|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:59 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ 5 ـ ازددتُ إصراراً للحديثِ مَعهُ، وهيّأتُ أسئلةً كثيرةً لطرحِها عليهِ، ربما سيكونُ أوّل هذهِ الأسئلة تقليديّاً ولكنّهُ مهمٌ بالنسبةِ لي وهو اسمُهُ ثم أين يسكنُ ومن أينَ جاء وهل هو من صُلبِ الواقعِ أم من أجنحةِ الخيال.. الخ؟.. من الأسئلةِ ذات الطابع الاستدلاليّ على ماهيّةِ الكيانِ الذي شغلني كُلَّ هذهِ المدّة.. وهاهو يطلُّ ثانيةً، نظراتُهُ القويّةُ الثابتُهُ المصوَّبةُ نحوي أخرستْ لساني مرّةً أُخرى! أخبرني عن قلقِ أبي وأميّ عليَّ، وهم لا يعرفون الآنَ عن مصيري شيئاً.. صحوتُ قلقاً بسببِ قلق عائلتي عليّ.. وشعرتُ بدوارٍ وألمٍ شديدٍ في رأسي.. كيفَ سأذهبُ إليهم، وأنا لا أملكُ شروى نقيرٍ.؟! نعم.. وجدتُ فرصةَ عملٍ ولكنّها تكفي لسدِّ قوتي اليوميِّ المتواضعِ حسب.. وأنا أعلمُ فقرَ حالهم، وأعلمُ أيضاً أنّهم يبيعونَ حفناتٍ من كتبي العزيزةِ لكي يسدّوا رمقَهُمْ.. وقد تعوّدوا غيابي أيّامَ المعارك وانقطاع الإجازات. لقد اشتقتُ إليهم الآن! أدركني أيُّها الغريبُ.. القريبُ، فأنا أتحرَّقُ شوقاً لزيارةِ مدينتي وأهلي ولا أستطيعُ الذهاب المنهك إلى هناك.. أدركني ودلّني على وسيلةٍ أحصل فيها على ما يحقّقُ لي هذهِ الرغبةَ العصيّة التي تبدو ساذجةً في ظاهرها.. أخذتني الحيرةُ إلى المقهى القريبِ من الفندقِ البائس الذي أعيشُ فيه.. وجدتُ صديقين أحدُهما قاصٌّ ساخرٌ نشرَ عدداً من قصصهِ القصيرةِ في إحدى صحفنا المحليّةِ ونالتْ إعجاباً من القُرّاءِ وبعض النقّاد لما تتميّزُ بهِ هذهِ القصصُ من موضوعاتٍ يوميّةٍ مألوفةٍ ولغةٍ بسيطةٍ سلسلةٍ وأسلوبٍ يميلُ إلى السخريةِ.. والآخرُ رسَّامٌ جيّدٌ باعَ في الأيّامِ الأخيرةِ عدداً من لوحاتِهِ على أحدِ الوفودِ التي تزورُ البلاد وحقّقَ منها ربحاً أذهلنا جميعاً. كانا مشغولين بلعبة (الطاولي).. وقد ردّا على تحيتي لهما باستعجالٍ كي يستمرّوا في هيامهم الغريب بالأرقامِ والأقراصِ وشدِّ الأعصاب المرتبط بلعبتهما تلك... تركتُّهما في انغمارِهما.. وعدتًُ إلى الفندقِ، جمعتُ ما بحوزتي من كتبٍ وذهبتُ إلى إحدى المكتبات وبعتُها بأبخسِ ثمنٍ.. أخذتُهُ وانسللتُ إلى مدينتي.. تلك الأمّ الحزينة التي تترقّب ابنَها الوحيد وقد جملّت الشظايا وجهَها بالنمش والخطوط واللاّفتات السود التي طالما تجنبتُ قراءتها لئلاّ تصطدم عينايَ باسمٍ أعرفُهُ، وأنا أعلمُ بأنَّ الحرب قَدْ شاركَ فيها جميعُ أترابي وضمّتْ بسنينها الثماني أجيالاً متعدّدةً زحف بعضُها للمشاركة في (حرب الخليج) التي جابَهَ فيها العراقُ أكثرَ من ثلاثين دولةً.. في معارك (حرب العراق وإيران)، العدوُّ واضحٌ نعرفُ مداخلَهُ ومخارجَهُ وموقعَ مواضِعِهِ وبالتجربةِ عرفنا عن أفرادِ العدوِّ كلَّ خصائصهم ومواصفاتهم.. وربّما الساعاتُ الأولى بعد وصول (الإيفا) إلى فوَّهةِ الساترِ الأمامي ونزولنا جميعاً منها في ليلةٍ لا يُصَّدقُ طولهُا، أقولُ ربّما الساعاتِ الأولى كانت مغلّفةً بالحيرةِ إذْ تفرَّق المقاتلون الذينَ رافقتُهم في جوفِ (الإيفا) إلى مواضعهم وملاجئهم عبرَ طريقٍ ضيّقٍ يتطلَّبُ منهم تحمُّلَ السير الطويل الحذر على أقدامهم.. اصطحبني ظلٌّ كثيفٌ لرجلٍ ألقى عليَّ التحيّةَ بودٍّ إلى ملجئهِ القريب.. وجلسنا في زاويةٍ منهُ مع رجلينِ آخرين، عرفتُ فيما بعد أنَّ هذا الملجأ يخصُّ (عرفاء الوحدة).. وجهّوا لي أسئلةً سريعةً، وهيّأوا لي وجبةَ طعامٍ تتلاءمُ مع العزلةِ التي تكتنفُهُم.. وقالوا لي نَمْ هذهِ الليلةَ وفي الصباحِ لدينا الوقت الكافي للحديثِ عن الجبهةِ وعن المكان الذي ستنسَّبُ إليهِ.. فرشتُ (يطغي) ونمتُ بعمقٍ في تلكَ الليلةِ بسببِ التعبِ والحيرة والانتظار.. وقد صحوتُ على صوتِ حركةِ أوراقٍ بيد (رأس عرفاء الوحدة) الذي وجَّهَ إليَّ تحيّةَ الصباح وأخبرني بأنَّ الشاي مازالَ حارّاً وأنَّ (الصمّون) في الجانب الآخر من الملجأ كما أنَّ هناكَ بيضاً مسلوقاً بالقرب من الشاي.. هيّا تناولْ فطورَك لنتحدّثَ في الأهم! تضمَّنَ الحديثُ البسيطُ والمهمُ أيضاً تعريفاً بالجبهةِ التي سأكونُ ضمنَ قوّتها، ووصايا حولَ التعامُلِ مع ظروفِها المختلفة.. بعدَها أعطاني أمرَ تنسيبي إلى أحدِ فصائل الحجابات المتقدّمة!. والحجابات.. تقعُ في لسانِ أو جبهةِ الأرض الحرام... قضيتُ نهاراً ثقيلاً لآخُذَ أمتعتي في الليلِ وأتوجَّهُ حيثُ أمروني بعدَ أن رافقني أحدُ مقاتلي الحجابات إلى مكاننا الجديد.. تعرَّفتُ هناك على عددٍ من الرفاقِ الذينَ خبروا المعارك وتعلّموا أسرارَ الحفاظَ على حيواتهم ومكانهم من فرصِ تلصُّص العدوّ وتعرُّضاتِهِ.. وتبادلوا الوجباتِ التي ينظّمُهُا بينهم يوميّاً عريفٌ شابٌّ نحيفٌ يحملُ شهادةَ البكالوريوس بالتأريخ القديم.. وقد قضى في الجيشِ حتّى الآن اكثرّ من أربعِ سنواتٍ تنقَّلَ فيها بين الجبهات.. رحبّوا بي، ودُرِجَ اسمي ضمنَ الواجباتِ في توقيتٍ آمنٍ من غيرِ المتوقّعِ أن تحصلَ فيه مفاجأةً من مفاجآت الحرب.. المزعجُ في مكانِنا هذا كثرةُ أوقاتِ الفراغِ التي لا تضيعُ بسهولةٍ، لاسيّما وأنَّ الحركةَ عندنا محدودةً بأمتارٍ واطئةٍ قليلةٍ، كلُّ شيءٍ فيها يميلُ إلى اللونِ الترابي (والخاكي) ولا وجود للألوانِ الأُخرى إلاّ في أجسادِ بعضِ الزواحفِ الصغيرةِ والحشراتِ المزعجةِ التي نراها دائماً بيننا.. فكّرتُ بصخبِ المدنِ وأضوائها والاحتفال الإنسانيّ في رحابِها.. وتذكّرتُ النساءَ والأصدقاءَ وضجيجِ العالمِ الذي لا يمكنُ لهُ أبداً أنْ يعيَ طبيعةَ هذهِ العزلةِ القاتلة.. ولأنني لم أتوقّعْ مثلَ هذا الفراغ، فقد تجنّبتُ حملَ الكتبِ معي وأنا أحملُ كتابَ نقلي إلى الجبهة ولكن بعد الإجازة الأولى صارت الكتبُ ملاذي الأكبرَ وأنهيتُ أمّهاتِها بعدَ الالتحاقِ من كلِّ إجازةٍ، عندها لم يَعُد الفراغُ قاسياً ولم يَعُد الانتظارُ إلاَّ شروعاً جديداً في عوالمِ كتابٍ جديدٍ مستلٍّ من الحقيبةِ الثقيلةِ التي أصطحبُها معي في كلِّ إجازةٍ لأعودَ بحزمةٍ جديدة.. تعوَّدَ رفاقي المقاتلون إدماني القراءةَ.. وبمرور الأيّامِ صاروا يستعيرونَ منّي بعضاً منها للقراءةِ حتّى تََسرُّبِ الليل إلينا ليحملَ لنا صورَ الترقُّبِ والحراسةِ وأداء الواجب في النقاط والأوقاتِ المحدّدةِ لكلِّ جماعةٍ مِنّا. ـ 6 ـ صرتُ أعرفُ تأريخَ اليوم الذي نلتقي به! أحياناً يتقدّم عن حدسي له يوماً أو يومين، وأحياناً أُخرى يتأخّرُ يوماً أو يومين. لذلك أصبحتُ أعدُّ نفسي لهذا اللقاء في الأسبوعِ الذي أتوقَّعُ فيهِ إطلالتَهُ.. لم تَعُدِ الأسئلةُ تشغلني كثيراً، ولم يَعُدِ الحوارُ هو ما أطلبُهُ من هذا اللقاء، بل كنتُ متلهفاً للإثارةِ التي صارتْ ترافقُ هذا اللقاء الغريب الذي أُصغي فيهِ بخشوعٍ لحسابِ خطواتي وأفعالي المرصودة، وللوصايا والتنبيه والانشغال بأغربِ وأنقى علاقةٍ بين اثنينِ عبرَ الذهنِ أو الحلمِ أو أيِّ تصوُّرٍ نفسيّ أو غير نفسيٍّ آخر ربّما يكونُ صحيحاً أو يكونُ خاطئاً.. ليس هذا المهم الآن، فهاهي السنواتُ تمضي، وهاهو مستمرٌّ بمرافقتي منذُ تلك الليلة المدهشة يومَ التقاني وأنا مقمَّطٌ بالموت.. المهمُّ الآن أن يأتي، أنْ يطلعني على ذاتي بكلِّ صراحةٍ وأنْ أرى فيهِ ذروةَ أعماقي وجذوة روحي وإطلالتي على صورةِ الحقيقةِ وإن كانتْ من خلالِ التباسٍ صوريٍّ أو ذهنيٍّ.. أو.. لا أدري! في المرّةِ الأخيرةِ أطالَ المكوثَ معي، وأطلتُ التحديقَ فيه، بدا صامتاً أكثرَ ممّا اعتدتُ عليهِ، ثمَّ أخرجَ ورقةً صفراء من جيبهِ، بدتْ عليها كلمات سرعانَ ما نسيتُها إلاَّ أنّها كانت تحملُ اسمَ أُمّي وصورةً غائمةً لها، عرفتُ أنّها تعاني من أمرٍ ما.. استناداً إلى الرسالةِ التي قدّمَها لي في إحدى زياراتهِ لي والتي حملتْ إشعاراً ناغزاً لمصير والدي حيثُ أخرجَ لي من جيبِهِ منديلاً أسودَ كُتبَ عليهِ اسمُ والدي متقطّع الحروف... كانّ ذلك بعدَ اللقاءِ الخامسِ من تعارُفنا.. أمّا الآن فها هو يقدِّمُ لي ورقةً صفراء، وهاأنذا أنهضُ فزعاً من نومي وأغرقُ في نوبةِ بكاءٍ مع إحساسٍ صارخٍ بالذنبِ والندمِ الذي لا أعرفُ سبباً محدّداً لهُ.. في ظهيرةِ نفسِ اليوم، اتَّصلَ بي أخي الأصغر يعلُمني بمرضَ والدتي وحاجتها الماسّة لوقوفي إلى جانبها في محنتها هذهِ.. وهي التي وضعتْ صوري المتنوّعةَ أمامَها لتراني عبرّها وتحدّثني وتعاتبني على غيابي الدائم وعدم تواصُلي معهم... هرعتُ إلى بعضِ المعارفِ الموسرين، يا لصعوبةِ معاناتي، أعينوني!... وحصلتُ على معونةٍ ماليّةٍ تكفيني للإسراعِ إليها.. تذكّرتُ غيابي ثلاثةَ شهورٍ عنها بسببِ توقّفِ الإجازات في الجبهة رافقتْها حركةً إلى قاطعٍ آخر.. وأقولُ هنا تذكَرتُ غيابي عنها (تحديداً) لأنني أنطلقُ من بديهيّةٍ تمثّلُ معادلةً طالما ردّدناها هي "إن الحرب تجري على قلوبِ الأمّهات"... حين حصلتُ على كنز إجازةٍ بعد ثلاثة أشهرٍ معقّدةٍ، بذلتُ قصارى جهدي لأصلَ إليها، وحينَ سمعتْ طرقاتِ يدي المستعجلة على الباب، استجمعتْ كُلَّ قوّةِ صبرِها وانتظارها وركضتْ إليَّ لتضمّني بذراعيها المجهدين إلى صدرها وأخذتْ تشمُّني بقوّةٍ وتبكي بكاءً مزدوجاً في تعبيرِهِ الأصدق بين الفرحِ والحزن... ياه.. يا لحبَّ الأمّهات تُرى هل هناك حبٌّ يُضاهي حبَّ أمٍّ لولدها الغائب؟! في الجبهةِ كنتُ أكتبُ عن الأُمِّ وإليها.. أنتهزُ فرصةَ الاسترخاءِ لأدوِّنَ مذكّراتٍ ساخنةً وجدتُ البوابةَ الفنيةَ الملائمة لإطلاقِها هي أنْ تكونَ على شكلِ رسائلَ موجّهةٍ إلى أُمّي.. وقد شعرتُ بالحزنِ الشديدِ والألمِ الصادقِ حينَ فقدتُ مسوّداتِ هذهِ المذكرات في حومةِ التنقُّلِ بين الجبهات وفقدان أو ـ التخلّي ـ عن الكثيرِ من الحاجياتِ بسبب الإرباك الذي تولِّدُهُ (الحركة) من قاطعٍ إلى آخر... وجميعُ المقاتلين يعرفونَ بأنَّ أزعجَ ما يواجهُ المقاتلَ في الجبهة هو (الحركة) أو الانتقال.. مجرَد الانتقال، لأنَّ الجندي مشروعٌ للاستشهادِ في أيِّ لحظةٍ... وكما يقولُ ريمارك "الجنديُّ يعيشُ بالمصادفة" نعم، فالشظيّةُ أو الإطلاقة أو القذيفةُ التي تصيبُ زميلاً مجاوراً لكّ كانَ من الممكنِ أنْ تصيبَكَ أنتَ مهما كانت درجة حذرك!... كانَ الانتقالُ الأطول في حياتي العسكرية قَدْ حدث عند تحرُّكِ تشكيلنا من القاطعِ الأوسط إلى القاطع الجنوبي.. إلى "الفاو" هذهِ المدينة التي تنامُ في أقصى جنوبِ البصرة.. والتي صارتْ أشهرَ المدنِ وأخطرَها في وعينا.. لأنّها تعرَّضتْ لاحتلالٍ وابتلعتْ الكثير الكثير من الشهداء لتعودَ لأحضانِ الوطن.. .. حركة.. تهيّأوا! هكذا جاءَ الأمرُ.. لم يخبرونا عن جهةِ انتقالنا، فقد صدرَ الأمرُ العسكريُّ بلا تفاصيلَ أو إيضاحات... هيئّوا أنفسكم ومعدّاتكم الضروريّة فقط للانتقالِ إلى قاطعٍ آخر.. وحزمنا "يطغاتنا" وحاجاتنا الضروريّة، وودّعنا ملاجئنا والصورَ الصديقةَ التي لصقناها على الجدران لنرحلَ إلى مكانٍ آخر.. نبدأُ من خلالِهِ مشواراً جديداً لا نعرفُ الآن أيَّ شيءٍ عنهُ.. انسحبنا في الظلامِ بهدوءٍ وصمتٍ حذرين.. لتحملنا سيّارات "الإيفا" إلى المكانِ الجديد.. إلى رحلةٍ طويلةٍ باتجاهِ الجنوب، سَرَتْ همهماتٍ بيننا، حدسنا من خلالها أنَّ المكان الجديد هو "الفاو"، وكلّما توغّلنا جنوباً ازددنا يقيناً بصحةِ حدسنا... توَّقفت سياراتُنا في مطاعمِ الطرق الخارجيّةِ قبلَ محافظة "ميسان"، ووجدنا فرصةً للتعلُّقِ بأيِّ شخصٍ مدنيٍّ أو عسكريٍّ مجازِ في طريقهِ إلى مدينتنا، لنعطيهِ قصاصاتِ ورقٍ صغيرةً موجّهةً إلى الأهل.. تحملُ خطّاً مرتبكاً يدلُّ على أننا مازلنا حتّى الآن على قيدِ الحياة.. هاهو العنوان.. أرجوكَ أن توصلها فأهلي قلقون جدّاً عليَّ!! لا شيءَ فيها سوى "نحن بخيرٍ".. "الإجازات ستطلقُ قريباً إن شاء الله".. لا أحتاجُ شيئاً سوى سلامتكم ودعواتكم لي"... أرجوكَ.. أيُّها الأخ لا تخبرهم بأنّنا منقولون إلى "الفاو" حتى لا يقلقوا!! نصفً ساعةٍ رأينا فيها العالمَ بشكلٍ طبيعيّ، وإن كانَ عالمُ الطرقِ الخارجيّةِ سريعاً مرتبكاً بعيداً عن واقعِ الحياةِ الأكثر انتظاماً في المدن.. المهم.. إنّهُ وقتٌ مختلفٌ استثنائيّ عُدنا بَعدَه إلى توتّرِ الرحلةِ الطويلة.. لنصلَ في الليلِ إلى مساحات الفراغ ـ الظلام ـ الشاسعة التي ستذرفُنا لاحقاً إلى مدينة "الفاو". ـ7 ـ في إحدى زياراتِهِ لي اصطحبني إلى بابٍ خشبيٍّ دفعهُ بيدهِ بحذرِ لينفتحَ على ساحةٍ واسعةٍ توسطتها ثلاثُ نخلاتٍ بعلوٍّ شاهقٍ فيما ملئت الساحةُ بالطيورِ المتنوّعةِ الجميلةِ.. تجوّلتُ مَعهُ بانشراحٍ في المكان، وأطللنا بعنقينا من السياجِ الواطئِ الذي يحيطُ بالساحةِ لنرى النهرَ صافياً منساباً بهدوءٍ والأسماكُ ظاهرةٌ للعيان تسبحُ فيهِ بنشاطٍ، نظرتُ إليه إلاَّ إنّهُ اختفى فجأةً! عدتُ إلى النخلاتِ الثلاث جلستُ تحتَ ظِلالهن ولمحتُهُ يخرجُ من البابِ.. ركضتُ خلفَهُ وحين اصطدمتُ بالبابِ المغلقِ استيقظتُ منهكاً وقد تعرَّقَ جسمي كُلُّهُ وأحسستُ بالعطشِ الشديد ونهضتُ لأعُبَّ ماءً كثيراً.. تُرى ماذا تعني هذهِ الرؤيا؟ وكيفَ تجوَّلنا هذهِ الجولةَ الساحرة الجميلة؟ ثمَّ هل هناك حقّاً مكانٌ يشبه المكانَ الذي زرناه معاً ـ أنا والرجلُ الغريب ـ ؟ نهضتُ من فراشي بعد أنْ عرضتُ شريطاً طويلاً من ذاكرتي عن الأماكن التي زرتُها فعجزتُ عن رؤيةِ مكانٍ شبيهٍ لما حلمتُ بهِ.. أحسستُ بأنَّ الليلَ ثابت في مكانِهِ، وأنا لا أستطيعُ العودةَ إلى النومَ بعد أنْ صحوتُ منهُ مرهقاً.. تناولتُ أقربَ كتابٍ إليَّ وبدأتُ أقرأُ بهِ، وبعد أقلِّ من صفحتين أخذني الشرودُ الذهنيُّ إلى عالمٍ آخر، لم أعدْ أرى الحروفَ والكلماتِ المرصوفةَ في متنِ الكتاب، لقد دخلت صورةُ الرجلِ الغريب على الصفحاتِ لتشغلني عن القراءةِ، فأغلقتُ الكتابَ وتنهدّت وأنا أعيدُهُ إلى مكانِهِ.. لا أدري كيفَ أتعاملُ مع رؤيةِ علاقتي بهذا الرجل؟ هي ليست مصادفةً، أن تنتظمَ زياراتٍ بهذا الشكلِ العجيب من الدقّة.. والغرابةُ الأكثر تكمنُ في شفراتِ الرسائل والوصايا التي أتسلَّمُها منهُ... هل أنسى الإشارة التي أبلغني إيّاها حولَ وفاةِ أبي؟ وهل أنسى إشارتَهُ الأُخرى حولَ مرضِ والدتي؟ حيثُ ذهبتُ إليها ووجدتُها تعاني من مرضٍ عسيرٍ في كليتيها أدّى بعدَ صراعٍ مريرٍ مَعَهُ لأكثر من شهرين في المشفى إلى وفاتها.. إنّهُ لغزٌ صَعُبَ عليَّ حلُّهُ، وبقيَ معي عصيَّ التفسيرِ والإحاطة... بقيتُ تلكَ الليلةَ يقظاً حتّى الصباح.. هذهِ اليقظةُ المستفزّة ذكرتني بالسهرِ الجامحِ ليلةَ تحرير مدينة (الفاو)... كنتُ مع الذينَ عبروا القناطرَ أو الجسورَ الصغيرة لاختراق ساترِ العدوّ.. الذي وضعَ في مدخلِ كُلِّ معبرٍ رشاشةً تصطادُ برصاصها المجنون كُلَّ من يحاولُ العبور باتجاههم.. وقد بذلنا بطولاتٍ نادرةً لا تُصدَّقُ للقضاءِ على أعدادِ هذه الرشاشات... حتّى اجتزنا الساترّ المعادي لنصلَ إلى الهدف.. فيما حقّقت محاورَ القتال الأخرى وببطولاتٍ نادرةٍ أيضاً أهدافَها المرسومةَ بدقَّةٍ وتفانٍ وإخلاصٍ وتضحية.. وكانَ الصباحُ عراقياً صافياً في (الفاو) التي مازالت حتّى الآن تحتفظُ بزهورِ الشهداء العبقة وأريج دمائهم وصور بسالتهم. ـ 8 ـ قرّرتُ الذهابَ ثانيةً إلى بيتِهِ، إلى بابِهِ الأزرقِ الصارخ.. إلى تلكَ القرية الهادئةِ التي يخترقُها بشراسةٍ الشارعُ العامُّ الرئيسيّ الذي يربطُ بين بغداد والبصرة.. ربّما لم أنتبهْ لبعضِ التفاصيل في هذا المكان.. وربّما سأكتشفُ في زيارتي الجديدةِ أشياءً تُضافُ إلى معلوماتي وقد توصلُني إلى حلٍّ ما للَّغزِ الذي يؤرّقني.. ربّما فاتتني ملاحظة بعض التفاصيل المهمّة في داخل البيت أو في المنطقة التي يقعُ فيها.. وربّما حدَثَ أمرٌ آخر يؤكِّدُ علاقةَ الرجلِ الغريب بذلك المكان! اتفقتُ مع سائقِ سيّارةِ أجرةٍ على أنْ ينقلَني إلى المكانِ المطلوب، وأنْ ينتظرَني على رصيفِ الشارع العام، ريثما أُنهي العمل الذي أنا بصددِ إنجازِهِ في تلك المنطقة، وأخبرتُهُ بأنَّ مدّةَ انتظارِهِ لن تزيدَ على النصفِ ساعة حتماً.. وقد لاحظتُ حيرةَ السائقِ في أمري وهوَ يتأمّلني متسائلاً في قرارةِ نفسِهِ عن جدّيتي في هذهِ الرحلة.. وحاولَ طوالَ الطريق أنْ يستدرجني لمعرفةِ سرِّ رحلتي دونَ جدوى.. عند وصولِنا، طلبتُ من السائقِ التوقُّفَ قريباً من المكان الذي أنوي زيارتَهُ.. فتوقّفَ على بُعدِ خمسين متراً من بيتِ الرجلِ الغريب، وطلبتُ منهُ المكوثَ في سيارتِهِ وانتظاري.. ذهبتُ مشياً إلى البيت.. تلفتُّ مرتين لأرى السائقَ وقد زرعَ عينيهِ إثرَ خطواتي وقدّ قتلَهُ الفضولُ لمعرفة السر العجيب لرحلتي هذهِ.. وصلتُ البيتَ وقد شعرتُ بأنّهُ ازدادَ إهمالاً وعزلةً وتراكمَ الصدأُ على السلسلةِ الحديدية التي تمسكُ بالقفلِ الضخمِ، الأشياءُ كما هي.. فاجأني طائرٌ محلّقٌ من داخلِ البيت صافقاً بجناحيهِ.. لم أتبيّنْ ماهيّةَ هذا الطير.. أطللتُ برأسي من وراء السياج... الفوضى ذاتها، ولا دليل على وجود أيِّ نوعٍ من الحياة في هذا المكان الذي يبدو منعزلاً منذُ قرونٍ.. تجوَّلتُ قريباً من البيت، تأمّلتُ البيوتَ المحيطةَ بهِ، الأبواب والشبابيك التي تعلنُ الفقرَ وتتبنّاه، والأطفال بصخبهم وألعابهم وهم يرتدونَ دشايشَ ملوَّنةً حالتْ ألوانُها وهي ملطّخةٌ بالطينِ، وهم يتصايحونَ مع بعضهم البعض.. استغربوا وجودي قربهم وأنا أنظرُ إلى الأشياء بتفرُّسٍ عميق.. المهم، لم أُلاحِظْ شيئاً يجلبُ الانتباه في كلِّ ما رأيتُ، وقد غادرتُ المكانَ بهدوءٍ لأجدَ السائقَ بانتظاري، وعُدنا إلى المدينةِ.. في الطريقَِ حاولَ ثانيةً أن يستدرجني للحديثِ عن مهمّتي، مع إعلانِهِ التمنيات القلبيّة في أن تكونَ قَدْ انقضتْ بالخيرِ والسلامة! وفي كلِّ سؤالٍ نابعٍ من فضولِهِ، أقدِّمُ لهُ إجابةً مموَّهةً تزيدُ من حيرتِهِ!، في أغربِ "أُجرةٍ" في حياتِهِ حتّى الآن ـ حسب اعترافِهِ ـ أو حسب ـ صرخةِ فضولِهِ ـ التي أطلقَها عليَّ في اللحظةِ التي سلّمتُهُ أجرتَهُ وودّعتُهُ.. لم أخبرْ أحداً بهذهِ الزيارةِ، واكتفيتُ من تأكيدِ قناعاتي حولَ الاستنتاجات التي حققّتْها زيارتي الأولى لهذا البيت المهجور الذي كانَ ملاذاً لي في يومٍ ما!. وبقيتُ منتظراً زيارةً جديدةً من الرجلِ الغريب ربّما تتضّمنُ إجاباتٍ تنطلقُ من رحلتي اليائسةِ إلى البيت.. وبعد انتهاء رحلتي وعودتي إلى مدينتي مع السائقِ المذهول! انتهزتُ الفرصةَ لقضاءِ مُدّةٍ قصيرةٍ في عالم مدينتي وإطفاء بعض ِالشوقِ لمرتعِ طفولتي وصباي وشبابي ووثوبي في عوالمِ الإفصاحِ الأوّل عن ذاتي، تجوّلتُ في الأزقّةِ.. وبحثتُ في المقاهي عن وجهٍ أعرفُهُ، عن صديقٍ مازالَ معتصماً في إحدى الزوايا التي كنّا نرتادُها، في أيّامِ الإجازات أذهبُ مباشرةً إلى (مقهى الحاج محمود) التقي فيهِ بلا موعدٍ مسبقٍ مع عددٍ من أصدقائي لنحتفيَ ببعضنا، نسألُ عن أخبارِ الآخرين من الأصدقاء.. عمّن جاء أو رحلَ أو عمّنْ جُرَحَ أو استشهدَ.. في إحدى المرّات التقيتُ (منصوراً)، كانَ يجلسُ وحدَهُ في المقهى، وفاجأنا القصفُ المعادي الشديد على المدينةِ، انزوينا في مكانٍ آمنٍ داخل المقهى، نتحدّثُ عن الثقافةِ والأدبِ ونستعرضُ أسماءَ أصدقائنا.. ووصلنا إلى اتفاقٍ جنونيٍّ هو الذهابِ سيراً من (المقهى) في (محلة الجمهورية) إلى (محلة الحكيميّة) التي تبعدُ أكثر من خمسمائة متر لرؤية صديقنا (رعد) في بيتِهِ.. ذهبنا تحتَ وابلِ القصف، نتخفّى وراءَ الجدرانِ وبينَ الحُفرِ حتّى وصلنا إليه.. لنصيبَهُ بالدهشةِ وهو يرانا في هذا الظرفِ العصيب... ـ معقولة!.. قالها غير مصدّقٍ، وسحبنا سريعاً للدخولِ إلى بيتِهِ والاختفاء عن القذائف والشظايا المجنونةِ.. جلسنا معه ساعاتٍ بعدَ القصفِ نتبادلُ الحديثَ عن الحربِ والأصدقاء وآخر القراءات والنصوص الأدبية.. لم تكنْ (الفاو) حينَها قَدْ عادت إلى أحضانِ الوطن.. وكنتُ في موقعي القديم في القاطع الأوسط أواصلُ أداءَ خدمتي الإلزامية في صفوفِ الجيش.. بينما يواصلُ (رعد) دراستَهُ العليا لنيل شهادة الماجستير في الأدب العربي... حدّثتُهمْ عن الجبهاتِ وطقوسِها وعن رفاقي هناك، عن مصيرنا المشترك ومدى التعاونِ اللاّمتناهي بيننا، حدّثتُهُمْ عن وحشةِ الليلِ التي تتفاقمُ فيه شهوةُ الموتِ وانتظارنا المتوقّد لسهامِهِ.. عن القمرِ والنجومِ والترقُب.. عن اشتياقِنا للنساءِ والمدنِ وأمنيات السير بكامل قاماتنا تحتَ الضوءِ بلا تهديدٍ من قنّاصٍ أو من قذيفةِ هاونٍ أو شظيّة تائهة! حدّثتُهم عن بعضٍ ما جرى لي أثناءَ مشاركتي في واجبات الدوريّةِ القتاليّة أو التعرُّض المباشر لقطعات العدوّ.. أو للهجومات الكبيرة التي تشبهُ الكوابيس الثقيلةَ.. حدّثتُهُمْ عن غيابِ الرفاقِ المفاجئ إثر شظيّةٍ أو رصاصةٍ أو قنبلةٍ مراهقة! وبعدَ أن افترقنا.. لم نجتمعْ نحنُ الثلاثة.. حتّى الآن... تفرَّقْنا في مشاربِ الحياة... فقد حصلَ (رعد) على شهادة الدكتوراه ورحلَ إلى قطرٍ عربيٍّ لممارسةِ التدريس.. وحصل (منصور) على شهادة الدكتوراه أيضاً وظلَّ متمسكاً بسكنِهِ في (البصرة) يمارسُ التدريس في جامعتها.. فيما أقمتُ في (بغداد) للكتابةِ والعمل والحياة!. ـ 9 ـ مضى أكثر من أسبوعٍ على موعدِ زيارتِهِ المعتاد، الأمرُ الذي أقلقني، ذلك إنّني توقّعتُ حلولاً لبعضِ الأسئلةِ التي تفاقمت في زيارتِهِ المنتظرة، لأنّها ستأتي بعد حادِثةِ ذهابي مرّةً ثانية إلى البيت الذي التقينا فيه أوّلَ مرّةٍ.. في اليوم الثامنِ بعدَ الموعدِ لم أستطع النومَ في الليل.. وعندَ تسرُّبِ الفجرِ أبدلتُ ملابسي وخرجتُ إلى المدينةِ التي مازالت مستسلمةً لخدرِ الفجرِ، الشوارعُ فارغةٌ إلاَّ من القططِ وأنقاضِ ضجيجِ السوق وبعض المتسكّعين الذين تمدّدوا في الزوايا هنا وهناك.. مررتُ على تمثال (معروف الرصافي) المتسائل بسخريةٍ حزينةٍ! وتوّجهتُ إلى الشاطئ المحاذي لنهوض "جسر الشهداء"، نزلتُ بصعوبةٍ إلى الجرفِ بسبب عدم انتظام الرصيف وشدّة انحدارِهِ، جلستُ قربَ المياهِ، مددتُ ساقايَّ في مياهِ الجرفِ الباردة، واغترفتُ بكفيَّ قليلاً من الماء غسلتُ بها وجهي، بينما بدأت الشمسُ بالارتفاع الخجول، هناك أسرابٌ من النوارسِ البيض المحتفلة بلثغةِ الصباحِ الأولى، وهناكَ زوارقُ صغيرةً يتقرفصُ في أجوافها الصيّادونَ وهم يجمعونَ نثاراتِ شباكهم المنصوبة في الليل لجمع الصيدِ من أسماكِ النهر اللذيذة الغالية الثمن.. تعبُ السهرِ ونسائمُ الفجرِ منحاني لذّةَ استرخاءٍ آسرةً غفوتُ على إثرها.. شعرتُ بتحرُّرٍ غريبٍ وأنا أرى سرباً من أسرابِ النوارسِ تتوجَّهُ نحوي، ثمَّ تجمّعتْ حولي وحملتني، شعرتُ ببساطٍ أبيض من الأجنحةِ المتلاحمة يمتدُّ تحتي.. وأنا أحلِّقُ فوقَ هدوءِ مياه النهرِ.. وأرى الزوارقَ والصّيادينَ والأمواجَ المتناسقةَ في بوحِها الصافي.. مررتُ من تحتَ الجسرِ.. إلى أينَ تأخذُني أيُّها البساطُ الأبيضُ الطائر؟ إلى أينَ أيتُّها النوارسُ؟ ـ إلى الجانبِ الآخرِ من النهر (جاءني الصوتُ من مكانٍ ما لم أستطعْ تحديدَهُ)! لمحتُ من عليائي شيخاً ينزلُ إلى جرفِ النهرِ، إنّهُ يتوضّأُ لأداءِ الصلاة.. يا إلهي إنّهُ صاحبي! ماذا يفعلُ هنا؟ لمحتُهُ وأنا في وسطِ النهرِ، تمنيتُ أن أذهب إليهِ، أنْ أركضَ سريعاً باتجاهِهِ.. أنْ أُحدِّثَهُ هذهِ المرّةَ، فأنا أستطيعُ الآنَ الكلامَ في حضرتِهِ، هكذا أحسستُ، ولكنْ كيفَ لي أن أوجِّهَ دفّةَ البساطِ الطائرِ الذي يحملني باتجاهِهِ؟.. حاولتُ مناداته بصوتٍ عالٍ سيصلُ إلى مسامِعِهِ حتماً في هذا الهدوءِ السحريّ.. لكني لم أستطع إطلاقَ صوتي، وهاهو ينسحب بهدوءٍ إلى كتلةِ القصبِ القريبة من النهرِ ويغيبُ في ثناياها ليصعدَ ـ بالتأكيد ـ إلى رصيفِ الشارع المحاذي للنهرِ من ضفتهِ الثانية.. هاأنذا أفقدُ أثرَهُ، شعرتُ بالأسى الشديد، وسحبتُ نفسي تدريجيّاً من البساط، وأطلقتُ أقدامي في الفضاءِ فوقَ النهر، لأصحو بفزعٍ وقد وجدتُ نفسي مستلقياً في المياهِ الضحلةِ على جرفِ النهر، يا لهُ من حلمٍ جميلٍ، ويا لها من نهايةٍ ساخرة!.. انسحبتُ بسرعةٍ كي لا يراني أحدٌ في هذا الصباح بملابسي المبلّلة، وحذائي الملطّخ بالطين وعينيَّ الحمراوين... عُدتُ متلصّصاً إلى غرفتي في الفندق، استبدلتُ ملابسي بعد أن اغتسلتُ جيّداً لأنام َنوماً عميقاً.. سرعانَ ما أطلَّ عليَّ الرجلُ الغريبُ مبتسماً، حاولتُ أن أصرخَ بوجهِهِ فلم أستطعْ، أحسستُ مرّةً أُخرى بأنني مقيد لا أستطيعُ الكلامَ ولا الحركة، تجوَّلَ بقربي جيئةً وذهاباً وأطرقَ قليلاً ثمَّ رفعَ رأسَهُ وبعينين برّاقتين قال لي: ـ لا تذهبْ ثانيةً إلى ذلك البيت، لأنّك قَدْ تتعرَّضُ لأذىً لا أريدُهُ لكَ، واتركْ الأسئلةَ التي تحاولُ إطلاقَها عليَّ، أنا لستُ غريباً!.. ألم تَرَني هذا الصباح؟ لقد تأخّرتُ هذهِ المرَّةَ بسببِ رحلتّكَ المجنونة التي لا أحبّذُها إلى ذلك البيت البعيد.. وإذا تكرّرتْ هذهِ الرحلة سوفَ انقطعُ عنكَ نهائياً، ولا تظُنّ انقطاعي أمراً سهلاً عليكَ بعد أنْ عرفتني، إنّهُ سيعرِّضُكَ إلى متاعبَ لا تتوقّعها... ثمّ غابَ عني، يا للهول!.. ما الذي يحدثُ؟.. لقد ولّدت الأسئلةُ القديمةُ سلسلةً من الأسئلةِ الجديدةِ وفتحت أقبيةً لحيرةٍ لا قرارَ فيها وولّدتْ هذهِ المرّة رغبةً حقيقيةً في التخلُّصِ من هذهِ الرابطةِ العجيبة!.... عُدتُ إلى النومِ بعد أنْ شعرتُ ببوادر حُمّى، وصحوتُ بعدَ الظهيرةِ على طرَقاتٍ قويّة على بابِ غرفتي، نهضتُ بسرعةٍ وارتباكٍ وفتحتُ الباب بقلقٍ، أطلَّ عليَّ عاملُ الفندقِ قائلاً أنَّ هناك نداءً هاتفياً يطلبني من البصرة.. سارعتُ بارتداءِ ملابسي والنزول إلى الاستعلامات التي يستقرُّ بها جهاز الهاتف الوحيد.. رفعتُ السّماعةَ الملقاةَ بعبثٍ على المائدة الضخمة، وسمعتُ من الطرفِ الآخر صوتَ أخي الأصغر (حازم) يطلبُ منّي ضرورة المجيء إلى البصرة لأنَّ عمّي (وهو الحيُّ الوحيدُ من أعمامي) قَدْ توفي صباحَ هذا اليوم!.. ـ حسناً.. سآتي.. البقاء في حياتكم.. وأغلقتُ سمّاعةَ الهاتف... لاحظَ صاحبُ الفندقِ الجالس خلفَ مكتبِهِ تعبي وحيرتي ومن المفردات القليلةِ التي ردّدتُها على مسامِعهِ من خلال حديثي عبر الهاتف استنتجَ إنَّ وفاةً ما قَدْ ألّمتْ بأحد اللذين يهمُّني أمرُهم.. فأجبتُهُ باقتضابٍ حزينٍ: إنّهُ عمّي... ثمَّ طلبتُ منهُ تسليفي مبلغاً من المال ـ يُضاف إلى قائمةِ حسابي التي لديه والتي ستسدّدُ حتماً! ـ من أجلِ الذهاب إلى البصرة وحضور مجلس الفاتحة.. فاستجاب لطلبي سريعاً وأعطاني المبلغ المطلوب لأنَّ في الأمرِ ثواباً.. كما قال.. تجمعُ مجالسُ الفاتحةِ ـ دائماً ـ جميعَ الوجوهِ الغائبةِ من الأهلِ والأقرباء والأصدقاء... وهاأنذا ألتقي بأصدقاءٍ لم أرَهم منذُ ثلاثين عاماً، افترقتُ عنهم بعد انقضاء السنة الدراسية الوحيدة التي درستُ فيها في قريتي.. تذكّرتُ معهم أيّامَ الفيضانِ وعسرِ الظروف الدراسيّة ووجوه بعض المعلّمين الذين فارقَ بعضهم الحياة تاركينَ في نفوسِنا آثاراً إيجابيّةً كبيرةً.... سرقتُ نفسي من ضجيجِ التجمُّع في أحد المساءات، وتسللَّتُ إلى كتفِ نهرِ الفراتِ القريبِ من القريةِ، لأتأمّلَ ما تغيَّر فيهِ ولأجلسَ قليلاً على جذعِ نخلةٍ مرميٍّ على السدّةِ الترابيّةِ العالية متأمّلاً فوضى القصبِ والبرديّ و(الجولان) التي تفصلُ السدّةَ عن مياه النهر.. المنظرُ يوحي بالعزلةِ والإهمالِ ولا أثرَ للحياةِ التي كانت صاخبةً يوماً ما فيه، حيثُ زوارقُ العبور و(المعيبر) الذي ينقلُ الأشخاصَ والبضائعَ بمرحٍ من ضفةٍ إلى ضفةٍٍ أخرى من أجلِ أنْ يبتاعوا حاجياتهم أو أن يبيعوا بعضاً من منتجاتِهم اليدويّة البسيطة.. تذكّرتُ مهابةَ الزوارقِ الكبيرةِ التي تسيرُ في وسطِ النهر وهي تحملُ عدداً كبيراً من الرجالِ شبه العُراة وهم يحملون (المجاذيف) الضخمة وينزلونها في الماء لتحريكِ الزورقِ كي يشقَّ المياه العميقة.. وهناكَ بعضُ الزوارق تستخدم الأشرعةَ تعينُها الريحُ في مسيرتِها... استعدتُ صباحاتِ العيدِ، حيثُ تُفرشُ في (صرائفنا) ـ المبنيّةِ من القصبِ والبردي ـ قطعُ السجادِ النظيفة وتعلِّقُ أعوادُ البخورِ في الأعمدةِ التي تتوسّطُ (الصرائف)، نلبسُ دشاديشنا الملوّنةَ الجديدةَ و(نعايُد) الآباء والأمَّهات والأخوال والأقرباء ويقدّمونَ لنا (عيديّةً) نطيرُ فيها من الفرحِ وهي عبارة عن قطعةِ نقودٍ من فئةِ الخمسين أو المائة فلس! ثمَّ يصطحبنا آباؤنا إلى النهر حيثُ (المعيبر) المرح الذي يبدو في مثلِ هذا اليوم مثلَ مهرِّجٍ يبذلُ قصارى جهدَهُ لإضحاكنا ثمَّ ينقلُنا بزورقِهِ الصغير بعد أن نضاعف له الأجرة إلى (المدينة) الصغيرة ذات السوق المزدحم دائماً، لنجلس في مطعمها (الشهير) بينَ أبناءِ قريتنا لنأكلَ الكبابَ الذي ارتبطَ بأذهاننا ارتباطاً قويّاً بزيارةِ المدينة! ثمَّ نجلسُ في المقهى القريب لاحتساء (الحامض) وسماع أغنيات العيد بصوتٍ عالٍ من المذياع الضخمِ الذي يقبعُ في رفٍّ مرتفعٍ في إحدى زوايا المقهى! بعدَها نقومُ بجولةٍ في السوقِ لنبتاعَ دجاجةً حيّةً نأخذُها معنا لذبحها والغداء بلحمها في اليوم الثاني من العيد. وبعد الظهرِ يشتدُّ هوسُنا للذهابِ إلى الأراجيحِ المصنوعةِ بين جذوعِ أشجار النخيل العالية المتقاربة.. نتأرجحُ في حبالِها حدَّ الإعياءِ ثمَّ نعودُ مبكّرين إلى خفوتِ الضوءِ في أجوافِ بيوتنا العائمة لننامَ سريعاً استعداداً لصباحٍ قادمٍ تتكرَّرُ فيهِ مفرداتُ الحياةِ اليوميّة المألوفة! أجملُ ما في القريةِ هدوءها، وأطيبُ ما فيها هواؤها النقيُّ المتسرِّبُ من بينِ سعفاتِ النخيلِ.. تنشّقتُهُ بشوقٍ وأنا أجلسُ على الجذعِ المُلقى على سدَّةِ النهر، ونزلتْ دمعات مفاجئة من عينيَّ وأنا أعيدُ شريطَ الذكريات الذي أشعرني بحاجةٍ إلى العودةِ على تلكَ البراءةِ غير المتناهية والحياة البسيطة السابحةِ بالودِّ والأُلفةِ وأرقى التعبيرات الإنسانية.. كانَ الشبابُ بيننا ـ آنذاك ـ مغرمينَ بسماعِ أغنيات "أم كلثوم" الصادحة في ليالي (الخميس) من كلِّ أسبوعٍ وتراهم يسهرونَ إلى ساعةٍ متأخّرةٍ من أجلها، بعضُهم يجتمعُ مع أصدقاءٍ آخرين حولَ مذياعٍ واحدٍ كبير والبعضُ الآخر يفضِّلُ الاستلقاءَ في فراشِ نومِهِ ووضع المذياع الصغير إلى جانبِهِ مع تدخينِ سيجارةٍ أو اثنتين بمنتهى السريّةِ لأنّها تمثّلُ انتهاكاً صارخاً لوصايا الآباء الصارمة! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |