عكا و الملوك ـــ أحمد رفيق عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:12 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قراقوش

وقع الشاويش بالصوت في البلد: يا أهل عكا.. المنجنيق المنجنيق.‏

كان الوقت بعد العصر بقليل، ولم يكن من عادة الإفرنج ضرب المنجنيق في مثل هذا الوقت فما الذي يحصل؟!‏

هبّ الناس والمقاتلة إلى أماكنهم، خطفت الأمهات أولادهن من الأزقة والشوارع، سار المشايخ والفقهاء إلى المسجد يدعون الله رد كيد العدو، أما الفرسان من النشابة والزرّاقة وضاربي النفط والمنجنيقات فقد سارعوا إلى أماكنهم في أبراج السور وقلاعه، وأما المقاتلة في برج الذبان خارج السور فقد دقوا الكوس، ونعروا بالبوق ليسمع بذلك معسكر السلطان صلاح الدين فيأخذوا أهبتهم.‏

اندفع الأمير بهاء الدين قراقوش من مجلسه في الطابق العلوي من قلعة الملك وهي المشرفة والمواجهة لمعسكر الإفرنج من الناحية الشرقية، وأطل من كوة صغيرة مغطاة بالجلود المبللة بالخل، فرأى ما أدهشه حقاً؛ ذلك أن العدو عمد إلى منجنيق كبير عظيم الشكل لا يشبه المنجنيق العربي في رهافته ودقته ولا يشبه المنجنيق التركي في سرعة إنجازه، بل هو منجنيق يقذف الأحجار ذات الرؤوس المدببة، تزن الواحدة منها ما يزيد على مئة رطل شامي، وكذلك كرات النار وكتل الحديد، أما طوله فيزيد عن نصف سور البلد.‏

دخل الأمير الأسفهسلار حسام الدين أبو الهيجاء مقدم العساكر في عكار المحاصرة بكامل لأمته، اندفع إلى القول دون أن يطرح التحية: بماذا تأمرنا أيها الأمير؟!‏

لم يفقد قراقوش شيئاً من هيبته أو وقاره، فقد رأى من الحروب ما يكفي في حياته. قال بهدوء: ادعُ لي ضاربي النفط والزرّاقين.‏

أشار أبو الهيجاء لشاويش قريب من باب الحجرة، وأمره بطلب والي البلد بهاء الدين قراقوش.‏

صمت الرجلان وهما يحدقان من الكوة إلى المنجنيق الإفرنجي العجيب.‏

قال أبو الهيجاء: الملاعين.. إنهم أصحاب صنعة!!‏

هز قراقوش رأسه دون أن يجيب، كان يتابع حركة مقاتلة الفرنجة وهم يستعدون لإطلاق الحجارة على البلد.‏

قال أبو الهيجاء: برأيك أيها الأمير، ما الذي استجد حتى يبدأوا بالمناجزة.‏

قال قراقوش: اليأس والجوع والعزلة، ألم تر أن أحداً لم يأت لنجدتهم من البحر، أو من صور أو من طرابلس؟ ألم تسمع أن الجوع قد فتك بجمعهم؟ لقد كتب لي مولاي السلطان في كتابه الذي وصلني البارحة أن غرارة القمح صارت بأكثر من تسعين ديناراً صورياً، حتى اضطر هؤلاء إلى أكل جلود خيولهم.‏

ـ إذاً، هو قتال اليأس!!‏

قال الأمير: هو كذلك.‏

وما أن أنهى الأمير جملته حتى أزّ في الجو حجر هائل الحجم، تجاوز المسافة بين معسكر العدو وسور البلد، اندفع الحجر بكامل جرمه وشرّه، يحرق الهواء حولـه، ويصدر صفيراً مروعاً، تجاوز المقاتلة الذين يختبئون خلف الباشورة أعلى السور، تجاوزهم وهم يحدقون به، مأخوذين باندفاعه وسرعته وصورته ورائحته، ومن ثم سقط قريباً من مخزن الغلال وسط السوق، مصدراً ضجة هائلة، ومن عجب أنه لم ينكسر ولم يتفتت إلى شظايا كعادة الحجارة. أسرع الصبيان المكلفون بحجارة المنجنيق إلى زحزحته من الطريق، وهم يكبرون ويهللون. كانت مهمة هؤلاء جمع الأحجار المتساقطة أو شظاياها، ونقلها إلى السور لبناء ما تهدم منه، أما مهمتهم الأخطر فهي صنع شبكات من الليف القوي ينشرونها بين السطوح لاعتراض الأحجار أو كرات النار، وقد قتل منهم الكثير بسبب الأخطاء أو التسرع أو عدم الحذر. منذ اليوم الأول لحصار البلد وجد الأمير بهاء الدين قراقوش عملاً لكل نفس حية داخل السور، حتى الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم السابعة فقد عهد إليهم بجمع القمامة من شوارع البلدة وأزقتها، ومن ثم وضعها في غرارات تبلل بالنفط لقذفها على الفرنجة من جديد، أما في أوقات السلم وخاصة أيام الشتاء، فإن مشايخ المسجد الجامع يتكفلون بتعليم هؤلاء الأولاد الحروف والآيات والأرقام. بهاء الدين قراقوش لم ينس شيئاً، حتى أنه طلب إلى النقاشين والبنائين والفعلة والصناعيين أن يكلموا المقرنصات الداخلية للباب الجديد الذي استحدثه في سور عكا وسمي باسمه: "باب قراقوش"، وقد تشرف هذا الباب، ودخل منه السلطان الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف، أعزه الله بنصر من عنده، وخذل به أعداءه.‏

الأمير بهاء الدين قراقوش، المملوك الرومي الذي التقطه آل أيوب في معارك قديمة حول بعلبك أو دمشق أو ربما في بلاد الروم أيام كان العظام من آل أيوب يحاربون كل من أمروا بمقاتلته. انتقل إلى خدمة السلطان الناصر صلاح الدين، عندما انفض من حوله الأمراء الذين والوا نور الدين زنكي ـ قدس الله روحه ـ وكذلك انفض عنه حتى بعض أقاربه من أولئك الذين طمعوا في ملك مصر. في ذلك الوقت العصيب، التفت السلطان الناصر، بسمرته الغامقة، وابتسامته الآسرة وقال لقراقوش: أحتاجك الآن يا بهاء الدين.‏

قراقوش، في تلك اللحظة، لم يستطع أن يتنفس، قال بصوت مخنوق: مُرني أيها الأمير الاسفهسلار؟!‏

قال السلطان الذي كان يعرف منذ نعومة أظفاره أنه سلطان: منذ اللحظة تبدأ أيامنا، سنخدم هذه الأمة بأكثر ما فعل مولاي نور الدين.‏

قال قراقوش وهو يستعيد القدرة على التنفس: مُرني أيها الأمير.‏

مد السلطان صلاح الدين يده الكبيرة، السمراء، المشعرة، الطيبة، القوية، ولمس كتف قراقوش وقال: انفضّ عني الأمراء، وألقي عليّ حمل ثقيل. أريدك من أخص خواصي.‏

قال قراقوش: أفديك بعنقي أيها الأمير.‏

قال السلطان: وأنت أمير ـ أيضاً ـ يا بهاء الدين.‏

بهاء الدين قراقوش المملوك الرومي، الأبيض بين السمر، صاحب اللكنة أمام كل هذا الحشد من الفقهاء و العلماء والمتصوفة والشعراء، مجهول النسب أمام كل سليلي العائلات والعشائر، فقد القدرة على التنفس مرة أخرى.‏

اندفعت الحجارة المدببة المسنونة باتجاه سور عكا، وقد اختار العدو بقعة محددة تحت باشورة السور في برج عين البقر المقابل تماماً لتل المصلبين، حيث تنتشر خيام العدو وعساكرهم. صوت الارتطام بين حجارة المنجنيق، وحجارة السور، كان يثير في الصدور كل النوازع، أما شرر النار التي تنقدح بين فكي الحجارة فقد كانت تضيء ما حولها بوهج وحشي.‏

دخل الزراقون والنفاطون حجرة والي البلد. كانوا حوالي خمسين شاباً بعضهم من دمشق، وبعضهم الآخر من ناصرة أو شفرعم أو الزيب، تلك القرى التي تحيط بعكا من شمالها وشرقها، أما مقدمهم فهو شاب من الديار المصرية ويسمى الراضي، كانوا فرقة تثير الضحك في عكا المحاصرة؛ فهم يتحدثون بلهجات مختلفة أدت في بعض الأحيان إلى سوء الفهم، ومن ثم إلى مواقف مضحكة تندر بها المحاصرون.‏

قال الراضي، مقدم الفرقة، بلهجته المصرية الممطوطة: بماذا تأمر أيها الأمير؟!‏

التفت قراقوش إليه بعد أن أغلق الكوة التي كان يراقب منها الموقف، قال بهدوء وثقة: أحرقوا هذا المنجنيق. صمت الجميع. قال المقدم: ولكنه بعيد عن السور و.... .‏

تردد ثم أضاف: كما أن بيننا وبينه خندقاً عميقاً كما تعرف و.... .‏

قاطعه قراقوش بحدة: أحرقوه..‏

ساد صمت قصير، أضاف قراقوش: هذه الليلة.‏

قال الراضي بعد تفكير: أريد إذاً أن يساعدني مقدمو الأسطول.‏

قال قراقوش: افعل ما تريد، خذ ما تريد، ولكني أريد أن تحرق هذا المنجنيق هذه الليلة.‏

قال الراضي وهو يلتفت إلى فرقته: لك ذلك!!‏

صاح بعض الشباب: يا للإسلام.. يا للإسلام!‏

تلك كانت صيحة السلطان الناصر صلاح الدين في كل معاركه، تعلمها الجميع ورددها الجميع. فانفرجت أسارير الأمير بهاء الدين، كان الجميع يعرف أن لا شيء يفرح هذا الأمير سوى ذكر السلطان أو ما يذكر به. انطلق أعضاء الفرقة بثيابهم الجلدية اللامعة وأحزمتهم العريضة التي يخبئون فيها ما لا يخطر على بال من الأكاسير والمستخلصات.‏

هبط الليل على عكا المحاصرة، وعلى بحرها وعلى ما جاورها، من أرض فلسطين. أشعل العدو نيرانه أمام خيامه على تل المصلبين والمرج أمامه، فيما رفع آذان المغرب في معسكر السلطان الناصر صلاح الدين في تل كيسان. المقاتلة في برج الذبان الواقف كالمسلة ما بين البحر وسور عكا أشعلوا مصابيحهم، وبدأوا بصلاة الحذر، فيما لم يستطع الناس إشعال مصابيحهم جميعاً؛ فقد شح النفط والشمع والدهن منذ لحظة الحصار، إذ جمع قراقوش ما عند الناس من ذلك وسلمه لمقدم الزراقين والنفاطين، لم تنقطع الحجارة عن التساقط على باشورة برج عين البقر أو داخل أسوار المدينة، ولم ينقطع الصبيان عن ملاحقة الحجارة، وكرات النار أو كتل الحديد، كان كل ما يسقط يعاد استعماله مرة أخرى. وفي لحظة قدر مقدرة بعلم علام الغيوب، سحق حجر مسنن ومدبب صبياً في العاشرة، هو ابن لصاحب صندوق الظل، نصراني من أهل عكا يدعى ليث، لـه صوت جميل يرتل به في الكنيسة، بقي الصبي مدة طويلة في الزقاق لا يمكن الاقتراب منه، حتى انتصف الليل وهدأت الحجارة، تقدم الناس إليه بالمشاعل الخشبية، رأى ليث ابنه معجوناً تحت الحجر وقد تجمدت صرخته على فمه، وتحجرت عيناه على مشهد لا يطاق، أجهش ليث بالبكاء، فأبكى الناس، حتى قراقوش الذي لم يعرف أباه أو أمه، شعر بأن اللحظة ظالمة لا تحتمل. وفيما كان الناس يأخذون الصبي إلى الكنيسة، كان الراضي ورجاله يسبحون خارج الأسوار باتجاه طرادٍ شامي أصنع أثبت جدارته في معارك البحر.‏

كانت خطة الراضي سهلة تماماً؛ فقد طيّر حمامة حملت رسالة كتبت بالترجمة إلى معسكر السلطان تطلب إليهم أن يغيروا على معسكر العدو ليلاً لمشاغلتهم، وفي تلك اللحظة، يكون الراضي ورجاله فقد التفوا حول عكا من البحر، ووصلوا إلى المنجنيق العملاق الرابض خلف الخندق العميق الذي يزنِّر عكا في البحر إلى البحر ليفصل بين المدينة والإفرنج الملاعين.‏

صعد الراضي ورجاله بهدوء إلى الطراد الذي كان ينتظرهم وراء صخرة ناتئة يسميها أهل عكار "صخرة الغراب" بسبب شكلها الذي يشبة سفينة الغراب، وبسبب أن سفن الإفرنج الأولى التي جاءت قبل مئة عام تقريباً ربطت مراسيها فيها، وألحقت بالبلاد الخراب. انطلق الطراد الشامي كالسهم في العتمة، كان الرجال يعرفون الماء من رائحته، هم أهل البلاد، يعرفون ترابها وأمواجها وهواءها كما يعرفون أبناءهم وزوجاتهم وأصدقاءهم.‏

كان الليل ينتصف تماماً حسب المزولة الرملية في خيمة الطواشي قايماز النجمي، عندما أعطى إشارته بالهجوم، فانطلق الخيالة والمشاة في بهيم الليل وهم يصرخون من أقحافهم: يا للإسلام.. يا للإسلام!‏

قطعوا المرج الذي يفصل بين تل كيسان وتل المصلبين من جهة الشمال، حيث خيام ملك بيت المقدس الخرع الناكث للوعد، وحيث جنوده أضعف الجنود، وحيث خيامه أقل للخيام.‏

الهجوم في منتصف الليل لم يكن معتاداً بين المعسكرين، والصراخ من بعيد لم يكن معتاداً أيضاً. فما الذي يجري؟! الفرنجة الذين أنهكم جهد النهار، والجوع والعطش، ذلك أن صلاح الدين منع عنهم الوصول إلى النهر الحلو، فوجئوا بالهجوم المباغت، قاموا إلى خيولهم وأسلحتهم، ولكن الأمر كان قد فات؛ ذلك أن فرسان المسلمين اقتحموا خيام ملك بيت المقدس ونهبوها وأحرقوها ثم فروا من المكان، وفيما كان ذلك يجري في ليل دامس، سمع المعسكران أصوات رعد هائل، وهج أضاء البحر والبرية ثم دخان أبيض عم المكان. كان الراضي ورجاله قد فجروا المنجنيق العملاق، وذلك باستعمال ثلج الصين الذي أتى به الراضي من قلعة شيخ الجبل راشد الدين سنان الحشاش الإسماعيلي. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يقوم فيها الراضي باستخدام هذا الإكسير في الحرب، فهذا الإكسير الشبيه بكرات الثلج ينفجر دفعة واحدة وفي كل الاتجاهات، ويقتل كل من حوله، الراضي الذي طلب إلى شيخ الجبل أن يحضر لـه هذا الإكسير لم يعرف الكثير عنه؛ فقد اعتقد أن الزرّاقين سيحشونه في أنابيبهم المعدنية، ومن ثم يحرقون أحد طرفيها فتندفع النيران من الطرف المغلق الآخر، ولكن ذلك لم ينجح، ذلك أن التجربة الأولى قتلت صاحبها عندما وضع كمية كبيرة من الإكسير في الأنبوب المعدني، وبعد تجارب عديدة مضنية، استطاع الراضي أن يخلط كمية صغيرة من الإكسير، وأخرى من الجير وألياف الكتان والقطن، ومن ثم حشى كل ذلك في أنبوبة غليظة قصيرة أغلق أحد طرفيها بحصوة ملفوفة بخرقة، وأغلق طرفها الآخر بخرقة مبللة بالنفط، ثم أحرق هذا الطرف ورمى بها، فإذا بها تنفجر انفجاراً مروعاً، حتى أن معسكر السلطان الناصر طيّر رسالة مكتوبة بالترجمة إلى قراقوش يسأله فيها عن هذا الإرعاد الشديد الذي سمع داخل البلد.‏

قراقوش الذي كان يراقب كل شيء من حجرته في قلعة الملك، لم يشاهد الكثير من العتمة، ولكنه سمع صوت الانفجار الهائل. فانفرجت أساريره، وعلى الرغم من نفوره من المصريين الذين قاتلوه في القاهرة والإسكندرية، وأطلقوا عليه الإشاعات والنكات ما أذهله وضايقه، إلا أنه قال لنفسه إنه محظوظ بهذا الراضي العجيب، الذكي والمثابر والشجاع.‏

الأمير أبو الهيجاء الذي كان يقف بجوار قراقوش، ويتابع معه المشهد لم يتمالك نفسه فتحرك حركات فرح وانتشاء، ثم هدأ بعد أن رأى رباطة جأش وهدوء الأمير قراقوش، قال بلهجة اعتذار: لا يملك المرء نفسه أمام النصر.‏

قال قراقوش بهدوئه المعتاد: لم ننتصر بعد أيها الأمير.‏

الأمير أبو الهيجاء، ابن العشيرة العربية القوية الممتدة من أرض فلسطين المحروسة إلى حلب المحروسة وما جاورها لم يكن يجد في نفسه شيئاً من إمرة هذا الرومي الأبيض، بل كان يجد ما يثيره من هذا الهدوء والتزمت والوقار الذي لا مبرر لـه ويكاد يصل إلى حد الادعاء.‏

الأمير أبو الهيجاء الذي يعرف أن عشيرته قاتلت في أرض فلسطين المحروسة، وفي أعالي سوريا، وفي الجزيرة، وديار بكر، لم يكن يجد في نفسه شيئاً ما حوله من أمراء الكرد والترك والسودان والغز والعرب والمشارقة والمغاربة ما دام الكل مجمعاً على حماية الدين والملة والأرض والعرض.‏

الأمير أبو الهيجاء كان يعرف أن فلسطين المحروسة، وعلى مدى أكثر من ثلاثمئة سنة، وبسبب وقوعها بين دولة العباسيين ودولة الفاطميين، فقد تعودت على أمراء من كل لون وجنس ولغة، حتى أمراء الأرمن الذين كانت لـه صولة وجولة في دولة الفاطميين البائدة.‏

أما قراقوش هذا، فقد جاء إلى مدينة عكا تسبقه الأساطير والحكايات التي نسجت عنه وحوله؛ فقد قيل عنه إنه على صلة بالجن الذي بنى لسليمان ملكه؛ ذلك أن هذا الرومي استطاع في فترة وجيزة أن يبنى بأمر من صلاح الدين قلعة مهولة ظاهر القاهرة على جبل المقطم، وأن يبني أسوار المدينة في غمضة عين، وقذف به صلاح الدين إلى الإسكندرية ليمنع عنها أساطيل الروم والفرنجة عموماً، ففعل قراقوش الفعل ذاته وفي الوقت ذاته. إنه يحكم الجن، فهو لا ينام الليل، ولا يأكل ولا يشرب، ولا يضحك، ولم يتزوج، ولم يعرف عنه سرقة الأموال، وقد أطلق عليه الشاعر عمارة اليمني اسماً لصق به أثار الضحك دائماً، فهو "الضّبْ"، ذلك الحيوان الصحراوي الذي لا يأكل ولا يشرب إلا مرة في السنة ولا يعمل إلا في الليل، وهو مثله في الانغلاق والعزلة والشدة والحدة. عمارة اليمني هذا ظل على ولائه لدولة الفاطميين، وجاهر بعدائه للسلطان الناصر، وانتهى به الأمر إلى القتل، ولكن اسم "الضب" ظل حيّاً في الأذهان، ولما كان قراقوش شديداً على الناس، كل الناس، لتوطيد دولة سيده صلاح الدين، ولبناء القلاع والأسوار، فقد رأى المصريون ما لم يروه من قبل، ولأنهم أصحاب نكتة، وأرواحهم مرحة ويميلون إلى الصبر، فقد حولوا هذا الرومي إلى ضحكة طويلة، ساخرة وحادة ومؤلمة، وقد وصل صدى هذه الضحكة إلى كل بلاد الإسلام حتى مجلس الخليفة العباسي المستضيىء، إذ تبرع أحد ندماء الخليفة بسرد نوادر قراقوش وحكاياته، فضحك الخليفة حتى بانت نواجده.‏

النوادر التي وصلت إلى أهل عكا عن واليهم الجديد جعلتهم يتوقعون الأسوأ من والٍ أبيض رومي وخصي. ولكنهم فوجئوا بالرجل، بوقاره، وسمته الواثق، وهدوئه العجيب، ورغبته في الدفاع عن البلد، وتجديد أسوارها المهدمة، ورفع أبراجها المنهارة وخاصة برج الداوية.‏

وقد حاول قراقوش إطلاق اسم جديد على هذا البرج ليمحو أثر فرسان الداوية الملاعين، ولكن أهل البلد لم يتخلوا عن الاسم القديم.‏

أهل عكا لم يتندروا على الرجل، بل وقروه ونادوه بلقبه الذي يطربه كثيراً، أبو عبد الله، من جند الأسدية، وعندما كان يلبس لأمة الحرب الكاملة التي يسمونها بالكردية "الكزاغندة"، حاول أهل عكا لبسها رغم ثقلها وعدم ليونة الحركة فيها، إلا أنهم لبسوها ولمسوا قدرتها على توفير الحماية من سهام العدو ونشابه.‏

أهل عكا، أهل البحر وخبرة التجار، جعلتهم أقرب إلى الليونة في التعامل الظروف، ولكن "قراقوش" كان لا يعرف سوى بناء الأسوار، والقلاع ومباشرة الحرب. أهل عكا خبروا الحرب ـ أيضاً ـ وقد تعاملوا مع أجناس الفرنجة كافة وعرفوا لغاتهم وأموالهم وأهدافهم ومصالحهم. أوقات الحرب تحتاج إلى نفوس أخرى وتعامل آخر.‏

عندما قدم قراقوش والياً على عكا، كانت مجرد مدينة خربة، خربها الفرنجة قبل أن يستردها المسلمون، قبل أن يخرج الفرنجة منها، هدموا أسوارها، ونقضوا أبراجها، وخربوا كنيستها وردموا ميناءها، ثم تركوها مدينة تحترق.‏

"السيطرة على عكا هي قطع البحر عن الفرنجة"، هكذا قال السلطان الناصر صلاح الدين، لم يجد خيراً من قراقوش يسلمه المدينة ويعيد إليها بهاءها، ويمنع عنها بحر الفرنجة.‏

أهل البلد الذين عاشوا داخل الأسوار وخارجها، وكانوا مجرد خدم للفرنجة، يزرعون ويعملون في المهن التي لا يقبل عليها فرسان الفرنجة، عادوا إلى مدينتهم بقدوم الوالي الجديد قراقوش. حدثوه عن فظائع الفرنجة وجرائمهم وفسقهم وفجورهم، حدثوه عن عذاباتهم وأيامهم ولياليهم التي كانوا لا يأمنون فيها على أرواحهم أو زوجاتهم أو أطفالهم أو زرعهم. قالوا لـه إن أكثر الأشياء رعباً في الدنيا هو أن تكون تحت رحمة عدّوك الذي لا يرقب فيك إلاًّ ولا ذمة.‏

أهل البلد الذين اندفعوا إلى مدينتهم يبحثون فيها عن منازلهم التي ضاعت أو صودرت أو هدمت، شاهدوا جيش السلطان الناصر الدين، جيشاً جهماً ومتوتراً، يلبس الحديد والخوذ ويتراطن بلهجات عديدة ومختلفة، ولهم أسماء لا تشبه أسماء أهل البلد، ولكنهم مسلمون في نهاية الأمر، مسلمون وجاؤوا لإنقاذ البلاد والعباد. الجيش خليط من الأكراد والأتراك وهم جميعاً في خدمة الإسلام والمسلمين.‏

أهل عكا رأوا في الوالي الجديد مخلصاً لم يكونوا يحلمون به يوماً. ولما طلب إليهم البناؤون والفعلة والنقاشون والحدادون والنجارون، تقدم الجميع بأريحية عالية. كانوا يريدون أن يغضبوا عن كل الأيام والسنين التي رأوا فيها الفارس الفرنجي يقتل أو يخطف أو يخرب. الفارسي الفرنجي الذي لا يعرف لغتنا ولا صلاتنا ولا حبنا لأشجارنا وزرعنا وبيوتنا، الذي لا يفهمنا ولا نفهمه، الذي يعتقد أنه وحده يعرف الله ويعرف الخير، ويعرف الحرب أيضاً.‏

ولهذا أحب الناس الأمير بهاء الدين قراقوش بن عبد الله الأسدي، أحبوه من كل قلوبهم، واستغربوا أن تحكى النوادر عن رجل متقشف مثل هذا، لا ينام الليل ولا يضحك، ولا يمد عينه إلى حرام أو مشبوه، يجهد في توفير كل شيء لرفع الأسوار، والأبراج وتعزيز حامية البلد، وشحنها بالميرة والرجال من كل حدب وصوب. ولما حاصره الفرنجة بقيادة ملك بيت المقدس غي دي لوزجنان أو ما يطلق عليه المسلمون اسم الملك العتيق ـ لأن السلطان الناصر صلاح الدين أسره في حطين، ثم أعتقه بعد أن أخذ منه العهود المواثيق بأن يظل‏

مملوكه ولا يرفع في وجهه سلاحاً أبداً، لكنه نكث بوعده ـ وكذلك مقدم الفرسان الداوية ـ أخبث أنواع الفرنجة ـ، لم يكن قراقوش يتوقع الحصار من البر بل من البحر. ولكن قدر الله وقع، وإذا كان قدر الله فإن الله يسوق إليه من الأسباب ما يوجبه.‏

وما إن تجاوز الراضي ورجاله برج الذبان بقليل حتى هب الناس، قدموا للفرقة وجبة لا تقدم في مثل هذا الحصار؛ فقد وضع الناس أمام الراضي وفرقته عدساً وملوحات ومخللات وأجباناً وأعسال نحل وفطائر، وما أن انتهى الطعام حتى رفع المؤذن صلاة الفجر، صلى الناس فرحين متفائلين بالنصر. تضرعوا إلى الله أن ينصرهم، وأن يبعد عنهم شر الفرنجة الذي يتناسل مثل النمل. خرجوا من المسجد كل إلى موقعه، أما قراقوش فقد صعد إلى حجرته في قلعة الملك قريباً من برج الداوية، ولم يكد يغفو حتى وقع الصوت: جاءت سفن الكندهري.‏

والكندهري ـ لعنه الله ـ هو كونراد دي مونتفرات بلغة أهله، وهو من البياشنة أو من الجنوية ويقال إنه من مدينة رومية عظيمة تسمى "بيدمونت"، وهو من أكابر الفرنجة وأعيانهم وأخبثهم وأشدهم، حاصره الناصر صلاح الدين في صور ولكنه لم يستسلم، وقد عرض عليه السلطان أن يطلق سراح أبيه العجوز مقابل المدينة، ولكنه رفض بشدة وقال إنه يفضل موت أبيه على تسليم المدينة؛ فمدينة صور هي ما تبقى للفرنجة بعد سقوط بيت المقدس، وهدد بملوك الغرب الذين سيملأون البحر سفناً ورجالاً.‏

والكندهري في أواسط العمر، طويل القامة، أشقر الشعر، عريض المنكبين، متجهم الوجه، ويتقن لغة العرب وملم بأصول دينهم، وقد اختلف مع البابا نفسه حول مسألة إنقاذ بيت المقدس، وانصرف مغاضباً، وأرسل الرسل إلى ملوك إنكلترة وألمانية وفرنسة وهنكارية والدنمرقة وملك الروم في القسطنطينية ـ ولكنه خذله ـ وقد حمّل أسقف صور رسائل وصوراً تصور السيد المسيح وهو يُضرب من قبل المسلمين، وبعث به إلى الغرب، ولم يعترف الكندهري بسلطة الملك العتيق أو غي دي لوزجنان ملك بيت المقدس المهزوم، واعتبره المسؤول عن ضياع المملكة اللاتينية المقدسة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ فقد وصفه أنه لا يتمتع بمزايا سوى فضيلة الاضطجاع مع وريثة عرش المملكة، الملكة سيبيل، التي توفي زوجها الملك أموري فتزوجها هذا الرجل فصار ملكاً بين ليلة وضحاها، وقد رفض الكندهري إدخال الملك العتيق إلى قلعة صور للاختباء بها من بطش صلاح الدين، فاضطر هذا الملك إلى الاتجاه جنوباً حيث عكا فحاصرها ومعه فرسان الداوية ـ لعنهم الله ـ، وما مجيء الكندهري هذا الصباح بثمانية عشر شانية إلا نذير شؤم حقيقي؛ ذلك أن مجيئه يعني اجتماع الفرنجة على كلمة واحدة بينهم، أو أن ملوك الغرب قدموا من وراء البحر كما هدد الكندهري صلاح الدين يوم حاصره في صور.‏

هب الأمير بهاء الدين قراقوش، وأمر الشاويش بمناداة الأمير "أبو الهيجاء" ومقدمي الفرق جميعاً، وما هي إلا دقائق حتى حضر الكل وهم يطردون بقايا الرغبة في النوم من عيونهم.‏

قال قراقوش: الأمور تنذر بالأسوأ.‏

قال ذلك دون أن تبدو على وجهه علامات الفزع أو الانزعاج، قال ذلك بحيادية.‏

قال الأمير أبو الهيجاء: المشكلة أيها الأمير، أن لا مراكب لدينا في الميناء، سوى مراكب صغيرة لا تستطيع مواجهة شواني الفرنجة. لقد عددنا ثمانية عشر مصباحاً في البحر.‏

قال الأمير بهاء الدين: أكتب كتاباً لمولانا السلطان صلاح الدين أعلمه بالأمر، وأطلب إليه أن يرد عنَّا أسطول الكندهري.‏

كان الكاتب الدمشقي حاضراً، وهو من تلاميذ الكاتب العماد الأصفهاني، وقد ألم بطريقة الكتابة بالترجمة حيث لا يفهم الأعداء من الرسالة شيئاً إن وقعت في أيديهم، فلكل شيء رمز ولكل حالة إحالة، وهو أمر لا يطيقه العماد ولا تلاميذه الذين يميلون إلى السجع والتقفية والاسترسال.‏

أملى أبو الهيجاء الرسالة ثم شدت إلى رجل حمامة ثم طيرت من فوق برج الداوية، فرآها الفرنجة، فأطلقوا عليها ما شاء لـهم من الزنبورك، ولكن الله سلم الحمامة والرسالة إلى أن حطت في الحضرة السلطانية عند سلطان لم ينتبه بعد من إذكار الفجر وقرآنه.‏

الكندهري الذي قدم لحصار عكا تسبقه الحكايا عن بطولاته وشدته وقدرته على القيادة والصبر والصمود، ومناطحته لصلاح الدين على أسوار صور، وكذلك علاقاته المتميزة مع ملوك الغرب جميعاً وخصوصاً الملك هنري ملك إنكلتره، كل ذلك جعله يتبوأ مركز القيادة في معسكر الفرنجة الذي يحاصر عكا، الأمر الذي لم يعجب الملك العتيق، ومقدم فرسان الداوية ما دفع بالكندهري إلى أن يجعل خيمته ومعسكره في الجهة الشمالية من عكا، ولكن وصول الكندهري وما أشاعه من تفاؤل دفع بالفرنجة إلى إظهار الفرح والسرور ودق الناقوس، وإشعال النيران.‏

وعلى عادته، فقد دعا الكندهري إلى اجتماع عاجل، ولكن الملك العتيق رفض أن ينعقد الاجتماع في خيمة القادم الجديد، بل طلب أن يكون الاجتماع في خيمته هو باعتباره ملك بيت المقدس الشرعي، فاضطر الجميع إلى القبول بعقد الاجتماع في خيمة ممثل البابا، الذي كان يكره الكندهري أصلاً لخلافه مع البابا ذاته.‏

في بداية الاجتماع، سخر الكندهري من عدم قدرة عساكر الفرنجة من دخول عكا طيلة هذه الفترة، وسخر كذلك من أسلوب الهجوم المتراخي والمضطرب، كما انتقد طريقة توزيع الجند الأمر الذي يسمح لصلاح الدين بالاستفراد بهم كلما أراد.‏

الملك العتيق الذي هزم وأسر في حطين، كسرت شوكته وضاعت هيبته منذ زمن، ولهذا لم يستطع أن يرد على سخرية الكندهري المرّة، ولكنه سأل بسخرية ـ أيضاً ـ عن الخطة البديلة التي يقترحها هذا المتجهم! فرد هذا بالقول إنه يريد أن يختبر قوة صلاح الدين على الأرض، بعد أن اختبرها في البحر.‏

المجتمعون الذين يمثلون فرسان الراوية، والهسبتالية، والبابا، وتجار بيزا، وجنوة، والبندقية وقومص من طرابلس، وعدد من المركيسات المختلفين الذين تم طردهم من بيت المقدس، رغبوا في أن يقودهم الكندهري أملاً في نصر سريع. بعد هذا الحصار الطويل والجوع المستشري والقتل النافذ؛ رغبوا جميعاً في أن يسكت هذا الملك العتيق الذي لا يفعل شيئاً سوى التزلف المكشوف لزوجته الملكة سيبيل، التي لم تخفِ فرحتها بوصول المركيس باليان الإبليني برفقة الكندهري.‏

الكندهري، من جهته، أطلع المجتمعين على قرب وصول ملوك الغرب إلى عكا، وطلب إلى الجميع أن يستعدوا للمواجهة، قبل ظهيرة هذا اليوم، هجوماً كاسحاً على قوات صلاح الدين، وعلى مدينة عكا من البر والبحر معاً، وكانت هذه هي الخطة الجديدة، إنهاك المسلمين طيلة الوقت، وعدم إعطائهم الفرصة للراحة، ذلك أن عسكر صلاح الدين سريع الملل، ويبحث عن نصر سريع.‏

قام المجتمعون إلى عساكرهم، طلبوا إلى الجميع الاستعداد، الخيالة والرّجالة والنبّالة والنقابين وضاربي المنجنيقات والنار والزنبورك. دقوا الناقوس، ورفعوا الأعلام البيضاء والحمراء على العربات ذات العجل، لمع حديدهم تحت الشمس، كانوا فرساناً غلاظاً أشداء، بخيولهم الضخمة الأوراك المغطاة بالزرد، ووجوههم وصدورهم المغطاة بالحديد السميك، والزرد ذي اللون الرصاصي، ودروعهم التي لا تشبه دروع مصر أو الشام، ورماحهم وسيوفهم الطويلة المستقيمة والثقيلة، كان منظرهم مرعباً ومهولاً عندما ملأوا المرج بين تل المصلبين وتل كيسان، وعندما اندفعوا إلى الأمام وهم يصرخون بلغة لا تفهمها الجبال والسهول والتلال المحيطة بهم، كان صراخهم خليطاً من لغات ولهجات مختلفة، تبعثر على إثرها، الطير وحيوانات السهل البرية.‏

وفي تلك اللحظة ذاتها، اندفعت المنجنيقات تدك برج عين البقر، وبرج الداوية، وباب قراقوش، فيما اندفعت أربع شانيات تحاصر برج الذبان على باب ميناء عكا داخل البحر، ترميه بالنار والزنبورك المشتعل أو المسموم.‏

استعرت الحرب، اندفعت الأطلاب الإسلامية بكامل هيئتها وعدتها وخفتها، مقدمة وميمنة وميسرة وقلباً ومؤخرة، يقف عليها أبناء صلاح الدين وإخوته، جميعاً اندفعوا نحو الحديد والزرد والرماح الطويلة الثقيلة.‏

التقى الجمعان في المرج الواسع المخيف، انفجر الصوت العالي يحمل الأمل والدعاء: يا للإسلام... يا للإسلام!.‏

التقت الرشاقة بالحديد الثقيل، والخيول الرهيفة الخمصاء الضامرة بالخيول الغليظة ذات الرؤوس المربعة، والرجال السمر الخفاف بالرجال الذين يتقدمون وراء دروع تكاد تغطيهم، التقت القلوب المترعة بإيمانها وأوهامها وأطماعها ومخاوفها، انقضت الرجالات على بعضها البعض في راح ذلك المرج المخيف، بين تضاعيف غبار خرج من باطن الأرض، وشعاع شمس يصب زيتاً حاراً على كل شيء. كانت الأطلاب الإسلامية تتشكل من الحلبية، والمواصلة، والنابلسية، والعساكر الصلاحية، والأسدية، وعساكر سنجار، وعساكر ديار بكر، وجماعة المهرانية والهكارية، أخلاط من العرب والكرد والترك والغز والسودان، كلهم يصيحون صيحة رجل واحد: يا للإسلام... يا للإسلام! كل بلهجته، كل بقلبه، كل بجسده.‏

التقى الرجال الطوال ذوو العيون الزرق والأذرع الطويلة، والحقد الضامر، والكشح المرتفع بالرجال الربع الغلاظ ذوي الأذرع المفتولة والبطون المجدولة، اشتعلت الأرض وانقدحت النيران من كل مكان، كانت لحظة صدق وحق اختفت فيها الخلافات الصغيرة، والنمائم التافهة، والمطامع الشخصية. شق الحديد الحديد، وأكلت النار النار، واشتبكت الرماح بالأضلع، وتمرغت الأنوف بالتراب، ونعر ونخر وشخر كل حي في ذلك المرج الذي ضاق وضاق حتى صار أضيق من سم إبرة.‏

العساكر الصلاحية والأسدية أبلت بلاء لا مثيل لـه؛ طاروا على ظهور خيولهم، تعالوا، تساموا، شقوا الغبار والحديد واللحم والنار. قائد الأسدية المملوك سيف الدين يازكج ونائبه رسلان بُغا، كانا على رأس النار والخيل، كان الناظر إليهما يتخيل أنهما ليسا على فرسيهما، وإنما يسيران على ظهور خيل العدو المخذول، كانا مثل طيرين من الأبابيل التي تحمل حجارة مسمومة لا تخطئ ولا تخيب، وكلما شقا صفاً من صفوف العدو المخذول يلحق بهما جنودهما، حتى استطاعت عساكر الأسدية والصلاحية الالتفاف على جند الكندهري نفسه، فلما رأى هذا أنه محاصر بكل هذه العساكر، صاح بلغته صيحة عظيمة، ثم حمل حملة مكروب حتى فتح ثغرة في الحصار عليه، وفر هارباً إلى تل المصلبين، فلما رأى جند الفرنجة أن الكندهري يفر من أرض المعركة، فر الجميع وراءه، فلاحقه اليزك الإسلامي مدة من الزمن يضرب دبره ويؤثر فيه إلى أن تجاوز العدو تلال التراب التي أقاموها لتفصل بين تل المصلبين والمرج الفسيح تحته.‏

وفيما كان ذلك يجري في المرج، أمام سور عكا، كانت هذه تتعرض لقصف متواصل من المنجنيقات التي أحضرها الكندهري معه من صور، كانت مناجيق إفرنجية حسنة الصنع، بعيدة المدى ولكن حجارتها صغيرة لا تكاد تمزق مصائد الليف التي يصنعها الصبيان داخل عكا المحاصرة، وقد استمر قذف الأسوار والمدينة حتى حل المساء دون توقف، بحيث منعت ضاربي المنجنيقات داخل الأسوار من الرد، إلا أن ذلك كان حسناً أيضاً؛ إذ لم تكن هناك حجارة كافية في المدينة لقذفها، وقد رآها قراقوش مناسبة لجمع بعض الأحجار لقذفها من جديد، فقد كانت مسألة توفير الحجارة تشغل بال المدافعين عن المدينة، أحد الاقتراحات التي رفضها قراقوش كانت هدم بعض باشورات الأبراج التي لا تواجه الأعداء من الشمال والجنوب لاستعمالها في المنجنيقات، ولكن قراقوش رفض هذا الاقتراح وطلب إلى الفعلة أن ينزلوا إلى الميناء قريباً من برج الذبان لتكسير بعض الأحجار من الصخور القريبة من صخرة الغراب، وعلى الرغم من صعوبة المهمة، وتعرض الفعلة للنشاب الإفرنجي إلا أن ذلك لم يمنعهم من العمل ليلاً، البناؤون المهرة تقدموا هم الآخرون باقتراح ذكي، ذلك أنهم جمعوا الأحجار المتساقطة، ثم صاروا يلصقون بعضها إلى بعض بملاطٍ اخترعوه، بحيث صنعوا أحجاراً صغيرة وكبيرة حسب الطلب، الأمر الذي أعجب قراقوش وطلب إليهم الاستمرار فيه.‏

أما برج الذبان في البحر أمام ميناء عكا، حيث حاصرته أربع شانيات إفرنجية، فقد عمد عساكر الإفرنج إلى صنع برج من الخشب والحديد والنحاس يكاد يصل إلى باشورة البرج الضارب في السماء، وكمن عساكر الإفرنج داخله، وأخذت الشانية تقترب والبرج على ظهرها، والآخرون يشاغلون مقاتلة البرج بالنشاب والزنبورك، وما إن اقترب البرج الخشبي حتى انقض عليه المقاتلة بالزراقات التي تقذف النار بإرعاد ودخان شديد، ولكن ذلك لم يؤثر فيه كثيراً؛ إذ سرعان ما تنطفئ النار، عندئذٍ تقدم نقاط دمشقي يدعى إبراهيم، كان والده أحد الذين قتلوا عندما ثار أهل دمشق على حاكمهم الذي صانع الإفرنج، إبراهيم هذا، طلب إلى مقدم البرج أن يوفر لـه لفائف الكتان والقطن ليكفيهم شر هذا البرج الخشبي الذي يرونه لأول مرة في حياتهم.‏

إبراهيم، النقاط الدمشقي، لم يكن معروفاً عنه سوى أنه صموت، وهادئ، ويقوم بما يوكل إليه، لم يتحدث كثيراً عن أسرته في دمشق سوى عن حادثة قتل والده على يد جند الحاكم الخائن الذي صانع الإفرنج. ربما تحدث عن خطيبة ما، أو عن بستان صودر ذات يوم، أو عن صديق مات في أرض بعيدة وهو يحارب الإفرنج المخذولين. وعندما التقطه الراضي في دمشق ذات يوم، أو عن صديق مات في أرض بعيدة وهو يحارب الإفرنج المخذولين. وعندما التقطه الراضي في دمشق ذات يوم، وضمه إلى فرقة النفاطين لاحظ أن إبراهيم هذا قادر على تقديم أفكار عجيبة، كان آخرها حديثه عن ثلج الصين الذي سمع به عند راشد الدين سنان زعيم الحشيشية في قلعة مصياف، الأمر الذي أثار فضول الراضي بحيث دفعه إلى إحضاره بكمية ضئيلة تناقصت بسبب التجارب الفاشلة الكثيرة.‏

سأله مقدم البرج، وكان رومياً هو الآخر: ماذا ستفعل يا إبراهيم؟.‏

قال بهدوئه وصمته وانطوائه: ستعرف عما قليل أيها المقدم، ولكني سأكفيكم شر هذا البرج اللعين.‏

ـ ولكن كيف؟!‏

ـ سترى بعد قليل.‏

أخذ إبراهيم زيوتاً مختلفة ودهن نفسه بها، ثم لف على جسده الكتان والقطن، وبلل ذلك بالنفط، ثم ربط قموعاً محشوة بثلج الصين على خصره، فعل ذلك والعسكر ينظر إليه بعين مدهوشة: ماذا تفعل يا إبراهيم؟!‏

لم يرد إبراهيم، بل قرأ الفاتحة، وسلم رسالتين إلى مقدم البرج، الأولى لمقدم فرقة النفاطين الراضي في عكا المحاصرة، أما الثانية فلامرأة ما في دمشق المحروسة. صعد إبراهيم باشورة برج الذبان، وهناك نظر إلى الدنيا الواسعة، نظر إلى ملكوت الله الأزرق والأخضر والأبيض، نظر إلى طيور البحر البيضاء، وثبج إلى البحر المتضاحك دائماً، رأى تحته شانيات العدو المخذول، وقمة البرج الخشبي العجيب، سمع بوضوح صراخ جنود الحضرة السلطانية: يا للإسلام... يا للإسلام!‏

رأى والده يقتل بيد الحاكم الخائن، ورأى آماله وأحلامه كلها مرة واحدة. صاح من قحفه: الله أكبر! أشعل النار في نفسه دفعة واحدة. واندفع باتجاه البرج الخشبي، كان خفيفاً كفراشة، فقد صلته بالكون كله، سقط على قمة البرج الخشبي في شانية العدو المخذول، وضع روحه في كفيه اللتين التصقتا بالبرج تماماً، وإذا الانفجارات تتوالى، وإذا النار تهب دفعة واحدة، البرج يتهاوى، بالشانية كلها تتهاوى، فانفجر الصوت من برج الذبان وأبراج عكا المقابلة: الله أكبر... الله أكبر... يا للإسلام... يا للإسلام!‏

كان ذلك يحدث للمرة الأولى، فوجئ العدو المخذول بما جرى، توقفوا عن الرمي، بهتوا بهذا كله، حسبوا كل شيء سوى هذا، شاهدوا البرج الذي أنفقوا فيه وقتاً ومالاً وجهداً لا يقدّر يتهاوى مرة واحدة إلى قاع البحر، أخذتهم المفاجأة تماماً، ولسوء حظهم فقد ركد الهواء، فلم يستطيعوا الانسحاب من ميناء عكا، فانهالت عليهم كرات النار والسهام المجنحة، فاشتعلت الشانيات الباقية، فاضطر الجند فيها إلى إلقاء أنفسهم في الماء طلباً للنجاة.‏

كان يوماً طويلاً ومجيداً، طار فيه اسم إبراهيم، وصار حمامة تطوف البلاد، ويحكي عنه العباد. حتى الناصر صلاح الدين تبسم ابتسامة بديعة عندما سمع بذلك، وقال معلقاً: أنا أحب دمشق وأهلها.‏

ولم يكن السلطان يخفي حبه للشام وأهل الشام.‏

قرأ الراضي رسالة إبراهيم إليه فإذا فيها حض على الجهاد، والاستبسال في قتال الفرنجة أعداء البلاد والعباد، ثم علقت الرسالة في المسجد الجامع ليقرأها الجميع.‏

أما الكندهري فقد ودّ أن تبتلعه الأرض، ولكنه أرغم نفسه على التجلد ودعا إلى اجتماع عاجل، وتجنب النظر إلى الملك العتيق حتى لا يرى في عينيه أي معنى من معاني التشفي. وفي الاجتماع، دعا الكندهري إلى وقف القتال، والاهتمام بتحصين المعسكر، وتهيئة العدة إلى حين وصول ملوك الغرب، وتجنب الحديث عن أحداث المعركة.‏

قراقوش الذي شعر بسعادة غامرة لنتائج المعركة، دعا مجلس الحرب للتداول، فلما التأم الجمع، قيل لـه إن هناك نقصاً في الميرة والسلاح وخاصة السهام بكل أنواعها والنفط والخل والزيت والشحم، وأضاف الراضي أن هناك نقصاً شديداً في ثلج الصين أيضاً، وطلب كمية كبيرة منه، فلما سأله قراقوش عن مكان هذا الإكسير، قال لـه الراضي أنه في قلعة لدى زعيم الحشيشية، فقال قراقوش إن ذلك مستحيل، ذلك أن الحشيشية تحالفوا مع الفرنجة ونكثوا عهدهم مع الناصر صلاح الدين الذي أبرم قبل عددٍ من السنين؛ إذ إن الكندهري الملعون أقنع راشد الدين سنان أن ملوك الغرب سيقطعون البلاد والعباد حال وصولهم وانتصارهم على صلاح الدين.‏

الأمر الأخطر من هذا كله، ما قاله بعض الحاضرين من رغبتهم في الخروج من المدينة، وطلبهم المباشر إلى قراقوش أن يكتب للناصر صلاح الدين لاستبدالهم بآخرين، وعللوا ذلك بالمرض أو زيارة الأهل أو التعب، ما أدهش قراقوش أن الأمير أبا الهيجاء طلب ذلك أيضاً. قراقوش نفسه، وبعد أن انفض الجمع، تساءل وهو يحدق من كوة حجرته بقلعة الملك عن تعبه وعن ملله، لم يجد شيئاً في أعماق صدره، كل ما وجده هو أنه يجب أن يكمل المهمة بنجاح، كما في كل مرة.‏

إنه محارب، ومحارب فقط، منذ أن عمل في قوات أسد الدين شيركوه وصار مقدمها، ومن بعد ذلك انتقاله إلى قوات صلاح الدين.‏

الحرب مهنته، إطاعة الأمر حياته، ولا شيء يشبه إرضاء الناصر صلاح الدين، لا معنى للأسرة أو البيت والعدو بين ظهرانينا، ولا طعم للسعادة، أو المرأة أو المسكن الطيب فيما يتناسل العدو، ويدمر ويقطع الطريق.‏

قراقوش الذي لم يذكر يوماً واحداً قضى فيه وقته دون عمل، لا يتصور يومه دون إنجاز شيء يجب إنجازه.‏

إن بناء أسوار القاهرة وقلعتها وإن كان عملاً دون مخاطر إلا أنه صنع لقراقوش معنى وأهمية، كان يستغرب ميل الفعلة والبنائين إلى الكسل، وطلب الراحة أيام الأعياد، وهي كثيرة لدى المصريين، اضطر معها قراقوش إلى إلغاء جميع الأعياد إلا العيدين فقط، حتى يوم الجمعة، أمر بأن تكون الراحة فيه وقت الصلاة ليس إلا، ولما رأى أن النهار طويل في أيام الصيف، قسم الفعلة والبنائين إلى ثلاثة أقسام، بحيث يعملون طيلة النهار والليل، ولما رأى أن أحجار المقطم لا تكفي، طلب إلى الناس أن يقدموا أحجاراً بعدد أولادهم أو خدمهم، ولما لم يكف ذلك، طلب إليهم البحث عن آثار وخرائب الأمم السابقة، ونقل حجارتها إلى الأسوار، ولما رأى أن الفعلة والبنائين ينفقون وقتاً طويلاً في تناول الأكل ثلاث مرات في اليوم، فرق عليهم وجبة واحدة يقدمها عسكره لـهم، ولما شغب عليه بدو الصحراء مما يلي الفسطاط، كان يعتقلهم ويفرض عليهم نقل التراب والقش على ظهورهم دون إجرة، وفيما كان الجميع يعتقد أنه يقوم بعمل مرهق ويائس، كان قراقوش يشعر أن لحياته ولاسمه معنى وأهمية، وأنه دون ذلك مجرد كائن تافه.‏

قراقوش لم يطلب يوماً أن يرتاح، ولم يطلب دستور السلطان للمغادرة أو الانعزال، وعلى نقيض أستاذه الأول أسد الدين شيركوه الذي كان يحب الأكل الغليظ حتى انفجر قولنجه، فإن قراقوش لم يعشق الطعام، ولم يعشق النساء، ولم يعشق الشراب رغم حب الأكراد والأتراك لـه، لم يعشق سوى شيء واحد فقط العمل والعمل فقط.‏

وعندما أنعم عليه السلطان الناصر صلاح الدين لقب الأمير في مصر، شعر قراقوش أنه نال ما يتمنى، وأن صلاح الدين ما هو إلا نور الدين زنكي قدس الله روحه، نور الدين رجل لا مثيل لـه، وقاراً وحناناً وهيبة وحسن طوية وطلب جهاد. هؤلاء رجال يجدر العيش بقربهم، والتعفر بالتراب الذي يطأونه.‏

قراقوش الذي عاش صدر شبابه الأول مملوكاً للسادة من آل زنكي وآل أيوب، تعلم أن الإنسان ما يعمل وما يطمح، وفي زمن الحرب، فإن للرجل فرصة ما لإثبات نفسه، الحرب وإن كانت ظرفاً استثنائياً إلا أنها يمكن أن تعاش بطريقة صحيحة، لا يندم عليها المرء، والحرب مطامع ومصالح، وفيها لا يمكن للمرء أن يثق بأحد إلى ما لا نهاية، أما الناصر صلاح الدين ففيه ما لا يوجد في الآخرين، إنه مثل ذلك الأمير الذي مضى تاركاً وراءه عطر الدنيا وعبيرها ونورها، نور الدين زنكي.‏

ولقد رأى قراقوش أمراء كثيرين حوله، خذلوا الأمة، وصانعو الفرنجة، ودفعوا لـهم الجزية وقد احتقرهم من أعماقه، مصانعة الفرنجة ليس عملاً جديراً بالرجل، وليس إنجازاً يفخر به، وقد اعتقد في قرارة نفسه أن الرجل لا شيء سوى سمعته، وأن المصلحة ـ في نهاية الأمر ـ هي المجد بشكل أو بآخر، وما دام قد حصل على لقب الأمير، فإنه على استعداد لفعل كل شيء من أجل أن يحظى بهذا المجد، والمجد معلق بآل أيوب العظام.‏

رغب قراقوش في هذه الليلة أن يتحدث إلى شخص ما، رغب في أن يقول لـه إنه يريد أن يظل في عكا حتى يخذل الله الفرنجة، وأنه غير متعب، وأنه لا تعتريه ما يعتري الرجال من ملل أو ضجر، كره أن يستدعي مقدم العسكر حسام الدين أبا الهيجاء؛ فهذا رجل فيه أنفة وكبر، وظلت هناك مسافة ما تفصل بين الرجلين، فلم تنشأ بينهما صداقة بالمعنى الحقيقي، أما مقدم الأسطول حسام الدين لؤلؤ فلم يشف من جراحه بعد، ولا يزال طريح الفراش، ولهذا فهو لا يشارك في مجلس الحرب.‏

رغب قراقوش في الكلام، لم يجد أحداً، جاءت جارية رومية ترفع آنية الطعام من المجلس، كان اسمها رامك، في أواسط العمر، نحيفة ذات جلد أبيض.‏

شاهدها قراقوش وهي تقوم بعملها بهدوء واستكانة، اعتقد لوهلة أنه يشاهدها لأول مرة، قال لـها تحت إلحاح حاجة في صدره: رامك.‏

كانت تلك المرة الأولى التي يناديها باسمها المجرد، التفتت إليه مذعورة: نعم يا مولاي.‏

لم يجد ما يقوله لـها، ضاع ما في الصدر من مشاعر، قال: كيف حالك؟!‏

قال ذلك بحنو شعرت به المرأة التي لم تتعود على سيدها هكذا. اضطربت، سقط منها إناء نحاسي كبير، شعرت بحرج عظيم أمام سيدها، لم تجد غير البكاء الصامت.‏

اقترب منها، قال: لماذا تبكين يا رامك؟!‏

قالت المرأة من أعماق روحها التي تلبدت بفعل الإهمال والإهانة: لأنك سألتني عن حالي يا مولاي!!‏

يا للبشر! كل ودموعه! مدّ قراقوش يده إلى كتف المرأة التي صارت ترتجف مثل عصفور مبلل. مد يده إلى وجهها الأبيض النحيف ذي العظام البارزة والعيون المذهولة. قال لـها: ماذا تتمنين يا رامك؟!‏

قالت: رضاك يا مولاي.‏

انكبت على يده تقبلها بكامل الشغف، وكامل الإحساس بالامتنان، شعر بشفاه المرأة تأكل لحم يده، استيقظ الجسد العجيب.‏

رفعها إليه، وقال لـها: هل تعرفين يا رامك أنني أتمنى..‏

انتبه لنفسه، لا يجدر الضعف والاعتراف أمام من لا يحسن، ولا يفهم الاعتراف، مد يده إلى وجهها الممتن، ربت عليه، قال لـها: امض يا رامك إلى شأنك.‏

ذهبت الجارية لا تصدق ما جرى. اكتفت ومضت.‏

في الحرب، يقسو الإنسان على نفسه وعلى الآخرين، ينسى أشياء كثيرة جميلة ولطيفة، نسي قراقوش أن يصنع أصدقاء لـه؛ فقد تحول هو نفسه إلى كائن ينفذ الأوامر ولا يصنعها، طيلة عمره كان مملوكاً للعظام من حوله. في الحرب تبحث عن المجد لا عن الأصدقاء. في الحرب نبحث عن النصر لا عن العواطف، هذا هو سر سيدي ومولاي صلاح الدين الذي اختار غضب نور الدين زنكي على الانصياع لـه، مولاي الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف لم يكن مملوكاً، كان مليكاً، ولد في زمن الحرب، وعاش زمن الحرب، وبحث عن المجد والنصر والعزة، وهذه أمور لا تفترض حسن النية أو الاستسلام للضعف أو العاطفة، لقد اختار مولاي أن يغضب آل زنكي كلهم على أن يتنازل عما ساق الله إليه من الملك. كان مولاي يضمر أمراً في نفسه.‏

في الحرب لا يجدر الضعف أبداً، ولا تجدر الثقة أحد أبداً. الحرب تعلمنا الأسوأ فينا، وترغمنا على الأسوأ فينا، وإذا كانت الحرب استثنائية فإنها معيار حياتنا العادية أيضاً.‏

قراقوش، الذي عاش الحرب طيلة عمره، يكتشف هذه الليلة أنه حارب في كل مكان من العراق والشام ومصر، ولكنه لم يصنع صديقاً واحداً، أو أسرة، و عشق امرأة كما فعل الآخرون. وعندما يكون العدو في بيتك لا تستطيع أن تستمتع بالحياة أبداً، والفرنجة متوحشون فعلاً، وهم على استعداد لفعل كل شيء من أجل بقائهم بين ظهرانينا، إنهم يسممون الحياة فعلاً.‏

ومثل كل ليلة، آوى قراقوش إلى فراشه وحيداً، وقبل أن تأخذه سنة النوم اللذيذة الرائقة، رأى نفسه على فرسه يتمختر بين صفوف العسكر التركية والكردية، وهم يحيونه باحترام كبير، ظل يسير بين الصفوف، ويسير إلى أن نام.‏

خم المرج وفسد ريحه لكثرة الجثث فيه، مما اضطر المعسكر الإسلامي أن ينسحب من تل كيسان إلى تل خروبة الذي يبعد عنه قليلاً إلى الشرق، فيما حاول الفرنجة أن يدفنوا قتلاهم بأسرع ما يمكن، ليتفرغوا لتحصين مواقعهم، انتظاراً لملوك الغرب الذين تواترت الرسائل بقرب وصولهم من وراء البحر، فساد الريح حمل المرض إلى جند الفرنجة، فكثر المرض فيهم، ومن ثم الموت، وبسبب ذلك ماتت الملكة سيبيل زوجة الملك العتيق، ملك بيت المقدس، وبموتها، فقد هذا الأخير شرعيته وأهميته في أعين الفرنجة؛ إذ انتقل تاج المملكة إلى إيزابيل شقيقة الملكة المتوفاة، ورأت الفرنجة أن هذا تدبير من السماء؛ إذ تخلصوا من الملك العتيق، فهو لا يحق لـه أن يكون ملكاً بعد الآن، حسب القوانين المرعية في هذا التاج، كما أن إيزابيل هذه، امرأة لعوب ضاقت ذرعاً بزوجها المركيس المريض العجوز الذي لا يرضيها. أما الكندهري، فهو محارب أفنى حياته في خدمة الفرنجة، فلم يتزوج، وكانت حياته أشبه بحياة الرهبان، ولهذا فقد أجبر أعيان ومقدمو الفرنجة على اختلاف أجناسهم المركيس المريض على تطليق زوجته الملكة إيزابيل، ومن ثم زوجوها إلى الكندهري ليكون ملك بيت المقدس، وزعيمهم الشرعي في قتالهم ضد المسلمين، ممثل البابا الذي لم يعجبه الحل نزل على رغبة الفرنجة طلباً للسلامة والنصر كما قال في خطبته المرتجلة في مراسم الزفاف. وهكذا تحول الكندهري في ليلة وضحاها إلى ملك بيت المقدس رغم كل خلافاته مع البابا، هذا الأمر لم ينل رضا الملك العتيق، ولا فرسان الداوية فأعلنوا أنهم غير ملزمين بإطاعة الكندهري أبداً، وأن الملك العتيق هو الأحق بالملك، وكانوا يعتمدون في ذلك على دعم ملك الإنكتار الملك هنري الذي لم يخف خلافه مع البابا أصلاً، وبهذا الانشقاق فإن الفرنجة انكفأوا على أنفسهم، ولم يهاجموا معسكر السلطان، ولا مدينة عكا، الأمر الذي سمح للناصر صلاح الدين أن يرسل إلى أسطوله في بيروت أن يبعث بطسة كبيرة محملة بالميرة والسلاح إلى عكا رغم حصارها.‏

وفي بيروت، لم يجد أمير البحر هناك ربان سفينة قادراً على تنفيذ المهمة غير الأسطولي المصري يعقوب الذي وصل من الاسكندرية قبل عدة أيام فقط، ولوصوله بيروت قصة، ذلك أنه لما وصل إلى الاسكندرية وارتاح ورجاله عدة أيام، وجد أن كثيرين من تجار المسلمين، وتجار الفرنجة يرغبون في السفر إلى بيروت بحراً، فقد سمعوا بغائلة الجوع التي تفتك بالناس هناك، وأن الأسعار بلغت أوجها، هذا بالإضافة إلى انخفاض سعر الدينار الصوري مقابل الدينار المصري، رغب هؤلاء التجار في انتهاز الفرصة تماماً، فأقنعوا يعقوب بتلك الرحلة على أن يدفعوا لـه أجرة مضاعفة، ولما نادى المنادي في أسواق المدينة بقيام المركب إلى بيروت، سمع ذلك ابن جبير ـ أيضاً ـ الذي خاب أمله تماماً في المدينة؛ فقد خلت من الفقهاء الذين التقاهم في رحلته الأولى، فالمدينة تحولت إلى ما يشبه المعسكر بأسوارها الضخمة، ومينائها المحكم، وحاميتها الكبيرة.‏

فما إن سمع أن مركباً سيقوم إلى بيروت حتى ذهب إليه ليسجل اسمه، فوجد هناك يعقوب بين رجاله يدققون في المركب وهيئته. ولما أعلن ابن جبير عن رغبته في السفر إلى بيروت، استقبله يعقوب استقبالاً حسناً واعتبر ذلك فألاً حسناً، فقد كانت الرحلة من سبتة إلى الاسكندرية من أكثر الرحلات أمناً وقلة مخاطر. ولما سأله عن زيارة الأقصى، والسلطان الناصر صلاح الدين، قال ابن جبير إنه سيفعل ذلك من بيروت، تلك المدينة التي زارها أيام كانت بيد الفرنجة، ورأى فيها الأعاجيب من الفسق والفجور.‏

وعندما وصل يعقوب بيروت، دهمته الأخبار كلها، أخبار الحرب المستعرة على أسوار عكا، وأسطول الكندهري الذي يحاصرها واستعصاء أمر الفرنجة هناك، والأهم من هذا كله، وجود ابنه الراضي مقدم فرقة النفاطين في مدينة عكا المحاصرة، وأن المدينة تعاني من الجوع الشديد إلى درجة أن الناس هناك صاروا يأكلون الجلود.‏

لم يتردد يعقوب في الموافقة على الذهاب إلى هناك واختراق الحصار مهما تكن النتائج. لم يتردد قط. لم يفكر ساعتئذٍ بصلاح الدين وظلمه إياه، لم يفكر بقراقوش ذي الأحكام العجيبة، عادت إليه أيامه القديمة، أيام حارب في أسطول الدولة الفاطمية، وكيف انتصر. عاد يعقوب شاباً قديماً تملأ روح المغامرة أعطافه وشرايينه.‏

أمير البحر في بيروت لم يتردد هو الآخر بتكليف يعقوب بالمهمة؛ فهو أسطولي خبير ومجرب، وله ابن محاصر هناك.‏

قال لـه أن يأخذ ما يشاء من المقاتلة لحماية البطسة، ولكن يعقوب رفض ذلك، وقال إن كل ما يريده هو الميرة والسلاح ورجاله فقط، قال إنه يريد أن يملأ البطسة بأقصى ما يستطيع من الميرة والسلاح ولا يريد أن يرهق الحمولة بالمقاتلة.‏

سأله أمير البحر عن توفير الحماية، فقال يعقوب إنه يريد فقط ثياب مقاتلة الفرنجة ليس إلا، كان الطلب غريباً ومفاجئاً، فلما ألح بطلبه، أسرع أمير البحر إلى توفير ذلك لـه.‏

ملأ يعقوب مركبه بالبقر والغنم والجبن والبصل والعدس والسكر والسهام والنبال والسيوف والممنجاه ـ ذلك السلاح الذي يفضله الأكراد ـ والنفط والدهن والزيوت بأنواعها، والملح والقماش والقطن، وما يخطر على البال وما لا يخطر، حتى رقاع الشطرنج حملها معه، كان يفكر بابنه الراضي الذي لم يره منذ سنتين أو أكثر.‏

ولدهشته، فقد رأى يعقوب أمامه ابن جبير مرة أخرى.‏

ـ ما لك يا سيدي الفقيه! ألا تريد أن تتركني؟‏

قال ابن جبير بوقاره وجهامته المعتادة: أريد أن أرحل معك إلى عكا.‏

ضحك يعقوب على عادته: هذه المرة ليست رحلة... إنها حرب يا سيدي الفقيه.‏

قال هذا دون أن يهتز: أعرف، ولأنني أعرف أنها ليست رحلة، فإنني أود، بل أريد الذهاب معك. ومن هناك قد أرى السلطان الناصر صلاح الدين.‏

ـ ولكننا قد نقتل أو نؤسر.‏

ـ لا يهمني ذلك... المقادير بيد الله. أريد أن أرى كل شيء.‏

لم يعرف ابن جبير كيف قرر أن يذهب إلى عكا المحاصرة، كان قراره أشبه بهاتف من داخله أمره بالذهاب إلى هناك. لقد رأى عكا أيام كانت بيد الفرنجة، وكرهها كراهية شديدة لفسقها الذي فاق كل الحدود. هذه المرة، رغب في أن يراها وهي محاصرة تعاني القتل والجوع، بلاد الشام عجيبة وفيها من الغرائب والأسرار ما لا يعلمه إلا الله.‏

سأله يعقوب على حين غرة: هل تعرف لغة أخرى غير العربية؟!‏

قال ابن جبير: نعم، أتحدث القشتالية أو الأشبانية كما تسمى.‏

قال يعقوب فرحاً: إذاً، اصعد إلى المركب.. أنت بركة يا سيدي.‏

قال ذلك بلهجته المصرية الناعمة الرخوة الممطوطة، فوقعت في صدر ابن جبير موقعاً حسناً. ابن جبير لم يجد تفسيراً لأشياء كثيرة، منها قراره الذهاب إلى عكا المحاصرة.‏

وفي عرض البحر، وبعد الخروج من ميناء بيروت الصغير والمحكم البناء، جمع يعقوب رجاله على ظهر المركب، وطلب إليهم أن يلبسوا ملابس الفرنجة، وأن يرفعوا علمهم، ثم طلب إلى ابن جبير أن يلبس ملابس الرهبان، ففعل هذا ما أمر به، وهو يرتجف من فرط الإثارة، كان ذلك فوق التخيل، ولدهشته فقد أقبل ابن جبير على دوره هذا بكامل الجدية والوقار، وقد فرد جدائل شعره لتناسب هيئة راهب متبحر ومتنسك.‏

يعقوب الذي أراد لخطته أن تنجح، صار يوجه رجاله بلغة أعجمية تضطرب فيها الأوداج وتنتفخ، لم يفهم منها ابن جبير شيئاً.‏

يعقوب، الربان المصري، الذي لا تعرف عمره بالضبط، طلب إلى ابن جبير أن لا يؤذن للصلاة، وأن تقام سراً قدر الإمكان، وعندما هبط الليل، كان يعقوب لا يزال مندمجاً في دور الإفرنجي، حتى أنه حاول أن يحاور ابن جبير باللغة القشتالية، فرد عليه هذا بلسان ثقيل، فطلب إليه أن يتحمس لذلك، ففعل ابن جبير ما وسعه ذلك.‏

ـ أين تعلمت ذلك أيها الربان؟!‏

ضحك يعقوب تلك الضحكة الممتلئة العميقة الطويلة وقال: أنسيت أنني بحار منذ أن ميزت الأسماء والألوان؟‏

ـ أي لغة تتكلمها؟!‏

ـ هذه لغة الفرنسيس، وهم الجنس الغالب في الفرنجة، وقد تعلمتها بأمر من أمير البحر الفاطمي لنتعامل مع الأسرى ثم مع التجار.‏

ضحك الربان يعقوب وقال: إنها لغة نسوان، أما اللغة الأكثر نسوية فهي لغة البياشنة والجنوية، إنها ترخي الحنك وتهد الحيل.‏

ضحك بعفوية وعمق، حتى أن ابن جبير تبسم ابتسامة عريضة، كانت المغامرة تستحق. كان البحر عصبياً بشكل خاص، غاص المركب بين الأمواج الضخمة الكبيرة، ثم ارتفع إلى ذرى رجراجة تهيل لحظة تكونها.‏

هاجم الخوف القلوب وعلقها في السماء، ورأى الإنسان كم هو ضعيف إلى درجة تدعو إلى البكاء والتضرع!‏

كان المركب مجرد قشة صغيرة في خضم غاضب ووحشي. يعقوب، الرجل الذي ولد بين الموج وقف كالوتد على ظهر مركبه يصيح برجاله مرة، ويصيح بالماء مرة أخرى، ثم يصيح بالريح مرة ثالثة، أنزل القلوع، وسلم المركب للموج لا يعانده، طلب إلى الله السلامة ليس من أجله، هو مخطئ كبير، طلب من الريح أن تكون طيبة، ومن الماء أن لا تكون غادرة هذه اللحظات. وعد الله والريح والماء أن يكون طيباً عندما يصل، ووعد ـ أيضاً ـ إنه لن يتكلم عن صلاح الدين أية كلمة سوء، ووعد أن لا يميل إلى النساء الساقطات في الموانئ الإفرنجية التي يصلها. تكلم مع كل شيء وهو واقف كالوتد يصيح في وجه كل شيء.‏

ابن جبير، وهو في ملابس الراهب الإفرنجي صلى من كل قلبه أن يكلأ الله الجميع برحمته ولطفه، صلى ابن جبير والماء تغيض به إلى قعر البحر، اهدأ أيها البحر. الربان يعقوب، كان يفقد أعصابه في بعض اللحظات، فيشتم البحر، ويصفه بأنه عاهرة مثل كل العاهرات، وأن الريح مجرد كلبة في فصل شيوعها، ثم يعود إلى السماء فيطلب إلى الله أن يلجم الجميع برحمته ولطفه ووداده.‏

المضحك المبكي في الأمر كله أن البقرات العشر والخمس عشرة ماعزاً بدأن بالخوار والثغاء بما يشبه النواح الذي يقطع نياط القلب، إلى درجة إلى أن ابن جبير نسي نفسه، وهو يتابع ذلك الصوت الذي يفتت الصخر. يا الله، يا لطيف، أنقذنا مما نحن فيه!‏

مضى وقت طويل أو قصير حتى هدأ البحر، وعاد بساطاً من نسيج ناعم مغرٍ، يلتمع بكل الألوان التي تخطر على ذهن. ومع انحدار الشمس في مكمنها الغربي، كان البحر ساحراً وكأنه ليس الذي كان قبل لحظات على استعداد للفتك بكل شيء.‏

قام ابن جبير وصلى بالبحارة صلاة الشكر؛ قرأ ما تيسر من القرآن على صفحة الماء المترامية، التي تخفي وراءها أسرارها وكنوزها، وما لا تفصح عنه، آيات القرآن العجيبة التي كانت تتمدد على وجه الماء دفعت الكائنات كلها إلى الاستماع طوعاً وكرهاً. البحارة عادة ما يقولون بعد هذه الأنواء العصيبة إنهم رأوا كائنات خرافية تظهر على سطح الماء، كنساء جميلات، وحيوانات برؤوس بشرية، ويتحدثون ـ أيضاً ـ عن سماعهم للأغاني التي لا يفهمون من كلماتها شيئاً، أو عن عزف يكاد الجسد يتشقق لـه طرباً وأريحية. كلام البحارة كثير، ولا تعرف صدقه من كذبه.‏

وما إن أقبل صباح اليوم الثالث، حتى كان المركب على أبواب عكا، وكان باستطاعة يعقوب أن يرى بأم عينيه شانيات الكندهري ترابط في البحر، وما إن اقترب أكثر حتى واجهته طرادات العدو الصغيرة مملوءة بالجند المدججين بالنبال والزنبورك وآلات النفط المختلفة. عندئذٍ صاح يعقوب برجاله: اليوم يومكم يا رجال،... يا للإسلام! وعندما تقدم طراد العدو، وكان بالإمكان الحوار المباشر. صاح يعقوب بلغة الفرنسيس التي تملأ الأوداج بالهواء:‏

ـ ليبارككم الرب أيها الجند، كم أنا مشتاق لرؤيتكم! إنني أحمل إليكم أخباراً سارة؛ إن ورائي سفن الملك فيليب أغسطس، ملك فرنسا العظيم هيا، استعدوا لاستقباله.‏

وما إن سمع جند العدو ذلك، حتى انطلقوا عائدين وهم يصيحون فرحاً ونشوة.‏

قال يعقوب لرجاله: ها، أظهروا الفرح.‏

سأل ابن جبير: ماذا لو كانوا غير الجنس الذي توقعته.‏

قال يعقوب منتشياً: وماذا تفعل أنت إذاً؟!‏

تقدمت البطسة ببطء، فيما أخذ البحارة يهللون ويلوحون بالأعلام، دخلوا بين الشانيات الآن، وصار بإمكانهم أن يشاهدوا بحارة العدو وأعلامه وأسلحته.‏

تقدم ابن جبير ليراه الجميع، وصار يباركهم عن بعد، فيتلقى التحيات والتهليل من الجميع، ظلت البطسة تتقدم بهدوء وثبات، حتى وصلت شانية الكندهري نفسه، ولا يزال البحارة يظهرون الفرح والسرور، وابن جبير يبارك الجميع بصلواته الموهومة، وبحجة الالتفاف والرسو من جديد، تقدم يعقوب ـ وساعدته الريح في تلك اللحظة ـ باتجاه برج الذبان، ولإدهاش الجميع، فإنه لم يعد، وإنما تقدم وتقدم حتى تجاوز برج الذبان، وصار داخل الميناء في مأمن من هجوم الفرنجة، وما إن تم ذلك، حتى انفجر الجميع بالهتاف الذي يأخذ بمجامع البدن: الله أكبر.. الله أكبر!.. يا للإسلام.. يا للإسلام!‏

دقت الكوس، ونعرت الأبواق، وخرج الناس إلى باشورات الأبراج جميعاً، هللوا، وكبروا، ورقصوا، وطيروا الحمام للسلطان الناصر، يعقوب، تزيى بزي الفرنجة ليدخل عكا المحاصرة.‏

يعقوب، الذي دخل المدينة وعلى يمينه ابن جبير، فوجئ بأنه أمام والي البلد الأمير بهاء الدين قراقوش، المملوك الرومي الأبيض، الممتلئ بالوقار، المتوشح بالهدوء الذي لا مثيل لـه، لم يجد يعقوب في نفسه شيئاً وهو ينحني بكل احترام وتقدير ليقول من أعماق قلبه: إنني أشعر بسعادة غامرة لأن أراك سالماً يا مولاي!!‏

هذه الحادثة وما رافقها من كلام كثير أو قليل، أجبرت قاضي عسكر الناصر صلاح الدين القاضي ابن شداد أن يذكرها في كتابه المعروف "النوادر السلطانية".‏

ابن جبير الذي هزته الحادثة، طرب لـها طرباً لم يظهره على عادته في الوقار. أنف أن يكتب عن نفسه راهباً يبارك العدو، ولم يرغب في أن يكتب عن ذلك حتى لا يقال عنه أنه كاذب، والأهم من هذا كله، اكتشف ـ لدهشته ـ أن الحياة وتفاصيلها أغنى من أي مدعٍ أو واضعٍ للكتب، وأن هناك ما لا يمكن وضعه على ورقٍ أبداً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244