|
||||||
| Updated: Monday, August 15, 2005 11:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ابن شداد ما إن حل الربيع هذه السنة حتى قدم ملك الفرنسيس في ست بطس تحمله، وتحمل ميرته والخواص من حوله، في الربيع، عادة ما ينفتح البحر، ويقذف إلى سواحل الشام أجناساً من الفرنجة يحتاجون إلى عدة ترجمانات ليتفاهموا فيما بينهم. مضى حتى الآن أكثر من ثمانية عشر شهراً وعكا محاصرة، وبقدوم ملك الفرنسيس فإن الأمر يزداد تعقيداً وخطورة. وملك الفرنسيس هذا يسمونه بلغتهم "فيليب أغسطس"، ملك لـه سطوة على عموم الفرنجة، ورأيه مسموع وكلمته نافذة، وهو رجل قصير أبيض الجلد أزرق العينين في إحداهما ما يشبه الطرف؛ فهو لا يستطيع تحريكها بحرية، بحيث يخيل إليك أنها عين جامدة، ما يجعل وجهه يميل إلى تعبير البله أو الفزع. وقد سمعت من بعض الأسرى أن قوة هذا الملك تأتي من انصياعه لأوامر البابا أولاً، ولأن معظم الفرنجة هم من الفرنسيس ثانياً، وثالثاً أن أول أمر مجيء الفرنجة إلى بلادنا، كان بسبب اجتماع كبير حضره البابا، والملك، والأمراء في حاضرة فرنسية، تنادوا فيه إلى إنقاذ قبر المسيح في بيت المقدس من أيدي المسلمين، وأنهم تعاهدوا على الحرب بدعوى أن الله أرادها حرباً، وهكذا، فإن هذه الحرب التي تواصلت حتى الآن أكثر من خمس وثمانين سنة في بلادنا كانت بسبب أن الله أرادها وليس بسبب أي شيء آخر. وقد رأيت وسمعت بنفسي أن السلطان الناصر صلاح الدين التقى أسيراً إفرنجياً عجوزاً سقطت أسنانه وعشيت عيناه، فسأله عن المسافة بين بلادنا وبلاده، فقال هذا من خلال الترجمان إن المسافة هي ثلاثة أشهر في البحر، فسأله السلطان عما دفعه إلى المجيء إلى بلادنا وهو في هذا السن، فقال الإفرنجي إن ما دفعه إلى ذلك هو محبة المسيح، ولا شيء غير ذلك، فتعجب السلطان أيما عجب، وقال أن ليس لكم أكثر ما لنا في المسيح فلماذا هذا الجنون؟! وقد رأيت الفرنجة عن قرب، فوجدتهم لا يوقرون أحداً، ويميلون إلى الشقاق أكثر من ميلهم إلى الاتفاق، وفيهم غلظة وجلافة، أجسادهم جميلة ولكن أخلاقهم قبيحة غاية القبح، ونعوذ بالله من قول أكثر من ذلك، وكفى بالتلميح عن التصريح، وهم إلى ذلك أجناس عديدة، لا يفهمون لغات بعضهم البعض، ولا يتشابهون في المأكل والملبس، ومختلفون حتى في دينهم اختلافاً بيِّناً، وهم ـ وإن كانوا يوقرون المسيح ـ إلا أن المسيح الذي يتكلمون عنه لا يشبه النبي الرسول الذي نوقره ولا نفرق بينه وبين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا السبب فإن الله الذي يتكلمون عنه ـ أيضاً ـ يفترق عن الله الذي نعبده نحن؛ فهم يعتقدون أنهم أرفع منا وأسمى لـهذا السبب، فالله الذي يعبدونه هو أوسع وأشمل وأعلى من الله الذي نعبده، تعالى الله علواً كبيراً عن لغوهم وشططهم الذي يثير الضحك، فهم أجهل من أن نجادلهم في تخاريف وهذيان. قلت إن ملك الفرنسيس هذا قدم هذا الربيع، في نيسان منه تماماً، حيث أطلقت الأرض كل ما لديها من بدائع الزهر والخضرة، وقد امتلأ المرج المخيف الواسع بين تل المصلبين، وتل كيسان بالزهر الأبيض والأصفر والأحمر والأرجواني، وكأن كل ما جرى فوق ثرى هذا المرج كان مجرد حلم من الأحلام، أما تل الخروبة وما جاوره من أراضٍ في شفرعم فقد سال بخضرة اللوز والرمان والأعناب، وأهل فلسطين المحروسة أرض زراعة وفلاحة، وهم أقدر الناس على تحويل الجبال الوعرة إلى جنات غناء، فهم أسرع الناس إلى تقطيع الجبال بالجدران الطويلة، وتحويلها إلى أرض قابلة للفلاحة، وهذا أمر لم أشاهد مثله حيث ولدت في الموصل، وحيث درست في بغداد، وحيث ذهبت إلى حواضر كثيرة في سفارات متعددة باسم "أتابك الموصل" في ما مضى من زمن. وباندلاع الزهر حول معسكر الحضرة السلطانية، فقد عادت عساكر المسلمين من كل مكان أيضاً، إذ أعطى السلطان الناصر دساتير بالمغادرة لمعظم العساكر في بداية الشتاء الماضي، وبقي وحده مع عساكره وبعض العساكر الشامية والمصرية، وقضى السلطان الناصر الشتاء وحده على تل الخروبة في خيمة تضربها الرياح والثلوج من كل ناحية، وقد تحمل البرد، وبعد الأهل والتياث المزاج ليظل يقارع الفرنجة المخذولين الذين يحاصرون عكا. كان أول من قدم من عساكر المسلمين علم الدين سليمان بن جندر، من أمراء الملك الظاهر صاحب حلب، ثم قدم مجد الدين بن عز الدين فروخشاه بن شاهنشاه صاحب بعلبك، ثم جاء بعدهما عساكر سنجار، وديار بكر والموصل، ونابلس، وجنين، وعساكر مصرية من القاهرة والاسكندرية والفسطاط، وحتى من بلاد النوبة، وعساكر من اليمن، وكان كلما قدمت فرقة من هذه الفرق، خرج السلطان الناصر إلى استقبالها وإنزالها في مواقعها على التلال المجاورة. وكان يخلع على أمرائها ومقدميها فروات أو كزاغندات، وربما أعطى بعض أمرائها ممنجاته التي يشدها إلى وسطه. وكان السلطان الناصر ينتظر عساكر المنصور الموحدي في المغرب ولكن هذا الأمير لم يرسل عساكره، وقد علل بعض الأمراء تصرفه هذا بسبب أن السلطان الناصر صلاح الدين لم يكتب إليه برسالته "خليفة المسلمين" بل "أمير المسلمين" ما أغضب المنصور، ولكن السلطان الناصر صلاح الدين كان في شغل عن هذا، فالأمر خطير؛ فهذا الغرب يجمع ملوكه وأمراءه وجيوشه لقتال كل المسلمين، وقد تتابعت الأخبار المزعجة على مولاي السلطان، فملك الألمان يسير بجيش عرمرم من جهة بلاد الروم براً، وهذا ملك الفرنسيس وصل بحراً، فيما يتقدم ملك الإنكتار ببطء في أسطول لا مثيل لـه، وكذلك غليوم ملك صقلية بأسطول عظيم يدافع الريح إلى صور. هذا بالإضافة إلى أساطيل البياشنة والجنوية والبنادقة والدنمرقة وأجناسٍ أخرى لا علم لنا بها يقال إنها تأتي من بلاد طول النهار فيها ثلاث ساعات، وأن الشمس تشرق في منتصف الليل عندهم والعياذ بالله. فما الذي دفعهم إلينا خذلهم الله؟! أما أنا فقد لازمت مولاي السلطان الناصر منذ أن التقيته في دمشق، وكان أن وقعت في موقع حسن منه، طلبني لخدمته الشريفة، فلم أرد أن أغضب أتابك الموصل، ولكن مولاي صلاح الدين ألح عليّ في خدمته الشريفة، وكان أن قبلت؛ ذلك أن مخايل الشرف، والنبل والرغبة في الجهاد، والنية الصادقة في تطهير البلاد من دنس الفرنجة كانت واضحة في حركات وسكنات وكلمات مولاي السلطان الناصر صلاح الدين، قبلت خدمته، وآثرت عليه من كنت أخدم سابقاً. مولاي الناصر صلاح الدين، نصبني قاضياً لعسكره المنصور، قال لي بلهجته الكردية الواضحة، الغليظة، الواسعة، الصافية، الطيبة والقوية، التي لا تخلو من خيط حنان ودفء: أنت قاضي عسكرنا يا أبا المحاسن، وليس هذا فقط، بل أنت قاضي للقدس الشريف. كان ذلك تشريفاً ما بعده تشريف! مولاي صلاح الدين حذر في تكليفه الناس بالأعمال والمناصب، يعرف كيف يختار، وكيف ينتقي الأفضل للأفضل. حمدت الله على هذا الفضل، فقدمت لمولاي كتابي الذي صنفته في الجهاد خلال إقامتي في دمشق، فتقبله مثنياً عليّ، ووضعه تحت وسادته، وظل يقرأ فيه كلما سنحت لـه الفرصة. مولاي صلاح الدين لـه هيبة ما بعدها هيبة، وهو سلطان ابن سلطان، لا يلهو ولا يلعب، لا يهذر ولا يهزر، لا يتخذ المعازف ولا القيان، ولم تسحره الحسان أو تغرقه الدنان، رجل زاهد، اختار ظهور الخيل والخيام التي ينصبها في السهول والتلال، وعلى أكتاف الجبال، وفي بطون الوديان، يأكل اللبن والتمر والجبن والعسل، ولا يكثر من اللحم. فيه انحراف مزاج دائم، وجفاف باطني. كثير الصلاة، كثير الاستغفار، يوقر أهل العلم وأهل المعرفة، معرفة أهل السنة، الجماعة، جماعة سيدنا محمد ـ ( ـ وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين، وقد رأيته عندما وصله كتاب من ولده الملك الظاهر، صاحب حلب يقول فيه إن شاباً زري المظهر لا يستحم، ولا يقص شعره، ولا يغير ملابسه حتى أنتن، يبتدع قولاً في الله يشابه أقوال براهمة الهند، أو دعوة القرمطي في بلاد البحرين، وأن فقهاء حلب وعلماءها يطلبون الدستور بقتل هذا الشاب واسمه السهروردي. وما إن انتهى مولاي وسيدي صلاح الدين من قراءة الكتاب، حتى اغتم واهتم، فجمع إليه خواصه من العلماء والفقهاء وعلى رأسهم سيدي القاضي الفاضل، والعماد الأصفهاني، فعرض الأمر بكل اهتمام، فاستفاض سيدي القاضي الفاضل بتنفيذ دعوى السهروردي، وأخطارها ومضارها. كان سيدي ومولاي صلاح الدين يكره الفلسفة والمتفلسفين، وأصحاب الكلام، وأصحاب البدع، ولم يقربهم إليه ولم يطلبهم. كان يحب التقرب إليه بكتب أهل السنة، وخاصة ما يتعلق بالجهاد والحض عليه، لا شيء أكثر ولا شيء أقل، حتى الشعر الذي أحبه سيدي ومولاي لم يكن يروي منه إلا أقل القليل، كان سيدي ومولاي لا يحب الادعاء أو المظاهر أو الزخارف، حتى أولئك الذين رغبوا أو أرادوا أن يجعلوا لـه نسباً عربياً، رفض طلبهم واستنكره، وقال إنه ابن أيوب بن شاذي، وإن شرف النسب هو تحرير بيت المقدس من أيدي الفرنجة. سيدي ومولاي الناصر صلاح الدين، فاتح القلاع والمدن، سلطان الشام ومصر واليمن، كان يفاجأ بعض الأحيان أنه لا يملك ديناراً صورياً واحداً، وفيما كانت رعيته تنام قريرة العين في دمشق وحلب ونابلس والقاهرة، كان ينام في خيمة صغيرة تضربها الرياح من جهاتها الأربع بريح صرصر عاتية، أو ريح رملية عاصفة. وأشهد الله أنني قضيت معه صيفين وشتائين حول عكا نواجه العدو المخذول ولا شيء يشغله عن مقاتلتهم، لا الولد ولا الملك ولا اللذة ولا المغنم، رغم مرضه المتكرر لليبس في جوفه، ورغم معاندة بعض الأمراء لـه، وطلبهم الدساتير المتكررة في المغادرة، ورغم الأمراض التي انتشرت حول عكا لكثرة الجيف. في الشتاء الذي مضى، تركه الجميع وبقي وحده مع خواص عسكره، الصلاحية والأسدية، تركوه في المطر والثلج، وعادوا إلى بلادهم يتنعمون بالأكل والدفء والنساء، أما هو، فقد ظل على تل خروبة بخيمته، يصلي الجماعة، ويجلس للمظالم يومي الاثنين والخميس، ويكاتب الأمراء والملوك المسلمين منهم وغير المسلمين، طالباً النجدات ومبرماً المعاهدات، ومانحاً الدساتير لمن يطلب. قال لي ذات ليلة شتائية، صبت فيها السماء ما عندها: ماذا لو عدت يا أبا المحاسن إلى دمشق؟! كنت وإياه نتذاكر كتب الحديث، وكنت أحب ذلك، فقلب مولاي رقيق، ودمعته قريبة، فيزداد إيماني وأملي. قلت لـه: لا أتركك يا مولاي!! قال: اذهب إلى أسرتك! قلت: لا أسرة لي يا مولاي! طافت على وجهه الكريم ابتسامة ما: لماذا لم تتزوج يا أبا المحاسن؟! قلت: أنفقت حياتي متعلماً وعاملاً، تنقلت كثيراً، ولم تتح لي الفرصة يا مولاي؟! قال وهو يعود إلى الكتاب: الزواج جنة يا أبا المحاسن. قلت وأنا أشعر بالحرج من عدم الزواج، كما تقول يا مولاي!! أحس بما في صدري، التفت إلي، ربت على كتفي وقال: لا تجد في نفسك يا أبا المحاسن، لكل وما اختار. تشجعت وقلت: لا أجد راحتي في صحبة أو تحمل النساء، أنفقت عمري حتى الآن في صحبة العلماء والكتب. ابتسم سيدي ومولاي، رأيت ابتسامته تحت السراج الكبير المشحون بدهن الماعز، ابتسمت عيناه، ربت على كتفي مرة أخرى وقال: بارك الله لك في علمك وعملك، لكل وما اختار. عدنا إلى ما كنا فيه، أقرأ عليه أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتدمع عيناه، فيما تصب السماء ماءها علينا، حتى خشيت عليه السيل، بينما هو يتفكر بما يسمع من كلام سيد الخلق أجمعين. في بعض الأحيان، كنت أتساءل بيني وبين نفسي عما يدفع رجلاً مثله في الخمسينيات من عمره يترك نعيم الملك كله، ثم يختار هذه الحياة القاسية، فلا أجد سوى جواب وحيد لا أجد غيره: إنه الجد في طلب الرضوان والغفران. وإذا كان السلطان هو بطانته، فإن بطانة السلطان هي السلطان أيضاً، وقد جمع سيدي ومولاي حولـه بطانة جليلة لا هم لـها سوى نصر الإسلام والمسلمين، يتقدمهم في ذلك القاضي الفاضل البيساني العسقلاني ابن فلسطين المحروسة، الوزير المدبر، الكاتب الجهبذ، العالم العامل. الذي فوجئت به عندما رأيته لأول مرة، فقد حسبته جهماً ضخماً، فإذا بي أرى رجلاً ضئيل الحجم، كبير الرأس، لـه حدبة في ظهره يحاول إخفاءها بذؤابة طويلة يرميها وراء عمامته المصرية الكبيرة، حقاً، الرجال أفعال لا أطوال. وعجبت لنفسي كيف اتفق أن جمعت الأقدار بين سيدي ومولاي صلاح الدين على ما هو عليه، وبين القاضي الفاضل على ما هو عليه! وما سر تلك العلاقة الوطيدة المليئة بالإشارات والأسرار بين الرجلين؟ لا أحد لـه دالة على سيدي ومولاي صلاح الدين مثل ما للقاضي الفاضل عليه. غبطته على ذلك أشد الغبطة، أما غيري فقد حسده على ذلك. سيدي ومولاي صلاح الدين لم يكن كغيره ممن حولنا من الأمراء، أو ممن عرفناهم، أو سمعنا عنهم، حتى أنه لم يكن مثل الخليفة العباسي نفسه ـ رغم جلال اسمه وشرف نسبه؛ فسيدي ومولاي السلطان أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب، لم يهن في محاربة الفرنجة أو طلبهم، لم يتفق معهم على شر للأمة أو فساد أمرها، لم يصانعهم، ولم يستخذ أمامهم، لم يتفق معهم على سر يخجل أن تطلع عليه الأمة، ولم يفوت فرصة كان فيها خذلان لـهم إلا وانتهزها، ولهذا أرى ـ وأرجو من الله أن أكون صائباً ـ أن استيلاء سيدي ومولاي على ملك نور الدين زنكي ـ رحمه الله ـ ما كان إلا لـهذا السبب، أي توحيد الأمة، وجمع الصف المصري والشامي لطرد الفرنجة من البلاد الإسلامية، وتخليصها من شرهم وفسادهم ودنسهم. إن ما قيل عن طمع سيدي ومولاي في ملك نور الدين ـ رحمه الله ـ ومحاربته لورثته لم يكن إلاَّ لأن سيدي ومولاي تزوج من أرملة نور الدين، وأكرمها، وأقطعها، وأحسن إليها، ليس إلا ليقول لكل الناس إنه أحق الناس بكل ما تركه نور الدين من فرض الجهاد، وصون الأمة والذود عن كل الحرمات. سيدي ومولاي صلاح الدين ـ وبعد أكثر من عشر سنوات من خصومات، وحروب صغيرة مع أهل ملته ـ استطاع أن يفعل ما لم يفعله سلطان من قبل؛ لقد ورث ملك الفاطميين، وملك الزنكيين، وأعطاه الله من الملك والقوة والسؤدد ما صانه وزانه وزاد عليه. إن السلطان لا يكون سلطاناً إلا بهذا، الحكمة والعلم والقوة، وقد أعطى الله سبحانه وتعالى سيدي ومولاي حكمة لا مثيل لـها تجلت في اختياره بطانة صالحة، وعلماً صحيحاً ليس فاسداً بعقائد الدهرية، أو المعطلة، وقوة استخلصت من رشاقة أهل مصر، وجلد أهل الشام، وشدة المحاربين من أعالي سنجار، والموصل وديار بكر. سيدي ومولاي ـ وعلى الرغم من امتلاكه خيرات مصر، وخيرات الشام، وأطايب اليمن ـ اختار السكن على ظهر جواده يطير به من جبل إلى جبل، ويفتح مدينة إثر مدينة، ويفترع قلعة إثر قلعة، يلحق به خاصته من بلد إلى بلد، يديرون شؤون بلاد حدودها صنعاء جنوباً إلى حلب شمالاً، ومن اسكندرية غرباً إلى الموصل شرقاً. ثمانية عشر شهراً وأنا معه حول عكا، نحاصر من يحاصرها من الفرنجة المخذولين، وبوصول ملك الفرنسيس هذا الربيع، فقد آذن ذلك بتجدد القتال من جديد، فاستدعى سيدي ومولاي السلطان مقدم الجواسيس إليه، وهو عمر الزين في بعض قرى نابلس، وهو من الذين يتقنون لغة الفرنجة بمعظمها، وقد ظل وأهله يعملون في قراهم ومزارعهم تحت حكم الإفرنجي، ولهذا أتقنوا لغته إتقاناً تاماً. طلب مولاي إلى عمر الزين أن يأتيه بخبر ملك الفرنسيس، وما يحمله من ميرة وسلاح ورجال، وأن يستطلع دخائلهم، فصدع هذا بالأمر وانطلق، وما أن حل هذا المساء على تلك البطاح، حتى أتت العيون التي أرسلها السلطان لاستطلاع أمر ملك الألمان، فتقدم الأمير كرج إلى خيمة الحضرة السلطانية دون أن يرتاح أو يريح دابته، وطلب الإذن للدخول، فأذن لـه، فعانق السلطان وقبل رأسه وكتفيه، وقال بصوت مليء بالفرح: أعلمت يا مولاي، أعزك الله بالنصر، أن ملك الألمان قد مات في نهر كان يستحم به، وأن جيشه تفرق لخلاف وقع بينهم، وأن ابن الملك الميت أصر على المسير في عدد قليل لا يعتد فيه. انشرحت صدورنا، أما مولانا السلطان، فقد مد كفيه، وقرأ شيئاً من القرآن الكريم، وتمتم بما لا يعرف ثم قال: أحمدك يا رب، وأشكر نعمتك. اللهم إن النصر من عندك تؤتيه من تشاء، وتحرمه ممن تشاء، اللهم انصرنا يا قوي يا عزيز. أحسست كم سعد سيدي ومولاي بهذا الخبر؛ ذلك أنه عندما ترامت إلينا أخبار جيش ملك الألمان، الذي زاد تعداده عن مئة ألف، فقد آيسنا من الشام كلها، ولكن الله سلم، سيدي، ومولاي، ولسعادته الغامرة، أمر مقدم الطبل خانة بضرب طبوله، وأمر الطست خانة بصنع وليمة يأكل منها كل العساكر، وما أن أذن للعشاء حتى كان هناك سماط عظيم قدم حسب طريقة الأكراد في أكل اللحم، والبقول، والتوابل التي وصل شذاها إلى مسافة بعيدة. الطبل والنيران والشذى في معسكر الحضرة السلطانية قابله نيران، ومزامير، وغناء في معسكر الفرنجة المخذولين احتفالاً بمقدم ملك الفرنسيس، وكان ذلك في صالح لصوص المسلمين الذين يستغلون مثل هذه الأوقات في معسكر العدو لنهب ما يستطيعون من متاع، أو رجال، أو أي شيء تصل إليه أيديهم؛ فعندما يحتفل العدو المخذول يسكرون وينامون كالبغال، فيتسلل اللصوص إليهم فيخطفون ما يشاؤون، ويأتون به إلى السلطان أو لا يأتون، وقد يختلفون فيما بينهم حول ملكية ما سرقوا، فيأتون إلي فأقضي بينهم، وقد اعتبر ذلك جزءاً من الجهاد نفسه، ولم يعتبروا لصوصاً لأنهم ينهبون العدو الذي يحاصر المسلمين، ويجهد في قتلهم. سيدي ومولاي كان يغضب من هؤلاء عندما يخطفون طفلاً أو امرأة، فيطلب إليهم إعادتهم حيث كانوا بعد أن يفديهم من حر ماله. كان الجميع يعرف أن سيدي ومولاي محارب صلب يقابل العشرة والمئة ولا يهاب، ولكنه في الوقت ذاته صاحب قلب هش، يبكي لأفراخ ضلت الطريق إلى العش. المحاربون من الأمراء والمقدمين والفرسان كانوا في بعض الأحيان يحتارون في هذا السلطان الذي يصبر على محاصرة قلعة ما عدة شهور، ثم يبكي من أجل طفل فقد أمه؛ فقد حصل أن أسر بعض أمراء الفرنجة، وجيء بهم إلى خيمة الحضرة السلطانية، فقام إليهم بعض أبناء صلاح الدين الصغار يريدون قتل الأسرى، فأسرع إليهم السلطان ومنعهم من ذلك، فلما سئل عن السبب، قال بما يشبه الغضب: لا أريد لأبنائي أن يستهينوا بالدم، وإلا فإنهم سيستهينون بدماء المسلمين أيضاً. محارب مختلف، سيدي ومولاي، ثقفته عقيدته، فعرف صحيحها وعاشه كما هو، كانت حروبه جزءاً من رؤيته وليست جزءاً من أحقاده، لم تكن لـه أحقاد؛ قيل لي يوماً إن سيدي ومولاي تنازل عن حصار قلعة إعزاز القريبة من حلب بعد شهرين طويلين من حصارها لأن طفلة من آل نور الدين طلبت إليه ذلك يوم العيد. مثل هذه التصرفات جعلت بعض أمرائه يقفون موقف الحذر من أوامر سيدي ومولاي، كانوا يخشون رقته غير المفهومة، هؤلاء محاربون أشداء يطلبون النصر والظفر، ولا يخشون الحرب، ولا يقيمون خلالها وزناً لأي شيء، أما سيدي ومولاي، فكان دائماً يقف عند حد ما لا يتجاوزه. دفع ذلك بأمرائه أن يطلبوا إليه دائماً المواثيق والعهود، ودفعهم ـ أيضاً ـ إلى طلب الدساتير المتوالية إما بالمغادرة، أو التلكؤ، أو المماطلة. فحروب سيدي ومولاي طويلة ومعقدة ومتشابكة. أما أمراؤه فهم متعجلون، وفيهم عنجهية وأنانية لا تخفى، ولولا هيبة سيدي ومولاي وسطوته لتفرقوا كل إلى بلاده. كان سيدي ومولاي يجمعهم ويبث فيهم من جذوة إيمانه ورغبته في مواصلة الجهاد. كان يقدم لـهم المثل الذي ما بعده مثل، وقد ظل وحده شتائين وصيفين على تل خروبة في خيمة واحدة قلقاً، ومهتماً كالأم الثكلى يتابع حشد الفرنجة من وراء البحر، ومن أمامه حول عكا المحروسة. أنا لم أر مثل سيدي ومولاي هذا، فلزمته ولم أفارقه، ولن أفعل بإذن الله. سيدي ومولاي وحتى يطمئن أمراءه، ويبعث فيهم الثقة، كان يجعل إخوته وأبناءه على رؤوس الجيوش التي يحارب بها، أو يبعثها للحرب، كان على استعداد لأن يبذل كل شيء من أجل مقصده الشريف. هذه هي المرة الأولى التي أصحب فيها سيدي ومولاي إلى حرب حقيقية؛ عندما كنت في الموصل، كانت أخبار مولاي تترامى إلينا وكأنها حكايا الجن، كانت حكايا تحرج بشكل ما أتابك الموصل، وما بقي من الزنكيين عموماً، فهذا الرجل الذي اتهموه بحب الملك والسعي إليه، أثبت لـهم فعلاً لا قولاً أنه لا يريد سوى وجه الله بمقارعته الدائمة، والمستمرة لأعداء الملة والدين، الأمر الذي دفع كثيراً من المتطوعة إلى اللحاق بجيش مولاي السلطان الناصر. ولأنني معه في هذه الحرب التي طالت على غير العادة، وتعقدت وتشابكت على غير العهد الذي رآه مولاي في كل حروبه السابقة، فقد رأيت مولاي يقوم الليل يدعو الله، ورأيته يكتب رسائله بالترجمة إلى أهالي عكا المحاصرين، ورأيته كيف يلتقي الجواسيس، والمستأمنين من المسافرين والتجار الذين يدخلون معسكر الفرنجة، يسألهم عن أدق الدقائق، ورأيته كيف يطلب إلى السباحين أن يوصلوا إلى عكا ما يريدونه من أموال، أو نفط، أو دهن أو ملح، وقد رأيت شاباً طويلاً حسن الجسم وحسن الوجه، عريض الصدر، وعريض الابتسامة يدعى عيسى العوام كيف كان يدخل على السلطان فيحكي لـه كيف استطاع السباحة ليلاً من بين بطس العدو وشانياته وهو يشد إلى وسطه وعنقه وقدميه الميرة أو ما يحتاج إليه المحاربون وذلك في أكياس من جلد الماعز لا ينفذ إليها الماء. وكنت أرى السلطان يمد يده الشريفة، فيربت على كتف العوام ويثني عليه، ويطلب إليه المزيد. أما ما لم يقله العوام أمام السلطان فهو عن فحش الفرنجة، وفسقهم على بطسهم، وشانياتهم في الليل؛ إذ قال العوام إنه رأى الفرنجة يتسافدون أمام بعضهم البعض، وإنهم يطاردون النساء وهم عراة، وإنهم يسكرون على الطعام، ثم يبدأون يتشاجرون أو يتراشقون به وسط صخب لا مثيل لـه، وقال العوام إن للفرنجة في ذلك فنوناً وطرائق لا تخطر على بال؛ الفرنجة لـهم جلد على القتال وطرائقه، ولهم باع في الفحش وفنونه أيضاً، وقد رأيت ذلك فيما مضى من أيام عندما كنت في سفارة إلى طرابلس، حيث قابلت الكند وزوجته سيبيل التي قيل عنها إنها تكاتب مولاي السلطان الناصر، وتسدي إليه النصائح، لما قدم لـها ولزوجها من فضل سابق، وقد رأيتها امرأة وضيئة الوجه، تضع على رأسها عصبة مقصبة كالتي تضعها نساء حلب على رؤوسهن، ولكن صدرها مكشوف إلى منتصفه، ما يسمح للمرء أن يرتكب فاحشة النظر، والعياذ بالله، يومها، أنزلنا الكند الذي يقال لـه بلغتهم "الكونت" وهي رتبة من رتب الإمارة عندهم، أنزلنا في نزل الضيافة. نمت فيه ليلتين ورأيت من فسقهم تحت شباكي ما جعلني في أسوأ حال؛ فقد رأيت ما لا أطيقه، ولا أستطيع وصفه حشمة وحياء، وقد عجبت للفحش الذي استشرى في هذه البلاد، ليس بسبب الفرنجة فقط، ولكن بسبب انقلاب الأحوال، وتغير الأزمنة والحكام، وتغير الوجوه وتلاقيها في الحواضر المختلفة. حدثوني عن فسق القاهرة زمن الفاطميين، ورأيت فسق بغداد وأمرائها من السلاجقة؛ في زمن الحروب تنعدم الأخلاق أو تضعف، أما مولاي وسيدي السلطان الناصر، فقد جعل من المحارب مثالاً للناس، وقدم نفسه مثالاً للطهارة والعفة والنزاهة. والناس على دين ملوكهم، فسيدي ومولاي الذي قضى ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً من عمره المبارك في بعلبك ودمشق والقاهرة لاهياً غافلاً منكباً على ملذات الشباب ـ كمن هم في عمره من الأمراء وأبنائهم ـ نفض كل ذلك عن كاهله، وعن قلبه عندما ألقيت عليه مسؤولية الأمة؛ هجر كل شيء أحبه وأدمنه. حرق آلات مجلس الندمان، وترك جلساءه الذين اعتاد اللهو معهم، ولبس ثوب الزهد والتقوى والجهاد، وخرج على الناس رجلاً آخر لا يعرفونه. استغرب كل الناس ذلك، لم يكن أحد يعرف عن سيدي ومولاي ما يعرفه الآن عنه؛ كان شاباً لا يكاد يلتفت إليه أحد. هو محارب جيد، وفارس مغوار، ولكنه لا يختلف في ذلك عن أي أمير آخر من آل أيوب، وبعيداً عن الحرب كان يلهو ويعبث. لم يتدخل فيما يجري، ولم تكن لـه كلمة، حتى ألقى الله بين يديه مسؤولية الأمة، فإذا هذا الشاب يصبح رجلاً لم تعرف الأمة لـه من الناس على دين ملوكهم، هذا صحيح ودقيق دائماً، فالرعية تستحسن ما يستحسنه الملك، وتستقبح ما يستقبح الملك، الملك لا يحكم الناس فقط؛ إنه خلاصة أذواقهم وقيمهم، وما وصلوا إليه من اتساع رؤية، وبعد نظر. الملك التافه هو ملته التافهة، والملك العظيم هو ملته العظيمة، والملك العظيم والقوي والحكيم من يختار رجالاً عظماء وأقوياء وحكماء، لأنه يتقوى بهم، ويزيد عليهم بغلبته وسلطانه، أما الملك الضعيف فيختار ضعفاء تافهين حتى لا يغلبوه أو يسلبوه، وقد رأيت أميراً يستشير غلاماً لـه يلوط به، وقد اشتهر أمرهما في أنحاء طبرستان وما جاورها، ولن أذكر اسمه تعففاً، ولأن الله أمرنا بالستر. سيدي ومولاي السلطان الناصر صلاح الدين لم يقل للناس: تعففوا، بل تعفف هو نفسه، ولم يقل للناس: جاهدوا، بل جاهد هو نفسه، ولم يقل للناس: ارحموا بعضكم بعضاً، بل رحم هو نفسه الناس، ورحم حتى أعداء الأمة. لم يقل للناس: لا تكنزوا، بل هو أنفق على المدارس والمساجد والثغور والأسطول والجيش وعمارة الأسوار والقلاع. وقد أدهش سيدي ومولاي الناس، كل الناس، بمعاشه وإدارته للأمر، فهو لم يجاهد الفرنجة فقط، بل عمر وبنى وخطط، وشجع العلم والعلماء، وكان للفقهاء عليه دالة لا تدانيها دالة. كان فيه حزم أبي بكر، وتدبير عمر بن الخطاب، وشجاعة علي بن أبي طالب، ورقة عثمان بن عفان، نعم، جمع سيدي ومولاي كل ذلك فيه جملة واحدة، فأقام دولة مترامية في وقت لم يسبق دون أن يفرط بأمر من الأمور. وهذا تدبير، ورحمة منا لله أرادها لسيدي ومولاي، الذي فتح الله على يديه بيت المقدس، وحرر المسجد الأقصى الذي بورك حوله من أرض الشام التي لا تنقضي عجائبها، وأسرارها إلى يوم الدين. سيدي ومولاي لا يخطب في الناس، ولا يجيد الحديث أمامهم، ولكن صمته أبلغ من كلامه، وهيبته تسبق حضوره، لـهذا، لم يتكلم مولاي كثيراً، حتى عندما يأمر الأطلاب بالمسير، أو الهجوم أو التراجع، فإنه يستعمل أقل الكلام، ولا يحاول أن يتأنق في ذلك، أو يبالغ أو يتشدق؛ كان يستعمل الكلمات الأقرب إلى لسانه وقلبه، وترك أمر الدعوة والإقناع والمحاورة والمناظرة لوزيره الفذ، القاضي الفاضل البيساني العسقلاني، ابن فلسطين المحروسة، ذلك الذي أعطاه الله من البيان والسحر، وبعد النظر ما يعجز عنه الرجال. أظن ـ وأرجو من الله أن أكون صائباً ـ أن سيدي ومولاي ما كان لـه أن يصل إلى ما وصل إليه بسبب قدرته الفائقة على تحريك الجيوش فقط، وإنما في تحريك من حوله من الرجال أيضاً. رأيت ذلك في تنصيبه للقضاة في دمشق والقاهرة، وفي إقطاعاته للأمراء من أراضي دولته المترامية، كان حكيماً دون ضجيج. الملك المنتصر ينتصر في كل شيء، ويبدو أن النصر مسألة معقدة لا تتحصل فقط بالقوة؛ النصر يحتاج القوة، ولكنه يحتاج للنيّة بالدرجة ذاتها من الأهمية. يمكن للضعيف أن ينتصر إذا أراد وإذا أصر؛ النصر غير مرتبط بالكثرة أبداً، وهذا ما قرره رب العزة في كتابه العزيز. نعم النصر نية ليس إلا. مكان يمكن لسيدي ومولاي صلاح الدين أن يكتفي بمصر وخيراتها، وكان يمكن لمولاي أن ينسى أمر الشام والفرنجة فيها، وكان يمكن لمولاي أن يعود إلى مجلس الندمان بعد أن صار الآمر الناهي في أمر مصر، ولكن سيدي ومولاي رأى ببعد نظره أنه ـ حتى يحمي مصر من أساطيل الفرنجة المتتالية من الغرب، ومن جيوشهم التي تغزوه من الشرق ـ كان لا بد لـه أن يخرج من مصر إلى الشام، وأن يجمع الأرضين معاً. كان يمكن لـه أن يعيش في قلعة من قلاعه المهيبة في القاهرة، أو دمشق أو حتى حلب، ولكنه رفض ذلك، قبل أن يعيش على ظهر حصانه، وبين جنبات خيمة لا تقيه الحر أو القر، سيدي ومولاي رجل خارق، قليل الكلام، يابس الجوف، سريع العطب، رقيق القلب، قريب الدمعة، ساطع الحضور، إذا رأيته في النهار تستغرب أن يكون هو في الليل، وإذا رأيته في الليل تستغرب أن يكون هوهو في النهار، هؤلاء هم السادة!! وما أن أصبح الصباح، فإذا معسكر الفرنجة يهجم علينا دفعة واحدة، ونصبوا منجنيقات جديدة جاء بها ملك الفرنسيسة معه من بلاده، فتحوا علينا الحرب من كل أبوابها ومداخلها؛ كان الفرسان منهم يتقدمون بخيول غطيت بالزرد، وصفائح الحديد، فيما غطوا رؤوسهم بصناديق حديدية، وصدورهم بصفائح سميكة، وحملوا في أيديهم رماحاً غليظة وطويلة يزيد طول الواحد منها على أربعة أذرع أو يزيد، أما الراجلة منهم، فقد تدرعوا بدرق طويلة واسعة يكاد الواحد منهم يختفي وراءها بالكلية، بحيث يحمي نفسه من النشاب أو الدبابيس أو الرماح أو السيوف. الفرنجة الملاعين عندهم فنون متقدمة في صناعة السلاح أكثر منا؛ فنحن نعتمد على الشجاعة، والصبر، والتضحية، وخفة الحركة، فارسنا يغطي نفسه بالجلد، وقليل من الزرد، وخوذة تغطي رأسه وليس وجهه، أما محارب الفرنجة فيتقدم ثقيلاً بطيء الحركة يحمل على جسده عدة أرطال من الحديد، ويحمل أسلحة طويلة تجعل بينه وبين فارسنا مسافة كبيرة. هناك فرق كبير بين الفارس الإفرنجي والفارس الإسلامي؛ الفارس الإفرنجي لا يترك شيئاً للأقدار، إنه يعتقد أنه كلما زاد الحديد على جسده كانت الفرصة في الحياة أكبر، أما الفارس الإسلامي، فإنه لا يعتقد بذلك كثيراً، هو يعتقد أن حياته ليست ملكه، وأن الحياة والموت متساويان تماماً في مثل هذه المواجهات، ولهذا لم يهتم المعسكر الإسلامي بتحميل الفارس حديداً أكثر، بل تركه هكذا خفيفاً، رشيقاً، يقدم حياته رخيصة من أجل الملة والدين، الأمر الوحيد الذي استرعى انتباه سيدي ومولاي السلطان الناصر ما تعلق بالمنجنيقات؛ فقد أراد السلطان أن يحسن منجنيقاته بأقصى ما يمكن حتى يقدر على القلاع الإفرنجية المعلقة على رؤوس الجبال، أو في ألسنة البحر الصعبة، فأعطى السلطان دستوراً للمرضي بن علي بن مرضي الطرطوسي بالعمل على صنع منجنيق لا يخيب، ولا يخذل، فقام هذا بتركيب منجنيق طويل الذنب، كبير الكف يستطيع أن يرمي أحجاراً ضخمة إلى مسافات بعيدة كافية، فسر السلطان بذلك كثيراً. وقد أكمل الطرطوسي عمله هذا بأن وضع كتاباً في المنجنيقات، أمر السلطان الناصر بنسخه عدة مرات، وإرساله إلى أمرائه في الثغور والعواصم والقلاع. كان من المستحيل على رجالنا أن يطلقوا نشابهم باتجاه فرسان ومقاتلة الفرنجة في هجومهم الكبير هذا؛ ذلك أن المهاجمين كانوا متحصنين وراء صفائح حديدهم، ولهذا لم يكن هناك بد من الاصطدام في ذلك المرج الواسع المخيف، وفي التلال المحيطة به حتى النهر الحلو وما بعده. صاحت الأطلاب الإسلامية: يا للإسلام!! ثم انحدروا من تل كيسان، وتل العجول، وتل العياضة والمروج الأخرى المجاورة. انطلقوا على ظهور خيولهم المجدولة التي تكاد تذوب في الهواء لرشاقتها وسرعتها وليونتها. سالوا كالنار، اندفعوا كلهم، عساكر الشام، وعساكر مصر، وعساكر اليمن، وعساكر الموصل، وعساكر حمص، وعساكر نابلس، وعساكر جنين، اندفعوا جميعاً يحملون أعلامهم، تتقدمهم أعلام السلطان الناصر صلاح الدين، تحملها القوات الصلاحية والأسدية، وفي منتصف المسافة بين المعسكرين، وعلى أرض ذلك المرج الواسع الممتلئ بالزهر والأعشاب القصيرة، التقت العساكر، اشتبكت بالحديد والأضلاع والأكف والوجوه. صدر صوت رهيب مكتوم جراء اصطدام الجند بعضها بعضاً، اشتعلت الحرب وأز أزيزها، وتعالى أوارها، وتطاير كل شيء؛ الغبار والقلوب والرؤوس والمتاع والصراخ والعذاب واليأس والفرح. نسي كل واحد منهم ما وراءه وما أمامه، لم يبق إلا الدفاع عن اللحم والحياة، ولا منقذ سوى رشاقة الجسد، وقوة الساعد، قلب الجيش الإسلامي الذي يقوده الأمير العظيم عز الدين جرديك، حاول شق عسكر الفرنجة إلى قسمين، فيما حاولت ميسرة الجيش الإسلامي، التي يقودها الأمير الشجاع تقي الدين عمر، أن يفتت ميسرة الفرنجة، ويشتتها إلى ما وراء النهر الحلو، أما ميمنة الفرنجة، فقد كان يقودها الملك العتيق الأخرق، وقد استطاع الأمير حسام الدين لاجين، صاحب نابلس أن يدفعه إلى التراجع سريعاً بعد أن أثخن في عسكره، سيدي ومولاي صلاح الدين، ومن على تل كيسان كان يتابع الحرب وهو كالأم الثكلى، تأتيه الرسائل من المرج فيرد عليها، ويتابع سير المعركة بقلق ما بعده قلق، وكان سيدي ومولاي رأى أن لا يدفع بجميع العسكر مرة واحدة إلى المرج؛ فقد أخفى عساكر بعلبك وسنجار في المروج البعيدة وراء التلال التي تقع مباشرة بين تل خروبة وشفرعم، وكذلك في أعالي الطريق الذاهبة إلى صفورية، فقد رأى بثاقب نظرته أن المعسكر الإسلامي قادر على أن يشتت معسكر الفرنجة، ويدفعهم إلى الهرب إلى الشمال، حيث لا مفر إلا من هناك، وهو ما حصل فعلاً؛ فقد نجحت الأطلاب الإسلامية بدحر عسكر الفرنجة المدججين بأرطال الحديد، فلم يجدوا بداً إلا الفرار إلى الشمال، فواجهتهم العساكر الإسلامية وراء التلال، وهي في كامل عافيتها واستعدادها، فأثخنوا فيهم، بحيث اختلف المكلفون بعد القتلى حول عدد من قتل من الفرنجة المخذولين. أما ما كان من أمر الهجوم على عكا، فقد عمد جند الفرنجة إلى ردم الخندق المحيط بالمدينة؛ وذلك بأن صاروا يقذفون فيه موتى دوابهم، وحتى موتاهم ليعبروه إلى باب البلد، فما كان من أهالي عكا إلا أن انقسموا أقساماً ثلاثة: قسم يأخذ ما يرمي به الفرنجة في الخندق، ويقطعونه، ويقذفونه إلى البحر، وقسم يذود عنهم بالنشاب حتى يتمكنوا من إنهاء عملهم، وقسم أخير في المنجنيقات وحراسة الأسوار، ومضى عليهم نهار كامل وهم كذلك، فأصاب منهم التعب والنصب مبلغاً عظيماً، ولكنهم صبروا واحتسبوا. ملك الفرنسيسة لم ييأس؛ فقد شاغل العسكر الإسلامي طيلة الوقت. حاربنا في الليل والنهار، ما اضطر السلطان الناصر أن يتحول من تل إلى تل، وأن ينزل بنفسه إلى الأطلاب يقويهم، ويبعث فيهم النخوة والحمية، ويبعث باليزك في كل النواحي يتصيدون الفرنجة الذين يخرجون لجلب الحشيش لدوابهم أو الماء من الأنهار أو الينابيع المجاورة. أما مقدم الجواسيس، عمر الزين، فقد جاء خيمة الحضرة السلطانية التي أقيمت على عجل فوق تل العياضية، وأخبره أن ملك الفرنسيسة هذا لـه شأن كبير في دينهم، وعند أمرائهم ومقدميهم ورهبانهم، ولهذا فقد أوقف النزاع بين الكندهري من ناحية، وبين الملك العتيق وفرسان الداوية من ناحية أخرى، وحسم الأمر بينهم بالقول إن تاج مملكة بيت المقدس سيتم البت فيه عندما يصل ملك الإنكتار في غضون أيام. والأهم من هذا كله، قال عمر الزين: إن ملك الفرنسيسة عنف أمراء الفرنجة جميعاً بقوله: إنكم تتنازعون على مملكة لم تعد قائمة، وعندما تستردون بيت المقدس تستطيعون أن تختلفوا، أما الآن فليس أمامكم سوى مقاتلة صلاح الدين. وقال عمر الزين إن ملك الفرنسيسة أحضر معه آلات حرب لم تعرف بعد، وإنهم قائمون على تركيبها الآن أمام برج عين البقر فوق باب البلد، وحاول عمر الزين أن يصف تلك الآلات، فقال إن إحداها يشبه جسراً من الخشب يتحرك على عجلات، فكلما دارت العجلات تقدم جسر الخشب وارتفع، وإنه كلما ارتفع، وضع القائمون تحته التراب، فيظل معلقاً. وهكذا، فإن مقاتلة الفرنجة يستطيعون الصعود في هذا الجسر إلى حيث يريدون، وأنهم يركبون ـ أيضاً ـ دبابة من خشب، ونحاس وحديد، يدخل فيها المقاتلة فلا يظهر منهم شيء، وأنها تسير على عجلات يدفعها الجند من الأمام، أو من الخلف من خلال حبال وزرد، وهناك دبابة أخرى لا تفترق عن الأولى سوى أن لـها قرناً من الخشب الملبس بالحديد قادراً على الدوران أو النطح. فوقع ذلك في صدر السلطان موقعاً غير حسن. وقيل في حضرة السلطان إن الفرنجة لـهم تفانين في الحرب لم نعرفها، وإن حبهم للحياة دفعهم إلى التعلق بالسلاح، واصطناع المحكم منه. أما المحدث ابن جبير الذي استطاع الخروج من البلد بمساعدة عيسى العوام، فقد قال إن بلاد الفرنجة فيها قلاع كثيرة عالية، ومنيعة وإن بينهم حروباً كثيرة، ولهذا، فإنهم يضطرون إلى اصطناع آلات حربية عجيبة. وقال ابن جبير الأندلسي الذي خبر الفرنجة وحروبهم في بلاده، ورآهم في بلادهم التي جاؤوا منها. إن الفرنجة ـ عموماً ـ يحبون الحرب، ويميلون إليها، وإن اختلافاتهم كثيرة؛ بين ملوكهم من جهة، وأمرائهم من جهة أخرى، وبين ملوكهم وبابا كنيستهم. وقال إن أناسهم فقراء، يعمل جلهم بالزراعة، والأعمال التافهة، ثم لا يجدون قوت يومهم، وهؤلاء يؤمنون بتوافه الأمور وعجائبها، وهم على استعداد للقيام بكل شيء يمكنه أن يغير حياتهم. ابن جبير الأندلسي الذي رأى سيدي ومولاي صلاح الدين لأول مرة، لم يستطع إلا أن يقبل يده وصدره، وأظهر لـه من صنوف الاحترام والتقدير ما أدهشنا جميعاً، وحدثه عما رأى وسمع، وعما يحمل لـه من رسائل، وكتب، منها كتاب الإدريسي الذي يعيش في بلاد الملك غليوم، ملك صقلية الذي جاء بأسطوله إلينا ليحاربنا. سيدي ومولاي أكرم العالم المحدث، وسأله عن أمير المسلمين المنصور الموحدي، فقال ابن جبير إن هذا الأمير مشغول بحرب الفرنجة شمال الأندلس، وإنه يذود عن ديار الإسلام في الغرب، كما يذود سيدي ومولاي عن ديار الإسلام في الشرق. سيدي ومولاي صلاح الدين لم يخف أسفه على فرقة المسلمين، وعدم توحدهم بسبب المطامع، والأهواء، والخوف والريبة والشك، فأثنى المحدث الأندلسي على كلام سيدي ومولاي وقال إن العصبية مقتل الأمة، عندئذ قال سيدي ومولاي إنه يتمنى لو استطاع أن يوحد ملة الإسلام بالسيف وكلمة الإسلام، تماماً كما فعل الأكابر الذين مضوا، وأضاف سيدي ومولاي أن الأمر لا يترك لمغامر، أو لمقامر، أو لمن تبرق في رأسه أخيلة المجد والملك على حساب كل شيء. قال سيدي ومولاي إن الأمة التي تواجه هذه اللحظات ملوك الغرب جميعاً، عليها أن تتخلى عن أوهام كثيرة، قال سيدي ومولاي ها قد مضت أكثر من ثمانين سنة والفرنجة بين ظهرانينا، فلم ينفع معهم التفاوض، ولم ينفع معهم الحوار، ولا حتى مصانعتهم، فقد هاجموا حليفهم أتابك دمشق ذات مرة، قال سيدي ومولاي إن الحوار والتفاوض لا يكون في حالة أن تغزى بيتك ودارك، ولا يكون مع من لا يراك، ولا يعترف بك، ولا يعطيك حق الحياة والوجود. قال سيدي ومولاي إن القوة التي تشكمها وتهذبها الحكمة هي الطريق الأسلم والأحزم والأكرم، للتعامل مع الفرنجة أو من هم في حكمهم. قال سيدي ومولاي إن الفرنجة هؤلاء يريدون الأرض دون أصحابها، ويتوهمون أنهم الأحق والأقوى والأكثر خلقاً. لا يمكن الكلام معهم هكذا. ولا يمكن حوارهم هكذا، يصبح القتال هو الوسيلة الوحيدة لإثبات الحق، ولإثبات الحضور، ولإثبات الشرعية. هذا هو المفهوم الحقيقي للجهاد، والجهاد ليس حرباً فقط، بل هو قيمة حضارية تعني البقاء والحضور وفرض الهيبة. قال سيدي ومولاي إن الناس ـ وإن فطروا على حب الخير والحق ـ فإنهم لا يصلون إلى ذلك إلا عبر النوايا السيئة، النية السيئة هي جزء من الحياة يجب التعامل معها بكامل الجدية، وسأل سيدي ومولاي الحاضرين: لماذا يأتي ملوك الغرب إلى بلادنا بهذا الجمع الذي لم يكن في وقت من الأوقات؟! أليس لأنهم يعتقدون بأنهم الأحق منا بسيدنا عيسى عليه السلام وبخيرات بلادنا؟! إذاً هم يروننا ولا يعترفون بنا، ولهذا فهم على استعداد لأن يسلبونا حياتنا، وأرضنا ومقدساتنا. هكذا، مرة واحدة، دفعة واحدة. الجهاد هنا جزء من جسدك، يشبه رجليك أو يديك، مرة أخرى، الجهاد ليس حرباً، بل هو نوع من العظة الأخلاقية؛ فالمجاهد لا يتجاوز كرامته، ولا كرامة من يقاتله. الجهاد تذكير بالحق والخير؛ إن خليقة رسول الله ـ ( ـ سيدنا أبا بكر الصديق الذي وصل إلى المغزى العميق للجهاد طلب أن لا تقطع الشجر، أو تحرق الزرع، وأن لا تقتل النساء والشيوخ والأطفال والعباد والزهاد. إذاً الجهاد رسالة وليس اعتداء. هذا في حالة الهجوم، فما بالك في حالة الدفاع؟! هنا يصبح الجهاد وسيلة الحياة الوحيدة. وقال سيدي ومولاي، وهو يتفرس في وجوه الحاضرين، إنه لا يفهم، ولا يدرك سر إصرار هؤلاء الفرنجة على تجشم مشاق السفر في البر والبحر، والمجيء إلى بلادنا واحتمال أهوال الحرب، من قتل وحصار وجوع! فهل هذا هو ما يأمرهم به دينهم أم أهواؤهم أم مطامعهم؟! قال المحدث الأندلسي إن الأمم تتصارع دائماً إذا أحست في نفسها قوة، وقال إن أسباب الحروب متعددة وكثيرة، وفيها غموض كثير. وأضاف المحدث الأندلسي أن أمة الإسلام غزت الفرنجة، وأرض الروم كثيراً، وخلص إلى القول إن بيننا وبين الفرنجة اختلافات كثيرة تشمل الدين واللغة والمصالح والمطامع. سأل سيدي ومولاي: لمن النصر إذاً؟! قال ابن جبير: لمن يكتبه الله لـه يا مولاي. أعجب مولاي بكلام العالم الأندلسي، قال لـه: صدقت يا أبا الحسن. النصر من عند الله بعد أن تؤخذ الأسباب لـه. النصر جائزة سماوية لاستعداد أرضي. قال العالم الأندلسي: تذكر يا مولاي ما حدث في غزوة حنين، عندما اغتر المسلمون بكثرتهم؟! قال سيدي ومولاي: يعجبني كلامك يا أبا الحسن، نعم، النصر لا يتحقق لمجرد الكثرة أو القوة، الكثرة والقوة شرطان يجب السعي إليهما، ولكن هناك ما هو أبعد، وأعمق منهما. قال المحدث الأندلسي: وأرى يا مولاي بهذا الصدد أن على ملة الإسلام أن تمتلك ما هو أبعد من الكثرة والقوة، إنه سر بقائها وديمومتها. قال سيدي ومولاي: ووحدتها واجتماع أمرها. رد ابن جبير بطريقة لم أشهد ولم أسمع بمثلها: يا مولاي، قد أبالغ في القول، قد أجامل، قد أكون مخطئاً، ولكني أعتقد أن وحدة الملة، واجتماع أمرها، وصدورها عن قول واحد، يتعلق دائماً برجل مملوء بهذه الحكمة، متقد الحماس بهذا الإيمان. نحن دائماً ننتظر هذا الرجل، والأمة يا مولاي متعلقة بك، ترجو على يديك الخير، بعد أن حررت المسجد الأقصى، واستعدت بيت المقدس. طأطأ مولاي رأسه طويلاً، رفع رأسه، كانت في عينيه بقايا أو بداية دمع. قال وهو لا ينظر إلى أحد: ومن أنا حتى أشبه الأكابر الذين مضوا؟! أنا مجرد رجل لم يفعل بعد شيئاً، واضطر إلى اصطناع الأمراء من حولي بالمال مرة، وبالوعيد مرة أخرى؛ إنني أكابد الأمرّين، فأمراء المسلمين من جهة، وملوك الغرب من جهة أخرى، ولا أملك سوى أولادي وأشقائي وظهر جوادي. ترقرقت عينا سيدي ومولاي بالدمع. سكت الجميع، احتراماً وهيبة، وإذا شاويش الخيمة يدخل طالباً الإذن بدخول مقدم الجواسيس عمر الزين، فدخل هذا وهو يضع على ذراعه بازاً عظيم الهيئة، هائل الخلق، أبيض اللون، نادر الجنس، وقال عمر الزين بعد أن طلب الكلام إن هذا البازي يعود لملك الفرنسيسة، وإنه طار منه على أسوار عكا، فاصطاده رجالنا متعهدو الحمام خوفاً منه على الحمام، وإنهم أنفذوه للسلطان الناصر ليتفاءل به ويستبشر، فرأيت عيني مولاي تبتسمان، وانفردت الثنيات العميقة حول عينيه وفمه دلالة الرضا. أضاف عمر الزين أن ملك الفرنسيسة طلب البازي مقابل ألف دينار بالنقد الذي نطلبه. وقع ذلك موقعاً حسناً في صدر سيدي ومولاي والحاضرين. عندئذ حكى المحدث الأندلسي، ابن جبير وقائع قصته مع البحار المصري يعقوب، وكيف تنكروا بزي الفرنجة، ودخلوا ميناء عكا، فزاد انشراح سيدي ومولاي، ودعا الله للجميع، فطلب ابن جبير إلى سيدي ومولاي أن يسمح مرة أخرى للبحار يعقوب أن يعود إلى عكا ببطسة محملة مرة أخرى، على أن يضمن السلطان مشاغلة العدو من البر والبحر في الموعد المحدد، فأذن السلطان بذلك، واستحب أن يرى يعقوب نفسه ليشكره على فعله. ولدهشته فقد قال ابن جبير إن يعقوب ينتظر على باب الخيمة، وإنه خرج معه من عكا المحاصرة عبر الخندق المحيط بالمدينة، بمساعدة اللصوص الذين يدخلون معسكر الفرنجة ليلاً، فيكبسونهم أو يخطفونهم أو يسرقونهم. دخل يعقوب هذا، في الستين أو السبعين من عمره، يلبس ثياب الأسطولين المصريين بالسروال الواسع، والحزام القطني العريض، والقميص الضيق دون أكمام، والعمامة الصغيرة جداً، والخنجر الصغير الذي يكاد يختفي وراء الحزام العريض، يعقوب هذا، أضاف إلى ذلك كله، عباءة أضفت عليه هيبة واحتراماً ما، تقدم بخطوات وجلى حيث السلطان، ومد يده، فقال: هذا دون مقدمات: يعلم الله يا مولاي أنني لم أخنك قط. استغرب السلطان: ومن قال إنك خنتني يا يعقوب؟! قال هذا وهو مطأطئ الرأس: لقد طردت من الأسطول المصري أيام فتنة مؤتمن الخلافة، وكنز الدولة وإضرابهما، بتهمة صلتي بهما، ولكن هذا لم يكن. قال السلطان بصوت رقيق: اجلس هنا يا يعقوب، اجلس بجانبي. تقدم يعقوب بوجل، ثم جلس إلى يمين السلطان، الذي وضع ذراعه على كتف البحار المصري، فرأيته وقد سكنت حركته. قال السلطان: أنت لم تخني قط، أنت أسطولي شجاع تستحق مني هذه. سحب السلطان ممنجاته من حزامه، كانت ممنجاة مكسوة بالفضة، ومطعمة بالياقوت الأحمر، انتزع نصلها من غمدها، فبرقت أمام أعيننا، كان نصلها عريضاً وطويلاً ومدبباً تكاد تجرح كل ما حولها. قال السلطان: خذها يا يعقوب، هذه لك، ولا تنس حقها. تناولها يعقوب بإجلال كبير: أعرف حقها يا مولاي!! قال السلطان: ولك مني دستور ببطسة محملة بالميرة، والرجال والسلاح، تدخلها إلى عكا كيفما تشاء. قال يعقوب: لك ذلك يا مولاي بإذن الله.. ولكن.. لي طلب أخير يا مولاي. قال السلطان: قل يا يعقوب، لك ما تريد!! قال يعقوب: ابني الراضي.. مقدم النفاطين في عكا. دهش السلطان: أهو ابنك؟! قال هذا بفخر شديد: نعم يا مولاي. صاح صلاح الدين: ما شاء الله.. ما شاء الله.. لكم الله يا أهل مصر.. لم يخطئ فيكم قاضينا الفاضل الذي ينصحني دائماً بحب مصر وأهلها.. ماذا يريد ابنك المقدام؟ قال يعقوب: إنه بحاجة إلى ثلج الصين ليحرق به سفن العدو ومراكبهم. قال السلطان: وأين نجد هذا الثلج الآن؟! إن هذا الثلج أندر من الزئبق. قال يعقوب: إنه عند مقدم الحشيشية الإسماعيلية في مصياف. نفخ السلطان، حرك رأسه يمنة ويسرة، قال: سأرى يا يعقوب، ما يمكنني فعله. قام يعقوب وهو يرتجف من فرط الانفعال، ثم استأذن ابن جبير وخرج. اشتد ملك الفرنسيسة في مهاجمتنا، ومهاجمة البلد؛ كان ينازلنا كل يوم، في المرج وفي التلال المجاورة، وفي ضرب البلد بالمنجنيقات وآلات الحرب الجديدة التي جاء بها معه من بلاده، وتواترت رسائل الأمير بهاء الدين قراقوش تنذر بسوء الأحوال في عكا، وتأثر بعض أسوارها، وسقوط بعض أحجارها، ورغبة بعض الأمراء في المغادرة، ومنهم الأمير حسام الدين أبو الهيجاء، وأمير الأسطول الحاجب حسام الدين لؤلؤ. عندئذ أمر السلطان الناصر بكتابة دستور يطلب إلى هؤلاء الخروج من الحصار، ثم كتب السلطان دستوراً يطلب إلى الأمير سيف الدين علي المشطوب والمقدمين أرسل وابن الجاولي، وسنقر الوشاقي الدخول إلى البلد بدلاً من المغادرين، وقد تم ذلك بنجاح كبير؛ إذ استطاع رجال الأسطول إدخال بركوس ـ وهو مركب صغير يتسع لعشرة من الرجال فقط ـ في ميناء البلد رغم شانيات العد وبطسه، ومن ثم إخراج الأمراء الذين طلبوا المغادرة، وإدخال الآخرين الذين طلب إليهم السلطان الدخول، وقد ساعد في إنجاح المهمة ما قام به السباحون وفي مقدمتهم عيسى العوام الذي أوهم أسطول العدو بالهجوم؛ وذلك بأن حمل هو ورجاله ـ وبعد أن اطمأنوا إلى ابتعاد شانيات الفرنجة عن الميناءـ غطسوا في الماء مرة أخرى وابتعدوا، وكان ذلك كافياً لأن يدخل البركوس ويخرج ويتم التبادل. ولما دخل الأمير الإسفهسلار حسام الدين أبو الهيجاء الخيمة السلطانية على تل كيسان ـ بعد أن انتقل إليه سيدي ومولاي ليتابع المعركة عن قرب ـ تحدث الأمير بصوت خفيض فيه انكسار واعتذار، فحدث عن الجوع والموت والمرض والضيق والإنهاك في البلد، كما تحدث عن صمود الأهالي، ونيتهم في المقاومة إلى النهاية، وأشاد بالأمير قراقوش إشادة تامة، وعلل خروجه من البلد بطول المقام، والرغبة في رؤية الولد والأهل. استمع إليه سيدي ومولاي بهدوء وصمت، ووجهه لم يسفر عن أي شيء، أما الأمير حسام الدين لؤلؤ، فقد اعتذر بالمرض، وعدم الجدوى بالبقاء؛ ذلك أن لا شانيات للمسلمين في ميناء عكا، أما مقاتلة برج الذبان فهم في أسوأ حال لانقطاع الميرة والسلاح عنهم. سيدي ومولاي لم يعلق على ما قالاه بشيء، انصرفا من أمامه وهما في أسوأ حال؛ لم ينعم عليهما، ولم يتبادل معهما كلمة. كنا نعرف جميعاً ـ وقد قال ذلك الملك العادل شقيق سيدي ومولاي بكل صراحة ـ إن المقدمين أرسل وابن الجاولي، وسنقر الوشاقي ذهبوا إلى عكا دون رضاهم، وإنهم متعجلون، ولا يتمتعون بالحنكة، والصبر اللازمين، ولكن ـ أضاف الملك العادل ـ الأمير بهاء الدين قراقوش سيعرف بالتأكيد كيف يعامل الجميع. المقدمون الثلاثة هم من قوات الصلاحية الذين اشتهروا بحب الطعام الغليظ، وغالباً ما يصاب أرسل بالذات بالخانوق لكثرة اللحم الذي يتناوله في المساء. قد أمر السلطان بإرسالهم إلى عكا رغبة منه في تعليمهم دورساً كثيرة، كما أنه كان يعرف أن في عكا من الأمراء والمقدمين الأشداء ما يكفي للاعتماد عليهم؛ فقد كان هناك إلى جانب الأمير قراقوش، كل من الأمير شيركوه بن باخل، والأمير حسن بن باريك، وطغرل السلحدار أحد خواص مماليك سيدي ومولاي السلطان الناصر. أما الأمير سيف الدين علي المشطوب فهو أمير شديد وعنيف، وسريع الغضب، وذو حمية ونخوة على عكس والي البلد الأمير بهاء الدين قراقوش، صاحب الهدوء المدهش والجأش المستقر. لم يعد أمامي عمل كثير في القضاء بين العسكر، ذلك أن اشتداد المعارك مع ملك الفرنسيسة جعل من الأطلاب الإسلامية ترابط في أماكنها المواجهة لمعسكر العدو المخذول ليلاً ونهاراً؛ إذ إن الفرنجة لم يتركوا عكا لحظة واحدة، فقد أثخنوها بأحجار المنجنيقات، والزنبورك المحكم الصنع، وكرات النار، وكذلك ما اصطنعه مقاتلة الفرنجة من آلات حرب لم نرها من قبل، كالأبراج المتحركة، وسلالم التراب، والدبابات العجيبة المصنوعة من الخشب والنحاس والحديد. هذا كله وأهل البلد صابرون محتسبون يجترحون الأمثولة في القتال والصمود والمقاومة. وقد حدثني فرسان من اليزك الإسلامي من الذين يواجهون أسوار المدينة، أن مقاتلة السور قفزوا من أماكنهم إلى برج متحرك، وقاتلوا من فيه من الفرنجة، رغم المنجنيق، ورغم النار، ورغم سهام الزنبورك التي يتفنن الفرنجة في صنعها، وقد قارنت بين النشاب الإسلامي، والزنبورك الفرنجي، فرأيت الأخير أكثر إتقاناً، وأنفذ وسيلة، وأكثر دقة، وقد عمد السلطان الناصر إلى صنع زنبورك شبيه بذلك ولكن النتائج لم تكن كالمأمول؛ فمقاتلة السلطان متعودون على القوس الخشبية المرنة التي تمنح الفارس أن يختبر نفسه بالقوة والإحكام والجرأة والقدرة على التصويب، أما الزنبورك فليس فيه كل ذلك، فهو أشبه ما يكون بالزراقة في هذا الصدد. وبسبب ابتعاد العسكر عن التلال، ومرابطتهم بالليل والنهار كما قلت، فلم يعد أمامي من عمل في القضاء بينهم، كان عملي ينحصر في كتابة العقود لشراء العبيد أو الأسرى أو بيعهم، وكذلك الفصل بين منازعاتهم حول ملكية مال أو قماش أو عبد، وربما في أحوال نادرة الفصل في دماء هدرت عن غير عمد، والأهم من كل ذلك، العمل كسفير بين الأمراء، وبين سيدي ومولاي صلاح الدين، فقد كان هؤلاء كثيري الطلبات، كثيري التذمر، فمنهم من يريد إقطاعاً أكبر، ومنهم من يريد أن يزاحم أميراً آخر في إقطاعاته، ومنهم من يريد أن يغادر أرض المعركة، ومنهم من كان يطلب مصانعة الفرنجة. كل ذلك وسيدي ومولاي صابر محتسب يلقى الجميع بوجه بشوش، وقلب ثابت. وربما جاز لي هنا أن أذكر الأمور بصراحة تستحق؛ فسيدي ومولاي الذي حارب فلول الدولة الفاطمية، ثم آل زنكي ثم الفرنجة، كان أمثولة الأمير الذي لم يتعود عليه بقية الأمراء، والأتابك في الشام، الذين تعودوا رد الفرنجة بالمال أو المصانعة، وفي بعض الأحيان بالقتال. كان سيدي ومولاي بالنسبة لـهم محيراً، ولهذا، فإن كثيراً من الأمراء حوله ـ وقد تعودوا على انتصاراته السريعة ـ أرادوا إليه أن يعجل في حسم المعركة حول عكا، ولكن ذلك لم يحصل لإرادة الله أو لا، ولحشد الفرنجة لأنفسهم حول عكا ثانياً، وربما لعدم حزمه أمره ثالثاً، ولأن الحسم لم يحصل، فقد بدأ هؤلاء الأمراء يتململون ويتذمرون، مع ما رافق ذلك من أمطار وثلوج، وأمراض، وروائح فاسدة، وهواء راكد ثقيل، هل كان ذلك تقاعساً أو استهانة؟! أشهد أن سيدي ومولاي لم يغادر أرض المعركة طيلة هذه الشهور الثمانية عشرة، ولم ينم خلالها إلا تحت خيمة، مثله في ذلك مثل أقل جندي في العسكر كله، عكا كانت ضرورية لنا وللفرنجة، عكا قسطنطينية الفرنجة، ومن يحكمها يفتح البحر أو يغلقه، ومنذ أن احتلها الفرنجة قبل ثمانين عاماً جعلوا منها قبلة التجار والرهبان والمقاتلة، وعندما فتحها سيدي ومولاي كان يعرف أنه يغلق البحر أمام الفرنجة على عمومهم. الحصار حول عكا كان جديداً؛ لم يحدث أن كان ذلك منذ أن تولى سيدي ومولاي الأمر، وكان جديداً ـ أيضاً ـ استنفار ملوك الغرب جميعاً، وإعلانهم الحرب علينا، وكان على سيدي ومولاي أن يجابه كل ذلك دفعة واحدة، كانت تلك المرة الأولى التي نسمع فيها أن كل ملوك الغرب قرروا حربنا من جديد. فهل كان ذلك سبباً آخر في دفع أمراء السلطان إلى كثرة المطالب وكثرة التذمرات؟! حمل الحمام رسائل كتبت بالترجمة تقول إن البلد في أسوأ أحوالها؛ فالميرة في تناقص، والماء ينفد بسرعة، وكذلك السلاح، وأن المرضى والجرحى في ازدياد، والأنكى من ذلك كله، أن أسوار بعض الأبراج بدأت تتصدع، وطلب الأمير قراقوش في نهاية الرسالة الإسراع في مشاغلة العدو من البر والبحر، والإسراع بإدخال الميرة، والسلاح إلى البلد. استدعى سيدي ومولاي عيسى العوام، وأمره بزيادة عدد السباحين الداخلين إلى البلد خلسة، وحمل ما يستطيعون من متاع، بانتظار فرج الله. وعد هذا خيراً وانطلق. سأل سيدي ومولاي عن أخبار البحار المصري يعقوب وبطسته، فقيل لـه إن هذا قد خرج من بيروت ببطسة كبيرة محملة بكل شيء استعداداً لإدخالها إلى عكا، وبينما نحن كذلك، إذ وقع الصوت أن ملك الإنكتار قد وصل عكا في خمسة وعشرين شانياً مملوءة بالرجال والسلاح والعدد، وقيل إن هذا الملك ذو رأي في الحرب مجرب. هذا والسلطان يتلقى ذلك بالصبر والاحتساب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |