلأ الفضاء عيوناً! فاجأتني: ((أتيت لتتأكد)). /نطقت بصوت كجرس نحاسي بل انطلقت من فمها نغمات قيثّارة حزينة هادئة! المرأة دوماً مغلفة بالحزن لا أدري لماذا؟ ولكن للحزن عذوبته عند هذه المرأة ـ ((دعك مما تفكر به)). أف......! هي تعرف ما في باطني ((مثله)). وصلت إلى مرتبته في ((سلك النهج)). أردفت: ـ ((سابقاً كنت قد تمردت، عنوة عني، على اسم العشيرة التي انتسب، وعلى نفسي أيضاً. نعم كنت، آنذاك، الشابة الحسناء و((ذات النون)). جمالي فريد. صوتي رخيم. فأُخضعت لطبيعة الجسد. وترابية الغرائز..... آه...... لا عذر لي....؟ سكتت وغشى وجهها حزن نبيل جليل. ثم أخذت تتأوه ثانية كأن ناراً تتأجج بين ضلوعها حسرة وندماً. ما بال هذه المرأة العابدة؟؟! لِمَ كل هذا الحزن الذي يلفّها من كل أقطارها؟ سمعت: ـ ((لا أنسى رحمة ربي))..... ثم أخذت تسرد علي شيئاً من حياتها الماضية، وكيف كانت لا تملك حريتها، ولا شخصها ولا جسمها. ((عندما أمرت، ابتذلت نفسي كثيراً. ولكن أقول للحقيقة ـ والحمد لخالق العظيم الرحيم ـ بقيت فتاةً بتولاً عذراء.... لـهجت نفساً وكظمت في داخلها ثورة من البكاء. براكين الكلمات تتفجّر تحت رفيف صمتها. متى تهدأ؟ اعتصرت آلامي معها. ـ ((وعندما هطل الندى على صحراء قلبي. أشرقت في ليلي أقمار العاشقين من ذوي الوجد والسلك، وأُراني.......)) وسكتت. زاغ نظرها في الأعلى حيث زرقة السماء، تبرق من فرجة الكوخ. وأطالت النظر كأنها تبحث عن وديعة فيها. بعد فترة عادت إليّ: ـ ((جلت في أرجاء المرسح، غناءً أصدح بصوتي وأضرب بصنجي، لأطربهم. وكنت حين أنفرد بنفسي أبكي سرّاً. أبكي حتى أنهي... أجل لم أعذرها. وإن كنت فتاة ((أمة)) ترزح تحت نير العبودية ومخزومة برباق الرق ومنعولة بحذاء...)) وراحت تكثر من كلمة ((الرق)). وتكررها بحرقة. كأنها تريد أن تنتقم منها. وتشرح لي كيف سيمت بها سوم العذاب. ثم بكت وتنهنهت. وكدت ألوم نفسي بما أُقحمت فيه. أدركت. فكفت واستأنفت: ـ ((أجل، أجل أنا كنت عبدة ليس لله بل للرجل الذي اشتراني بدراهمه كسلعة معروضة للبيع في سوق....)). وتنهنهت أيضاً كأنها تريد أن تقيم مناحة عظيمة في قلب الكون! امرأة بكاءة ولا تحيا إلا في البكاء! علمت ونطقت: ((البكاء كفارة الماضي المبتذل)) أجبت بهذه الكلمة: ((واليوم))؟ استمهلت في الجواب. سوّت عصابتها فوق جبينها. تنفست من خلال لثامها بلوعة. ثم حركة شفتيها: ـ ((اليوم عدت حرّة، بعد أن كان قد أطلق الرجل الذي اشتراني ـ ابن عتيك ـ سبيلي لوجه الله تعالى. حتماً أمر بهاتف علوي. أتاه من قبة اللون الأزرق)). نطقت بنفسي ثم بلساني: (إذن يا سيدة البكاء والنواح. أنت امرأة صالحة. لك التوبة النصوح، والعبادة الخالصة لله. لقد أُعلمت منه بسلكك الصارم القاسي لأقصى احتمال طاقة الجسد والنفس معاً. فأمسيتِ المثل المحتذى في ((النهج)).....)). قاطعتني بلهجة مخنوقة بالتشنج: ـ ((لا بد من تعذيبهما)) ثم حملقت فيّ: ((إن تفقد عذابك تفقد إنسانيتك)). أف ما هذا المعنى الكبير الذي ساقته لدماغي المتعب؟ ضاق صدري. لذا تركت الصمت ينوب عني بعض الوقت. ليكون منقذاً لي كما عهدته في عشرتي لأشخاص يقبضّون على ناصية الشفافية. أوعلت بي ثانية. نطقتُ: ((كيف))؟ ردت: ((عذاب الجسم في الجوع، وعذاب النفس في السهاد.... أجل، أجل... إن دهشة الرحيل في سجى الليل...)). ثم استأنفت: ((فلا أدع الليل يغتصبني بنومه. بل أنا التي أهزمهما شر هزيمة)). واستخلص عقلي هذه الفكرة، فلفظتها بصوت شجي هذه المرة. شجي أمن الخوف؟ أمن الخجل؟ أمن العجز؟ لا أعلم المهم نطقت: ((إذن خلاص الروح يكمن في المجاهدة)). ـ ((نعم بعد نيلي حريتي سهرت الليالي تلو الليالي متيمة بوله ((عشقي)) فوق)) ـ وأشارت بيدها إلى الفرجة الزرقاء ـ ثم تكلمت كيف تسجد في مصلاها خاشعة، متضرعة، تنادم ((الجلال الأعلى)) في مناجاة شعرية سامية. فجرتها من قيعان روحها. (عزفت عن كل شيء في هذه الدنيا، من أجل الخلاص لتعود هويتي نقية صافية. تصلح لحظوة الدخول في نعيم (قدس الأقداس)..)) ماذا أسمع؟ المجهول يتألم ويرزح تحت أنين اللغة! وهي ترزم بنثار عشقها وبوح توهّجها. ((حتماً هذه المخلوقة))، أضحت في عذاب صبرها الذي فاق كل الحدود ـ هكذا أعتقد ـ أضحت من الذين يشاهدون الملائكة ويعيشون مع أروح الأنبياء، ويسمعون أصواتهم وكلامهم. وكأن صلواتها قبلت والأبواب لما فتحت. ورحت أمنّي نفسي وأنا أتملى وجودي في وجودها بغبطة فائقة نابعة من أعماق كياني. أُوراني أشف وأعلو كمن صار يطفو على أجنحة موسيقى عذبة، أخذت تتهادى في معارج الروح لتسمو نحو الملأ الأعلى... سمعتها تقول: ـ (الله كريم رحيم) تنهدت بدوري، وقلت: نقل عنك الكثير. أعلمني هو وتمنى لو يستطيع ما تستطيعينه في الزهد والعبادة، وفي السياحة ببراري الروح الشاسعة. قال: عادت تعبد الله عبادة الأحرار بقلبها الزكي الطهور وتقدّس لـه ليل نهار بإيمان صادق.. طامنتْ رأسها خشوعاً: ـ ((أنا لا أصلح أن أنقل حذاء ذلك العابد)). وذكرتها بما ذكره لي عن مقولتها الشهيرة في نهجها النسكي: ((يا ربي أعبدك لا طمعاً بجنتك ولا خوفاً من نارك إنما أعبدك، لأنك تستحق العبادة)). ابتسمت وأكدت: ((أي ألاّ يعبد الناسك خوفاً من النار، ولا يعبد طمعاً بالجنة، فيكون كالأجير الذي ينتظر أجره. بينما العبادة الحق لله تعالى تكون حباً وشوقاً، دون ثمن)) وابتسمت ثانية. بل أُراني أنا الذي ابتسمت وقلت. ((لك الفضل، يا أم الخير)) ـ وقد فطنت بكنيتها التي أعلمني بها الشيخ سعيد ـ لك الفضل في هذا السلك الموضوعي الذي لا يرتبط بفائدة، أو منفعة. بل هو مفهوم مجرد. الواجب للواجب، والحق للحق. والفضيلة للفضيلة)). ثم أطلقت تعبيراً محلياً: ((المهم براءة الذمة)). ابتسمت لـهذه الفكرة. ثم اعتدلت في جلستها. وأخذت تشرح لي بصوت دفاقٍ باللهفة، مفهومها الزهدي... تذكرت ما قد قاله لي عنها: ((حوّلت الخوف من الله إلى المحبة من الله ومن الإبهام إلى المعرفة الصريحة والوضوح. ومن الحرمان إلى الرضا ومن الضعف إلى القوة)). قطبت ما بين عينيها اللؤلؤتين و((... والزهد شرعة ذات ألوان روحية وأهداف وجدانية.....)) ثم ركزت على حرمان الجسد وكبت الغرائز، كأنها تثأر لظلمها السابق. إذ أوضحت كيف أطلقت حالات من التطبيع مع التوبة، من خلال ممارسة الزهد كتيار للتعالي والتصعيد والتحليق، نحو زرقة الأفق الأعلى، بعيداً عن نهب الفرح المكرس لسعادة مادية باذخة، على حساب سعادة روحية سامية. ثم أخذت الكلمات تتدحرج متحشرجة على شفتها. هل اللفة تعبت أو كلّت..؟ حزن كاسح أصابني لسكوتها. ماذا كنت أسمع من هذه العابدة؟ أحد المزامير، أم نشيداً علوياً؟ حقيقة كنت أتلقف الكلمات (الشافية الكافية). كالمسافر في رمضاء يريد أن يطفئ ظمأه بماء الحياة. ظلت صامتة. وأنا أنتظر اللحظة دهراً. رغبة جامحة تعبأتني للمتابعة. حيوية غريبة دفقت في كياني. وحين احتلت الغيوم مساحة كبيرة من الفضاء وحجبت الشمس خلفها، فطنت بنفسي. غادرت الكوخ وظلت تملأ ذاكرتي بأسرارها الآسرة. *** *** *** عدت والعود كان أحمد وجدتها قد تكومت الأيام داخلها. التفت حولي. سألتها: ((أرى في الكوخ آلة موسيقية)). أثبتت نظرها عليّ. المقلتان قد سهر الزمان فيهما. بل من أجلها. ثم انفرج الثغر الباسم عن لآلئه: (الموسيقى ما زالت غذاء روحي)). وأفاضت في شرح مهمة الموسيقى، كرسالة في الحياة البشرية. يترفع بها الإنسان عن الغرائز... (بالموسيقى أترنم بحكمة الكون، وأتصاعد في معارج السمو... آه.... كم بعثرك لحن ناي على شفتي راعٍ في خلاء المرعى! وكم هذبت أنغام قيثارة من طباع، وهدأت من عواطف، ورققت من شعور وطهرت من نفوس و....)) ولا أدري كيف نطقت، وكأن عفويتي الأولى رجعت ـ ((في البدء كانت الموسيقى)). ـ ((مع الجمال الإلهي، والحق، والحب...)). أضافت وسكتت. ثم نظرت إلى الناي. زفرت متأوهة. كانت كمن يحمل سراً يعذب صاحبه. نطقت: استعمله، خلال مجاهدتي الليلية، فتتفتح بها زهرة روحي، متعانقة مع قناديل السماء حيث تتلامع بلون زرقتها. فأحسب نفسي كأنني وصلت... آه، متى أصل؟ وكأن نوافير وجدٍ وهيام تدفقت من قلبها! من جهتي. عدت إلى الموسيقى، وتذكرت كيف كان يستبي روحي صوت ((شبّابة)) القصب، عندما يطلقه عازف في الليل. يسهر في بيدره. فيصل إلى أذني لحناً عذباً. كأنه تسلل من مسام الكون. عادت إليّ، وعلمت. نطقت بحماسة: ((مع الموسيقى يكون الكون في أبهى تجلياته. يصحو على قرنفل، ويمسي على ياسمين...)). وابتسمت علمت أن أنغام (نايها) الروحانية تجعلها تذوب في خمائر خوابي عبادتها. وتبقيها متقدمة في سلكها الزهدي، من أجل الوصول إلى حقيقتها التي تنشد. ((في الليل تنفتح نوافذ الروح وأبواب السماء. والموسيقى هي الصلة عندي))... توقفت قليلاً وتابعت: ((هي تبعث في قلبي الذوق والوجد، وتؤجج بين ضلوعي الشوق في عشق ((الرب))...)) علمت أخيراً أن ما توصله الموسيقى ((للسالك)). لا تقدر اللغة على إيصاله. يفوق الكلمات. وحتى حركات الإيماء. والخلاصة: ((هي الأداة المفضلة لرفع الحجاب، والكشف عما وراءه))! واسترسال في ((رسالة الموسيقى).. ووظيفتها. ((أجراس تقرع للمجاهد المسافر في صميم المجهول من الروح، والجوهر الحق)). حتى يصل إلى شفافية اكتشاف ((حب الله)) والارتباط بروح قدسه جلّ وعلا... ـ ((نعم بها ألجأ إلى سكينتي في التهجد، كمقدمة لشوقي، عندما أتلو أورادي)). وبقيت أسمع منها، عن سماع الموسيقى. حتى شعرت أن موسيقى داخلية، بدأت تعزف في داخلي، وتنساب في عروقي، لا أعذب ولا أسمى... وكالعادة قرأت بشفافية نفسها النقية مقدار انشراحي في هذه الجلسة. كواحدة من هذا الرعيل الصالح الذين صاحبتهم في أخريات حياتي الأرضية ـ على حد تعبيرهم ـ كأن الإنسان يعيش معهم مكشوفاً بضميره وأسراره كالعاري. تحصى عليه خلجاته وسكناته، حتى أفكاره وأنفاسه. ثم سحابة حزني غمرتني. لا أدري لماذا؟ قالت كأنها تريد أن تواسيني، في عجزي وتقصيري: أنت تكلم في داخلك قلباً غير قلبك الحقيقي. ما زلت في مرحلة (الريبة)... وسكتت بشّ وجهي قليلاً. استأنفت تعزيتها لي: ـ ((لا تيأس.. عليك بالصبر. بعد أن قطعت شوطاً محموداً في (السلك) تحملاً وإرادة، إذن الانتظار واجب)). وقصت علي قصة ذاك العابد، الذي وقف على حافة قبره ينتظر القيامة. كما ركزت على ممارسة الجهاد النفسي ـ الجسدي العنيف، من أجل قتل الرغبات ـ الأرضية ـ ((فالإنسان إذا ما عزف عن كل ما يمت بصلة للأنا وشهوات الجسد..... فيصل إلى درجة السمو الروحي. ويصبح في مرتبة (العارف بالله) ثم شرحت كيف يعود هذا العارف بالله يغرف من الينبوع الذي اغتسلت به الخلائق، في فجرها الأول ((من سدرة الأزل سدرة البداية والنهاية ليظل مسافراً في لذة نعيم غاية الغايات)). عاد ضعفي يطغى عليّ. لشد ما تعب ذهني وأخذت الأشياء تختلط في رأسي. أمعنت النظر في وجهي. شعرت كأن تكسرت الكلم على بريق نظرتها ولم أنبس. ثم لاحت لي تقطيبة لمّاحة بين عينيها، كانت بلون الفضّة. ضغطتُ أكثر على جدار عقلي. ـ ((أرهقتك؟ سأفرج عنك..)). بالتأكيد حان وقت تهجدها الليلي الذي توزعه ((بين عزف الناي الحنون وموجة البكاء الهتون)). تركتها وحملتني قدماي إلى مأواي البعيد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |