عكا و الملوك ـــ أحمد رفيق عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ابن جبير

قل سيروا في الأرض، ولا تسمعوا لأرسطو وشرّاحه، الأرض تحدث أخبارها، وفيها من العجائب ما يكفي للاندهاش حتى آخر لحظة في العمر.‏

المدن تغريني، أما طرق القوافل البعيدة والمجهولة فأجد فيها وجه الله.‏

سيروا في الأرض، وشاهدوا آثار الأمم التي محقها الله، فغاصت في التراب أو تيبست على الحجارة.‏

ثمة وجه الله في كل شيء. والسفر وإن كان عذاباً كاملاً ومغامرة غير مأمونة فإنه يسفر عما يضطرب به هذا القلب وما يترع به.‏

المركب المصري الذي صعدت إليه، كان مزيناً بأعلام الناصر صلاح الدين، وأعلام المنصور أمير البلاد المراكشية والأفريقية، وما والاها من بلاد الأندلس، ومملكة غانة في الصحراء، وبرقة على شاطئ بحر الروم.‏

وكعادة البحارة المصريين فإنهم يسمون مراكبهم أسماء حسنة، وهذا ما لم أشاهده في بحار أخرى أو موانئ أخرى. وكعادة البحارة المصريين ـ أيضاً ـ فإنهم يجاملون حاكم البلاد التي يمرون بها، فاسم مركبهم عندنا في سبتة "المنصور" أما في الاسكندرية في "الناصر". مراكبنا يكتب عليها اسم الله وحسن ذلك اسماً وكفى به.‏

البحارة المصريون وعلى غير عادة بحارة مراكش فإنهم يتعلمون أحوال النوء بالمشافهة، أما بحارة مراكش فإنهم يتعلمون ذلك بمدارس خاصة أقامها لـهم المنصور في مراكش ذاتها؛ حيث أجري عليهم الرواتب وسفناً صغيرة يتدربون عليها قبل أن يخوضوا غمار البحر.‏

المركب المصري الذي صعدت إليه نهاية هذا الصيف، نطلق عليه ـ هنا في بلاد مراكش والأندلس ـ الجفنة ـ في حالة السلم ـ أو الجفنة الغزوية ـ في حالة الحرب ـ، أما أهل مصر وأهل الشام فيسمونه بالشلندي، ولا أدري سبب هذه التسمية، ولكن إخوتنا المشارقة لـهم مزاج لا يشبه أمزجتنا هنا في المغرب. فالمركب الذي صعدت إليه يشبه الجفنة حقاً في اتساعها وتسطحها، وهو طابقان لا ثالث لـهما، الأسفل منهما للجذافين، أما الأعلى فللمسافرين والأمتعة والمؤمن.‏

مدينة سبتة في نهاية الصيف تتحول إلى سوق فقط، يضج بالقادمين من مصر والشام والأندلس وصقلية واقريطش وأنطاكية وجنوة وبيزة والقسطنطينية، وتجري سوق المترجمين وبائعي النقد بالنقد، ولا أعود أعرف المدينة التي أحببتها يوماً.‏

المدن تغريني دائماً. وسبتة لا تشبه غرناطة في شيء؛ غرناطة قطعة من جنة الله على أرضه، أما سبتة فهي مجرد سوق على شاطئ بحر الروم المزدحم. ولكن غرناطة هي عاتكة أيضاً. لما ماتت عاتكة، ماتت غرناطة.‏

سبتة كانت ملاذاً لي، ملاذاً من الذكريات ومن جدل الفلاسفة والفقهاء.‏

ناء المركب بالأمتعة من كل نوع؛ أحزمة فاس الجلدية ومناطقها وحقائبها، الأحذية الجلدية الفاخرة الملونة، سروج الخيل ذات الطبقات الثلاث التي لا شبيه لـها في المشرق، الزرابي والوسائد الصغيرة التي يتعشقها سراة القوم في مصر والشام، الورق السميك الذي لا يشبه ورق بغداد أو سمرقند، فراء سرقسطة، أغطية جنجالة، أواني مالقة الفخارية المذهبة، حلي قرطبة، أسلحة طليطلة، البلور الصخري من جبال اغمات وما والاها، صوف وعسل وقطران وتبر من صحراء النيجر وأنهارها، حديد من مجاهل صحراء كتامة وغانة، ورق فاخر من لمطة. تجار من كل البلاد.‏

اعتدت مصاحبة التجار دائماً، في المراكب وفي القوافل وفي الخانات وفي القياسر، التجار في كل مكان، ومنهم تعلمت أن أهبط إلى الأرض دائماً، إنهم يفهمون كل شيء، ويزنون كل شيء، وعلى النقيض من ولاة الأمور، فإن لغة التجار لغة مرنة وناعمة وفيها دائماً إمكانات للتسويات، وليس من المستغرب أن تجد تاجراً من صقلية يفاوض تاجراً من سبتة بلغة عربية فصيحة لا لحن فيها، فيحددان فروق الأسعار بين الدنانير المصرية والمرابطية والدرخمية، وأيها صحيح وأيها مغشوش.‏

كنت في أغلب الأحيان كاتب عدل بين التجار في عهودهم و مواثيقهم ومكاتباتهم إن كانت حوالات أو صكوكاً تبرم في سبتة أو بجاية أو الاسكندرية لتدفع مرة أخرى في بلرم ـ أو باليرما بلغة أهل صقلية ـ أو إشبيلية أو القاهرة.‏

كنت الوحيد الذي أصعد إلى المركب المصري لا أحمل سوى جراب جلدي فيه جزء من كتاب أبي حامد ـ إحياء علوم الدين"، وذلك الجزء الذي أسماه "المنجيات" وفيه كتاب التوبة وكتاب الصبر والشكر، وكتاب الخوف والرجاء، وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا، وكتاب النيّة والصدق والإخلاص، وكتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكير، وكتاب ذكر الموت.‏

أحب أبا حامد وأخاف منه، هذا رجل يفضحنا تماماً، يكشف عرينا وضعفنا. بعد أبي حامد صرت أخجل مما يلم بجسدي ونفسي. من أين لـهذا الرجل هذه القدرة العجيبة على إضاءة ما نشعر به أمام الناس، وأمام أنفسنا وأمام الله؟ هل كان هذا السبب هو الذي دفع بفقهاء المالكية إلى الطلب من يوسف بن تاشفين أن يحرق كتاب الإحياء؟‍‍‍! ومن حفظ النص إلى فهمه ومن ثم إلى تذوقه؟! سامح الله المالكية!! إنهم يضيقون بكل شيء، وهأنذا أترك المغرب وقد استفردوا بأبي الوليد الفيلسوف الذي ادعى على حبيبي وسيدي أبي حامد ما ادعى.‏

الفيلسوف أبو الوليد يتهم سيدي أبا حامد بالجهل، فسلط الله عليه فقهاء المالكية ليزعجوه في شيخوخته.‏

الجهل!! كلنا جهلة يا ابن رشد!! كلنا جهلة، وجهل الواحد منا يناسب علمه؛ كلما زاد العلم زاد الجهل، فسبحان من لـه البقاء والعلم.‏

طلبة العلم الذين صعدوا إلى المركب كانوا من غرناطة وسجلماسة وبلنسية حيث ولدت، وقد كانت فرصة لأن أسأل عن بعض معارفي هناك.‏

ولكن بلنسية لم تعد كذلك بعد أن حوصرت واحتلت ثم أعيد فتحها أيام المرابطين الأولى.‏

وندمت أشد الندم على تعريفي بنفسي، فقد تجمع هؤلاء الطلبة حولي يسألون ويستفسرون، والأهم من ذلك أن ربان السفينة علم بشكل أو بآخر أنني صهر الوزير أبي جعفر، فصار يتقرب مني بطريقة خجلت منها، وبهذا أو لـهذا ضاعت فرصتي لأن أخلو بنفسي كعادتي في أسفاري.‏

كنت أرغب في أن أوجه الأسئلة للآخرين لا أن توجه لي الأسئلة. السفر يكسر كبريائي وعنجهيتي وافتخاري بنسبي أو بعلمي. رحمك الله يا أستاذي، علي بن أبي العيش، كان يقول لي دائماً: إياك والغرور فإنه مقتل العالم وطالب العلم معاً.‏

اخترت السفر حتى أظل في هذا الشعور الدائم من العجز والجهل وقلة الحيلة. ملك الله أوسع من أن يحصى أو يعد أو يتخيل. سيروا في الأرض!!‏

عندما أسافر أرغب في أن أتحول إلى طالب علم مرة أخرى. اسأل واندهش وأتأمل خلق الله. هذه المرة كانت مختلفة. كنت أقصد الصلاة في المسجد الأقصى الذي منّ الله علي الناصر صلاح الدين ليحرره بعد خمس وثمانين سنة من الاحتلال أو يزيد.‏

هذه المرة لم أرغب في الكتابة عما أرى أو أشاهد، كنت أرغب في شدّ الرحال إلى الأقصى فقط، مسبحاً ومهللاً و حامداً ولا شيء غير ذلك.‏

لم أرَ الأقصى قط ولم أرَ صلاح الدين أيضاً. كنت أرغب في رؤيتهما.‏

القصص والحكايات العجيبة التي ترامت إلينا ـ هنا في المغرب عن صلاح الدين ـ كانت من الغرابة والاختلاف بحيث دفعت المنصور حاكم البلاد إلى إرسال أسطول ليشارك صلاح الدين انتصاراته في المشرق، أو هكذا أشيع بين الناس. المنصور حاكم طموح يريد أن يجمع الأرض والسماء بين يديه.‏

قيل هنا إن صلاح الدين لا يحارب إلا يوم الجمعة، وقيل إنه ابتسم للمرة الأولى بعد أن غسل قبة الصخرة بيديه بماء الورد، وقيل إنه ـ رغم ذلك ـ يصانع الفرنجة وخاصة نساءهم البيضاوات، وقيل إنه سنيّ متعصب، وقيل إنه يميل إلى التصوف، وقيل إنه يحب الدنيا ولكن خواصّه جعلت منه ناسكاً وزاهداً أمام العامة، وقيل إنه اغتصب ملك ولي نعمته نور الدين وأنه تزوج أرملته حتى يرثه تماماً، وقيل إنه يحب العلم والجهاد، وقيل إنه يحب الملك ولهذا فقد اقتسمه مع أولاده وإخوته. وقيل إنه خاضع لتأثير وزيره القاضي الفاضل، وطبيبه اليهودي موسى بن ميمون، وقيل إنه خاضع لأجناده من الترك والأكراد.‏

عندما زرت الساحل الشامي قبل عدة سنين، كان صلاح الدين أميراً من الأمراء الكثر الذين يتقاتلون على كل شيء وعلى لا شيء، كانت كل مفخرته أنه أنهى دولة العبيديين المثيرة للجدل بدعوتها وبدعها. أما الآن فإن هذا الرجل يحرر الأقصى بعد جهد جهيد. رجل جدير بالرؤية وجدير بالدعوة لـه بالنصر والمؤازرة.‏

طلبة العلم الذين تحلقوا حولي كانوا شغوفين ـ أيضاً ـ بالسؤال عن أحوال أهل المشرق، وقد قرأ بعض منهم كتابي الذي وضعته عن رحلتي الأولى إلى المشرق.‏

طلبة غرناطة كانوا أجرأ وأملح، أما طلبة سجلماسة فقد كانوا أفصح وأكثر تحفظاً واحتراماً.‏

سألني الغرناطي الأول: يا أبا الحسن، لماذا لم تذكر من البلاد التي زرتها في المشرق إلا المساجد والزوايا والرباطات والمدارس ونحوها؟ ألم تشاهد شيئاً آخر؟.‏

قلت: وماذا في الحاضرة إلا هذا!‏

ـ الناس..‏

ـ الناس عامة.. ولا يعول عليهم ولا يؤخذ منهم، ولا يعطون أيضاً.‏

قال طالب من سجلماسة: على كثرة اختلاطك بالناس.. كيف هذا؟!‏

ـ العامة جبلة واحدة، في سبتة أو في الإسكندرية أو في بغداد. لا يؤخذ منهم ولا يعطون.‏

قال غرناطي آخر: وهل فرنجة المشرق مثل فرنجة الأندلس؟!‏

ـ بل هم أسوأ وأخبث، فرنجة الأندلس نعرفهم ويعرفوننا، وهم لا يدعون الحرب من أجل الله كما يفعل فرنجة المشرق.‏

قال غرناطي آخر: كنت محظوظاً إذ اشتريت كتاباً جديداً وصل إلى غرناطة، وضعه أسامة بن منقذ، وهو أمير حارب الفرنجة طويلاً قال فيه أن لا فضيلة للفرنجة غير القتال والشجاعة. فهل هذا صحيح يا أبا الحسن؟!‏

قلت: هذا صحيح، ولكن من الصحيح ـ أيضاً ـ أن لـهم جَلداً على العمل، وأن لـهم دأباً على الجهد؛ إنهم يشبهون البغال في حبهم للعمل، وبذل ما في وسعهم لبلوغ الغاية.‏

ـ وماذا عن أخلاقهم؟!‏

ـ لا خلاق لـهم، وفي هذا يصدق أسامة بن منقذ.‏

ـ مضى على الفرنجة مئة عام في أرض المسلمين. فماذا يريدون يا أبا الحسن؟!‏

ـ سألت هذا السؤال لأحد علمائهم والمتبحرين في تواريخهم يدعى وليام الصوري، وهو من خواص ملك بيت المقدس، ويدعى عموري أو أمالرك بلغتهم، وقد قابلته في طريقي إلى عكا، فقال لي إن الساحل الشامي ـ بما فيه بيت المقدس ـ هو ملك لـهم، وإن إنشاء دولة لـهم في تلك الأراضي يحقق نبوءات كتابهم، وأن لا شأن للمسلمين بهذه الأرض.‏

ـ ولكنهم أقاموا دولاً بعيدة عن بيت المقدس؟!‏

ـ هذا صحيح، ولكن كل دولهم تلك تخضع لأمرة ملك بيت المقدس فعلاً في بعض لأحيان، واسماً في أحيان كثيرة. وذلك دليل على أن دعواهم تلك لا أساس لـها من الصحة.‏

ـ فماذا تقول أنت يا أبا الحسن؟!‏

ـ أقول إن الفرنجة ـ وإن كانوا قد جاؤوا لحمية دينية ـ فقد جاؤوا ـ أيضاً ـ لما في الشام ومصر من خيرات.‏

ـ كيف ذلك يا أبا الحسن؟!‏

ـ أمراء الفرنجة ومحاربوهم وخواصهم وحتى عامتهم يتلقون العون من كنائس الفرنجة المختلفة، ومن تجار الحواضر الكبيرة مثل جنوة وبيزة والبندقية، ومن ملوك الإنكتار والدنمرقة والبلغار والألمان والإفرنسيس.‏

ـ الإفرنسيس الذين يناصرون الفونس علينا في الأندلس؟!‏

ـ هم أعينهم. ولهذا فإن حرب الفرنجة علينا في المشرق والمغرب ـ أيضاً ـ تحمل الحميتين: الدين، والمنفعة.‏

ـ وهل رأيت ذلك بأم عينك؟!‏

ـ رأيت أن الفرنجة والمسلمين متشابهون في ذلك. المنافع تحركهم وتدفعهم ثم يلتمسون من الدين الذريعة. ولهذا ترى أميراً من المسلمين يصانع الفرنجة، وترى أميراً من الفرنجة يصانع المسلمين. ولكن، وهذا ما يجب أن تعرفوه، أن كل ذلك تغير كثيراً.‏

ـ كيف يا أبا الحسن؟!‏

ـ لم يبق الآن في يد الفرنجة إلا إنطاكية وطرابلس وصور، وذلك بعد أن منّ الله على صلاح الدين بالنصر المؤزر في حطين وبيت المقدس.‏

ـ وما إنطاكية وطرابلس وصور؟!‏

ـ هذه حواضر كبيرة على الساحل الشامي بينها مراحل سفر عديدة. وقد اعتصم الفرنجة بها لأن سندهم من البحر دائماً.‏

ـ هل رأيت صلاح الدين يا أبا الحسن؟!‏

ـ لا، ولكني أرجو من الله أن أراه هذه المرة.‏

ـ هل ستضع كتاباً عن رحلتك هذه يا أبا الحسن؟!‏

احترت في الجواب، قلت: سيقضي الله أمراً كان مفعولاً!‏

ضربت طبول الإقلاع فجأة، كان خلق كثير حولي، يتبادلون آخر الكلمات والتحيات والقبلات. وقف أمير البحر ذو الصيت عبد الله بن ميمون بقامته المتوسطة وهيبته الطاغية، بالقرب من أعمدة المرسى الحديدية، بمحاذاة مركبنا تماماً، وكان ذلك إيذاناً بمراسم الوداع. تقدم ربان المركب المصري باتجاه أمير البحر بخطوات احتفالية، ثم قال بصوت عالٍ ليسمعه الجميع: نحن جاهزون أيها الأمير.‏

قال الأمير بصوت مسموع ـ أيضاً ـ فيما بدا أنه حوار محفوظ سلفاً من كلا الرجلين: هل مركبك قوي يا يعقوب؟!‏

ـ نعم أيها الأمير.‏

ـ وكيف ضمنت أنه قوي؟!‏

ـ لقد أثبت ذلك رجال أسطولكم المؤيد بنصر الله، عاينوا المركب وتثبتوا من صلاحيته.‏

ـ وهل يشهدون بذلك؟!‏

ـ نعم أيها الأمير، ومعه رقعة منهم تثبت ذلك.‏

ـ وهل تزودت بما يكفي من الماء والتمر والسويق والفاكهة والنفط؟‍‏

ـ نعم أيها الأمير‍‍‏

ـ وهل تحمل في مركبك مجرمين أو مرضى أو ملاحقين من شرطة خليفة المسلمين مولانا المنصور.‏

ـ لا أيها الأمير‍‍‏

ـ إذاً، من تحمل معك؟‍‏

ـ تجاراً من بلادكم العامرة، وآخرين من الأندلس، وبعض تجار من صقلية وسردينية، وطلاب علم وعمالاً لمولانا المنصور يريدون النزول في حلق المعمورة وبونة.‏

ـ وهل معك غير هؤلاء من الخواص؟‍!‏

ـ نعم أيها الأمير. على مركبي، العالم المحدث أبو الحسن بن أحمد بن جبير.‏

ـ وما هي طريقك في البحر؟!‏

ـ سألتزم الساحل أيها الأمير، فمن هنا بإذن الله إلى الجزائر ثم بونة ثم القالة ثم تونس ثم صقلية ثم أعود إلى المهدية، ومنها إلى برقة بإذن الله ومنها إلى الإسكندرية، بحول الله وعنايته.‏

ـ وهل معك من الجند ما يكفي؟!‏

ـ أعزك الله أيها الأمير، إن أسطولكم المؤيد بنصر الله قد كفانا شر أسطول بيزنطة في بحر الروم كله.‏

ـ وهل تحمل معك أطباء وأدوية؟!‏

ـ نعم أيها الأمير، فطبيب المركب هو تلميذ شيخ الطب في بلادكم العامرة ابن زهر، أما الأودية فهي من البيمارستان الكبير ومصدقة من ابن زهر نفسه، طبيب خليفة المسلمين مولاي المنصور.‏

ـ هل تريد أي شيء من أسطولنا لسفرتك هذه؟!‏

ـ أريد رضاكم أيها الأمير.‏

ـ هل تقسم على أن تقوم بواجبك تجاه من معك من الناس؟!‏

ـ أقسم يا مولاي.‏

ـ على بركة الله إذاً.‏

تعانق الرجلان عناقاً طويلاً وقوياً، ثم سلّم أمير البحر ربان مركبنا عدداً من الرسائل إلى أمراء البحر في كل ميناء نتوقف فيه، وكذلك سلمه رسالتين مختلفتين باللون والحجم لكل من الناصر صلاح الدين، أو من ينوب عنه في الديار المصرية، وكذلك للملك وليم ملك صقلية.‏

تراجع ربان مركبنا إلى الوراء بخطوات قليلة ثم صعد إلى المركب وأعطى إشارته للبحارة، وإذا بالقلوع الجبارة من الكتان القوي تظللنا، أربعة قلوع تقوم على أعمدة خشبية ضاربة في السماء مشدودة بالحبال والزرد، يعمل عليها بحارة قدّوا من الحديد والجلد الأسمر، كان الوقت قبل الظهر بقليل، السماء الزرقاء الناعمة المزينة بغيوم بيضاء بدت كزهر السوسن على جنبات الطرق في غرناطة، ذكرني ذلك بعاتكة التي كانت تحب السوسن بكل أنواعه البيضاء والصفراء والمنقطة، كانت ترى أن السوسن أجمل من النيلوفر أو الجلنار؛ ذلك أن السوسن أكثر هدوءاً وسلاماً وتواضعاً، صرت أحب السوسن مثلها، وهذا الغيم الأبيض الناعم المعلق في السماء الزرقاء يذكرني بعاتكة وأيام غرناطة، أما أصوات الناس على المرسى وهم يودعون أحباءهم، فقد دفعتني دفعاً إلى مواراة دموعي.‏

واندفع بنا المركب في نوء طيب ورخي. طلاب العلم من سجلماسة تجمعوا في زاوية على ظهر المركب وقد ظهر الخوف على وجوههم، كانت تلك رحلتهم الأولى في البحر، ولم تمض فترة حتى صاروا يتقيأون ما اضطر الطبيب إلى إعطائهم شراب البحر المعروف في مثل هذه الحالات، الطبيب كان عشّاباً في الأصل ثم انتقل إلى صناعة الدواء والجراحة تحت إمرة الطبيب النابغة ابن زهر الذي اكتشف أدوية خاصة لمرضى القلب، وهو ما لم يسبقه إليه أحد من قبل.‏

البحر، الكبير، الرجراج، المخيف، ذو اللجة الغليظة، يصبح في بعض الأحيان وكأنه بساط ناعم من الزمرد الأخضر أو العسجد الأزرق. البحر ساحر حقاً، وقد رأيت منه الأهوال حقاً. وفي البحر يشعر المرء بوحدته وضعفه وقلة حيلته. ليس هناك أكثر من البحر يعلمنا التواضع، أكثر من الصحراء، وأكثر من الجبال العالية وأكثر من كل شيء آخر.‏

ربان المركب وبعد أن رضي عن المسير، سعى إليّ بلهجته المصرية السهلة والرخوة والممطوطة، على عكس لـهجتنا في الأندلس، السريعة والمقتضبة التي نختصر فيها الحروف والحركات.‏

قال وابتسامة عريضة على وجهه: هل أنت راضٍ يا سيدي الفقيه.‏

شعرت بطيب مقصده فلم أنزعج مما وصفني به، قلت: أحمد الله على كل شيء.‏

قال: هل سترافقنا إلى صقلية أم ستنتظرنا في المهدية؟‏

قلت: لا، سأبقى معكم.‏

ـ إذاً، سيسعدنا ذلك جداً، وسنتشرف بك إماماً في الصلاة، وقاضياً في المركب.‏

قلت ضاحكاً: هذه مهام ليست جديدة عليّ أيها الربان.‏

قال على طريقة أهل الديار المصرية في الإسراع إلى المرح والانبساط: أنا أعرفكم أيها الأندلسيون.‏

ـ ماذا تعرف عنا؟!‏

ـ بخلاء حتى في الكلام.‏

كنت معتاداً من أهل مصر، على ذلك المرح وتلك الصراحة.‏

قلت: بهدوء: أهل الأندلس مدبرون وليسوا بخلاء.‏

قال بشيء من الجد بعد أن رأى عدم تجاوبي: لقد عشت في الأندلس طويلاً، وقد حاربت القطلونيين تحت إمرة أمير البحر عبد الله بن ميمون، وهو من علمني فنون البحر وأسراره، ولهذا أعرف الأندلسيين جيداً.‏

سألت: متى حاربت مع عبد الله بن ميمون؟!‏

قال متفاخراً: حاربت معه في البحر المحاذي لمدينة طرطوشة على الساحل الشرقي للأندلس، ويومها انتصرنا على أهل قطلونيا ومن والاهم من نصارى أرغونه والأرض الكبيرة، وحاربت معه في المهدية التي كان يحتلها ملك صقلية وقد انتزعناها منهم بعد أن أغرقنا وأحرقنا أكثر من مئة مركب من مراكبهم.‏

ـ وكيف ذلك وأنت مصري؟!‏

قال وهو يتذكر: لا أتصور حياتي دون البحر، العمل في البحر يتجاوز المهنة إلى ما يشبه عشق النساء، لا أدري كيف ذلك، ولكنه حقيقي تماماً. هناك أسرار في الخلق لا يعلمها إلا الخالق، أما نحن فليس بأيدينا سوى الحدس.‏

ـ أراك تتحدث بلسان غير لسان الربانية.‏

قال ضاحكاً: تعلمت الفلسفة منكم. أنتم تحبون الفلسفة ولكنكم لا تعترفون بذلك.‏

ـ لم تذكر لي حتى الآن، كيف عملت مع أمير البحر عبد الله بن ميمون وأنت مصري.‏

قال: لـهذا قصة؛ فقد كنت بحاراً في أسطول الدولة العبيدية، كنت قائد عشرة، على طراد يضرب النفط والنار، وقد حاربت طويلاً في دمياط والفرما وعسقلان، حتى سقطت دولة الفاطميين على يد صلاح الدين، ولكن ذلك لم يرض كثيرين، فعملوا على طرد صلاح الدين وعساكره بالتآمر مع ملك الروم البيزنطي الذي أرسل أسطوله إلى سواحل مصر، ولكن صلاح الدين قضى على تلك المؤامرة قبل وصول الأسطول الرومي، ولهذا فقد شك صلاح الدين بإخلاص بعض أمراء البحر، فطردهم جميعاً وكنت أحدهم، فلم يطب لي المقام بمصر، فقصدت دولة الموحدين هنا لما علمت أنهم ينشئون أسطولاً عظيماً لا مثيل لـه. وهكذا التقيت أمير البحر عبد الله بن ميمون الذي سلمني سفينة حرّاقة بما عليها من رجال وعتاد. ثم لما تقدمت في السن، سرّحني الأمير وعملت على هذا المركب.‏

ـ وهل هذا المركب لك؟!‏

ضحك الربان: أنا رجل فقير، عشت محارباً ليس إلا، لا أتقاضى سوى ثمانية دنانير في الشهر، هذا المركب لأمير أيوبي توسط لي للعودة إلى بلادي حتى يرضى عني قرقوش.‏

وسألني فجأة وهو غارق في سخريته: هل تعرف قرقوش؟!‏

قلت: لا، لا أعرفه. من هذا؟!‏

قال في بحر سخريته العميق: هذا خصيّ رومي من خواص صلاح الدين، استعمله علينا في الإسكندرية.‏

ـ ولماذا تسخر منه؟!‏

ـ أنت لا تعرف قرقوش ولم تسمع به. تصور أن يحكمك خصي رومي، لا يعرف لغتك ولا يفهم شيئاً سوى أن يفرض أوامره بالجند والشرطة! ستراه عما قريب.‏

استمر الربان في ضحكه وهو يقول: تصور، خصيّ بعقل ناقص يحكمك، فماذا تتوقع؟!‏

قلت: ولكن صلاح الدين اختاره!‏

قال الربان بصوت جاف: صلاح الدين يكره المصريين.‏

قلت: لا تظلم الرجل، لقد ثاروا عليه وشغبوا على رجاله.‏

قال: ليس إلى الحد الذي يضع فيه علينا خصيّاً رومياً.‏

قلت ببطء ووضوح: أليس ذلك أفضل من معارك الأرمن والسودان التي لم تكن تنتهي؟‏

قال بمرارة: كان صلاح الدين شديداً علينا.‏

لم أرغب في إكمال الحوار، كان من الواضح أن الربان لم ينس إهانة طرده من بحر مصر. ولكني لم أرغب أيضاً بإفساد العلاقة معه. قلت بشيء من الود ومحاولة إنهاء الحوار بطريقة توحي باستمرار العلاقة: هناك ـ كذلك ـ أن الناس يظهرون غير ما يبطنون، ولهذا فإن الحذر والروية أفضل الحلول. نحن في نهاية الأمر أنانيون بشكل ما.‏

عمال مولانا المنصور الذي اتخذ لقب خليفة المسلمين، وأثار بذلك حفيظة المشارقة والمغاربة على السواء، تجمعوا في ناحية أخرى من المركب، ولم يحاولوا الاختلاط بالتجار أبو بطلاب العلم، كانت شاراتهم الرسمية، وحركاتهم المتزنة والمحسوبة، وحقائبهم الكبيرة تعطي الانطباع بأنهم في مهمات خطرة، ولكنهم ـ ولأسباب لا تخفى ـ جاؤوا وسلموا عليّ واحداً واحداً، وتبادلوا معي أطراف الحديث حول البحر والنوء المواتي.‏

أذّن لصلاة الظهر، فصلّيت بالناس صلاة الظهر والعصر جمع تقديم، وكانت صلاة أترعت قلبي بالرضا، الصلاة والماء من حولك، ولا يفصل بينك وبين الغرق سوى لوح خشبي يجعل من روحك شفافة إلى أبعد حد، عندئذ تقترب من فكرة الخلق ذاتها، وتواجه السؤال العظيم المبهم: لماذا خلقت أنا بالذات؟! ولماذا كنت ما كنت عليه الآن؟! وإلى أين ستؤدي بي هذه الطريق؟! يتجلى لك الله بصورة يصعب الكلام عنها، هي صورة فوق الحواس وفوق الكلام. هي معنى شامل وصاعق يتخلل الدماغ واللحم والدم، فتعشى عيناك، ويختفي لحمك وينعدم وزنك، وتضج الدنيا بطنين لا يطاق ولا يحتمل، من الروعة أو اللذة أو الألم. شيء يدعو إلى الطيران أو الموت أو القفز إلى الماء أو الاستخفاف بكل ما هو حولك. هي لحظات تفوق كل اللذائذ، وكل الآلام، وكل ما مرّ على المرء من أهوال أو مآسٍ.‏

الصلاة في الماء وعلى عكس الصلاة في الصحراء، صلاة محفوفة بالمخاطر، ولا يمكن للقلب، أن يخلو من خواطره وهمومه. يطربني ذكر الله أمام الماء، يطربني ذكر الله أمام هذا الاتساع المخيف، يحميني ويعزيني. الاسم الحبيب اسم يتسع لك شيء ويجيب عن كل شيء.‏

في مثل تلك اللحظات، أشعر أن جسدي يفهم الأجساد الأخرى من الناس والماء وحيتان البحر وغيوم السماء، والريح التي تدفع القلوع دفعاً. أشعر أني أريد التوحد معها والاهتزاز مثلما تهتز. أشعر أني أفهم كل ذلك، وأستمتع بكل ذلك أيضاً.‏

البحارة السمر، ذوو العضلات المفتولة والعروق التي تكاد تنفجر لامتلائها تحت جلودهم، بدأوا يغنون أزجالاً مشهورة لابن قزمان:‏

هـجـرن حبيبي هجر * * * وأنا لـ......سْ لي بعد صبر‏

ليـس حبيبي إلا ودود * * * قطعْ لي قميص من صدود‏

وخـاط بنقص العهود * * * وحببْ إليّ السهر‏

لم أرغب يوماً في سماع مخنثات ابن قزمان، ولم أحب الرجل قط، فله حياة لا أرضاها لنفسي، ولكن اللحن أخذني، امسكني من تلابيب روحي وجسدي وجعلني أطير فوق الأديم الأزرق، الأخضر، الأسود، الأبيض. ومن هناك، من تلك القمة التي دفعني إليها اللحن من أفواه البحارة، انبثق من داخلي ما كنتُ أحب أن أسمع، أزجال حبيبي وأخي أبي الحسن الششتري:‏

لله لله، هاموا الرجال‏

في حب الحبيب‏

الله الله معي حاضر‏

في قلبي قريب‏

إدّللْ يا قلبي وافرح حبيبك حضر‏

واتنعم بذكر مولاك وقص الأثر‏

واتهنى وعش مدلل بين البشر‏

دعوني دعوني نذكر حبيبي‏

بذكرو نطيب‏

الله معي حاضر‏

في قلبي قريب‏

إش نعمل في ذي القضايا وأنا عبدكم‏

تراني نخلع عذاري على حبكم‏

روحي وإش ما بقي لي نهبه لكم‏

أغلقت عيني على اللحن والمعنى، اكتفيت، ارتويت.‏

ولما هبط الليل، واجتمعت الظلمة بالموج، كان الإحساس بالوحدة والعزلة والانعزال عظيماً، كان برد أيضاً، أشعل البحارة مصباحين فقط، أحدهما في مقدمة المركب وثانيهما في المؤخرة، وعندما أذن للصلاة، كان الصوت الجميل العذب يكسر الوحشة الهائلة.‏

صليت بالمسافرين صلاة المغرب والعشاء جمع تقديم، ثم تناولنا طعام العشاء مما حملناه من ديارنا، واختليت بنفسي استمع إلى صوت الماء في العتمة، أفكر بما تحتي في عمق البحر من ممالك وعجائب. أما هذا كله، أما العتمة واللجة المجهولة المهولة، وأمام كل هذه العزلة، فإن الإنسان يشعر بقيمته أيضاً؛ فهو قادر على الإحساس والاستمتاع والتذوق، وكل ذلك يوصلك إلى الحبيب الذي لن يتركك أو ينساك. كنت أعرف أنني جزء من علم الله ورحمته. أراحني ذلك وطمأنني.‏

انشغل ربان السفينة بتحديد الاتجاه من خلال إبرة الملاحين وهي حجر من المغناطيس يقوم على حامل يسمح للإبرة بحرية الحركة، فتتجه في كل مرة إلى جهتي الشمال والجنوب. لحجر المغناطيس أسرار لا يعلمها إلا الله.‏

كان الربان ينحني تحت المصباح الزجاجي يتابع حركة الإبرة فوق خريطة ضخمة هي نسخة أصلية بتوقيع الشريف الإدريسي المقيم في صقلية بجوار ملكها غليوم ـ أو وليم بلغة أهله ـ، وعلى الخريطة كان يظهر بحر الروم بأكمله، وحولة الأقاليم السبعة في الأرض التي ادعى فيها الشريف إنها تشبه بيضة النعامة أو بيضة الدجاج، وهو أمر لم يقله أحدٌ من قبل.‏

الربان كان يلبس طيلساناً على طريقة أهل الأندلس، ولا يضع عمامة على طريقة أهل الأندلس أيضاً، بدا منهمكاً في تحديد سير المركب في قلب هذه العتمة.‏

كان مساعده يعطي أوامره بإنزال قلوع ساريتين لتقليل سرعة المركب، والبحارة فعلوا ذلك بهدوء وبطء. قلب العتمة، وقلب الموج، وقلب العزلة، دفع قلبي إلى أن يقفز من مكانه، كان ذلك كثيراً جداً، وأكثر ما أطيق. من أجل هذا أحب السفر، ومن أجل هذا أخاطر، ومن أجل هذا طلب إلينا الحبيب محمد أن نسافر.‏

فجأة اندلع جدال ساخن بين تاجر من مراكش، وطالب علم من غرناطة؛ علا الصوت حتى دمر ما كنت فيه. انتبه الجميع لما يقال، أما عمال مولانا المنصور فقد تحفزوا.‏

كان طالب العلم من غرناطة يقول بلهجته الأندلسية الدارجة التي يلحن فيها كثيراً:‏

ـ لا دولة المرابطين، ولا دولة الموحدين استطاعتا حماية المسلمين في الأندلس.. كل ما فعلته هاتان الدولتان هو الاستيلاء على خيرات البلاد وقتل خيرة رجالاتها.‏

ضحك المراكشي وقال بلهجة قبيلة مصمودة: رجالاتها؟! أليس هؤلاء هم من نسل أهل بلنسية الذين خرجوا للقاء القشتاليين بثياب العيد؟!.‏

شعرت بغصة في حلقي!ّ لقد حدث هذا فعلاً. بلنسية بلدي، ومنها خرجت ولم أعد إليها قط، استبيحت منذ ذلك الحين. العز لا يصان إلا بالحمية والدم. في الأندلس تستباح المدن ويقتل الناس بسهولة.‏

قال طالب العلمِ من غرناطة: أليس أهل بلنسية أفضل من الذي رفع الآذان بغير العربية، وادعى أنه المهدي.‏

اندفع أحد عمال مولانا المنصور وقال بغضب: لا يتطاول أحد على مولانا المهدي، هو مهدي من الله، بالنور والرؤية والفيض والعمل. لا أكثر من ذلك ولا أقل.‏

قال التاجر من مراكش بلغة عربية سليمة فيها أثر من قبيلة مصمودة: دولة الموحدي، شئت ذلك أم أبيت، هي التي توفر الأمن لأهلك الآن في غرناطة من هجمات القشتاليين وبلاد البرتغال، ما تزال تذكر بالتأكيد معركة الأرك التي لم يمض عليها وقت بعد بحيث تنساها.‏

اندفع عامل آخر من عمال مولانا المنصور وقال: أنتم يا أهل الأندلس ناكرون للجميل؛ فقد انقلبتم على دولة المرابطين التي دافعت عنكم، وها أنتم تتهمون دولتنا بالنهب والسلب. إن معركة الأرك التي أشار إليها أخونا التاجر المراكشي معركة تسجل بماء الذهب؛ فقد شارك فيها مولاي المنصور نفسه وقد قتل من القشتاليين مئة ألف، وأسر منهم عشرات الألوف، وهكذا ضمن شرهم وكفاكم غدرهم.‏

قال عامل آخر أكثر سمنة وأكثر هدوءاً: ثم إن من ادعى أنه المهدي، هو مهدي فعلاً، إن سيدي ومولاي محمد بن تومرت هو من آل البيت فعلاً، حتى يوسف بن تاشفين لم يستطع أن يتجاوز الحق في هذه المسألة، إذ لما رآه وسمع كلامه خلّى سبيله، ولم يقطع عنقه رغم طلب خواصه منه ذلك.‏

قال طالب العلم الغرناطي بعنادٍ كريه: كل ما نعرفه أن قبيلة مصمودة غلبت قبيلة صنهاجة. قبيلة غلبت قبيلة، نحن دفعنا الثمن.‏

قال التاجر المراكشي: أنت تظلم كل شيء بهذا. إن دولة المرابطين هي التي اعتمدت على الصنهاجيين أما دولة الموحدين فهي دولة كل المسلمين، وهذا مولانا المنصور خليفة للمسلمين كلهم من غانة إلى طليطلة ومن سبتة إلى برقة، وها هو يرسل أسطوله لينصر المسلمين في المشرق كما نصركم في الأندلس.‏

قال الغرناطي بالعناد ذاته: كان المرابطون أذكى منكم؛ فقد طلبوا إلى الخليفة العباسي تقليداً بولاية البلاد التي يحكمونها، أما أنتم فقد جعلتم من أنفسكم خلفاء على المسلمين.‏

انفجر عامل مولانا المنصور وقال: وماذا يملك الخليفة في بغداد من أمره؟ إن الخليفة في بغداد لا يستطيع أن يأمر جارية! فماذا تنتظر منه أن يفعل؟! هل سيحمي بلادكم من نصارى الأندلس المتربصين بكم في كل لحظة؟.‏

قال الغرناطي: حتى صلاح الدين طلب إلى هذا الخليفة الذي لا حول لـه ولا قوة ولاية الأمر.‏

قال عامل مولانا المنصور: إن خليفة المسلمين مولانا المنصور لا يقل شأناً عن صلاح الدين؛ فهو يقاتل الفرنجة مثله، وينتصر مثله، ويرفع شأن الإسلام مثله، ويحب العمران وأهل العلم مثله، وهو سنيّ مثله، لا فرق بين الاثنين إطلاقاً.‏

قال التاجر المراكشي بغضب: تقول قبيلة غلبت قبيلة، فما أنتم إذاً؟! إنكم تستعينون على بعضكم البعض بالفرنجة؛ مرة بالسيف ومرة بدفع الجزية. لقد تركتم الجهاد منذ أمد بعيد. هذا ما أنتم عليه، وإذا كان بدٌ فإن المسلمين خير لك من الفرنجة.‏

سكت الغرناطي مغلوباً على أمره أو خوفاً من عمال مولانا المنصور. كنت أعرف ما في قلب ذلك الطالب المتحمس. كنت أعرف أنه يريد القول أنه ضاق بحكم أولئك الملثمين أو هؤلاء البدو المتنطعين في كل شيء. كنت أعرف أنه يريد القول إن ما طبع عليه أهل الأندلس من الرخاوة والدعة والميل إلى الملذات سيضيقون بتقشف البدو، وما يبدون عليه من ضيق الأفق.‏

أنا ضقت ذرعاً بكل هذا، ضقت ذرعاً ببلنسية وغرناطة وسبتة أيضاً. أريد أن أسافر، وأن أسوح في ملكوت الله، أندهش وأندهش حتى آخر لحظة في عمري. قل سيروا في الأرض.‏

كان النقاش الحاد في قلب كل هذه العتمات يثير حنقي حقاً. كان كل شيء حولنا يدعونا إلى الصمت، أما هؤلاء فيريدون أن ينتصروا لنصف الحق أو نصف الباطل.‏

فوجئت بالغرناطي يسألني بصوتٍ عالٍ: وأنت يا سيد، ما رأيك بما سمعت؟‏

قلت: أقول بما جاء به كتاب الله: (وتلك الأيام نداولها بين الناس(.‏

أصر الغرناطي: كيف نفهم ذلك يا سيدي؟!‏

كرهت إصراره. قلت: الدول لا تقوم على الغلبة فقط؛ كما أنها لا تنهزم بالغلبة فقط، هناك ما هو أكثر من هذا؟!‏

تنبه الجميع لما أقول. عرفت أنني لم أعد وحدي. قلت: أهل الأندلس مختلفون فيما بينهم، أما المرابطون فقد تهتكوا في أواخر أيامهم، أما دولة مولانا المنصور...‏

تيقظ الجميع، رغبوا في أن يسمعوا ما أقول بالضبط. لم أرغب في المجاملة.‏

أكملت: أما دولة مولانا المنصور فهي دولة تطمح إلى ذلك الذي يجعل من الدول باقية، وأقصد بذلك الإيمان والعمل به.‏

لم أقل كل ما كنت أرغب في قوله، كنت أرغب في القول إن الموحدين كانوا مضطرين لحرب الفرنجة حتى يبرروا وجودهم، وكانوا مضطربين للاعتماد على قبائل بربرية أخرى حتى يهزموا المرابطين. الدول لا تقوم على المبادئ أيضاً، إنها تقوم على أنانية من نوع ما.‏

لا بد من فكرة عميقة تستطيع هضم أفكار عميقة أخرى لإقامة دولة. الأندلسيون خبروا الدول التافهة التي لا تستمر لأكثر من عشرين سنة.‏

لم أقل ما أرغب في قوله، ربما خشيت الاصطدام بعمال مولانا المنصور. ولكن! من قال أني أحب الحديث عن الدول؟!!‏

شاهدت خيبة أمل ما على وجه الغرناطي الذي أراد أن ينتصر بي، ربما يتهمني أني لم أنتقد دولة الموحدين لأني صهر وزير في بلاط المنصور، وربما يتهمني لأني كنت كاتباً لأبي سعيد بن عبد المؤمن والي غرناطة عن الموحدين، لا ردّها الله من أيام، ولا أعادها من ذكرى!‏

الأندلس فاسقة، أما صلاح الدين فقد حرر الأقصى. أترك المغرب كله لرؤيتك يا صلاح الدين، لعلك تنقذني من مدن الأندلس جميعاً.‏

العتمة المتراكمة، وصوت ارتطام المركب بالموج الناعم، وهدوء المسافرين جميعاً وهمهمة الجذافين في الطابق الأسفل، كل ذلك حملني إلى غفوة خفيفة، رأيت نفسي خلالها طائراً أبيض كبير الجناحين أطير فوق قمم جبال مسنونة مغطاة بالثلج كتلك الجبال التي شاهدتها في بلاد سنجار والشام. طرت علياً وطويلاً. كنت سعيداً برؤية جذوع الجبال المهولة وهي تكتسي بغلالة بيضاء تجعل من الجبال كأنها أنهارُ من اللبن الرائب تسيل ببطء وهدوء.‏

صحوت سعيداً بالمنام. ربطت وعائي بحبل من الليف، وملأته بماء البحر. توضأت، ثم اتجهت إلى الله، قلت لـه إنني أذكره، وأنني أشكره، وأنني لا أدرك مقاصده، ولا حكمته ولهذا، فإنني أسلمه أمري وقلبي وعقلي، وأطلب إليه أن ينوّرني مرة واحدة، وأن اختصر المسافات جميعاً حتى أصل إلى اليقين، تلك المرحلة التي تشمل المراحل جميعاً. قلت لـه إنني ضعيف ولا أحتمل أي شيء، خاطئ؛ أجبرني والي غرناطة على شرب الخمر حتى يكسر رتابة مجلسه.‏

مهزوز يعذبني كل شيء،وأحتاج إلى الناس في كل شيء. قلت لـه أن يقوّمني وأن يحميني وأن يجعلني أحبه أكثر من أي شيء أعرفه أو أشاهده أو ألمسه.‏

اعتذرت لـه عن أولئك الذين يتكلمون عنه بالباطل، أولئك الذين يترجمون كلام الأمم الأخرى، ثم يتحدثون بذلك إلينا.‏

أنهيت صلاتي وأنا أحدق في العتمة التي فوق الموج، كان ثمة نور خفيف يلتمع في الأفق من المشرق، لم يكن على ظهر المركب صاحياً غيري، وغير بحارين تدثراً بطيلسانهما بالقرب من الدفة.‏

قدرت أن صلاة الفجر قد حلّت. رفعت عقيرتي بالآذان، شعرت أن الأسماك والحيتان وأعشاب البحر قد لحقت المركب استعداداً للصلاة.‏

ربان المركب، المصري الذي لم ينس الإهانة، حدثني بكثير من الود والمرح عن فنون الملاحة وأسرار البحر، وقال لي إن ذلك يتلخص في علم الريح، وعلم الموج وعلم الجغرافية وعلم الفلك، وما يتطلب ذلك من دراية كافية بالخشب والنبات والحديد والقار وما إلى ذلك.‏

قال وهو يشير إلى موج البحر الهادئ حولنا: إن كل بحار عليه أن يقرأ شكل وحجم ولون الموجة القادمة نحوه، وكذلك وتيرة اندفاعها ووتيرة ذوبانها. قال وهو يمثل على كلامه بالإشارة إلى الموج المتدافع: إن الموج الخفيف الأبيض ذو الرغوة الذي يتوالد أمامك ثم يذوب بسرعة إنما يعني نوءاً طيباً. أما الموج الكبير العالي فيعني أن وراءه ريحاً قوية وعليك الحذر. والبحر حالات مثل الإنسان تماماً؛ يغضب فيرغي ويُزبد ويهدأ فيصبح كالطفل الوديع، وهو كالإنسان ـ أيضاً ـ غدار، يخدع بهدوئه، أما البحار الماهر فإنه لا ينخدع بالهدوء. عندما يهدأ البحر عليك أن تقرأ الريح أو تقرأ الشمس والقمر أو النجوم. الله لم يتركنا وحدنا مع البحر، لقد ترك لنا إشارات لنقرأها لنتسلط على البحر. أليس كذلك يا سيدي الفقيه؟‏

قلت معجباً: نعم... نعم.‏

قال: هل تعلم يا سيدي الفقيه، أن في البحر أنهاراً مثل أنهار البر، والبحار المحظوظ من يكتشف مثل هذا النهر ليسير به.. وهل تعلم أن في البحر دواب تساعد البحارة في وقت الضيق؟ عجائب البحر لا تقل عن عجائب البر.‏

ـ وماذا عن الريح؟!‏

ـ الريح مواسم، ونحن نعرف مواسمها، ها نحن في الخريف، وهو وقت طيب للسفر من سبتة إلى صقلية ومن ثم إلى الإسكندرية. الريح مواسم كمواسم المطر. وعلى البحار الماهر أن يعرف أوقاتها وأماكنها. في هذا الوقت، تهب ريح غريبة طيبة تساعدنا في السفر.‏

استمتع ربان المركب وهو يشرح لي أسرار مهنته، غبطته غبطة شديدة، كان محظوظاً لأن يعمل مسافراً طيلة حياته، ليس مثلي، اضطر إلى المكوث في بلد ما ومصانعة هذا أو ذاك.‏

فاجأني الربان بالقول: أما ما نخشاه حقاً فهو أسطول البيزنطي.‏

ـ وكيف ذلك؟!‏

قال: عندما نقترب من الساحل المصري أو الشامي فإن أساطيل الفرنجة عموماً تغير علينا، تنهب الأمتعة وتقتل الناس.‏

قلت: وماذا عن صلاح الدين؟!‏

قال: لـه أسطول قوي ولكنه انشغل بحرب أبناء عمومته أكثر ما انشغل بحرب الفرنجة.‏

ـ أنت تظلم الرجل.‏

ـ لأنه ظلمني.. لم أكن مشتركاً بالمؤامرة ضده قط.‏

ـ احذر رأسك عند تقلب الدول!.‏

ـ في أرض المسلمين، الدول تتبدل بأسرع من رغبتنا في الحذر.‏

الربان العجوز رأى أهوالاً كثيرة، أما فأنا فقد كنت أرغب في التكفير عن ذنوبي، ورؤية الأقصى ولا شيء غير ذلك.‏

مضى شهر حتى وصلنا بلرم في صقلية ـ أو باليرما بلغة أهلها ـ لا تختلف عن سبتة أو بونه أو المهدية؛ إن هذه المدن تتشابه في كل شيء؛ التجار هم هم، واللغات العربية واللاتينية هي هي، والنقود هي هي، والبضائع هي هي، في بلرم لا تستطيع أن تنتزع نفسك من أرضك، حتى الثياب كما رأيتها قبل عدة سنوات، ثياب أندلسية، وثياب شامية بالعمائم والعباءات والأحزمة الجلدية السوداء، أو تلك الحريرية الخضراء أو السوداء،ما يزال الإسلام بخير في بلرم.‏

انطلقت إلى "خان العربي" القريب من المرسى، سجلت اسمي ووضعت أمتعتي ثم انطلقت إلى الحمام العمومي، وهو حمام يختلف عن حمامات القاهرة أو دمشق؛ فليس فيه غرف حارة وباردة وقاعات للراحة واللهو، وإنما غرف متلاصقة صغيرة تكفي لرجل واحد فقط، ودلو ماء خشبي كبير، ولا شيء غير ذلك. احتملت الصراخ والعري المجاني، ومن ثم خرجت أبحث عن ابن سبتة سليل آل حمود، الشريف الإدريسي، ذلك العالم الجليل الذي ترك ديار المسلمين ليعيش في كنف ملك هذه البلاد. وفيما كنت أسير في الشارع المعبد بالحجارة المصقولة، لاحظت أن نساء البلاد يلبسن ملابس محتشمة أقرب ما تكون لملابس نساء إشبيلية أو قرطبة؛ كثير من الأناقة، كثير من الزينة، وكثير من الاحتشام أيضاً. ولاحظت كذلك عند مروري في السوق الكبير أن كثيراً من تجار الأندلس والشام ومصر لـهم دكاكين في قياسر خاصة بهم، وقد عرفت بعضهم في سفرات سابقة، ولهذا، فقد دعوني إلى تناول بعض الفواكه والعصائر، ولكني كنت أعتذر بلباقة.‏

لم يكن صعباً علي العثور على الشريف الإدريسي، فقد سألت عنه أول ورّاق في السوق، فعرفه بأسرع ما توقعت، كان الورّاق يونانياً وقد تحدث إلي بالعربية الجيدة. قال لي إن من أبحث عنه بين تلاميذه في مدرسة الطب الأولى في بلرم.‏

وغير بعيد عن السوق الكبير، وخلف كنيسة ذات أبراج عالية ومرهفة ضاربة في السماء، وجدت المدرسة محوطة بسورين: الأول من الحجر الأبيض المزين بالأسود والطيور، وتماثيل النساء، والحيوانات الخرافية، أما السور الثاني فمن التين والزيتون والرمان، وكأنني في حديقة حمصية أو إشبيلية، قلت للحارس بما أعرف من لغة القشتاليين عن بغيتي، فهم قصدي، وسمح لي بالدخول، صعدت سلماً حجرياً عريضاً، وإذا بي في قاعة مهولة مملوءة بالأعمدة الضخمة، أضخم من الأعمدة في مسجد غرناطة. وبين تلك الأعمدة، وجدت رجلاً قائماً بين عدد من الرهبان يتحدث إليهم بلغة لم أسمعها من قبل. توقف الرجل عندما رآني، كان في الستين من عمره أو يزيد، شعره أبيض لا يغطيه بأي غطاء، ويلبس ملابس شبيهة بملابس الرهبان إلا أنه لا يضع صليبهم. التفت الجميع إلي، كانوا سبعة رهبان متقدمين في العمر.‏

قلت: السلام عليكم.‏

صاح الشريف الإدريسي بفرح: وعليك السلام. إن لم أكن مخطئاً فأنت أبو الحسن.‏

قلت فرحاً باستقباله: هو أنا!!‏

تقدم إلي، عانقني بقوة، ثم تراطن مع الرهبان السبعة فانصرفوا باحترام كبير أظهروه لـه.‏

جمع أشياءه عن مائدة قريبة، كان هناك كتب وأعشاب وجذور وأوراق جافة وأخرى خضراء.‏

قلت: أرجو أن لا أكون قد قطعت عليك عملاً.‏

قال: جئت في الوقت المناسب، كان الدرس على وشك الانتهاء.‏

قلت: ظننتك جغرافياً فما هذه الأعشاب؟‏

قال: هؤلاء يتعلمون الطب، وأنا خبير في طب الأعشاب، وجئت اليوم أعلمهم ذلك.‏

كانت ملامحه جليلة، بلحيته البيضاء الطويلة، وعينيه النافذتين، وجبينه الواسع. كان فرحاً بي ولكن مرارة ما كانت تطغى على صوته.‏

سألني: كيف سبتة؟!‏

قلت: بخير، هي سوق مزدحم بين بحر الروم من جهة، وبحر الظلمات من جهة أخرى.‏

قال وهو يخفي عينيه عني: كم اشتقت إليها! إنها تعذبني.. أصحو في الليل، فأجد نفسي ألعب في ساحاتها، انظر إلى بحرها.. هل..‏

شرق صوته بالدمع.‏

قلت: عد إذاً!!‏

قال: ظلم ذوي القربى يمنعني...‏

ـ ولكنكم من بني سبتة، وجعلها حاضرة.‏

ـ ولكنها لم تعد لنا بعد.. ماذا معك من سبتة؟.‏

ـ كتاب.‏

ـ نعم الهدية. تعال احتفل بها أيها.. أما زلت تعشق السفر؟.‏

ـ ليس لي غير السفر.‏

ـ إذاً أنت مثلي. قل لي متى التقينا آخر مرة.. آه.. أنت مثلي..‏

ـ نعم.. ولكني لست خبيراً بالأعشاب.‏

ضحك وقال: كل جسد عشب.‏

أضفت: وماء أيضاً.‏

التقت عيوننا، ضحكنا معاً، ضحك وضحكت كما لم أفعل منذ زمن بعيد.‏

كان الشريف الإدريسي نحيفاً، تشع عيناه ذكاء، وقد منحه اللباس الشبيه بلباس الرهبان منظراً فيه هيبة ووقار على ما فيه من ذلك. كنت قد التقيته قبل أكثر من عشرة أعوام في الأندلس أيام كان يصف بلاد الأندلس بنفسه بأمر من الملك راجار ـ أو روجر بلغة أهله ـ. كان أيامها مملوءاً بالانفعال والدهشة وحب المعرفة والعلم، كان من الغريب أن ينغمس ابن العائلة الشريفة، بانية الدول والمدن، في وصف البلاد، وأعشابها، ومياها، وناسها، وتعلم لغاتهم وعاداتهم. كان الرجل مثالاً على تقلب الدول والأحوال، الأمر الذي جعل منه مجرد طريد يبحث عن وطن وأهل، وأن يحتمي بجوار ملك نصراني.‏

الشريف الإدريسي يعطيك الشعور بأنه مرتاح، ولكنه بالتأكيد لا يسمح لك بالاعتقاد بأنه سعيد في منصبه وبما وصل إليه من تقدير في بلاط الملك غليوم، ملك البلاد.‏

سألته على حين غرة: لماذا سميت كتابك الذي وصفت فيه الأرض بـ "الكتاب الراجاري"، ولماذا أهديت كتابك إلى ملك نصراني؟.‏

توقف فجأة، غمره شعور بالانتكاس الشديد حتى خفت عليه. رفع رأسه الكبير الأشيب، قال وهو يحدق بزيد البحر المترامي حولنا: هو الملك الذي رعاني وأعطاني ومنحني الوقت والدعم، وهو ما لم أجده عند ملوك ملتي وديني. لست نادماً، لست نادماً، لقد أعطيت ما عندي كله لملك يستحق.‏

كنا نمشي على شاطئ البحر في طريق مرصوف، ومحفوف بشجر يشبه شجر الحور، ولكنه أقصر وأكثف، وانطلق الشريف يحدثني عن أيامه هنا، التي يقضيها في التدريس، ووضع الكتب، والمشاركة في ترجمة بعض كتب الطب والرياضيات والفلك، قال إنه يتقن اللسان الإيطالي، وهو شبيه بلسان القشتاليين أو قريباً منه، وأنه يتقن ـ أيضاً ـ لغة الإنجيل وهي لغة اليونان، أو الرومان القدماء، وهي لغة العلم والعلماء، وأهل الدين والخواص من القوم، وأضاف قائلاً: إن الملك غليوم وهو ابن الملك راجار لم يؤذ المسلمين في بلاده، ولكن بوادر ذلك آخذة في الظهور بعد أن وصلت أنباء استعادة صلاح الدين لبيت المقدس من أيدي الفرنجة، فسألته عما أشاهده من أنماط الحياة واللباس هنا، فقال لي: إن الفرنجة أناس يعرفون مصلحتهم تماماً، فنحن ـ المسلمون ـ نملك العلم والمعرفة، وهم يرغبون في التعلم سريعاً، وأضاف الشريف أن الملك غليوم معتكف منذ ثلاثة أيام بسبب ما نقله إليه أسقف صور، الذي بعثه حاكم المدينة كونراد دي مونتفرات ـ ودعوه المشارقة بالكندهري ـ يطلب إليه إنقاذ بيت المقدس. وقال الشريف بأقصى ما في قلبه من امتعاض ومرارة: إن الملك المعتل والمعتكف بصدد إرسال أسطول كبير إلى الساحل الشامي ليشارك في حرب مهولة يبدؤها الفرنجة كلهم لاستعادة بيت المقدس، وإعادة مملكتها إليها. ثم سألني الشريف فيما إذا كنت أرغب في مقابلة الملك غليوم، فزهدت في ذلك، ولكنه حسّن لي مقابلة أحد ملوك الفرنجة العظام، وكان الشريف خبيراً بالفرنجة وأصنافهم ومناقبهم، فشرح لي الفروق بين الأندلسيين والإنكتير والبياشنة والبنادقة والفلاندز والصقالبة والهنكار والدنمرقة، وعن قبائلهم الأبعد المغرقة في التاريخ. وقال لي إن الملك غليوم من قبائل النورمان، وهم سلالة حاكمة في بلاد الإنكتار، وهي تقوم على جزيرة عظيمة كثيرة المطر غليظة الغابات، وقال لي إن بنت الملك هنري ملك الإنكتار كان قد تزوجها ملك صقلية، ثم مات عنها، وترك لـها حرية استخدمتها بطريقة شائنة تحرج الملك غليوم نفسه.‏

وافقت على مقابلة الملك، فقال لي أن أنتظر حتى يخرج الملك من عزلته وحزنه على ضياع بيت المقدس، فقضيت يوماً أو يومين أتجول في الجزيرة العامرة، ورأيت الفلاحين الأندلسيين والشاميين يزرعون الزيتون والكرمة والرمان واللوز في بلاد لم تعرف ذلك من قبل، وزرت أحياء المسلمين في بلرم، فرأيت أن بيوتهم أضيق من بيوت النصارى، وأن حدائقهم أفقر من حدائق جيرانهم، ولما تحدثت إلى بعضهم لمست في كلامهم نذر ضيق وثورة؛ فقد أشاروا إلى أن ملك البلاد بدأ يلاحقهم ويصادر أملاكهم، وأنه يترك لشرطته نهب واعتقال من يريدون، وأضاف هؤلاء أن بعض شباب المسلمين بدأوا بانتحال أسماء نصرانية أو حتى انتحال الدين النصراني لينجوا من الملاحقة أو المصادرة أو الاعتقال. وبالصدفة المحضة التقيت بمحمد بن عباد وابنته وهما فلاحان نشيطان ولها احترام كبير بين مسلمي بلرم، فحدثاني عن نذر شر في الجزيرة التي فتحها، وعمرها المسلمون طيلة مئتي سنة أو يزيد. وقال لي محمد إن الملك غليوم ـ وإن كان يحب المسلمين، ويعرف لغتهم، ويستفيد منهم ـ لا يستطيع إلا أن يطيع ملوك الغرب الآخرين، والقساوسة المتشددين الذين يطلبون إليه طرد المسلمين من الجزيرة أو تقليل أعدادهم فيما بعد. يتزعم محمد بن عباد ثورة كبيرة يقتل على إثرها، فتتزعم ابنته الثورة من بعده، وينتهي الأمر بذبحها وذبح من معها، ويخرج المسلمون من الجزيرة بالكلية.‏

وبعد أن فك الملك غليوم عزلته وحزنه على ضياع بيت المقدس، طلب إلى الشريف أن استعد لمقابلة الملك.‏

وصلنا القصر وهو يقوم على لسان بري يتقدم في البحر أقل من نصف فرسخ، بحيث يبدو للناظر أن القصر يقوم في الماء؛ ذلك أن الموج حوله يتكاثر، ويتزايد مما يخفي الأرض حوله.‏

أثارني المنظر فانطلق لساني بالتسبيح والحمد. مشيت محاذراً الموج يبلل ثيابي، وما إن وصلنا البوابة حتى أفسح لنا الحرس الطريق بعد أن أومأوا بالتحية للشريف الإدريسي.‏

القصر صغير ولكنه آية في الجمال؛ فالبوابة الكبيرة المحروسة بالتماثيل الخرافية التي تحمل في أيديها رماحاً طويلة، ورؤوس حيوانات مائية، تقع وراءها ساحة كبيرة، ازدحمت بالأشجار الصغيرة المثمرة، وتماثيل فرسان ونساء وحيتان وصورٍ منقوشة، وأخرى منحوتة لسيدنا المسيح وأمه العذراء البتول، وكل ذلك بألوان عجيبة تجعل منها الشمس ألواناً تتغير تلقاء ذاتها.‏

صعدنا سلماً حجرياً كبيراً وعريضاً ومدوراً، فدخلنا بهواً عريضاً آخر مفروشاً بالسجاد المصري مزيناً بالمصابيح الزجاجية على الطريقة المراكشية، اجتزنا البهو إلى قاعة أصغر مزدحمة بالنوافذ العالية المزودة المغطاة بالزجاج الملون، فخيّل إليّ أنني في حضرة حاكم شامي أو أندلسي تماماً. في هذه القاعة المضاءة بنور الشمس وحده، كان الملك غليوم جالساً إلى كرسي كبير مكسو بالديباج الأسود المذهب، وحوله علية قومه، وقد لبسوا ملابس أندلسية سوى سراويلهم القصيرة التي ترتفع عن ركبهم، فتظهر سيقانهم، فيعمد البعض إلى لبس جوارب صوفية ثقيلة تخفي عيوب الأرجل والسيقان.‏

تقدم الشريف إلى الملك، وقال بصوت احتفالي بلغة القوم: السلام عليك أيها الملك.‏

رد الملك بالاحتفال نفسه: وعليك السلام.‏

الملك غليوم، الملك الشاب الذي ورث مملكة غنية، وواسعة عن أبيه الملك راجار، لم يحاول أن ينفي عن نفسه ما اتهم به أبوه من أنه الملك الوثني؛ فقد كان يلبس الطيلسان الأندلسي، ويضع غفيرة على عنقه كالخواص في الأندلس، لم يكن فيه صقلياً سوى سرواله القصير وجوربيه الصوفيين اللذين يغطي بهما ساقيه المدمجتين كسيقان المصارعين.‏

التفت إليّ الملك الشاب، وقال بالعربية التي تبعث على الابتسام والارتياح: أهلاً بك في بلادنا.‏

قال الشريف: يا مولاي. هذا هو العالم المحدث، والفقيه أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير.‏

قال الملك، لم أفهم مقصدك يا إدريس. ماذا تقصد؟!‏

قال الشريف: هذا رجل يحقق في كلام رسولنا محمد (.‏

توجه الملك إليّ بالسؤال: وماذا وجدت في كلام رسولكم أيها العالم؟!‏

قلت: عبادة الله الواحد، ومكارم الأخلاق، و تهذيب النفوس، وحب الخير.‏

سألني: ولماذا يختلف الناس عندكم على كلام رسولكم؟!‏

قلت: اختلاف المصالح واختلاف اللهجات وفساد الإيمان.‏

قال: وكيف تعرف الحدث الصحيح من غير الصحيح؟‏

قلت: بتحري الرواة. نروي عن صادق روى عن صادق حتى الصادق الأمين، سيدنا محمد (.‏

قال الملك: هذا علم لا نجده عندنا.‏

ثم سألني: فإذا اختلفتم حول راوٍ معين، فماذا أنتم فاعلون؟!‏

قلت: اختلفنا على ما هو أكبر من ذلك، وعندنا مثل ما عندكم من الانشقاقات.‏

التفت الملك إلى الشريف وقال: صاحبك لا يفيدنا في مدارسنا. أليس كذلك؟!‏

قال الشريف: أحببت أن يراك، وأحببت أن تراه. ليس إلا.‏

قال الملك موجهاً الحديث إليّ: وإلى أين تقصد أيها العالم؟!‏

قلت: إلى بلاد الشام.‏

اعتدل الملك في جلسته، وقال: هل سترى صلاح الدين؟!‏

قلت: آمل ذلك؟!‏

قال باهتمام بالغ: هل صحيح ما ذكر عنه في معاملته للمسيحيين داخل القدس؟!‏

قلت: هذا ما ترامى إلينا من أخبار في المغرب.‏

قال وهو يحرك يده: إنه لا يتقدم علينا في معاملة المسلمين هنا في صقلية.‏

قلت: لقد زرت بلادكم أيام والدكم الملك راجار، وأرى أنكم استرشدتم برأيه ونهجه، ولكن المسلمين يتذمرون من بعض أفعال الشرطة؟!‏

ضحك وقال: أيها العالم، أنتم عندكم علم وخير كثير، ومن العار والعيب أن لا نتعاون معاً في السلم والحياة الفضلى ـ ونحن ـ هنا ـ وعلى عكس مسيحيي الشام فإننا نفيد من علم المسلمين وعملهم، ولكننا في حرب معكم أيضاً، الحرب كريهة وتدعو إلى الحذر والشك وافتراض نيّة السوء، نحن نحاربكم في الشام والأندلس وبلاد الترك، الأمر الذي يصعب الحياة هنا أيضاً، أنا أعرف أنكم أكثر علماً وأنشط، ولكنكم ـ وفي الوقت ذاته ـ لا تستعملون ما عندكم بكفاءة ومهارة. إنني سأعمل ما حييت على حماية المسلمين في بلادي؛ صلاح الدين ليس أفضل مني، ولكني لا أعرف ماذا سيكون بعدي.‏

قلت: أرجو لعملك ومقصدك الخير أيها الملك.‏

أضاف وكأنه لا يسمعني: هذا عالمنا المحترم الإدريسي لا استبدله بعشر مدن؛ إنه يعلمنا كل شيء، فماذا يفيدني حربكم؟ الله لم يأمرنا بالحرب، بل أمرنا بحب أعدائنا. هل الأمر كذلك أيها الأسقف المبجل؟!‏

تنحنح راهب عجوز لـه لحية كثة تصل إلى صدره، وقال بلغة عربية سليمة: هل صحيح أيها الملك الرفيع المقام، صاحب الرؤية العظيمة. المسلمون في بلادنا يؤدون أفضل الخدمات، وأفضل النتائج، ولكننا في الوقت ذاته، لا نستطيع أن نخالف أصدقاءنا وحلفاءنا من ملوك الغرب الآخرين.‏

سألته: وما هو رأيك بفرنجة الشام وفرنجة الأندلس؟‍!‏

قال الأسقف باللغة السليمة ذاتها حتى من اللحن: فرنجة الشام لا مستقبل لـهم هناك بدوننا؛ هم فقدوا جذوة الإيمان التي دفعت آباءهم إلى تأسيس الممالك والإمارات، أما فرنجة الأندلس فهم الفرسان حقاً، المؤمنون حقاً، ولولا الملك المرابطي ثم الموحدي من بعده لانتصروا!!‏

قال الملك غليوم فجأة: وفي الشام يطلع صلاح الدين ليجمع في يديه مصر الغنية، ومعظم الشام، ويحشر المسيحيين في قلاع منعزلة وصغيرة، إنه يخطئ كثيراً؛ فقد أغضب ملوك الغرب كلهم بلا استثناء، ولا أعتقد أن الأيام القادمة ستأتي بخير بالنسبة لـه..‏

أنهى كلامه وكأنه اكتشف تسرعه، التفت إلى الشريف وقال لـه بما يوحي بانتهاء المجلس: أيها العالم المبجل، أحسن لضيفنا، وليذكرنا بخير عند صلاح الدين إذا التقاه!!‏

انحنيت انحناءة خفيفة للملك على عادة القوم، ثم خرجنا، كان قلبي منقبضاً، لاحظ الشريف ذلك فسألني، فقلت: إذاً، كل ما رأيته من هذا التعاون هنا مجرد كذب واستغلال ومنفعة.‏

قال بمرارة شديدة هو ينفخ: وهل حسبت غير ذلك. النوايا الحسنة لا تقدم ولا تؤخر.‏

قلت: هل الحرب.. هل لا بد من الحرب؟!‏

قال: يبدو الأمر كذلك بكل الأسف. كل ما رغبت فيه هنا هو الهدوء ولكن! حتى الهدوء لا أحصل عليه.‏

قلت: فلماذا لا تذهب إلى مولانا المنصور، إنه خليفة متنور، يحب العلم والعلماء. سيفرح بك؟!‏

لم يجب الشريف، كان من الواضح أن خيبة أمله من بني قومه لم تخب في صدره. وعندما ودعني بعد أيام. عانقني بحرارة، ثم أعطاني كتابه الراجاري مع إهداء للناصر صلاح الدين طالباً إلي أن أهنئه بالنصر.‏

انطلق بنا المركب، وانطلقت أفواه البحارة بأزجال ابن قزمان.‏

كان البحر رضياً ووديعاً بشكل سمح لي أن أنهمك في صلاتي فوق الماء. ولما وصلنا الإسكندرية، وصعد رجال المكوس ليسجلوا أسماءنا وأمتعتنا، ولندفع الضريبة والتي يسمونها "العوارّية"، قيل لنا إن صلاح الدين وجيشه عالقون في حصار عكا وأن الأمر شديد.. شديد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244