زائِرُ الماء ـــ منذر عبد الحر

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Sunday, January 29, 2006 01:59 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

من أعالي الجنونْ

نزلت للفراتِ الغصونْ‏

سقطت نجمةٌ في المياه‏

فهبَّ لها الفتيةُ العاشقون‏

***‏

في أعالي الجنونْ‏

نحتفي بالشجَن‏

لا نرى...‏

غيرَ أوجاعِنا‏

في رِهانِ الزمنْ‏

بابُنا الأغنياتِ‏

لاصطيادِ المِحنْ‏

***‏

قلّبتنا الرياح‏

زورقاً... زورقاً‏

كي نَرُدَّ الأسى‏

طائعاً للعيونْ‏

في أعالي الجنونْ!‏

كم تعلَّمَ‏

حتّى صارَ يُصغي لغيرِهِ؟‏

كم تمرَّدَ على ألمِهِ‏

الذي ازداد نموّاً‏

وكَثُرَ زوّارُ ينابيعِهِ؟‏

ثمَّةَ قيودٌ لم يتجنّبها‏

ولم تترك لهُ غيرَ رسالةٍ باردةٍ‏

قدَرُهُ أن يظلَّ بعيداً عن نهرِهِ‏

ذلك الذي دلَّهُ على سرِّهِ المبكّر‏

بينَ الغرقِ‏

وأنينِ الزوارقِ‏

وأكواخِ الدرسِ الأوّلِ‏

كم تعلَّمَ...‏

وهو يخرجُ من واحتِهِ‏

ويدخلُ إلى غابةٍ من العربات؟‏

كم حفظَ زهوراً،‏

وفراشاتٍ‏

في حقيبتِهِ الصغيرة؟‏

كم أهملَ مُدُناً وشوارعَ؟‏

لم يطرق باباً‏

رغمَ اكتظاظِ الليلِ،‏

كم خطوةٍ نسجَ ليظلَّ وحيداً؟‍!‏

ـ 1 ـ‏

صارت ملامحُهُ مألوفةً، وانتظمت زياراتُهُ لي، وأخذَ حديثُهُ يطولُ دونَ أن أجدَ مفتاحاً للغزِ صمتي أمامَهُ...‏

ليلةَ أمس جاءني على ظهر جواد، كأنه قد قطعَ مسافةً طويلةً ليصلَ بعدَ ستة أشهرٍ من آخر لقاءٍ بيننا...‏

تحدَّثَ لي عن بعضٍ من أعمالي اليوميةِ خلالَ هذهِ الفترة... وقدَّم لي نصائحه بلغةٍ مقتضبةٍ ذات رموزٍ تعلّمتُ أن أفكَّ شفراتها، وأحسستُ بعدَ غيابِهِ بأنّهُ قريبٌ منّي وهو في كلِّ مكانٍ أذهبُ إليهِ... يراقبني، ويرصدُ ما أقومُ بهِ من أفعال.‏

كيفَ لي أن أؤطِّرَ حياتي بطوقٍ من الرقابةِ الغريبة؟ كيفَ أتعاملُ مع سِرٍّ يتجسَّدُ لي بكاملِ الهيبةِ كلَّ ستةِ أشهرٍ؟‏

أراهُ... بلحيتِهِ البيضاء، وبشرتِهِ اللمّاعةِ وقوامِهِ الممشوق وعقالِهِ الأنيق وكوفيتِهِ المرقطة وعينيه الصارمتين وملابسِهِ التي تدلُّ على الوقارِ والهيبة...‏

أجمعُ لهُ عشراتِ الأسئلة، وحينَ يطلُّ أجدُني عاجزاً عن قولِ أيِّ حرفٍ...‏

وإذ تأخذُني الحيرةُ أعودُ لتأمُّلِ اليومِ الأوّلِ لتعرُّفي بهِ، في نهايةِ تلكَ الليلة الطويلة الأعسر في حياتي كُلِّها...‏

... مئاتُ الجثث على مدِّ البصر... وضجيجُ الزاحفين من الجنوبِ إلى الشمال، الطائراتً فوقنا... والقذائفُ المتنوّعة على الأرضَ الموحلةِ، بعضُها ميتٌ مكفهِر... امتزجت الدماء بالطينِ... بالأنّاتِ والحشرجاتِ ولهاثِ الناجين ـ حتى تلك اللحظةِ ـ من النار.‏

كنتُ متوجّهاً صوبَ الجنوبِ... إلى البصرةِ حيثُ سكن أهلي، بعدَ ليلةٍ من الصراعِ الغريبِ مع الموت، الذي رأيتُهُ مرّاتٍ على هيئةِ شخصٍ بشعٍ يضحكُ منّي وأنا أزوغُ عنهُ بأعجوبةٍ، والطريقُ بينَ القرنةِ والبصرةِ مزروعٌ بخطواتِ هذا الكائن الغريب ـ الموت ـ الذي يتجوَّلُ بزهوٍ وحريّةٍ لا يستطيع أحدٌ الحدَّ منها!...‏

عندَ الفجرِ... وقربَ آخرِ جسرٍ حيٍّ قبلَ البصرة، فاجأني رجلٌ وكأنهُ آتٍ لتوِّهِ من مجلسٍ رفيعِ المستوى... وكانَ الشيءُ المنتظمُ الوحيد في الفوضى التي تعمُّ الأشياءَ حولَنا قال لي:‏

ـ الله يساعدك ابني...‏

أجبتُهُ بالكاد:‏

ـ الله يساعدك عمّي!‏

ـ يبدو أنك قضيتَ ليلةً طويلةً من الإرهاقِ والمعاناةِ والجوع؟‏

ـ نعم واللهِ يا حاج!‏

ـ حرامٌ يا بنيَّ أن تقودَ نفسَكَ للموتِ على هذا الجسر‍.‏

وأشار بيدهِ إلى الجسرِ النائم قريباً مِنّا.‏

ماذا أفعلُ يا حاج؟ إنها القسمةُ!‏

ـ تعال إلى بيتي ذي البابِ الأزرق ذاك واسترح قليلاً ريثما تهدأ الأجواء.‏

ذهبنا معاً، لم أفكّر تلكَ اللحظةَ بأيِّ شيءٍ سوى الابتعادِ عن هذا الجوِّ الخانق والاسترخاء قليلاً، وربما الحصول على قطعةِ خبزٍ وقليلٍ من الماءِ العذبِ أسدُّ بهِ رمقَ الجوعِ والعطش الذين صارَ مداهما يومين داميين...‏

وصلنا البيت... دفعَ بيدِهِ الباب، واجهتنا صالةُ استقبالٍ مهملةٍ تراكمت فيها الأنقاض...‏

قال الرجل:‏

سنجلسُ في المطبخ، لأنَّه أكثر استعداداً لاستقبالنا!‏

ذهبنا إلى المطبخ المتواضع، أخرجَ الطبّاخ النفطي الصغير "الجولة" من بين حاجياتٍ قليلةٍ ركنها في إحدى الزوايا، أشعلَ (الجولة) ووضعَ المقلاةَ عليها مع قليلٍ من الزيتِ وقطّعَ رأسَي طماطم وبدأ بإعدادِ وجبةٍ من الطعام شعرتُ وأنا أتناولـهُ بعد أن قدَّم لي المقلاة بمحتوياتها مع رغيفِ خبزٍ بأنّهُ أثمن شيءٍ قُدِّمَ لي في حياتي، قال لي بممازحة:‏

ـ هذهِ الوجبةُ البسيطةُ هي حصتُكَ يا بني فلا تطمع بالمزيد... واطمئن فإنَّ لديك قدحاً من الشاي سأقدِّمُهُ إليكَ حالَ انتهائك من الأكل...‏

أجبتُهُ بجدّيةٍ:‏

هذا كثيرٌ يا حاج!‏

بعد أن أنهيتُ وجبتي الغالية، شكرته لكي أكملَ مشواري، فقالَ معترضاً:‏

ـ ابقَ معي حتّى الساعة الثامنة صباحاً، لأنني سمعتُ من المذياع بأنَّ الحربَ ستتوقفُ عند هذا الوقت... اخلع حذاءكَ يا بني واسترخِ قليلاً...‏

فعلتُ ما أرادَ... وشعرتُ بالحياةِ للمرّةِ الأولى حينَ أصغينا معاً لصوتِ تحطُّمِ الجسرِ القريب، إثر قصفِ الطائرات الوحشيّ المتواصلَ، الذي كنتُ سأهشَّمُ تحتهُ لولا تدخُلُ الرجلِ واصطحابه لي إلى بيتِهِ...‏

في الثامنة صباحاً قال لي بودٍّ أبويٍّ:‏

ـ اذهب الآن يا بنيَّ، فقد كُتِبت لك السلامة...‏

لم أستطع حينَها السيطرةَ على دموعي التي نزلت فجأةً، وحينَ هممتُ بالحديث معَهُ، وضعَ يدَهُ على فمي وقال:‏

ـ لا تَقُل شيئاً... إن جزائي عند الله تعالى...‏

مع السلامة...‏

خرجتُ من البيت، وأغلقَ عليهِ الباب، وقفتُ قريباً لأحفظَ ملامحَ المكانِ جيّداً...‏

وأكملت خطواتي بخفّةِ منتصرٍ صوبَ مدينتي لأنضمَّ إلى أهلي وأروي لهم ما حدثَ باستغرابٍ ودهشة.‏

ـ 2 ـ‏

قادتني حيرتي إلى الصمتِ وعدمِ إرهاق ذهني بأسئلةٍ متشظيّة،... وقرّرتُ تركَ الأمرِ بلا تعليقاتٍ لكي لا أذهبَ إلى تأويلاتٍ تقودني إلى مناطق محظورةٍ في العقل!‏

هي مُصادفةٌ على أيَّةِ حالٍ، ربّما توهّمتُ فيها تفاصيلَ لم تحدث لفرطِ إرهاقي ويأسي وأنا أغرقُ في ظلامِ تلكَ الليلة...‏

ربَّما نمتُ في لحظةٍ ما وجرى ما جرى في فسحةٍ من حلمٍ... أو وهمٍ ما... غفوتُ بعدَ سلسلةٍ من التساؤلات... و...‏

ـ هاأنذا يا بُنيَّ... أعلمُ أنّكَ سعيتَ لتراني، وتقدّمَ لي هديةً نجاتِكَ... أشكرُ سعيَكَ هذا، ولا حاجة لي بالهدية، كما أخبرتُكَ... ولا تتعب نفسَكَ في البحثِ عنّي... أنا الذي أزورُكَ!‏

واختفى... صحوتُ هلِعاً، يا لهُ من حلمٍ غريبٍ، إنهُ ثانيةً، وهاهي الدهشةُ قد أخرست لساني أمامَه...‏

تذكّرتُ إجازتي الأولى ـ بعدَ الحادثةَ ـ وذهابي إلى بيتِهِ الذي حدّدتُهُ جيّداً، البابُ الأزرقُ الصارخُ بوجهِ الشارع، والسياج الواطئ، وغرفة الاستقبال المهملة... والمطبخ... وأغلى وجبةِ طعامٍ...‏

رأيتُ البابَ الأزرقَ يئنُّ من العزلةِ وقد رُبطَ بقسوةٍ بسلسلةٍ حديديّةٍ صدئة، طرقتُ بابَ البيتِ المجاور، فأطلَّ عليَّ وجهٌ شاحبٌ لرجلٍ أهملَ كُلَّ شيءٍ في وجهِهِ إلا تعبيرات قلقهِ من طرقات القادم!... وقد بزغَ خلفَهُ وجهُ امرأةٍ تبدو وقد أنهت لتوِّها فصلاً من البكاء...‏

ألقيتُ عليهما التحيّة... فردّا عليَّ بارتباكٍ... وسألتهما عن جارِهما صاحب البيت ذي الباب الأزرق...‏

استغرب الرجلُ كلامي، وأدار وجهَهُ لامرأتِهِ ليقدِّما تعبيراً مشتركاً عن الدهشةِ...‏

أجابني بشرودٍ: هذا البيتُ متروكٌ منذُ أربعِ سنواتٍ، ولا يوجدُ شخصٌ بالمواصفات التي أشرتَ إليها!‏

أجبتُهُ بانفعالٍ: ولكنني دخلتُ معَهُ البيتَ، وجلسنا في المطبخ، و و و....‏

أجابني: لقد توهّمتَ يا بنيَّ! فاذهب من حيث أتيت ولا تتعب نفسَكَ بمثلِ هذهِ الأسئلة...‏

عُدت حقاً إلى إشاراتِ ذلك اليوم الذي أفضى إلى تلك الليلةِ التي أدّت إلى الرجلِ الغريب...‏

بدأَ الصباحُ باستغاثةٍ، أخرجت رؤوسَ أفرادِ وحدتنا من ملاجئها... سقطت قذيفة على أحدِ الملاجئ واستشهد السبعةُ الذين يقطنونَهُ...‏

ثمَّ هدأنا جميعاً نترقَّب ما سيأتي، زحفَ إليَّ "عصام" الجندي الخجول الذي يعملُ في "قلمِ" وحدتنا ويسكنُ معي في الملجأ، قال لي بشيءٍ من التوسُّلِ: أشعرُ بالحمّى والتعب، وجلبُ الماء هذا الصباح واجبٌ عليَّ... فأعنّي يا صديقي وتكفّل بالواجبِ عنّي... نهضتُ دونَ تردُّدٍ، وأخذتُ "الجلكانين" وغادرت الملجأ... وحدتُنا تقعُ في منطقة "الشافي" بين منطقتي "الدير" و"القرنة" في أرضٍ زراعيّةٍ رطبةٍ قريبةً من النهر، يحيطُ بنا "المعدان" الذين يمتلكون مئات الثيران والجواميس، تمشيتُ إلى النهرِ منتشياً بدفءِ الشمسِ، وهدوءِ المكان الذي أعقبَ نوبةً من القصفِ الوحشي...‏

وصلتُ النهرَ ووقفتُ على جذعِ نخلةٍ مقطوعٍ يمثّلُ دكّةً نستندُ عليها لإملاء الأواني من جرفِ النهر... وحين هممتُ بإملاءِ "الجلكان" الأوّل... هجمت طائراتُ العدوِّ ثانيةً، وصرتُ مكشوفاً فركضتُ إلى زورقٍ قريبٍ مقلوبِ على الشاطئ واختبأتُ تحتهُ، علّني أتخلَّصُ من جنونِ الطائرات التي عاودت الهجومَ على وحدتِنا وإمطارها بالقذائف...‏

وبعد أداءِ نوبةِ القصفِ هذهِ انسحبت الطائرات وهدأ المكانُ هدوءاً مرعباً..‏

عدتُ إلى النهرُ وملأت "الجلكانين" وإحساسٌ بالقلقِ يأكلني حولَ مصير رفاقي الذين تلقّوا مطرَ الطائرات...‏

عند عودتي المتردّدة خشيةَ مفاجأةٍ غير سارّةٍ توقّعتُها... وجدتُ ملجأَنا عبارةً عن ركامٍ أسودَ تجمَّعَ رفاقُنا حولَهُ للبحثِ عن أشلائنا...‏

نعم، أشلاؤنا، فقد درجوا اسمي ضمنَ الخسائرِ لأنّهم لم يجدوا ما يدلُّ على كلِّ واحدٍ مِنّا بين الركامِ سوى أسمائنا المدرجة في سجلِ الوحدة وأشلاء متداخلة وزّعوها بالتساوي على سبع بطّانياتٍ، صرنَ ستةً بعدَ أن شاهدوني قادماً من جهة النهر، حيثُ وزّعوا أشلاءَ البطّانية السابعة على الستِّ الأخريات وشطبوا اسمي من سجلِ الخسائر!‏

هذا السجلُ الذي ارتبطتُ معَهُ بعلاقةٍ غريبةٍ بدأت أيّامَ معاركِ الحرب العراقية ـ الإيرانية، حين عرفتُ ماذا تعني تسمياتُ الحربِ التي قرأتُ عنها الكثير...‏

عرفتُ حقيقة مفرداتٍ مثل الملاجئ... والأرض الحرام... والحجابات... والدوريات القتالية... والكمائن... والتعرّض... والهجوم... وكلّ المفردات التي كنتُ أتعاملُ معَها باسترخاءٍ وبرودٍ... صارت تؤدِّي إلى معانٍ أخرى... وصرتُ أتعاملُ معها بشكلٍ مباشرٍ...‏

تذكرت سعيداً و " بشاراً" رفيقي موضعي في القاطع الأوسط في خانقين يوم كنّا مدفونين في الحجابات بينَ أنفاس العدوِّ... حدثَ تعرُّضٌ مفاجئٌ على قوّاتنا استشهدَ أثناءَه "سعدٌ" و"بشّار" وبقيتُ مختبئاً في ملجئنا... قضيتُ يومين في بحرِ ظلامٍ دامسٍ، أتحسَّسُ وجودي بينَ جثّتين كانتا قبلَ قليلٍ لكائنينِ رائعين يضحكانِ معي ونتقاسمُ الجوعَ والعطشَ والانتظارَ... والترقُّب...‏

هاهما، عبارةٌ عن رائحتينِ لا يصفهُما وصفٌ في البشاعةِ... وهاأنذا قد أموتُ في أية لحظةٍ...‏

أنا بين الخسائرِ... لا أدري ماذا قيلَ عنّي في قطعاتنا الخلفيّةِ...‏

ولا أدري كيفَ زحفتُ بيأسٍ مُغامرٍ إلى فمِ الملجأ وأدركتُ الطريقَ النيسميَّ ذا اللونِ الفاتحِ بين دكنتيّ الألغام... لأصلَ زحفاً بأعجوبةٍ إلى قطعاتِنا وأفقد الوعي بينَ رفاقي المقاتلين الذينَ تلقّفوا جسدي بلهفةٍ واندهاش...‏

صحوتُ بعدَها لأجدني في وحدةِ الميدانِ الطبيّةِ غارقاً في لجّةِ دوارٍ عنيفةٍ..‏

ـ 3 ـ‏

لم أحصِ بالضبط الفترةَ التي غابَ فيها عنّي الرجلُ الغريب، حتّى أطلَّ مبتسماً باذخَ الحضورِ يتأمّلني صامتاً، وكعادتي لا أستطيعُ الحديثَ معَهُ...‏

أخبرني أنهُ يتابعني خلالَ هذهِ الشهور الستة التي مرّت، وإنُه ليسَ بعيداً عني، ويدركُ ما أعانيه وأنا أجوبُ الطرقات في ليلِ بغداد المتشظّي، ولا أجدُ استقراراً بعد انقضاء سنوات خدمتي في الجيش وتفصيلات المعارك وآثارها العميقة وإحباطات الحياة...‏

ودّعت ُ أهلي في البصرةِ ـ أبويَّ القلقين وأخوتي ـ متجهاً إلى بغداد بحثاً عن فرصةِ عملٍ مناسبةٍ، لم تتوفر لي بسهولةٍ، ولم أستطع العودةَ إليهم محبطاً، هذه العودة التي يتقنُها أبي حيثُ كانَ موزِّعاً متنقلاً في معمل "البيبسي كولا" في بغداد وقلبُهُ هائمٌ في رحيلِهِ الدائم إلى البصرةِ، إلى صباهُ وشبابِهِ، إلى سواقي الطفولةِ والعشب الطافي والصيد...‏

إلى صحوتي الأولى... وموتي الأول حين كنتُ تلميذاً في الصف الثاني الابتدائي في قرية "الخاص" الطافية على مياهِ الفُرات الهائجة التي ولدّت فيضاناً شعرنا بالفرحِ والألفةِ معه... وصارَ الصيدُ هوايةَ كُلِّ طفلٍ وامرأةٍ وشابٍ لأنَّ المياه تتسلّلُ إلى البيوت والصرائف المبنية بالقصب المدعّم بالبردي...‏

لنرتفع في ليالي الصيف على السوابيط(1) العالية الباردة ونتأمّل القمر الصاخب وثرثرة النجوم...‏

ونصحو على ندىً آسرٍ يضيءُ وجوهَنا بالصباحاتِ المبكّرةِ ذوات الروائح التي ظلّت خالدةً في الذاكرةِ ترسمُ لنا عبقاً خالصاً نعودُ إليهِ في كلِّ ضيقٍ حياتي...‏

كنّا نتنقّلُ بالزوارقِ الصغيرة...‏

وفي إحدى المرّات وأنا أقودُ بارتباكٍ طفوليّ زورقاً صغيراً ترافقني شقيقتي التي تكبرني بعامين، جلبَ انتباهي صوتٌ من ماءِ الساقية، فأخرجتُ جسمي الصغير من حافّة الزورقِ الجانبية متطلعاً بفضولٍ إلى الماء حتّى فقدتُ توازني وسقطتُ...‏

ولأنني لم أتعلّم السباحةَ بعد فقد نزلتُ إلى القاع محاولاً ـ عبثاً ـ التشبُّثَ بأيِّ شيءٍ حتى أنني كنتُ أمسكُ الماء بقبضتي الصغيرة التي يهربُ منها الماء فأعود إلى القاعِ ثانيةً...‏

شعرتُ بالاختناق وشاهدتُ مئات الأيدي الضخمةِ تلتفُّ حول عنقي وتمنعُ عنّي التنفُس...‏

فقدتُ وعيي الذي عادَ إليَّ وأنا ملقىً بينَ عشراتِ العيونِ الباكيةِ التي سرعانَ ما تحوَّل بكاؤها إلى زغاريد وهي تتطلّعُ بدهشةٍ إلى عينيَّ الحمراوين اللتين انفتحتا فجأةً...‏

أخبرتني شقيقتي فيما بعد أنّها صرخت بأعلى صوتها مستنجدةً بصرخاتٍ عديدةٍ، ولطمت على وجهها حين لاحظت سكوني باستسلامٍ في قاعِ الماء...‏

وسقطت هي أيضاً مُغمياً عليها... ولكن في جوفِ الزورقِ الساكن... ولا تدري ماذا حصلَ بعد ذلك؟‏

حتى فتحت عينيها على ضجيجِ الناسِ وتجمُّعهم حولي فيما كانت هي نائمةً في حضنِ عمتِنا وهي ترتعشُ من البردِ والخوف... والزورق الصغير الذي كانَ يحملُنا يقفُ بأسىً على جرفِ الساقيةِ...‏

من يومِها أصرَّ والدي على أنْ أتعلَّمَ السباحةَ وأنْ أكونَ سباحاً ماهراً، وهكذا علّمني كل أنواعِ العوم وفنونه...‏

لكي لا أغرقَ ثانيةً!‏

وهاأنذا في بحرِ الحياة، ما أن أنتهي من موجةٍ حتى تتلقّفني موجةً تالية... ثمَّة أعاصيرٌ... وبحّارةٌ لم يحدِّدوا هدفاً بعد؛ فيما تعدّدت الفنارات، وتوالت الجزر المتنوّعة بينَ صغيرة أو كبيرة.. لم يَعُد الغرقُ مهدداً لي، بل هذا الإبحار اليوميُّ في دوّامةٍ من القلقِ والسير ـ بالمصادفةِ ـ إلى هدفٍ ما سيكونُ واضحاً يوماً!.‏

أقولُ ذلك بعد هيجانِ الحيرةِ التي اكتنفتني، ذلكَ أنَّ خروجَ الفردِ من سياقٍ حياتيُّ في التجربة ـ وإن كانت التجربةُ قاسيةً ـ إلى سياقٍ حياتيٍّ آخر يختلفُ عنها، يجعلُ الفردَ مغموراً بالحيرةِ والقلق وقسوة الاختيار!‏

وحينَ سُلِّمتُ "كتاب تسريحي" من خدمةٍ عسكريّةٍ امتدّت لأكثر من ثماني سنواتٍ من الصبرِ والمعاناة والبطولةِ أيضاً... جمعتُ حاجياتي العزيزة، وودّعتُ الأصدقاءَ فَرِحاً، وانطلقتُ بسرعةٍ إلى فضاءِ المدينةِ متحسِّساً كلَّ لحظةٍ ملابسي المدنيّة التي لم أكن مُصدِّقاً بأنني أرتديها بعدَ هذهِ السنوات الشائكة التي أدمن فيها جسدي الملابس "الخاكي"...‏

في الأيّامِ الأولى من حياتي المدنيّةِ، حاولتُ أن أُشبِعَ الرغباتِ التي ظللتُ جائعاً إليها كلَّ مُدّةِ مكوثي في الجيش...‏

والرغباتُ التي قصدتُها ساذجةٌ بالتأكيد، لأنّها لا تزيدُ عن النومِ لساعاتٍ متأخّرةٍ بعدَ الصباح، والاستيقاظ المدلّل، وتناول الفطور اللذيذ المعدّ خصيصاً من قبل الأمّ الحنون، وعدم حلاقة الذقن، وإطالة شعر الرأس، وارتداء الملابس النظيفة المكويّة جيّداً ثمَّ الذهاب إلى "العشّار" لمشاهدة الكتب والإصدارات الجديدة في المكتبات، وعروض الأفلام في دور السينما، والتلصّص الخجول على الفتيات الجميلات، ثمَّ العودة إلى المنزل وتناول طعام الغداء وبعدَهُ الاسترخاء والمطالعة الممتعة فالنوم لمدّة ساعتين أو ثلاث والعودة ثانيةً إلى "العشّار" للقاءِ بعض الأصدقاء...‏

استمرت معي الحياةُ هكذا لبضعةِ أيّامٍ، أحسستُ بعدَها بتهديدِ الإفلاس لي، لأنَّ ما ادّخرتُهُ من الراتبِ الأخير في الجيش بدأ يتآكل...‏

وبدأتُ أنسجُ خيوط معاناةٍ أخرى... أين أعملُ؟...‏

هل أعملُ في مجال دراستي (التكنولوجية) التي لم أعد أتذكّرُ منها إلا بعض أسماء المدرسين وبعض الحكايا والطرائف والوجوه التي دَرَسَت معي؟‏

هل أعمل في مجالِ الصحافةِ والكتابةِ الأدبية التي أستطيعُ من خلالها أن أقدِّمَ عطاءً طيّباً؟...‏

ولكن أينَ الضمانات الماديّة الميسورة، في عملٍ صحفيٍّ غضُّ ما زالَ يتلمَّسُ بداياتِ طريقٍ طويلٍ جداً ومتشابك السبل؟‏

وهكذا جمعتُ حاجياتٍ بسيطةً في حقيبتي الجلدية الذابلة، وودّعتُ الأهلَ قائلاً بلا تردُّد:‏

ـ سأعملُ في بغداد...‏

في إحدى الليالي الممطرةِ وفي أحد المواضعِ القتاليةِ في الجبهة، تسابقنا في الجُهدِ لإنجازِ عملٍ جماعيٍّ يجبُ أن ننجزَهُ!... ذلكَ لأنَّ سيولَ المطرِ غطّت شقَّ الساتر وأصبحت ملاجئنا عبارةً عن بركٍ مائيةٍ تطفو عليها حاجياتُنا، لذلكَ نهضنا جميعاً... وبدونِ أمرٍ عسكريُّ، لإفراغِ الملاجئ من المياه التي ستمنعُ حتماً ديمومةَ حياتنا بشكلٍ طبيعيّ، لم نشعر بالإنهاكِ حينها، رغمَ الجهدِ الجبّار الذي بذلناهُ، حيثُ تركنا رفاقنا المكلّفينَ بالواجبات في "مزاغلهم" المطلّةِ على الأرضِ الحرام، وانغمسنا جميعاً في الطين، لإفراغ الخندق من الماء، ونجحنا في ذلك بعدَ حومةِ عملٍ مجنونةٍ...‍‏

هذهِ الحكايةُ، رويتُها لصديقي القاص "محمد كامل" فكتبها بإطار قصّةٍ قصيرةٍ فاز فيها بإحدى الجوائز التقديريّة في إحدى المسابقات الوطنية الخاصّة بقصةِ المعركة.‏

زوّلتُ رقم هاتف "محمد كامل" وجاءني صوتُهُ مبتهجاً على الطرف الآخر:‏

ـ هاه... أخيراً حسمتَ أمرَكَ وجئت!‏

ـ لقد احترتُ واللهِ يا محمد!‏

ـ حسناً تعالَ إليَّ فوراً، وسنتحدَّثُ بهدوءٍ في البيتِ عن فرصةِ عملٍ سانحةٍ لك، فكّرتُ بها مليّاً...‏

وذهبتُ إليهِ بأقصى ما استطعتُ، حيث انتظار أوّلِ حافلةٍ والتدافع بالمناكب لصعودها، لتنطلقَ بنا إلى "الكاظمية" حيثُ بيت صديقي "محمد كامل"...‏

رحّبَ بي محتفلاً، وجلسنا نسترجعُ أيّامَ الدراسةِ والأصدقاء، ومغامراته التي انتهت كما زعمَ بزواجِهِ من زميلتنا في الدراسةِ "ماجدة" التي صارت الآن أمّاً لثلاثةِ أبناءٍ قابلين للزيادةِ!‏

... هكذا قال بتباهٍ... ثمَّ أردف:‏

ـ أمَّا أنت فسوف تتزوجُ ضُرّتين في آنٍ واحدٍ هما "كرة القدم" و"الشعر" لأنني لا أرى حماساً لك إلا في هذين المجالين!.‏

ـ ماذا أفعلُ يا صديقي وأنا حتى الآن لم أستقر في عملٍ يضمنُ لي وضعاً مادياً معقولاً؟‏

ـ في غضون أيّامٍ ستكونُ لك وظيفة مناسبة.‏

وبقيتُ معه أياماً استطاعَ فيها أن يجدَ لي مكاناً شاغراً في "قسم التصحيح" في إحدى الصحف المحليّة...‏

وبدأت لقاءاتي معَهُ تتناقصُ حتى انقطعنا عن بعضٍ، هو في حياتِهِ الصاخبة التي أدّت إلى زواجِهِ بامرأةٍ أخرى، وأنا بينَ أمواجِ حياةٍ تنقِّلُها الريحُ من اتجاهٍ إلى آخر...‏

وبعدَ خمسة أشهرٍ من العملِ، طُلبت مواليدُنا للالتحاقِ بالخدمة العسكريّة والمشاركة في الحرب!‏

- 4 -‏

أسبابٌ كثيرةٌ تجعلني لا أبوحُ بسرِّ لقاءاتي بالرجلِ الغريب، وأوّلُ هذهِ الأسباب هو عدمُ واقعيّةِ هذهِ اللقاءات، وربما من بين الأسباب أيضاً صعوبة تصديق هذهِ العلاقةِ الغريبة التي أستطيعُ تسميتها الروحية... بيني وبينَهُ...‏

لذلكَ ظلَّ الأمرُ سِرّاً، وظللتُ مشغولاً بكلِّ حواسي بغرابةِ هذهِ العلاقة وثبات موعدِ إطلالةِ الغريبِ عليَّ...‏

ولا أخفي بأنني أشعرُ بهِ حاضراً في كُلِّ الأماكنِ التي أرتادُها... ولا يأتي هذا الشعورُ محدّداً بأماكنَ أو أوقاتٍ أو حالاتٍ دونَ غيرها... كما أنني لا أرى دلائلَ ماديةً على ذلك الحضور بل هناك إحساسٌ داخليٌّ لا أستطيع توصيفَهُ هو الذي يهيمنُ عليَّ فأشعرُ بقربِهِ منّي وأحياناً أسمعُ صوتَهُ في رأسي يصوِّبُ لي سلوكاً أو يرشدني إلى طريق، أو يذكِّرني بشيءٍ ما!...‏

وصرتُ أختلي مع نفسي كثيراً طمعاً في تحقيقِ لقاءٍ ما، أو الوصول إلى أيِّ تصوُّرٍ خاصٍ يدعمُ قلقي وقناعتي بهذا الوجود الغريب وأصبحتُ على يقينٍ تامٍّ بأنّهُ يحومُ حولي بشكلٍ أو بآخر، رغمَ قناعتي الأكيدة بعدم حدوث مثل هذهِ التصوّرات إلا في الحلم أو في رؤيا الخيال المحض...‏

وبدأتُ أعدُّ الأيّامَ والشهور، وأخلدُ للصمتِ والتأمُل‏

الذي يأخذني إلى أجواءٍ أُخرى أيّامَ ميدانِ حيويّتي وتفتُّحِ آفاقي وطراوتِها وبراءة خياراتها.. أثناء الوقوف أمامَ الأنثى بكلِّ تقديسٍ وهي الحبيبةُ الجميلةُ التي لا أطمعُ من لقائها سوى بابتسامةٍ حالمةٍ تأخذُني من يدي لأطيرَ في الفضاء..‏

أيّام الدراسةِ والأحلام والجوّ الجامعي الغارق بطقوسِ الانتظار ومؤازرةِ فروضِ الحربِ والتهيّؤ الدائم للمشاركة في جولاتها.. أيّام دخول قاعات الدرس بالملابس العسكرية.. وكتابة القصائد التعبويّة الخاصّة والإلقاء الحماسيّ لها على المنبر..‏

أيّام الأصدقاء الذين تجمعُهُم فنارٌ مسائيٌّ واحدٌ وأفكارٌ متشابهة وعوزُ يتعاضد وأحلامٌ تتواثبُ وخطواتٌ محمومةٌ في طريق الطموح..‏

أيّام الشكوى من نقصٍ في المحاضرات والشكوى من التهديد بالفصلِ دائماً..‏

لأننا لا نحبُّ صرامةَ الدروسِ ونميلُ إلى تبادلِ الكتب الأدبيّةِ الجديدة، لنا مريدونا، وهم يقلّدونَ خطواتِنا بالتفصيل!..‏

نحن جماعة الأدب والفنِّ المنفلتين من الأُطرِ المرسومةِ لنا، لذلكَ رسبنا في صفوفنا أكثر من سنةٍ...‏

لا يهمُّ‏

المهمُ أنّنا أنجزنا نصوصاً في الأدبِ وفي الحياةِ..‏

فيما تزوَّجُ زميلُنا "خالد" إحدى مدرساتنا.. وهو الأغنى بينَ الجميع هو صديقُنا الذي يغدق علينا ويكملُ نواقصَ سهراتِنا ورحلاتنا ومشاريع جنونِنا الهادئ!‏

البعضُ من زملائنا التحقَ بالجيشِ ـ بعدَ تخرُّجِهِ ـ وبعضُهم ـ قبلَ تخرّجِه ـ وكلاهما ذهب إلى مراكزِ التدريب ومن ثمَّ إلى جبهاتِ القتال..‏

نراهم في إجازتِهم فخورينَ بيننا بلباسهم العسكريّ الرسميّ وربتهم الشابّةِ المعبّرة عن أمنياتهم!‏

ونتباهى أمامَهم بمشاركتنا ضمنَ قواطع الجيش الشعبي في القاطعِ الشماليّ ونبرزُ لهم صورَنا العسكريّةَ في الجبهات..‏

لا فرقَ بيننا أيُّها الأصدقاءُ‏

وهانحنُ في الشهورِ الأخيرةِ من أيّامِ دراستنا والحربُ لا تنتهي.. وننهي الدراسةَ..‏

لنبدأَ خطواتِنا في عالمٍ مختلفٍ تماماً، عالمٍ طوينا فيهِ الأحلامَ الشفّافةَ والندى الصباحيّ وزقزقات الحُبِّ بينَ أغصانِ الفرحِ المحمولِ على كفٍّ من الشعور بالانفلاتِ عن الأُطرِ التقليديّةِ..‏

بدأنا نسيرُ إلى حياةٍ مهدّدةٍ..‏

إلى سحبِ الشمسِ من خُصلاتِها كي ترى أجسادَنا الترابيّة وهي تُصغي لإيعازاتٍ مدويّةٍ‏

... استعدْ..‏

استرحْ..‏

إلى الأمام.. سِرْ!‏

تنكّبْ سلاحْ..‏

هرولْ!‏

درسُنا اليوم بعنوان "الصولَهْ"‏

و... نُنهي دورةَ التدريب.. ونتسَلَّمُ كتبَ التنسيبِ إلى الوحداتِ التي تقعُ في جبهاتٍ لا نعرفُ عنها سوى أسمائها والمشاركة المدلّلةِ مع القاطع الطلابي التابع للجيشِ الشعبي في شمالِ الوطن..‏

حملني كتابي إلى القاطع الأوسط.. إلى "خانقين" ـ منطقة نفط خانة ـ وبدأتُ في أوّل نقطةِ انطلاقٍ في جوفِ القاطع الذي يبدأُ من مقرِّهِ في المدينةِ الصارخةِ ويمتدُّ حتى كبدِ الأرضِ الحرامِ الصامتةِ أبداً..‏

هُمَّش الكتابُ.. لآخذَ متاعي وأصعد "الإيفا" وأرتمي في جوفِها الخلفيّ مع عددٍ من المقاتلين.. الذين تساءلوا عن وجودي بينهم.. في أيِّ فوجٍ أنتَ؟.. ومن أينَ أتيتَ؟‏

أجبتهُم على كلِّ أسئلتهم، وقلتُ لهم إنني تخرّجتُ حديثاً في الدراسةِ وهاأنذا ألتحقُ بالجبهة بعد أنْ أنهيتُ الدورةَ التدريبيّة في مركز تدريب مشاة البصرة في الناصرية!..‏

وسرعانَ ما نامَ الجميعُ رغمَ الاهتزازات العنيفة في السيارة وأكداس التراب الذي غطّى وجوهنا وأحسست بلزوجتِهِ ومرارتِهِ وباليأسِ الغريب الذي غلّفَ مشاعري.. الليلُ يتسرَّبُ تدريجيّاً إلى بطنِ سيارة "الإيفا" التي تقلّنا، سوادٌ ثقيلٌ.. وصمتٌ عنيفٌ يشيرُ إلى طبيعةِ ما سيحدثُ.. ولا أجدَ مَنْ أسألُهُ عن المنطقةِ التي مازلنا نتوغَّلُ في سوادها وعن المسافة المتبقيّة لكي نبلغَ المكانَ الذي نقصدُهُ..‏

هانحن نسيرُ أكثرَ من أربعِ ساعاتٍ ولا يوجدُ ما يشيرُ إلى نقطةٍ ما سنصلُها..‏

إنهُ مجهولٌ غريبٌ لا امتلكُ إزاءَ إحساسي بهِ سوى الانتظار والصبر والترّقب..‏

لقد سحبني صمتُ هذه الليلةِ إلى تفاصيل حياتي كُلِّها.. إلى أيّام ممارستي الرياضة الباذخة في الانفتاح والفرح.. إلى العلاقات الصاخبة المجنونة.. البيضاء! والعلاقات الهادئة السريّة... إلى مرضِ أبي المزمن.. وقلق أمي الدائم.. وتضارب شؤون أخوتي في اهتماماتهم..‏

تذكّرتُ أصدقائي واحداً.. واحداً.. وطالما تبسّمتُ مع نفسي وأنا أستعيدُ بعضَ المواقفِ والحالات الطريفة.. مرّتْ بذاكرتي الأنثى الأولى في حياتي فتنهدّتُ وأنا أجري خلفَ أنغامِها.. وأسحبُ بساطَ الخجلِ والتردّدِ الذي جلستُ عليهِ مدّةً طويلةً.. والبيتين الشعريين اللذين اندلقا من فمي وقلبي وحيرتي مرّةً واحدةً ليردّدَها جميعُ الأصدقاء بإعجابٍ..‏

تمرَّغتْ لغتي بالصمتِ وانتحرتْ * * * على الشفاهِ هتافاتُ الفمِ الثملِ‏

مرّوعـاتٍ أناشـيدي صُلِبْنَ بها * * * وضاعَ عزميَ بينَ الخوفِ والخجلِ‏

كنتُ.. حينَ أختارُ موعداً دقيقاً لملاقاتِها وهي خارجةً من دوامها المدرسيّ، وكأنَّ الأمرَ مصادفةً محضةً، أكتفي بالتحيّةِ المرتكبةِ التي لا توحي بشيءٍ خاصٍّ، وأستلُّ ابتسامةً منها تقودُني إلى يومٍ مليء بالمرحِ والغناءِ والسعادة السريّةِ والأمل الواسع رغمَ أنفِ الحياةِ الفقيرة..‏

ياه.. كم مرَّ على تلك الأيّام البريئة؟‏

وكم ولّدتْ لدي من الأحاسيس الجيّاشةِ لتظهرَ أغنياتٍ وقصائدَ..‏

ويومَ بدأت الحرب وجدتُ صعوبةً في الوصولِ إلى مدرستي بسبب شدّةِ القصف وعشوائيته..‏

وتطوّعتُ مع زملائي في فرق الدفاعِ المدني.. شعرتُ مباشرةً بالرجولةِ الحقّة وحجم المسؤولية التي يجبُ أنْ أتحلّى بتحمُّلها..‏

مرّتْ بي مواقفُ كثيرةً.. أكّدتْ لي بأنني بلغتُ مرحلةَ الإحساس الأعلى والأعمق بالانتماء الحقيقيّ للوطن، وضرورة آخذ دوري الكامل في حمايتِهِ والدفاعُ عنهُ، لذلك أصررنا ـ أنا وزملائي ـ على الدوام المدرسيّ بالملابس العسكريّة والاستعداد الحقيقيّ لمواجهةِ أيِّ موقفٍ محتملٍ..‏

حتّى أبعدَ جيشُنا قوّاتِ العدوِّ عن حدودنا وأصبحَ القصف ُبعيداً إلى حدٍّ ما عن مدينتنا..‏

تعلّمتُ مفرداتٍ جديدةً تُعنى بلغةِ الحرب، وتألّمتُ لفقدان أصدقاء استشهدوا في جبهاتِ القتال.. كتبتُ عنهم أصدق الكلمات والقصائد الشعريّة..‏

فيما مضيتُ في رحلتي الدراسية لأنهي الإعداديةَ وأرحل إلى مدينةٍ أُخرى لإتمامِ دراستي الجامعيةِ فيها..‏

الطريقُ مازالَ طويلاً، أو هكذا أحسستُ.. وليتَهُ يطولُ أكثر لأبقى راحلاً مستمتعاً بصورة الماضي ونبضَهِ الذي مازالَ حيّاً..‏

الليلُ يزدادُ صرامةً ويصرخُ الصمتُ فيهِ مستغيثاً ومصغياً إلى دويِّ "الإيفا" وشخير الرجالِ النائمين المتلاشي في جوفها.. والتراب البارد.. المحتفل بنا في الطريقِ الذي بدأَ يتعرّجُ في الصعودِ والنزولِ الواضحين بحدّتهما، تاركاً لي فُرصةَ استنتاجٍ جغرافيٍّ آخر يقودُني إلى حدسِ المكان في هذه الرحلةِ الطويلة.‏

(1) السوابيط: جمع سوباط، وهو سقفٌ من القصب والبردي يكون محمولاً على مساند (أربع) من جذوع النخيل.‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244