|
||||||
| Updated: Sunday, January 29, 2006 01:59 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ 10 ـ هل تغيّرتْ حياتي حقّاً؟ هل بدأت الأشياءُ تأخذُ معاني وتعبيراتٍ مختلفةً؟! أكادُ أصدِّقُ.. إنَّ ما يحدثُ لي ينتمي إلى عالمِ الخوارقِ التي لم أكنْ أؤمنُ بها قبل الذي حدث لي.. بدأتْ عزلتي تزداد، وأدمنتُ قراءة الكتبِ والمطبوعات التي تُعنى بدراسةِ الخوارق (الباراسايكولوجي)، علّني أجدُ تفسيراً مقنعاً لما يحدث.. تعرَّفتُ على معلوماتٍ جديدةٍ وحالاتٍ كنتُ في ما مضى أعدُّها أوهاماً أو من بناتِ الخيال القصدُ منها الإثارة.. عرفتُ الكثيرَ من التسميات والمصطلحات إلاّ إنَّ حيرتي ازدادت وأنا أبحثُ عن تفسيراتٍ ـ أية تفسيرات ـ لزيارات الرجلِ الغريب! ثمّ.. كيفَ يحصلُ هذا الانتظام في مواعيدها؟ هل هو انتظامٌ ذهنيٌ وفّرهُ انشغالي النفسي بالأمرِ ليكونَ بهذا الشكل؟ أم هو نوعٌ من العلاقاتِ الغرائبيةِ التي تتعلّقُ بهيمنةِ عالمِ الغيبيّات وفكرة اختراق العالم الآخر، تُرى أيُّ عالمٍ آخر أقصدُ؟!... عالم الأثير والكائنات الأُخرى التي طالما سمعنا وقرأنا عنها؟! تذكّرتُ جملةً من حوارٍ ورد في أحد الأفلامِ الأجنبيّةِ التي تتناولُ موضوعة "الأشباح" تقولُ الجملةُ على لسانِ إحدى بطلات الفيلم "الموت.. هو انتقالُ من وعيٍ إلى وعيٍ آخر"!.. تُرى كيفَ نتسلَّلُ إلى مجهولِ الوعي الآخر؟! هل هناكَ نوافذُ أو أبواب تؤدّي إلى ذلك الوعي غير فكرة الموت الذي هو "الحقيقةُ الوحيدةُ" كما قيل عنها؟! لا أحَد يجيبُ على هذه الأسئلةِ التي هي أكثر تعقيداً وإيهاماً.. وأنا أزادادُ حيرةً.. وتأمُّلاً.. وبحثاً.. أبدلتُ كل الأماكنِ التي أرتادُها لكي لا يراني أحدٌ أعرفُهُ ويعرفني!.. ولا أعرفُ لماذا اتخذتُ هذا القرار الغريب! المقهى.. غير المقهى الذي كنتُ أرتادُهُ ويعرفني زبائنُهُ وعاملوهُ وأصحابُهُ وحتّى المتسوّلون الذين يتردّدونَ عليهِ.. كما أبدلتُ سكني بالفندق بفندقٍ آخر أكثر بؤساً.. أصبحتُ وحيداً.. تماماً! أجلسُ بمفردي في مقهىً لا يعرفني فيهِ أحدٌ، أطلبُ شاياً ثم أركيلة وأظلُّ جالساً ساعاتٍ حتّى يحينَ موعدُ دوامي اليومي ـ الذي حوّلتُ توقيتّهُ إلى المساءِ ـ لأذهبَ وأقضيَ معظمَ ساعاتِ الليلِ فيهِ، ثمَّ أنحدرُ قبلَ إطلالةِ الفجرِ إلى غرفتي في الفندق.. اشتدَّ حدسي تجاهَ معرفةِ الأشياء المبهمة، وأصبحتُ أشيرُ إلى أحداثٍ سوفَ تقعُ من خلالِ تبياني لها عبرَ صورةٍ مكثّفةٍ غريبةٍ يشرعُها رأسي.. ويجعلني التركيز الشديد عليها قادراً على تسمية ماهيتها.. صرتُ أحلمُ أحلاماً كثيرةً تتجسَّدُ مرادفاتها في اليومِ التالي أو اليوم الذي يليه!.. ما جعلَ الحلمَ العابرَ في منامي في ساعات الليل القليلة هو الذي يقرّرُ حماستي لليومِ التالي، وفي صباحاتٍ كثيرةٍ أنهضُ من النومِ كئيباً إثرَ حلمٍ يشيرُ إلى حدوثِ شيءٍ مزعج!.. لا أدري طبعاً ما هو وكيفَ سيحدثُ، وبالفعل يعترضني في ذلك اليوم أمرٌ مزعجٌ وعندَ انتهاء غمّتهِ وفراغي من معاناتِهِ أحمدُ الله كثيراً لأنني وضعتُ احتمالَ السوءِ الأكبرِ فيه! وعلى العكس من ذلك تراني سعيداً مبتهجاً في اليومِ الذي يلي رؤيتي لحلمٍ يشيرُ إلى حدوث أمرٍ سارٍ! قرأتُ مؤلفاتٍ عن (تفسير الأحلام) ولم أقتنعْ! وقرأتُ مؤلفاتٍ أخرى عن تحليلها النفسي ولم أقتنعْ أيضاً! وأصبحتُ أسيرَ حالاتٍ غرائبيّةٍ.. في الجنوب.. في البصرة.. في قضاء (المدينة).. في قرية (الخاص) على الطرفِ الآخرِ من النهرِ رؤى آباؤنا لنا عن سدرةٍ معمّرةٍ كثيرة التشعُّباتِ في أغصانِها.. هذهِ السدرةُ لا يجرؤ أحدٌ على المرورِ من أمامها أثناءَ الليل، لأنَّ سكانَ البيوتِ القريبة منها، تلك البيوت الغارقة في غابةٍ عاليةٍ مكتظّةٍ من النخيلِ يسمعونَ في الليلِ أصواتَ نساءٍ يبكينَ بعويلٍ مخيفٍ مشوبٍ بأصواتٍ مبهمةٍ متداخلةٍ، ويقالُ عن السدرةِ أيضاً، أنَّ أحدَ الحمقى أرادَ أنْ يقطعَ غصناً منها في وضحِ النهارِ، إلاَّ أنهُ فوجئَ بنزفٍ دمويٍّ يخرجُ من الجرحِ الذي أحدثّهُ في جسدِها، وقيلَ إنهُ رأى وجوهاً وأشكالاً بشريّةً تطلُّ عليهِ ويداً ضغطتْ بقوّةٍ على رأسِهِ الأمرُ الذي أفقدَهُ عقلَهُ، وهاهو.. منذُ ذلك الحين وهو يتنقَّلُ بينَ الأزقّةِ والشوارع بثيابٍ رثّةٍ ممزّقة والصغارُ يضربونَهُ بالحجارة ويجرونَ خلفَهُ وهم يصفّقون ويمرحونَ ساخرين منهُ! بالطبعِ، كانت جدّاتُنا يجمعننا حولَ المواقدِ في ليالي الشتاءِ الطويلةِ ويقصصنَ علينا حكايا عجيبةً تتعلّقُ بالمخلوقاتِ الأُخرى والعوالم التي لا نستطيعُ إدراكها.. وعن الرجال الذين يتزوّجونَ الجنيّاتِ.. وعن النساءِ اللائي يتزوجونَ رجالاً من الجنِّ وعن أطفالهم وعوائلهم وقبائلهم.. ويحذرننا من الظلام ومن الذهاب إلى تشابك النخيل في الليل لأنّنا قَدْ نُصابُ بأذىً من قبلِ هذه المخلوقات.. ويوردنَ لنا الكثيرَ من الحكايا الخرافيَة، وهي حكايا مسلّية ـ على أيّةِ حالٍ، تشبهُ حكايا "ألف ليلة وليلة" المعروفة بسعةِ الخيال والتعرُّض للخرافاتِ والخوارق من أجلِ تحقيقِ متعة أكبر! تُرى أينَ ذهبَ تشابكُ تفكيري؟ وكيفَ لي أن أتعاملَ مع لغزٍ يشبهُ الحكايا التي كنتُ أغرقُ في تأمُّلِ أجوائها وأنا في سهلِ طفولتي؟ تذكّرتُ الفجرَ الذي قضيتُهُ على شاطئِ النهر، ومشهدَ القصبِ والبردي الذي شاهدتُهُ من على بساط الحلمِ الطائرِ بأجنحةِ النوارسِ، والرجل الغريب الذي توضّأ واختفى.. وقصدتُ ذلك المكان.. كنتُ في خشيةٍ من عبثِ محاولتي هذهِ، وعبرتُ الجسرَ مشياً وأنا أتابعُ المياهَ التي انحسرتْ كثيراً وبقع الأرض الخضراء البارزة وسط النهر.. والباحثينَ عن وهمٍ يتعلَّقُ بانهماكهم بتصفيةِ المياهِ بالغرابيلِ للعثورِ على حبّاتٍ منسيّةٍ من الذهب، بسببِ قُربِ جرفِ النهر من شريطِ محلات الصاغة المنتشرين في "شارع النهر" الشهير في أزيائِهِ وصاغتِهِ وعدد الفتيات الكبير الذي يغرقُ فيه الشارعُ وبالذات في الأُماسي الربيعيّةِ البغداديّة الباردة.. اقتربتُ من الطرفِ الثاني للجسرِ وأطللتُ على التمثالِ الشامخ لشهيدٍ معروفٍ.. وحرفتُ خطواتي إلى اليسار حيثُ اتجاه هدفي القريب.. مررتُ على باعةِ السمكِ الحيّ وهم يتنافسونَ في ما بينهم ويتغامزونَ بلغةٍ لا يفهمها غيرُهم، توجّهتُ إلى الرصيفِ الإسمنتي الواطئ الذي يؤدّي إلى النهر.. ومشيتُ مسافةً تزيدُ على المائة كيلومتراً حتّى وصلتُ إلى مدخلٍ أستطيعُ النزولَ منهُ إلى الجرف وإلى الأحراشِ الصغيرةِ هناك حيثُ القصب المحتشد بفوضى والذي شاهدتُ فيهِ الرجلَ الغريب وهو يتوضّأُ.. مشيتُ في طريقٍ طينيٍّ كلّما توغّلتُ فيهِ باتجاه النهر ازدادتْ قاماتُ القصبِ المكتظّ ارتفاعاً.. حتّى ضاعت قامتي في القصبِ ثمَّ أطللتُ على النهرِ من خلال الفسحة التي تفصلُ بين جانبي كتلة القصب.. لفتَ انتباهي صوتُ حركةٍ قريبةٍ، ظننتُها صادرةً من كلبٍ أو قطٍّ أو أيّ حيوانٍ تسلَّل إلى هذهِ العزلة.. وحينَ تطلّعتُ إلى جهةِ الصوت شاهدتُ امرأتين تلفعتا بعبائَتين وهما جالستانِ على صخرةٍ كبيرةٍ استقرّت بقوّةٍ في طيفِ الجرف... وقد امتدّتْ سيقانُ المرأتين في الماء.. تواريتُ سريعاً بين أعواد القصبِ لأرى ماذا تفعلُ هاتان المرأتان! رأيتُ إحداهُنَّ تتخلّى عن عباءتِها، وتكشفُ عن قطعةِ قماشٍ لفّتْ فيها طفلاً ـ على ما أظنُّ ـ فيما أخرجت المرأة الثانية إناء ألمنيوم متوسّط الحجم (صينيّة)، احتضنت المرأةُ قطعةَ القماشِ التي تضمُّ طفلاً وقبَلتْها، ثمَّ تركتْها مع تيار الماءِ الجاري بهدوء ودفعتْها برفقٍ بيدها.. ووضعت المرأة الثانية الإناء المصنوع من الألمنيوم مع تيار الماء أيضاً بعد أن ثبتتْ فيهِ بواسطة كتلةٍ من الطين عدداً من الشموعِ وأعواد الآسنِ وقبضاتٍ من الحنّاءِ وقطع الحلوى وقد أشعلت الشموع ودفعت الإناء في انسياب الماء الهادئ.. ثمَّ غرقتْ المرأتان بنوبةٍ عميقةٍ من البكاء بعد أنْ تحاضنتا بلهفةٍ!.. خمّنتُ أَنّها عمليةً تاليةً لخطيئةٍ، توبةً وطلبُ غفران..، أو هي طقوسٌ متّفقٌ عليها تتعلّقُ بمشكلاتٍ نسائيةٍ من الصعب الاستدلال عليها بشكلٍ دقيق.. أو إنّهُ الحبُّ.. وأيُّ حبٍّ؟ رأيتُ المرأة التي رمت قطعة القماش التي تضمُّ طفلاً تسحبُ ـ وهي جالسةً ـ من خلفها حقيبةً تبدو مليئةً ثمَّ حملتْها وطوّحتْ بها بكلِّ ما تملكُ من قوّة إلى النهر.. لتنسابَ بهدوءٍ خلفَ قطعة القماش و(صينيّة) الشموع والحنّاء والآس والحلوى والطين.. بقيتُ في مخبأي أراقبُ هذهِ العملية السريّةَ الغريبةَ وأسترجعُ صوراً وقصصاً في الخطيئةِ والحبِّ وجنونِهِ وتذكّرت زميلاً لي في الدراسةِ الجامعيةِ كانَ اسمُهُ (زامل) وقصّة حبِّهِ الأشهر بيننا لزميلتنا (لمياء).. تلكَ القصّةُ التي مازال جميعُ زملائنا حتّى الآن يتذكّرونَ بحزنٍ وألمٍ تفاصيلها.. إذ أنَّ (زامل) شابٌ ريفيٌّ ذكيٌّ مقبول الشكل استطاعَ في الأيّامِ الأولى من عامِنا الدراسيِّ الأوّل أنْ يحظى باهتمامِ الأساتذة، والطلاب على حدٍّ سواء بسبب ذكائِهِ والتزامه ومتابعتِهِ لمادّة الدرس وتحضيِرِه الجيّد لها... و(لمياء) فتاةٌ من بغداد جميلةٌ جدّاً وهادئةً وهي ذكيّةٌ ملتزمةٌ تسبقُنا جميعاً إلى الحلولِ الصحيحة أثناء توجيهِ سؤالٍ من الأستاذ إلى الطلبةِ أثناء المحاضرة، و(للمياء) ولعٌ شديدٌ في دراستِها وحرصٌ عالٍ على التفوّقِ فيها.. ولأنَّ (زامل) منافسُها الوحيد بيننا، فقد اقتربتْ منهُ ليجلسا متقاربين من بعضهما في قاعةِ الدرس، وحين يحينُ موعدُ الاستراحةِ بين محاضرتين يظلُّ كلاهما منهمكاً بماّدةِ الدرسِ ومناقشتها والتشاور حولَ حلولِ مسائلها الصعبة.. وحتّى في (نادي الطلاب) فقد كانا يجلسان معاً، ويشربان الشايَ معاً، ويتمشيانِ معاً، وبعدَ الانتهاء من المحاضراتِ يخرجانِ من الكليةِ معاً، يوصلُها (زاملُ) إلى مبنى القسم الداخلي الخاص بالطالبات ويواصلُ سيَرهُ المنتشي إلى مبنى القسم الداخلي الخاص بنا نحن الطلاب.. لا أحد مِنّا يعرفُ تفاصيلَ ما يدورُ بين طرفيِّ معادلة هذا الثنائيّ الرائع الذي تمنّى كلُّ طالبٍ منّا أنْ يكونَ طرفه الآخر! ولأن (زامل) شابٌ ريفيٌّ قضى حياته كُلَّها بعيداً عن مخالطةِ الفتيات والتحاور المباشر معهن والتعامُل بهذهِ الدرجةِ من التقارب.. فقد سقط بعنفٍ وقسوةٍ في حبِّ (لمياء)... ولأنَّ (لمياء) فتاةٌ بغداديّةً من عائلةٍ متفتّحةٍ وتعرفُ كيفيّةَ وحدودَ التعاملِ الطبيعيّ مع زميلها باعتبارِهِ رفيق دراسةٍ ولا يمكنُ لها أنْ تنظرَ إليهِ نظرةً خارجَ هذا التصوُّرِ المنطقيّ للعلاقاتِ الإنسانية في مثل هذهِ الظروف. فقد ظلّتْ (لمياءُ) بعيدةً عن هذا الهاجس الذي لا يمكنُ لها أن تتوقّعَهُ من (زميلها) الشاطر الدؤوب (زامل)! الذي افترضَ إنَّ الوقتَ يمضي وعليه أن يحتويها مبكّراً لكي لا يأتي زميل آخر ويستحوذُ على قلبها ومشاعرِها! فقد صارحها بحبِّهِ لها وعدم استطاعتِهِ النومَ في الليلِ لأنّهُ يفكِّرُ فيها، وهو مستعدٌ لأيِّ شيء من أجل حيازةِ رضاها وبالتالي السعي للاقتران بها على سُنّةِ الله ورسولهِ، وإنَّ أهلَهُ طيّبون وسيرحبونَ بها ويضعونها على رؤوسهم وفي عيونهم! فُزِعتْ (لمياء) وهي تسمعُ مثل هذا الكلام، وأبلغتْهُ –فوراً وبلا تردُّدٍ- بأنّها لم تفكّرْ لحظةً واحدةً بمثلِ هذهِ الأمور، كما إنّها لا تسمحُ لهُ بهذا التصورُّ نحوَها، إنهُ زميلُها لا أكثر، وبسبب مصارحتِهِ وبوحِهِ لها بحبِّهِ، فقد قرّرتْ أنْ تبتعدَ عنهُ حتّى لا يتطوَّرَ الأمرُ، وحتّى لا يراها كذلك، لأنّها تستطيعُ المطالعةَ ومتابعةَ المحاضرات والدروس وحدها أو مع أيِّ زميلٍ أو زميلةٍ أخرى، هذا القرارُ دعا إلى زيادة جنون (زامل) في حبِّه لـ (لمياء)، وصارَ يضايقها في جميع الأماكن التي ترتادُها، في السوقِ مثلاً التقاها –ليست مصادفةً بالتأكيد –وأدّعى إنها مصادفةً جميلةً فعرضَ عليها مرافقتها ومساعدتها في حملِ حاجياتها، إلاّ أنّها اعتذرتْ منهُ بجفافٍ واضح... وفي مبنى البريد في مركز المدينة حاولَ التحدُّثَ معها ولو لدقائقَ، فرفضتْ بشدّةٍ، ووصلَ أمرُ مضايقتِهِ لها إنّها اضطَرّتْ إلى تقديمِ شكوى ضدَّهُ إليَّ بوصفي مسؤولاً للجنة الاتحادية الطلابيّة آنذاك، ودعوتُ (زاملاً) وتحدَّثتُ معَهُ بهدوءٍ ومحبّةٍ مبدياً لهُ وجهة نظري في أمرِ اندفاعِهِ واستفزازِهِ للفتاةِ التي شعرتْ بالخيبةِ إثرَ تغيير علاقة الزمالة البريئة الصافية إلى وهمِ حُبٍّ مازالت –وستبقى- تشعرُ إنّها بعيدةً عنهُ.. وعدني (زامل) وعداً مرتبكاً على إنهُ سيبتعدُ عنها طالما هي غير راغبة فيه، ولم يفِ بوعدَهُ طبعاً، لأنّها التجأتْ إليَّ ثانيةً وشكتْ منهُ بعصبيّةٍ هذهِ المرّة، فاستدعيتُهُ ثانيةً وتحدّثتُ معَهُ بأسلوبٍ أكثر وضوحاً في قسوتِهِ، ووعدني ثانيةً ولم يَفِ أيضاً! وكثرتْ الشكاوى في اللجنة الاتحادّية، ورئاسة القسم، والعمادة، وازداد اهتمامي بحلِّ الموضوعِ، لتزدادَ لقاءاتي بـ (لمياء) الأمرُ الذي أثارَ حنقَهُ ضدّي، ولأنّه محبٍّ أعمى، فقد ذهبتْ بهِ الظنونُ المرضيّةُ إلى تصوُّرٍ مفادُهُ إنّها ربمّا تكونُ معجبةً بي! حيثُ فاجأني في أحد الصباحاتِ بهجومٍ كلاميٍّ مبعثرٍ، لم أفهمْ منهُ سوى أنّهُ شديدُ الضيقِ منّي مع تكرارِ عبارة "مَنْ أنت... هاه؟!".. وأخذَ (زامل) يقلِّدُني في أشياء كثيرةٍ –بعد أنْ عزّزَ ظنَّهُ بأنَّ (لمياء) معجبةٌ بشخصٍ مثلي، فقد حلق (زامل) شاربَهُ الضخم –لأنني كنتُ حينَها حليقَ الشارب-! وأخذَ يرتدي الملابسَ الرياضيّة دائماً –مع أنهُ ليس رياضيّاً بل لأنني رياضيِّ وفي أكثر من فريقٍ خاصٍ بالكليّةِ –وقد طلبَ أن يتمرَّنَ معنا في وحداتنا التدريبيّة علماً بأنّهُ لا يعرفُ من الرياضةِ حتّى كيفيّةِ ارتداء ملابسها!.. وفي أحد الاحتفالات التي نقيمُها عادةً في الكليةِ، جلبَ لي كلماتٍ مضحكةً وضعَها أمامي قائلاً بعصبيّةٍ "أنا أيضاً، أكتبُ الشعر"!.. عرفتُ حينها أنهُ يستحقُّ الرفقَ والمعاملةَ الحسنةَ الخاصّةَ لأنّهُ قد يتحوَّلُ إلى كائنٍ سلبيٍّ يؤذي نفسَهُ بقسوةٍ.. أمّا (لمياء) فقد قرّرت الانشغال الكلّي بدراستها دونَ وضعَ نفسها في مأزق سوء فهمٍ آخر، وفعلاً، فقد تفوّقتْ علينا جميعاً وانتقلتْ في العام التالي إلى كليّةٍ "رديفةٍ" في بغداد لتكونَ قريبةً من أهلها ومسكنها وحياتها.. فيما أحيلَ زميلنا الريفيُّ، الشابُ الذكيُّ إلى مستشفى الأمراض العقلية وقد سمعتُ من بعضِ الأصدقاء بأنّهُ توفي منذُ عدّةِ سنواتٍ في ذات المستشفى: يالسطوة الحبِّ وغرابة أفعالِهِ، ويالهُ من أمرٍ عصيُّ على التفسير، يأتي كيفما يشاءُ، لا وقت عنَدهُ ولا حدود! وعدتُ من آهاتِ ذاكرتي إلى الشاطئ، إلى المرأتين، تُرى ما أمرُهما؟ هل هي الخطيئةُ الناتجةُ من جنونِ الحُبِّ؟ هل هو نذرٌ لأحدِ الأولياء جاءَ بهنّ إلى هذهِ العزلة؟ ولماذا في هذا المكان المهجور؟ بقيتُ مختبئاً حتى أنجزت المرأتانِ طقوسهما، وتلفّتتا بريبةٍ وحذرٍ في المكانِ ثمَّ انسحبتا باتجاهِ رصيفِ النهر.. ذهبتُ إلى الصخرة التي كانت تجلسُ عليها المرأتان، ما زالتْ بقايا الإثم تُثرثرُ في المكانِ ومازلتُ حائراً أبحثُ عن أثرٍ لمجهول، لا شيءَ يشيرُ إلى مفتاحٍ لما أريدُ، لذلك جلستُ على الصخرةِ، متأمّلاً انسياب النهرِ الهادئ، والضفة الأخرى التي تبدو لي شاهقةً من هنا، المنظرُ آسرٌ بنوارسِهِ المحتفلةِ بالطيرانِ في جميعِ الجهات، فيما تطلقُ قطعُ السجّاد المنشور على الرصيفِ الآخر ألواناً ولوحاتٍ آخّاذةً وهي تخضعُ لنشرٍ على جدارِ الرصيف الواطئ لكي تغسلَ وتجفّفَ وتباعَ نظيفةً في السوق المخصّصِ لذلك في نهاية (شارع النهر). ولفرطِ تأمُّلي واستغراقي في الصمتِ فقد وضعتُ رأسي على ركبتيَّ ويديَّ على وجهي وشعرتُ بحذرٍ لذيذٍ أفضى إلى وسنٍ ثمَّ إغفاءةٍ مفاجئةٍ.. ثم.. رأيتُ زورقاً يتهادى في النهرِ وهو يتوجَّهُ نحوي ببطءٍ، لم أر أحداً فيهِ، الأمرُ الذي أثارَ استغرابي ودهشتي، وحينَ وقفَ الزورقُ أمامي مباشرةً، نظرتُ إلى جوفِهِ فوجدتُ صاحبي.. الرجلَ الغريب مستلقياً فيه نهضَ فجأةً وانتصبَ في حوضِ الزورق قائلاً لي: -تعال معي.. لنَقُمْ بجولةٍ في الماء، هذا العالم الذي يضمُّ أسراراً وعجائبَ لا تاريخَ محدداً لها، لقد شاهدنا المرأتين معاً.. وصرنا شهوداً على تفاصيل ما فعلنَ، هناكَ في كلِّ يومٍ سرٌّ يضعُ أوزارَهُ هنا ليتسّربَ مع الأمواجِ إلى مجهولٍ آمن.. أمسكَ بيدي وقادني للجلوسِ على الدكّةِ الواقعة في مقدّمةِ الزورق، وانطلقنا باتجاهِ الجسرِ تصحبُنا النوارسُ بانتظامٍ جذّابٍ غريب، شعرتُ بالهواءِ النقيِّ والندى البارد على وجهي.. وطمأنينةٍ لم أشعرْ بها طيلة حياتي. وضعَ الرجلُ الغريبُ يدَهُ على كتفي وقال: كلّما شعرتَ بالضيقِ، تعالَ إليَّ، في هذا المكانِ! صحوتُ على حركةِ نورسٍ قريبٍ يداعبُ الماءَ بجناحيهِ، واكتشفتُ بأنني قد غفوتُ لأكثرَ من ساعةٍ وأنا على الصخرةِ مسترخٍ مع نسائمِ النهر العذبة وهدوء المكان الآسر. -11 - تفتحُ العزلةُ أفقاً واسعاً للتأمُّلِ يمنحُ الفردَ قدرةً على بناءِ الأفكارِ واتخاذ القرارات بهدوءٍ واستقرار، كما أنَّ العزلة تساهمُ في تنقيةِ بواطنِ النفس، بعرضِ أركانِ بنائها وتصوّرها وتغذية ما كانَ إيجابيّاً صالحاً منها.. هذا في الجانب المشرق من العزلة.. أمّا في الجانب المظلم –السلبي –منها، فهناك مخاطرُ جمّة وأمراض، مستعصيةً تنتجُ من الوحدةِ فيما لو ارتبطتْ بنفسٍ ضعيفةِ البناء وروحٍ واطئةٍ! أنا شخصيّاً، أستطيعُ القولَ بأنني أعيشُ عزلةً أخذتْ من الجانبِ الأوّل الكثير من معطياتها، لذلك استطعتُ أنْ أؤثّثَ عالماً جميلاً ينهلُ من انفرادي ووحدتي وتعلقي بالحلمِ الغريب!.. وهيّأتُ حياتي لمفرداتِ هذهِ العزلة.. اقتنيتُ أوانيَ متنوِّعةً للطعامِ والشاي مع طبّاخ نفطيٍّ صغير أستطيع بواسطتِهِ إعدادَ وجباتي البسيطة –التي لا تحتاجُ إلى مهارات طبخٍ –فضلاً عن المعدّاتِ الأخرى التي لا بُدَّ منها وهي متواضعةً بالتأكيد. هذهِ المفرداتُ البسيطةُ جعلتني أقضي معظمَ أوقاتي بينَ جدرانِ غرفتي في الفندق للقراءة والتأمُّلِ والكتابةِ أحياناً.. ولم أفلح حتّى الآن بفكِّ شفراتِ اللُغزِ الذي بدأ ينمو معي ويدخلُ في صُلبِ مكوِّناتي النفسيّةِ.. وبعدَ حُلمي الأخير ومشاهدتي قبلَهُ للمرأتين، وأنا أتردّدُ في الذهاب إلى تلكَ البقعةِ المنسيةِ في العالم رغمَ وقوعهِا في قلب الحياة!.. وسببُ تردُّدي الحقيقيّ يكمنُ في وحشةِ المكانِ وتوقُّعِ المفاجآت التي لا تسرُّ فيه وبالتالي عدمِ استطاعتي فعل أيِّ شيءٍ تجاه أيِّ حادثٍ سيّما وإنني قد سمعتُ بأنَّ بعضاً من المتسكعين والشاذين يرتادونَ مثلَ هذهِ الأماكن المهجورة للابتعاد عن أعين الناس وقضاء حاجياتهم وأداء جلساتهم التي يسودُ فيها أردأ أنواع الخمور المغشوشة وبعد انتهائهم من آخرِ قطرةٍ من احتفالهم بها يبدؤونَ بالشجارِ الذي قد يصلُ إلى القتلِ فيما بينهم بسببِ هيمنةِ السُكرِ على رؤوسهم وضياع وعيهم وتركيزهم.. ما عليَّ سوى الانتظار ومتابعة أحلامي التي تزدادُ إثارةً في انعكاسها على الواقع، وتجسُّدِها لي بشكلٍ صَعُبَ عليَّ تحليلهُ.. قبلَ يومين شاهدتُ في حُلمي صديقَ طفولتي (قصي) الذي لم ألتقهِ لمدّةٍ زادت على الاثني عشر عاماً، وفي صباحِ اليومِ التالي للحلمِ، وأنا أتمشى في هرج (الباب الشرقي) صادفتُهُ وجهاً لوجهٍ، سلّمتُ عليهِ فردَّ عليَّ السلامَ متطلِّعاً بوجهي بعمقٍ ثمَّ أطلقَ صرخةً صغيرةً معبّرة عن الدهشة والفرح عندما عرفني.. تحاضّنا في الشارع، وانهال بيننا وابلُ التعبير عن الأشواق والأسئلة، وأعلمتُهُ بأنني متيقنٌ من أنني سأراهُ هذا اليوم! فاعتبرَ هذا اليقينَ الغريب جزءاً من مداعباتِ معَهُ وتركتُُهُ لهذهِ القناعة.. وهناك الكثيرُ من الأشخاص والأماكنِ والأحداث ممّا أراها في (حلم الليل) أجدُها في (واقع النهار).. مرّةً حيّرني حلمٌ غريبٌ بأجوائِهِ وأشخاصِهِ وأماكنِهِ وأحداثِهِ، ضجيجٌ في كلِّ شيءِ، هذا يغنّي، وذاك يركضُ وآخرُ يحملُ مسدساً ويركضُ خلفَ امرأةٍ هاربةٍ منهُ! وبعد استيقاظي استغربتُ هذا الحلمُ وتحيّرتُ في دلالاتِهِ، التي تشيرُ إلى الضياعِ والفوضى.. ولكنني ضحكتُ من أعماقي في اليوم التالي بعد أنْ وقعتُ على معادِلهِ الواقعيّ حينَ دخلتُ بمصادفةٍ محضةٍ إلى "سينما سميراميس" في بغداد لمشاهدة فيلم المغامرات الشهيرة (إنديانا جونز)!! وتكرّرتْ الأحلام التي أشعرتني بلذّةِ اكتشافِ المجهول! أو فكّ الرموز التي يطلقُها الحلم والتي حقّقتْ لي فلسفةً خاصّةً في الحياة استطعتُ من خلالِها أنْ أؤثثَ قناعاتٍ مستقاةً من عمق التجربةِ لا من القراءات الباردة التي تأتي دائماً بعموميّات لا تستطيعُ الإحاطة بكاملٍ التصوّرات الخاصّة التي تندرجُ حالتي الغريبة التي أعيشُها ضمنها! هذهِ القناعاتُ الخاصّة التي حققتُها وفّرتْ لي رؤيةً ذاتيةً في رصدِ الأشياء وتسميتها مع الإيمان الكُلّي بالممكناتِ الخارجة عن تصوّرنا أو حتّى مدياتِ خيالاتِنا ما يطلقُ عليها بـ (الخارقة) التي هي خارجَ المألوف حتماً.. لم يَعُد الرجلُ الغريبُ لغزاً محيِّراً لي!... أو هكذا شئتُ أن يكونَ، بسبب الإحالات الغرائبيّة –التي صارتْ مألوفةً –تلك التي يوفّرها لي (الحلمُ).. حيثُ اقتنعتُ تماماً بفكرةِ (لعبة الزمن) تلك التي ترتّبتْ على الحاضر المعيش المنطلق من الماضي المنصرم والمؤدّي إلى المستقبل المجهول...! تُرى ماذا سيحدثُ لو تداخلتْ هذهِ الأزمانُ، وسبقَ المستقبلُ الحاضرَ، أو الماضي أو حدثَ تداخل، بين زمنين معاً في آنٍ واحدٍ وضمنَ مدركاتِ وعي خاص؟! تُرى هل خضتُ في عبثٍ وجوديٍّ ناتجٍ من إحساسي بالحيرةِ والتعب، أم أنَّ إشارات الأحلام لحوادث (سـ) تحدثُ في المستقبل وإن كانَ قريباً هي التي تجعلني أجترحُ مثلَ هذا التصوُّرِ الغريب؟ لا أدري ربمّا هي مصادفات أو رؤىً يفرضُها الإجهادُ النفسيُّ.. المهم.. أنّها حقيقيةً وغريبةً في الآن ذاتِهِ! أتذكَّرُ أيّامَ قراءاتي الأولى –المبكّرة –حيثُ كنتُ تلميذاً في الصف "الثالث المتوسط" وكنتُ منهمكاً بقراءة رواية (فيكتور هيجو) الشهيرة (البؤساء) وكان بطلها(جان فالجان) مهيمناً على نظرتي للأشياء من خلال تأثُّري بمغامراتِهِ وتشعُّب حياتِهِ وعمق أفكارِهِ الخاصة.. وفي إحدى الليالي (حلمتُ) بأنني مع شخصٍ يسيرُ إلى جانبي وتسلّقنا سوراً عالياً ثمَّ ذهبنا مشياً إلى مدينة من بيوتٍ متشابهةٍ الأشكال وتقطعُها شوارعُ نظيفة وجميلة.. وشاهدنا من بعيدٍ منظرَ فوضى وتجمُّعاً سكّانياً حول أحد البيوت، ثم مرَّ بجوارِنا طفل، سارعتُ بسؤالِهِ: -ماذا يحدثُ هناك؟ فأجابني: لقد دخل المغامر (جان فالجان) إلى أحد البيوت، وأنتَ تعلمُ بأنّهُ هارب من العدالةِ فتجمَّعَ الناسُ حولَ هذا البيت واستدعوا الشرطة للقبضِ عليه! بعد ذلك شاهدنا (جان فالجان) مُقاداً من قبل شرطين لأخذِهِ إلى السجن!... وانتهى الحلم.. في الصباحِ ذهبتُ كعادتي إلى المدرسة، وقبلَ بداية الدرس الأخير أشارَ عليَّ صديقي الأقرب "قصي" بأن نترك الدرس الثقيل والمزعج.. وأتفقنا على مغادرة المدرسة، فتسلقَنا سياجها العالي، واقترحَ عليَّ "قصي" أنْ نذهبَ إلى محلّتهم وهي "دور شركة النفط الوطنية" في "الموفقية" (1) التي تقعُ إلى الغرب من محلة "الجمهورية". وتمتازُ دور الشركة بتشابُهِ بيوتِها ونظافة وجمال شوارعها وأزقّتها.. وأثناء مسيرنا في أحد الشوارع شاهدنا من بعيدٍ مشهدَ فوضى وتجمّعاً سكانياً حول أحد البيوت، ثمَّ مرَّ بجوار طفلٌ سألتُهُ: -ماذا يحدثُ هناك؟ أجابني: -لقد دخلَ "عبّود الشقي" إلى أحد البيوت وأنت تعلمُ بأنَّ عبوداً هاربٌ من العدالةِ، فتجمَّعَ الناسُ حول ذلك البيت واستدعوا الشرطةَ للقبضِ عليه.. بعد قليلٍ شاهدنا "عبّود الشقي" مُقاداً من قبل شرطيين لأخذهِ إلى السجن! شعرتُ بهزّةٍ شديدة في بدني إثرَ الدهشةِ الصاعقة وأنا أتذكّرُ تطابقَ الحلم الغريب مع ما حدثَ لاحقاً.. قلتُ لصديقي قصي: -هل تعلم بأنني شاهدتُ هذهِ الحادثة؟! فأجابني ضاحكاً: -في أيِّ فيلمٍ سخيفٍ يا تُرى؟! أجبتُهُ بارتباكٍ وشرود ذهن: في الحلمِ.. واللهِ.. وقصصتُ عليهِ الحلم، فراحَ في فصلِ ضحكٍ طويلٍ.. في ذلك الحين لم أُعطِ للأمرِ اهتماماً، هو حلمٌ على أيةِ حالٍ وأنا في عمرٍ غضٍّ في كُلِّ شيء.. وتكرّرتْ معي أحلام متباعدةً أشارتْ أيضاً إلى حوادثَ وأشخاصٍ وأماكن.. لكنني لم أتعاملْ معها باهتمامٍ.. أمّا.. بعدَ هذه السنوات الطويلةِ، فقد أصبحَ الأمرُ عندي مختلفاً ويصبُّ في بُعدٍ آخر.. لا سيمّا بعد أنْ اتّسعتْ قراءاتي وتجاربي في الحياةِ وذقتُ مراراتٍ متنوّعةً وتعلّمتُ الكثيرَ ومازلتُ غارقاً في القراءةِ والبحث والتعلُّم من أجلِ الوصولِ إلى إجاباتٍ شافيةٍ حولَ تناسُلِ الأسئلةِ الكبيرةِ في الوجود.. والحياة... وما يُسمّى بـ (الخوارق). -12- تطوي الأيّامُ أوراقَها، تصبحُ الفسيلةُ نخلةً، يغدو البرعمُ غصناً، تسَقطُ أوراقٌ، وتذبلُ زهورٌ.. الأشياءُ الصغيرةُ تكبرُ، والكبيرةُ تذبلُ، وأنا في عربةٍ تهتزُّ، في القطارِ النازلِ إلى الجنوب.. أجلسُ متأمّلاً المساحاتِ الصحراويّةَ الممتدّة على طولِ الطريق بين الناصرية والبصرة، والوقتُ في بدايةِ الصباحِ، البردُ قارصٌ، والنعاسُ يتمطّى على وجهي، نمتُ ليلةً مليئةً بالانفجارات! ذلك إنني في كلِّ هزّةٍ من اهتزازات القطار أتخيَّلُ انفجاراً أصحو فَزِعاً على أثرِهِ. لا أحدَ معي في غرفةِ المنام التي حجزتُ أحدَ أسرَّتها، ربمَّا انسلَّ بهدوءٍ الشخصُ الصامتُ الذي حجزَ معي السريرَ الآخر في ذاتِ الغرفة، إنهُ منذُ أنْ دخلَ الغرفةَ في بداية الرحلةِ من بغداد وأدائه السلام والتحية وكلمات المجاملة الآلية المعروفة، لم يتحدّثْ بأية جملةٍ حتّى مغادرته بهدوءٍ وصمتٍ في إحدى المحطّات الفاصلة بين السماوةِ والناصريّة.. والسببُ في صمتِهِ أنا طبعاً!، لأنني سرعانَ ما تمدّدتُ على سريري –لحظة تحرُّك القطار –تناولتُ كتاباً من حقيبتي غرقتُ فيه حتّى نمتُ.. وكلّما أنهضُ فزعاً بسبب اهتزازات القطار الدائمة أراهُ راحلاً في غفوةٍ عميقةٍ على سريره.. لذلكَ أحسستُ بوحدتي اللذيذة حتّى الآن وأنا أشاهدُ المنظرَ المؤثر من خلال النافذةِ وهو يعرضُ عليَّ الكثيرَ من أشلاءِ الحكايا التي أعرفُها عن هذهِ المناطقِ البعيدةِ عن شبقِ الحياة! كلُّ شيء يشيرُ إلى بقايا.. فهذهِ بقايا بيتٍ.. وتلك بقايا محطّةٍ.. وهذهِ بقايا عربة وتلك بقايا إحدى المعاركِ الضارية.. وفي البعيد، تصرخُ النيرانُ بأعلى بوحها معلنةً عن مواقعِ الشركات المعروفة التي تعمل في تغذيةِ إضرامها، شركات النفط والغاز المقامة في عمقِ الصحراء.. مرّةً عملتُ في إحدى تلك الشركات! يومَ كنتُ طالباً في الإعدادية، وفي العطلةِ الصيفيّةِ، أنهضُ مع آذانِ الفجرِ، وأتوجَّهُ إلى الجامع القريبِ من بيتنا حيثُ أجتمعُ مع عددٍ من العمالِ الذينَ لا أعرف ملامحَهم بسببِ الظلام وبسببِ تلفّعهِم باليشماغات أثناء العمل.. ننتظرُ (الباص الخشبيّ) وندخلُ فيهِ حاملين أمتعتنا البسيطة من الغداء.. ويبدأ الباصُ معنا حبوَهُ في الصحراء باتجاهِ شركة "بكتل" الأجنبية.. ونصلُ في لثغةِ الصباح الأولى إلى موقع العمل، بعد أنْ غفونا بعمقٍ في السيارة العجوز المهددّة دائماً بالعطل!.. -انهضوا.. لقد وصلنا.. يصيحُ السائقُ الكهلُ بانزعاجٍ لنتمطّى جميعاً وننزلُ بكسلٍ وبلا حماسٍ إلى موقعِ العمل.. عملُنا هو تنظيفُ السواقي المخصّصة للأنابيب والمحفورة حديثاً من تسرُّب الرملِ إليها، إذْ نقومُ بنقلِ الرملِ بجرّافاتٍ يدويّةٍ.. إلى جوانب الحفر! وبما إنَّ العواصفَ الرمليّة دائمة الهبوب فقد أصبحت اليشماغات التي تغطّي وجوهنا ورؤوسنا والأهم من ذلك أنوفنا كي لا تمتلئَ بالرملِ، علامات تميِّزنا عن العاملين الأجانب الذينَ وضعوا الكمّامات البيض الأنيقة على أنوفهم وأفواههم وهم يعملون في تنظيم الأنابيب لإنجاز مشروعٍ للغاز السائل –هكذا قالوا لنا-!.. عملُنا شاقٌ بالتأكيد وهو يستنزفُ قوانا لأنّنا في فترتي الاستراحة الخاصتين بالفطور والغداء، نسرعُ في تناولِ وجباتنا المتواضعة الباردة لنتمدّدَ على الرملِ حيثُ ننامُ في الفترةِ المتبقيةِ من وقت الاستراحة وعندما ننهي العملَ ويحملُنا الباصُ الخشبيُّ ثانيةً عائداً بنا إلى المدينة في الظلامِ أيضاً نقضي وقت الرحلةِ بالنوم وحالما نصل إلى بيوتنا، نستحمُّ سريعاً ونتعشّى سريعاً ثم بأقصى سرعةٍ إلى صديِقنا الآمن (النوم)!.. في أيّامِ العملِ الشاقِّ هذهِ كانت أحلامي تعبِّرُ عن فوضى واضطرابٍ في الصور والأشكال والأحداث نتيجة التعب الكبير الذي يجتاحُ جسدي وذهني معاً. واستمرَّ إيقاعُ العملِ هذا طيلةَ العطلةِ الصيفيّةِ، لتشهَد بدايةُ الدوام في السنة الدراسية الجديدة ارتدائي ملابسَ جديدة وتمكُّني من ادّخارِ مبلغ جيّدٍ في حينِهِ مكنني من اقتناءِ حاجاتي الأساسيّة مع اقتناء تذكرةِ سفرٍ في القطار الصاعد من البصرة إلى بغداد وقضاء أيّامٍ مسترخيةٍ حافلةٍ في العاصمةِ بين المكتباتِ ودور السينما مع حضور إحدى مباريات (المنتخب الوطني) في ملعبِ الشعب الدولي وتشجيع نجومِهِ مباشرةً، كان السفر في القطار في تلكَ الفترة، يمثِّلُ متعةً كبيرةَ لأنَهُ متكاملُ الخدمات والمسافرونَ فيه على درجةٍ عاليةٍ من الأهميّةِ والأناقة! أمّا الآن فالسفرُ في القطارِ بلا خدماتٍ ومسافروهُ جلُّهم من الفقراءِ والمعوزين والعسكريين الملتحقين بوحداتهم، والنافذة التي أطللتُ منها بوجهٍ حيويُّ مبتسمٍ طريّ على مشهدٍ من فرحٍ انطلقَ من نظرة عيني إليه أوّلَ مّرةٍ.. هي ذاتُ النافذةِ التي أطلُّ منها الآن بعدَ خمسة وعشرين عاماً، على نفسِ المشهدِ بوجهٍ عليهِ مسحةُ التعب والحزنِ والشرود.. الشجرةُ ذاتُها أمام المنزلِ الوحيد في الصحراء، المشهدُ الذي كانَ يمثِّل لي رؤيةً حالمةً في السابق، يرسمُ لي الآنَ هاجسَ الوحشةِ والضياعِ وفقدانِ شروطِ الحياةِ وسيمائها.. يا للأشياءِ كم تتبدّل؟! ويا لنفوسِنا كيفَ تتعاملُ مع الأشياءِ بعد أنْ تطعنها السنواتُ بتجاربها؟.. سفري إلى البصرةِ هذهِ المرّة بقصدِ "دائرة التجنيد".. في التجنيد يجتمعُ أبناءُ المواليد الموحّدة، بانتظارِ كُتبِ السوقِ إلى الوحدات.. هذهِ المرّة، ستكونُ الخدمةُ شهراً واحداً، لا جبهات، ولا انقطاع، ننتظرُ تحتَ الشمسِ محتشدينَ نتحدّثُ عن تخرُّصاتنا وعن آخرِ الإشاعاتِ التي سمعناها حولَ خطّة سوقِ مواليدنا.. وتظهرُ الكتبُ منفردةً.. جنديٌّ نحيلٌ يفتحُ البابَ الموصَد بالسلاسل، وينادي على الأسماءِ.. واحداً... واحداً.. يسلِّمُهُ كتابَ السوقِ ودفتر الخدمة العسكرّية المؤشّر.. لا حوار.. ولا أسئلة.. ضابطُ التجنيد متعبٌ من العمل والتواقيع وسيولِ الإجابات.. و... تجربةٌ جديدةٌ في وحدةٍ ثابتةٍ وضعتْ لنا جدولَ تدريبٍ مكثّفاً، سبقتْهُ محاضرة لأمرِ الوحدةِ يشيرُ فيها إلى تجنُّبِ الوساطات وإنهاء هذا الشهرِ بخيرٍ.. ومعَ هذا كُنّا في فصيلنا الصغير نسمعُ بأسماءٍ دونَ أن نرى أصحابها، ويُستدعى البعضُ منّا في بدايةِ الأسبوع ولا نراهُ ثانيةً إلا في منتصفِ الأسبوع الثاني! تعوّدتُ على النهوضِ في الخامسةِ فجراً.. للحلاقةِ والاستحمام وارتداء الملابس العسكرية والذهاب إلى وحدتي في معسكر الرشيد.. ياه.. أخيراً معسكر الرشيد! الذي كانَ حُلماً لي أيّامَ كنتُ في سعير الجبهات.. لم أكنْ حينها أصدِّقُ أنْ أداومَ بشكلٍ طبيعيٍّ في وحدة لا نشكو فيها من قصفٍ مُعادٍ أو احتمالِ تعرُّضٍ أو هجومٍ يشنُّهُ الأعداءُ ضدَّنا أو رعب انتقالٍ من قاطعٍ إلى قاطعٍ آخر.. هاهو معسكر الرشيد وهاأنذا أسبحُ في الظلامِ في طريقي إليهِ، سياراتُ (الباب الشرقي) الضخمة الممتلئة حدَّ ميلها إلى جهةٍ واحدةٍ.. وبعد (الباب الشرقي) إلى السيارات الكبيرة المؤدّية إلى المعسكر، حتّى باب النظام، وساحة العرض الصباحيّ، والوقوف بالاستعداد وقراءة الأسماء وتقديم الموجود وتنفيذ الإيعازات، والهرولة الصباحيّة، والتدريب البدني، ثمَّ التوجُّه إلى الدرس اليوميّ.. وهكذا ينقضي الشهرُ.. لأسَرَّح.. ويأتي شهرٌ آخر.. وأنا أنتظرُ زيارةَ الرجل، لا سيّما بعد أن تغيّرتْ بعضٌ من تفاصيلِ حياتي، وخضتُ تجربة الجيش ثانيةً رغمَ إنها كانت تجربةً باردةً هذهِ المرّة، إلاّ أنّها أخرجتني عن إطار حياتي وأصبحتُ مشغولاً بيوميّاتها حتى إنني شعرتُ بشوقٍ كبيرٍ للأماكنِ التي تعرَّفتُ بها من خلال صديقي الرجل! شعرتُ بلهفةٍ للذهابِ إلى النهرِ والجلوسِ على جرفِهِ وتأمُّلِ المدينةِ من جانبها الآخر، اشتقتُ للنوارسِ والصيّادينَ والمفاجآت.. وفي فجرِ إحدى الليالي التي لم أستطعْ النومَ خلالها، نهضتُ من فراشي، وارتديتُ ملابسي العسكرية –رغم إنني تسرَّحتُ من الجيش –وخرجتُ من الفندقِ وسطَ دهشةِ واستغرابِ أصحابِِهِ الخافرين.. -إلى أينَ بهذهِ الملابس العسكرية؟ سألني أحدُهم بتعجُّبٍ، فأجبتُهُ ببرودٍ: إلى النهرِ، والمدينة واصطياد الشمسِ قبلَ أوانِها!.. -ثم ردّدتُ مع نفسي -.. إلى صديقي الذي ينتظرُني في زورقٍ يتهادى في الماء.. إلى حورّيات النهرِ، وطلاسمِ المختبئات، إلى القرابين والنذور التي يأخذُها التيارُ الهادئُ إلى الجنوب.. خرجتُ هائماً! مررتُ بالمتسكّعين النائمينَ في الزوايا المهملة.. والكلاب والقطط وبقايا ليل المدينة.. تأمّلتُ تمثالَ (الرصافي) فتخيّلتُهُ يضحكُ وهو يراقبُ من عليائِهِ جسرَ الشهداءِ والجامعَ المحاذي لهُ والبنايات القديمة والحديثة التي تنتصبُ على جانبيِهِ.. استمرّتْ خطواتي حثيثةً باتجاهِ الجسر، وعبرتُهُ مستمتعاً بنسائمِ الفجرِ العذبة، نزلتُ إلى الجانبِ الثاني.. وانحرفتُ يساراً، تجاوزتُ زوارقَ وآلياتِ العبّارين والصيّادينَ الذين لم يستيقظوا بعد.. ووصلتُ إلى مدخلِ الملجأ العجيب المؤدي إلى النهر والذي اكتشفتُهُ سابقاً.. نزلتُ بهدوءٍ.. فالظلامُ ما زال سائداً.. وصلتُ قريباً من الجرفِ سمعتُ حركةً في الماء، فانزويتُ بينَ أعوادِ القصب، شاهدتً نورساً كبيراً يداعبُ الماء، ما أن أحسَّ بوجودي حتّى حلّق في الفضاءِ فوقَ النهر.. توجّهتُ إلى الصخرةِ الثابتة على جرفِ الشاطئ، مددتُ يديَّ وأخذتُ قليلاً من الماءِ نثرتُهُ على وجهي، رفعتُ طرفيَّ البنطلون الكاكيّ وكففتهما حتّى ركبتيَّ ووضعتُ قدميَّ في الماءِ البارد، شعرتُ بلذّةٍ واسترخاءٍ، وبعد لحظاتٍ غفوتُ إغفاءةً عميقةً.. ثمَّ شعرتُ –كما أوّل مرّةٍ –بزورقٍ ينسابُ باتجاهي رفعتُ عينيَّ فشاهدتُ الرجلَ مبتسماً وهو يجلسُ على الدكّةِ البعيدة للزورق.. ألقى عليَّ التحيّةَ ورفعَ يدَهُ اليمنى متمتماً بكلماتٍ لم أتبيَّنْ ماهيّتَها.. قفزتُ سريعاً وصعدتُ إلى الزورقِ وجلستُ على دكّتِهِ القريبةِ في الجهةِ المقابلةِ التي يجلسُ عليها الرجل، الذي سحبَ مجذافاً أبيضَ وحرّكَ بهِ الماءَ فانسابَ الزورقُ بهدوءٍ مع تيار الماء.. نظرتُ حولي، شاهدتُ عشراتِ الأواني الألمنيوميّة (الصواني) المليئة بالآسِ والشموع المتوهجة وقطع الحلوى والحنّاء والطين وهي تحيطُ بالزورقِ الذي يحملُنا.. مررنا من تحت الجسر، واستمَّر الزورقُ متهادياً في رحلةٍ سحريّةٍ غريبةٍ.. مددتُ يدي إلى الماءِ وغرفتُ قليلاً منهُ غسلتُ بهِ وجهي، استيقظتُ فجأةً.. لا... ربمّا لم استيقظْ!... فهاأنذا مازلتُ في الزورقِ، وهاهو الرجلُ يبتسمُ بوجهي، وقد أدركَ فيضَ أسئلتي.. فيما خضعتُ للصمتِ، وأنا أتأمَّلُ هدوءَ النهر وانسيابَ الزورقِ، والنوارس المحلّقة بفرحٍ حولَنا.. والمدينة التي تنأى تفاصيلُها عنّي.. حتّى تلاشت كليّاً! أدركتُ حينها عدمَ حاجتي لإيضاحٍ أو لتوجيهِ أسئلةٍ أو حتّى.. لكلامٍ... مجرد كلام! (1) الموفقية الجمهورية: من المحلاّت الشعبية المعروفة في البصرة –جنوب العراق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |