|
||||||
| Updated: Monday, August 15, 2005 11:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
جوانا مات زوجي؛ ملك صقلية، ومات والدي، ملك إنكلتره في أوقات متقاربة، أما الأول فكان منفتحاً وسهلاً مع المسلمين حتى شغلوا كل شيء، ووصلوا حتى غرفة نوم الملك. أما والدي هنري فكان متسرعاً بشأن العلاقة مع البابا فتورط في خلافات عميقة مع النبلاء والوزراء، لم يكن زوجي، ولا والدي ممن يهتمون كثيراً بالبابا، أو بأوامره ونواهيه، بل يمكن القول إنهما كانا يكرهان البابا، ويعملان على الخلاص منه، وقد فعلا في النهاية. الآن ماتا، وتركاني وحيدة في جزيرة مشمسة طيلة أيام السنة، نبيذها وأطعمتها المخللة المالحة يبعثان في جسدي كل حرارة العالم، وأشواقه، واللذائذ الممكنة فيه. لا يمكن العيش في جزيرة مثل هذه، حيث لا رقيب، ولا حسيب، دون أن ينشغل المرء بابتكار أسلوب للبقاء أو ذريعة لـه؛ فبعد أن مات زوجي، واعتلى الملك وليم العرش نسيني الجميع. تركوني في قصر صغير مع جيش كامل من الوصيفات، والعبيد المسلمين، والحراس العجائز الذين ينامون في الليل والنهار أيضاً. لا شيء أفعله هنا، في صقلية هذه، حتى زوجة الملك وليم لم تكلف نفسها بدعوتي إلى أية حفلة أو مناسبة، فهي امرأة من جنوة، والدها يملك أسطولاً من المراكب التي تسافر إلى سواحل بلاد الشام وسواحل إفريقية، وتعتقد في قرارة نفسها أن الملك بحاجة إليها لغنى والدها أكثر مما هي بحاجة إلى جاهه، هذا إلى جانب أنها تكره الإنكليز؛ فهي تعتقد أنهم باردون ومتكبرون ومتعجرفون، ولا يعبرون عن مشاعرهم إلا إذا تمت مضاجعتهم، وتعتقد ـ أيضاً ـ أن النورمان ـ عموماً ـ هم أناس متخلفون، يحبون المشاجرة والحرب ليس إلا، ولا يفهمون في الشعر أو النحت أو التصوير، فلا مشاعر فنية لـهم. وقد سمعت أن والدها جمع لـها تحفاً نادرة من كل البلاد التي تصل إليها سفنه، بالإضافة إلى عدة حيوانات تكاد تكون أخذت من الأساطير والحكايات الخرافية، وأن الملك وليم يزور هذه الحيوانات بشكل يومي للعجائب التي تأتيها؛ فهناك طائر يتكلم، وهناك حيوان يزيد من حجمه عدة مرات في حالة الإثارة أو الغضب. أما قصري فلا شيء فيه سوى الطعام المخلل والنبيذ اللذيذ، وهذه الخيالات التي تبعث القشعريرة في جسدي. ولما حاولت إشغال نفسي في الزراعة، استدعيت أحد عبيدي المسلمين، وطلبت إليه أن يعلمني أصول الفلاحة والزراعة. أحضر لي هذا كتاباً ضخماً بالعربية، يتناول فيه أنواع النبات، والآفات التي تصيبها، وأوقات زراعتها، والمفيد من أجزائها، قال لي خادمي إن مؤلف هذا الكتاب هو ابن البصال، فقلت لـه إني لا أجيد العربية، فصار يترجم لي، ولما صرت أحدق فيه، بشاربيه وبشفتيه، اشتعلت الخيالات في جسدي، فصرفته قبل أن أتهور، واكتفيت بري أشجار الكرمة، والرمان التي تحيط بقصري بكثرة لافتة للنظر، ولكن الحر والفراغ والنبيذ جعلني أتهور، أتهور أكثر مما تصورت، وأكثر مما خططت. الشمس هنا واضحة ولا تخفي شيئاً. في بلادي الشمس مخادعة ومراوغة، ولا تفصح عن نفسها. أما هنا، فكل شيء واضح، وكل شيء تحت الأنف تماماً، وصيفاتي المسلمات أو المنتصرات ـ صرن يتنصرن هن وأهليهن بعد أن أخذ الملك وليم يضيق على المسلمين في البلاد، بعد أن تواردت الأخبار عن انتصارات صلاح الدين على مسيحيي الشام ـ أسقطن في أذني أسرار حياتهن، وخبايا أرواحهن، وعجبت لصبرهن، وتكتمهن وتحرقهن، وقدرتهن على احتمال الحرقات كلها. وحدثتني عن الرجل كأنه شبيه بالإله، وعن لذائذ اللحظات الحميمية التي يتعلمها الجميع باعتبارها جزءاً من دينهم. عجبت لخبرتهن العالية، ودقة فهمهن لأجسادهن، وأجساد رجالهن. لم تكن وصيفاتي يشبهنني قط، لم أكن ممن تتوقف لتتذوق متعة الصد، والإغراء والممانعة، أو تلك المتع الصغيرة التي يغرقنا فيها الحب الذي يجري في ممنوعات ومحرمات. الشمس هنا ساطعة، وعندما يذوب النبيذ في الدم، فإن الجسد يتحول إلى أثير يطير في الأجواء، لا يبحث إلا عن شبيهه، ولأنني كنت أعرف أنني أتهور بدم إنكليزي حقيقي، لا يحسب حساباً للعواقب عند الوله والغضب والحاجة، فقد منعت نفسي من التورط مع من يستعمل ذلك في إذلالي، أو إذلال عائلتي، أو اسمي في جزيرة صغيرة مثل هذه، وخاصة أمام زوجة الملك وليم المغرورة، فلم يكن أمامي سوى عبيدي الذين يجيدون كل شيء في جو احتفالي، مليء بالخضوع والاحترام، والمهابة التي تجعل من كل شيء ممتعاً وعذباً وسرياً إلى أبعد حد، انتهاب اللذة هكذا، في مثل هذا الجو غير المتكافئ المقارب للخطيئة، الغارق في السر، المضمخ بالخضوع، الراتع في انتهاك الغريب والجديد، يجعل للحياة معنى، وللبقاء ذاته ذريعة. وصيفاتي اللواتي عرفن ذلك بسهولة، قدمن لي نصائح مهمة، وقدمن لي كذلك مراهم ذات رائحة نفاذة تفيد في منع المضاعفات غير المحمودة، انصعت لذلك دون كلام، أما الوصيفة العجوز التي كنت أناديها باسم دلال، فقد تجرأت، وقالت لي إنني قد أكون أعاني من عرض معروف، وذكرت اسمه بالعربية ـ مما أخجل من قوله كما هو، ولكن ترجمته تعني أنني مثل بئر لا قعر لـه ـ ضحكت رغماً عني، وقلت لـها بما لا يعني أنني أبادلها الحديث، بل كأنني أحدث طبيباً. إنني لست كذلك، ولكنني أشعر بملل كبير، فسألتني وهي تحدق فيَّ بعيون ثابتة لا تهتز، ولا ترمش فيما إذا كنت أعاني من الصفراء، أو أي مزاج منحرف، فقلت لـها ولا ذلك أيضاً، بل إنني أعرف ما أفعل، وأستمتع به ليس إلا، عندئذ، تقدمت مني دلال، وقالت بعيونها الثابتة، إنها ستعرفني على أشياء جديدة لم أسمع بها من قبل، وهكذا، صارت تقرأ لي من كتاب شهواني لمؤلف مسلم من الأندلس عن الحب. لم أكن أفهم كثيراً من الشعر المكتوب، فهو شعر فيه بكاء كثير، وفيه تصوير لعذابات العاشق لا ضرورة لـها، وكأن الحب عذاب، وما كان لـه أن يكون كذلك، فسألت دلال فيما إذا كان هناك كتب أخرى أكثر صراحة، فأحضرت بعد يومين كتاباً صغيراً بغلاف سميك أسود، قالت دلال إن عنوانه هو ما لا يمكن التجرؤ على لفظه، انصدع قلبي مرة واحدة، أيكتب المسلمون مثل هذا الكتاب وهم المحافظون والمتشددون؟! وعندما صارت دلال تقرأ لي، وتترجم ما تقرأ، حولت أيامي إلى جحيم حقاً؛ فقد صرت أطارد كل ما يتحرك في قصري، فاق الكتاب خيالي، وأيقظ في كل ما يمكن أن يدفع إليه الملل والفراغ والبحث عن معنى، وانتهى الأمر إلى أن صارت دلال هذه تقوم بالعمل لي، ووفرت علي الكثير من مهانة السؤال، أو ذل العرض، وأصبحت أسيرة دلال، أنتظر أفعالها وتدبيرها، وما توفره لي مما أحتاج؛ فلم أعد أغادر قصري إلا للتريض قليلاً على شاطئ البحر، أو للصلاة في الكنيسة مما يضطرني إلى مجاملة الملك وليم، وزوجته المغرورة التي تسلم علي بأطراف أصابعها. ومما زاد الطين بلة أنني أصبحت أرتدي الملابس الأكثر شبهاً بملابس نساء إشبيلية أو قرطبة ـ لتمثل أجواء الكتب التي تقرأ لي دلال، ولأن ذلك ليس مستغرباً في باليرمو أصلاً ـ الأمر الذي استهجنته زوجة الملك وليم التي تلبس ثياب نساء جنوة التي تكشف الصدر والكتفين، فيما تبدو ثياباً فقيرة بالقياس إلى الثياب التي ألبسها، فهي ـ وإن كانت تغطي الصدر والكتفين والعنق ـ إلا أنها مليئة بالتفاصيل الصغيرة من الثنيات، والألوان والمخرمات والخيوط المختلفة، والقطع المتعددة، والطبقات الحريرية التي تجعل الجسد متعة بحد ذاته. هذه الملابس كانت تثيرني، وتبهرني وتجعل من جسدي واثقاً من نفسه، ويشعرني بأنني مثل كنز مخبوء داخل صندوق من اللون والبرودة والضوء المتكسر، أما زوجة الملك فاتهمتني بأني مثل الراهبات بهذه الثياب، وأنني لم أتحرر بعد من تأثير الكفار علي. لم تقل لي ذلك مباشرة ولكني سمعته ممن ينقلون الكلام والنمائم عادة. استغربت أن تقول هذه مثل هذا اللغط، وهي تعرف أن المسلمين هم الذين يعمرون هذه الجزيرة منذ قرنين من الزمان مضيا، وعندما أفتش في صدري عن كراهية للمسلمين فإنني لا أجدها؛ هم لا يشبهوننا في أسلوب حياتنا، يميلون إلى اعتبار أنفسهم أنهم أفضل من الآخرين بسبب من دينهم الذي يعتقدون أنه آخر الأديان، وأفضلها، وأن محمداً آخر الرسل وأفضلهم، وأن إلههم لا يشبه أي إله آخر، وبسبب من ذلك تجدهم أكثر فخراً، وأكثر استنامة إلى ذلك بما يشبه عقيدة السكون والركون، وكأن مجرد إسلامهم يعطيهم أفضلية على الكون، وما عدا ذلك فهم رائعون في كل شيء؛ لـهم طرقهم في النظافة والحب، والزواج والبناء والزراعة والعلم والفلسفة والجغرافية، وهم يربطون كل شيء بدينهم، حتى طريقتهم في مباشرة نسائهم، وقد عجبت لذلك أشد العجب، دينهم فيه تفاصيل غير محتملة، ولم تخطر على بال، حتى في العهد القديم لا نجد مثل هذه التفاصيل، ولكني لم أكن منشغلة بذلك قط. المسلمون حولي، في القصر، وفي الطريق، وفي كل مكان أذهب إليه، وما يشيع في إشبيلية أو قرطبة من ألبسة أو مصنوعات، فهو يصل إلى بالبريمو بعد شهر واحد فقط، حتى أسلوبهم في الغناء والرقص، تحول في باليرمو إلى أسلوب دارج في وضع الألحان والقصائد، وأخذ شعراء ومغنون يقلدون شعراء الأندلس المسلمين في التنقل، وإلقاء القصائد بمصاحبة القيثارة، وقد سمعت قصيدة مثل هذه تتحدث عن ذلك الفارس المسيحي الذي قاتل المسلمين في قشتالة وبلنسية، ويدعى "السيد الكابنيتور". ولم يكن يعنيني كل ذلك؛ فأنا إنكليزية تزوجت من ملك صقلية لتوسع نفوذ أبيها، ولتقلل من نفوذ البابا عليه. تقدمت بي السنون دون جدوى، ولم يعد من حياتي سوى أن أنهل من لذائذها التي لا يشبع منها، ويجدر الاعتراف ـ هنا ـ أنني لا أصدق الكاهن الذي يتحدث عن المتع الروحية، والإخلاص للرب، حيث لا يمكنني تصور هذا الرب إلا من خلال حكايات وصيفاتي أيام طفولتي؛ حيث تختلط حكاياتهن عن الغابات الماطرة والعتمة والثلج، والشخصيات الخرافية مع يسوع الذي يتنقل من مكان لآخر دون أمطار أو عتمة أو ثلوج. أحببت يسوع لـهذه الأسطورية فيه، وهي ـ وإن كانت لا تشابه أسطورية أبطال النورمان ـ إلا أنها كانت شيئاً عظيماً وعميقاً؛ فقد قبل أن يصلب ويتعذب من أجل الخطاة رغم أنه كان قادراً على تخليص نفسه، لا أفهم الخطيئة التي يتم الكلام عنها، أبطال النورمان لا خطايا عندهم، ولهذا لم أتمكن قط من تسليم روحي للرب. كانت هناك مسافة كبيرة بيني وبينه، فعندما أحدق في وجهه في الكنيسة، كنت أحب وجهه وأشفق عليه، أحب هذا الوجه المنكفئ إلى الداخل، المتعذب بوجع لا نهائي، وأحب جسده النحيل الذي يبعدك عن التفكير بشهوة الجسد، بل يدعوك إلى الغرق بالتأمل في كمية العذاب وتوتر الروح، ولكن رغم كل ذلك، كنت أشعر أنني أقرب إلى جسدي، وإلى انفعالاتي واستسلم لـها. كنت لا أفهم الكاهن وهو يتحدث في موعظة الأحد عن قمع الشيطان فينا، وعن كبح أرواحنا عن الخطيئة، الحقيقة أنني لم أكن أفهم ما معنى الخطيئة، ما دام يسوع نفسه قد اعترف بها، وضحى بنفسه من أجل كل الخاطئين. يسوع جاء لتعريفنا بالخطيئة، وتخليصنا من ربقتها، وقاتل إبليس بالنيابة عنا. الخطيئة هي ما نعتبره خطيئة ونعترف بها، أما ما لا أعتبره خطيئة فهو غير كذلك. أنا أستمتع بأيامي وجسدي، ووجدت لنفسي عملاً أقوم به كل يوم، البحث عن المتعة، هذا هو عملي، ولهذا كففت عن الاعتراف، أما الكاهن، فزاد في سخرية زوجة وليم، ومن معها من زوجات الأمراء الآخرين. الحقيقة أن يسوع من بلاد غير بلادنا، وتحدث إلى أناس خطاة أصلا وجدوا في أرض قديمة. أمَّا نحن، فإننا محاربون نسعى إلى المجد بكل ثمن، وعندما أقارن بين يسوع، وبين ما سمعته من وصيفاتي عن الملك العظيم وليم الفاتح، ومن معه من الفرسان، وعن أجدادهم العظام الذين قاتلوا العتمة والثلج والوحوش والكائنات الخرافية، وعن أولئك الرجال والنساء الذي كانت علاقاتهم مهلكة ومخيفة، وواجهوا مصائر لا تحتمل، وأقدارا لا تصدق، وتغلبوا عليها بالقوة والذكاء والمثابرة، فإنني أجد يسوع رجلا حسن النية لا يكاد يسمع. الإنكليزي لا يصدق إلا نفسه، ولا يطيع إلا ذكاءه، حتّى المسيحية تحولت في بلادنا إلى مسيحية أخرى، واعتقدت لوهلة ما ـ وخاصة بعد أن ذهبت بعيداً في مغامراتي مع دلال ـ أن الكتاب المقدس هو نتاج أرض بلا تشبه أرضي، وثقافة لا تشبه ثقافتي؛ الكتاب المقدس نتاج أهل الشرق، حيث الصحاري، وقلة الماء، والناس الباحثون عن الفسق، واجتلاب الشهوة، ومن ثمَّ البحث عن عزاء من السماء. إن دلال، المرأة العجوز التي عاشت شطراً من حياتها في دمشق ثمَّ في إشبيلية، ثمَّ بيعت هنا في باليرمو لزوجي تخلط بين الرجل والإله خلطاً عجيباً، وهي تسمي الزوج بعلاً أو رَّباً، الشرق بلاد يقترب فيها الله إلى درجة أن يصبح كل شيء وأي شيء، أمَّا في بلادي، فالناس ناس، متشككون، حذرون، وصارمون أيضاً، ويجعلون من الإله مجرد كائن يتمتع ببعض الخوارق ليس إلا. كان ذهابي إلى الكنيسة جزءا من الواجب ليس إلا، وفرصة لمشاهدة الناس، والوجوه الجديدة، وسماع الأخبار المتواترة عن سقوط القدس في يد صلاح الدين الأيوبي، وجنون الملك وليم أو مرضه جراء سماعه ذلك الخبر، واستشراء العداء للمسلمين في الجزيرة؛ فقد صار ينظر إليهم على أنهم أعداء أو جواسيس، ممَّا دفع بالناس إلى مضايقة هؤلاء في دكاكينهم ومزارعهم وبيوتهم، وغض الملك وليم بصره، وسمح للناس أن تعبر عن غضبها وكراهيتها، ثمَّ رأى أن من الحكمة أن يتدخل هو شخصياً في ذلك ليظهر تشدده وتعصبه، فأطلق العنان لشرطته أن تعتقل، وتحاكم، وتسجن كل مسلم يخالف شرطاً من شروط العمل أو التجارة أو التملك، ما أيقظ آمال الكثيرين من الفقراء والأغنياء على حد سواء بتملك ما بأيدي المسلمين. ولما فرض الملك وليم ضريبة سماها ضريبة "صلاح الدين"ليمول إرسال أسطول كبير إلى سواحل الشام ليساعد مسيحيي الشام، فرض تلك الضريبةـ أيضاً ـ على المسلمين، فضج هؤلاء ورفضوا، ممَّا أعطى حملة الملك ضدهم شرعية أخرى، كانت دلال تعلمني بذلك أولا بأول، بعد أن سألتها عن اختفاء الشباب الذين كانت تحضرهم إلي ليلا ونهارا بحجة قيامهم بأعمال الزراعة والتبييض وإصلاح ما تهدم من جدران أو نحوه؛ فقد ذكرت لي أن هؤلاء صاروا يتجنبون الظهور في الشوارع خوفاً على أنفسهم من الاعتقال أو الطرد. ولم يكن ذلك ما يثير بي شيئاً سوى تناقص الرجال الأشداء، ولكن ذلك لم ينته على ما أحب قط، ذلك أن أحد هؤلاء الشباب ـ ونسيت اسمه ـ فقد كنت لا أسأل عن الأسماء، لأنها صعبة من جهة، ولأنني لا أرغب في إقامة علاقة شخصية أبداً من جهة أخرى ـ قال لي بعد أن انتهى مني: ـ أريد مساعدتك!! كان طويلاً، جلده بلون التراب، وله شعر كثيف على صدره وذراعيه وساقيه ممَّا يفقدني صوابي. لم يكن وسيماً بقدر ما كان شديداً وقوياً وعليماً. قلت دون أن أنظر إليه: تريد مالاً؟! قال بإصرار: لا. يريدون مصادرة مزرعتي. قلت: من هم ؟! قال: الشرطة. شرطة الملك وليم. قلت: وكيف أساعدك؟! قال: قولي لـهم أن لا يفعلوا ذلك. أنت الملكة، أليس كذلك؟! ضحكت: كنت ملكة، الآن أنا أرملة مسكينة. قال بإصرار: أريدك أن تساعديني، مزرعتي هي مزرعة ورثتها عن أجدادي الذين عمروا هذه الجزيرة قبل عشرات السنين، قبل الملك وليم نفسه. اللذة لا تكتمل ولا تتواصل، كان جباراً بجسده وحضوره. كانت عيناه مليئة بالرجاء والأمل، وقبل قليل كانت تبرق بالنار والوهج. ما أروع الرجال!! قلت بنوع من التفهم: سأرى ما الذي يمكنني أن أفعله!! قبلني حيث أحب، لبس وخرج، ونسيت الحكاية من أصلها، فلن أورط نفسي بالدفاع عن فلاح مسلم، سيثير دفاعي عنه أقاويل أنا في غنى عنها تماماً. ولكن المسألة لم تجر كما خططت لـها؛ إذ فوجئت ذات صباح بزيارة الأب أنطونيو أسقف المدينة بوجهه الأبيض اللامع كالشمع، ورأسه الأصلع الكبير الذي يعكس أشعة الشمس بوضوح يثير الضحك، حيث لا تتناسب جديته ورزانته مع لون وجهه ولمعانه ونعومته. فوجئت بهذه الزيارة، ولكني لم أتوقع قط سببها. جلسنا في الحديقة تحت شجرة رمان كبيرة. كان واضحاً، وكان صارماً، ودقيقاً وهو يقول لي مطأطئ الرأس: ـ يؤسفني أن أكون رسولاً إليك بهذه المهمة الشاقة على نفسي، ولكن هذا كان قرار الملك. دق قلبي بقوة، استشعرت السوء. قلت: تفضل حضرة الأب. قال وهو يخفي وجهه الناعم اللامع عني: هناك أقاويل لا نصدقها تتناول مقامك الرفيع؟ دق قلبي بقوة مزعجة: أقاويل؟! قال بصوت خفيض وبطيء: نعم مصدرها فلاح مسلم ادعى أنك وعدته بعدم مصادرة مزرعة لـه. سطعت في رأسي الفضيحة كالحريق الهائل. رددت دون وعي: مزرعة؟! قال الصوت الخفيض البطيء: نعم. عندما اعتقل الفلاح صرخ باسمك ثمَّ.. ثمَّ.. أحسست بدوار خفيف طاف في رأسي، ثمَّ انحدر إلى جسدي، أكمل الصوت الخفيض البطيء: ـ ثمَّ.. ثمَّ اعتقلت وصيفتك دلال مساء أمس.. وجلالة الملك بنفسه.. لم يكمل الأسقف لأنني لم أعد أسمع ما يقال. انفجرت الفضيحة في كل البلاد، الملكة جوانا، الأرملة الطروب، وقصرها الذي جعلته مثل قصور الشرق شبقاً وفسقاً، كالكفار المسلمين تماماً، ووجد أولئك الذين يعادون الوجود الإسلامي ذريعة للإسراع في طرد المسلمين من الجزيرة، ووجدت زوجة الملك وليم الفرصة السانحة لتحولني على عاهرة إنكليزية مات زوجها، وقام رجل مسلم يدعى محمد بن عباد بمسيرات صاخبة في باليرمو يطالب الملك بالعدول عن سياسة التمييز، والجور التي يتبعها بحق المسلمين، ولكن الشرطة هاجمت المسيرة وفرقتها واعتقلت الكثيرين، الملك وليم وحده لم يجد ما يفعله سوى الإسراع في إعداد أسطوله، وإرساله إلى سواحل الشام، وشجع سياسة كراهية المسلمين ومضايقتهم، أمَّا بالنسبة لي، وأنا أحد أفراد عائلته، فقد طرد جميع عبيدي وخدمي ووصيفاتي، واستبدلهم بآخرين من المسيحيين، واستبدل فرقة الحرس العجائز، بعدد آخر من الفرسان المحترفين يقفون على بوابات القصر، ولا يدخلونه، ولا يسمحون بالدخول لأي كان، وهكذا، تحولت إلى أسيرة فعلية، بعد أن كنت ملكة. ويبدو أن ذلك لم يشبع رغبة زوجة الملك بالانتقام مني، لذلك أقنعت زوجها بإرسال عدد من الراهبات العجائز ليقمن معي بحجة مساعدتي في أداء الصلوات، ولكنهن في الحقيقة كن عيوناً علي، وحرساً مشدداً يقيدن حركتي، ويحسبن على أنفاسي، والعجيب في كل هذا، أن ذلك لم يمنعني من الغلو والإيغال فيما أنا فيه، فلم أعدم الوسيلة للوصول إلى مبتغاي، ولم تمنعني الفضيحة من إيماني العميق بأحقية مطلبي، ورغبتي في العيش، والتعلق بسبب من أسباب البقاء، ولم أعدم وسيلة في تجنيد إحدى الراهبات لتقوم بالخدمات التي كانت دلال تقدمها لي، هذه الراهبة كانت في منتصف العمر تعاني من نوبات صرع مخيف، تتعرى فيها، وتدعى أنها عروس مقدسة، وقد أقنعتها أن خطاياي مقصودة لأنَّ المسيح سيأتي آخر الزمان، فيحتضن الخطاة أولا، ويخلصهم، ثمَّ يبيد الأشرار جميعاً، فصار بيني وبينها سر عميق؛ إذ صارت تمارس دور العروس المقدسة بحياتها العادية، وليس في حالات صرعها التي صارت تخف تدريجياً بعد أن انخرطت في تقديم خدماتها لي، وبعد أن صارت تطالب باختلاس النظر بحجة حماية المكان من الراهبات الأخريات. وكانت اللذة المسروقة في مثل هذا الجو المحتقن والمتوتر أعمق اللذات التي يمكن أن يتصورها عقل أو جسد، كنت أصفى وأنقى ما يكون في التقاط، وامتصاص اللذة قطرة قطرة، أوزعها على عقلي وجسدي بالتساوي، إلى درجة تدفعني إلى الصراخ. وسألت نفسي فيما إذا كان الفسق جزءاً أصيلاً في نفسي! ولم يكن الجواب بعيداً عني، فالفسق بمعناه الجسدي، ومعناه الروحي لم يكن يوماً بعيداً عنا، هناك في بلدي البعيدة، أو هنا في هذه الجزيرة التي تدعو إلى الفسق دعوة صريحة. وفي هذه الظروف التي لم أكن أحلم يوماً بأن أغرق فيها، وصل أخي ريتشارد في خمس وعشرين سفينة ضخمة لم أشاهد مثلها في صقلية كلها. وصل أخي فقامت الجزيرة لوصوله، انطلق الملك وليم وزوجته وحاشيته كلها إلى الميناء لاستقبال أخي ريتشارد؛ استقبلوا بالورد والإعلام والموسيقى و التصفيق، وأنزلوه في قصر ضخم كان للملك روجر، يقوم على تلة تشرف على مدينة بالميرمو كلها، فيما أقيمت خيام كبيرة على شاطئ البحر للجنود، وطعموا من طعام الملك وليم نفسه، الذي أراد أن يقدم أقصى ما يستطيع لريتشارد الذاهب لتحرير قبر المسيح من يد الكفار. كان الملك وليم يريد من ذلك كله أن ينفي عن نفسه أية شبهة لحقت بأبيه، أو بجده اللذين أطلق عليهما لقب "الملكين الوثنيين" لتساهلهما مع المسلمين. ولكن ذلك كله لم يجد نفعاً فقد سمع أخي ريتشارد بما حل بي من الأسر والمعاملة السيئة، فقام بزيارتي إلى قصري بموكب طويل وحافل، وصحب معه أسقف كانتربري، وجميع الأمراء والقواد في أسطوله، وتعمد أن يقوم جنوده بحراسة البوابات، واعتلاء الأبراج، ورفع الأعلام الإنكليزية عليها. ولما دخل علي، طويلاً وخشناً وشائكاً وذا رائحة هي مزيج من الثوم والنبيذ وصدأ الحديد، ارتميت على صدره العريض، وسمحت لنفسي بالبكاء. كان ذلك تصرفاً لم أعهده في نفسي، ولكن ريتشارد هذا لم أره منذ عشر سنين أو أكثر؛ كان صبياً يافعاً عندما رأيته آخر مرة، يتدرب على فنون الفروسية في دير قريب من قلعة والدنا. لم يكن بيننا ذكريات مشتركة، ولا أسرار، أمَّا الآن، وهو يدخل قصري، بطوله وعرضه، وشعره الأشقر الخشن، ووجه الأحمر العريض، وفمه الكبير، ويديه الخشنتين ذات الأظافر المتسخة، ورائحته التي بدت أليفة وغير منفرة، فقد رأيت فيه أبي، أكثر ما رأيت فيه شقيقا لي. شهرة أخي في الحرب وصلت إلى صقلية، مهارته في الصيد، وقدرته على القتال بكل الأسلحة حكي عنها، حتّى هنا في باليرمو. قبلني فاحتوتني رائحة الثوم والنبيذ. ظلت يدي بين يديه حدق فيَّ طويلا وهو يقول: آه أيها الأخت العزيزة، لقد ظلمناك. ظلت الدموع معلقة في عيني. لم أرد. انفعل: لا تبك أيتها الشقيقة الكبيرة، لقد جئت إليك. لا تبك. قلت وكأنني كنت في حوار طويل معه: إنها إرادة الرب. ضحك وقال: لا أدري إذا كانت إرادة الرب أم لا، ولكن.. احتار ما يقول، ولكنه أكمل: القرب من المحمديين سيء، أليس كذلك؟! في صقلية لا يستعملون تعبير المحمديين، ولكني قلت: لا علاقة للمحمديين بهذا!! قال بما يشبه الغضب الصارم: ما كان للملك وليم أن يعاملك هكذا!! الغيرة النسائية دفعتني على القول: هذا من تدبير زوجته. قال: لا تحزني، سأزوجك من ملك.. هذا وعد. سأزوجك من ملك. تبسمت رغما عني. ضحك وهو يقول: آه.. بسمتك هذه تذكرني بالسيدة الوالدة. جلس بالقرب من النافذة، وحدق في الحديقة المتواضعة للقصر وقال: سآخذك معي إلى القدس، سنستعيد القدس معاً من صلاح الدين. ماذا تقولين؟! كان ذلك آخر ما كنت أتوقعه. الذهاب إلى القدس، والخلاص من جزيرة صقلية، وما فيها من نميمة ونفاق وفسق. الذهاب إلى قبر المسيح، شملني برد وسلام، أحسست بهدوء عجيب ألم بجسدي، وأثملني بالطمأنينة. قلت: كما تريد أيها الملك!! ثاب وهو ما يزال يحدق بالحديقة: خذي معك ما تريدين، ومن تريدين من خدمك. لن أطيل في هذه الجزيرة. كان مجيء أخي إلى الجزيرة بمثابة معجزة بالنسبة لي، ولم أكن أتوقع مثل هذه النهاية؛ فقد وطنت نفسي قبل مجيئه أن أقضي حياتي سجينة إلى آخر لحظة من عمري. انتهب لذة مسروقة، ولا أجد غير جسدي أهتم به، أمَّا الآن، فأنا ذاهبة إلى القدس، حيث قبر المسيح الذي عذب جسده من أجلنا جميعاً. ولأول مرة أقبلت على الكتاب المقدس أقرأه بخشوع أحسسته في قلبي. وقبل الإقلاع من الجزيرة، بدا الملك وليم وكأنه يريد إثبات إخلاصه، وإيمانه المسيحي العميق أمَّا أخي ريتشارد، الذي تصرف بخشونة واضحة! وبالغ في طلب الطعام والسلاح، وتساهل في عبث الجنود في المدينة. وفي تلك الأثناء، زادت حملة مطاردة المسلمين في الجزيرة كلها، وكأن ذلك كان ضريبة لتحية شقيقي ريتشارد، الذي رفض أن يفاتح مضيفه بموضوعي، وإن أبدى غضبه وعدم رضاه، لم يشأ ريتشارد أن يتحدث مباشرة حتّى لا يجعل من الموضوع رسمياً أو مؤكداً. أراد أن يبقيه في دائرة الإشاعات التي قد تكون كاذبة، ولكن كان كل شخص في المدينة يدرك ما حدث، ويدرك مغازي ما يجري. وعندما غادرت صقلية في اليوم الأخير من شهر آذار، شعرت أنني حرة، حرة تماماً، وأن كل ما فعلته هنا وما رأيته كان مجرد حلم ليس إلا، استسلمت للبحر وروائحه التي توقظ الروح والجسد معاً. أصغيت باستمتاع كامل لأغاني الجنود، وقرأت بخشوع الكتاب المقدس، وتابعت اجتماعات شقيقي الملك ريتشارد التي لا تنتهي مع الأمراء والقواد، وهم يتابعون دروب البحر، ورسوم المدن التي يريدون استعادتها، ومن وصل إلى الساحل قبلهم، ومن سيصل قبلهم. أخي محارب ولا يجيد سوى الحرب؛ فقد نسيني تماماً وترك لي الحرية الكاملة في قضاء وقتي، ولم أكن أعرف أنه مشغول بالانقضاض على جزيرة قبرص التي صرت أسمع الجنود يذكرون قرب الوصول إليها، ويتحدثون عن مناجم الذهب والنحاس في جبالها، وعن خيراتها من الثمار والأشجار. كان الجنود يتبادلون أنخاب النصر قبل أن تبدأ المعركة، فالجزيرة تكاد تكون خالية ممَّن يدافع عنها، وهي على الرغم من تبعيتها لملك بيزنطة الأرثوذوكسي، إلا أنها كانت معرّضة ـ دوماً ـ للهجوم من قبل الأسطول الإسلامي، وهكذا فقد برر ريتشارد غزوها للجنود في خطبته أن جزيرة قبرص ستكون قاعدة متأخرة للمسيحيين في حربهم الطويلة مع المحمديين، كما يسمي المسلمين دائماً. ولم تأخذ المعركة وقتاً طويلاً حتّى سيطر جنود ريتشارد على كل شيء؛ جبال سيرين وترودوس، وسهول نيقوسيا الخصيبة، لم يكن هناك من يدافع عن الجزيرة سوى حامية صغيرة لم تكلف نفسها بقتال حقيقي، ولم يضطر ريتشارد أن يستخدم آلات الحرب التي يحملها في مراكبه، وهي آلات قيل لي إنها صممت خصيصاً لقتال المحمديين الذين يتحصنون في قلاع قوية، وعالية ومنيعة، تشبه في منعتها قلاع بلادنا إن لم يكن أكثر. لم يطل المكوث في جزيرة قبرص؛ إذ سرعان ما تركها أخي ريتشارد بضمير مرتاح؛ فالجزيرة ستكون قاعدة خلفية للحرب مع الكفار. وهكذا انطلقت السفن في اتجاه سواحل الشام تحمل معها كل شيء. كان الجنود بمعنويات عالية، ويتحدثون فيما يشبه الأساطير عمَّا سيفعلونه في الأرض المقدسة. كان أغلبهم في مقتبل العمر وأواسطه. لم يشاهدوا الأرض المقدسة من قبل، وكل ما يعرفونه هو أن المحمديين، وهم من الأترك الأجلاف المتوحشين، الوثنيين الملاحدة، قوضوا المملكة اللاتينية، واستعادوا السيطرة على قبر المسيح، وأن صلاح الدين هذا، ما هو إلا رئيس أولئك القتلة الكفار. تحدثوا عن جبن المقاتلين المسلمين، وعن ضعف حكامهم وخورهم وخيانانهم، وعن فرقتهم وتفرقهم، وعن أحقية حربهم وضرورتها، وتحدثوا عن النساء الشرقيات، وعن سحرهن، وقدراتهن التي لا تشبه قدرات نساء إنكلترة. تحدثوا عن الأساطير المفضلة التي تصل إليهم حول قصور الحريم، وعن السلطان الذي يقضي وقته كله في مجالس الشراب والنساء والطرب والأكل. كان السلطان الذي يتحدثون عنه يشبه شخصية مضحكة تماماً، بإنذهاله وغيابه وتهتكه. لم أعرف المسلمين هكذا قط، ولكن الجنود المتحفزين للقتال، كانوا يرسمون عالماً آخر للمسلمين الذي لم يشاهدوهم يوماً ما. أمَّا أنا، فقد استسلمت لعواطفي الجياشة: ذلك أن مشاهدة الأرض التي درج عليها يسوع وتعذب وصلب، كانت من الإثارة بحيث جعلتني أنسى كل خيبات الأمل، والإهانات التي تلقيتها في باليرمو، ولما كنت على معرفة وثيقة بالمسلمين، فإنني لم أحتج لإشعال الخيال حول أوهام يتناقلها الجند المتحمسون، فالمسلمون ـ على الأقل ـ يهتمون بالنظافة والأناقة، أمَّا هؤلاء، فهم أشد الناس فظاظة؛ شعورهم طويلة وقذرة، وملابسهم تفوح منها روائح كريهة، أما أظافرهم فهي طويلة ومتسخة بشكل مقرف، وعندما يتناولون طعامهم فهم يتناولونه بطريقة تدعو إلى الرثاء، وهم لا يجيدون سوى الحرب، أمَّا العاهرات، والنساء اللواتي جلبوهن معهم في السفن، فهن مدعاة للعراك اليومي، والصراخ والسباب الذي لا ينتهي. خلال ذلك سمعت بأعجب الأخبار؛ ذلك أن جنديين تشاجرا لسبب ما، فقال الأول للثاني إن غضبه أسرع من سقوط حزام العفة عن حوض زوجته، فجن الثاني وحاول ضرب زميله، طالباً إليه التوضيح، فقال هذا إن زوجة الأول استطاعت وضع عدة مفاتيح لحزام عفتها، وأعطت المفاتيح لعدة أشخاص في البلدة، ولكن ذلك كذب، وهو يقوله لمجرد الهزل. صدّق الجندي الأول ذلك وانتهى العراك. واستفسرت عن حزام العفة هذا، فقيل لي إنه حزام حديدي يربط إلى حوض زوجة الجندي حتّى لا تتورط في الزنا، ذلك أن الجندي يقفل هذا الحزام، ويأخذ مفتاحه حتّى يعود من حربه. دهشت لذلك أشد الدهش، وتساءلت عن معنى ذلك وجدواه، ما دامت الخيانة أكثر من مجرد الانبطاح تحت رجل! شعرت بالرثاء الحقيقي لذلك، وأحسست أن ذلك إهانة عميقة لكل شيء. عندئذ كرهت كل ما حولي، فإذا كان هؤلاء محاربين من أجل القبر المقدس، فلماذا ـ إذاً ـ لا يثقون في زوجاتهم؟! وإذا كانوا في مهمة مقدسة، فلماذا لا يثقون في شيء أبداً؟! حتّى هدفهم الأرضي الملموس في احتلال قبرص برروه بخدمة هدفهم السماوي، أحسست أنني أكثر الناس صدقاً على الأرض، وأنني الوحيدة التي واجهت أعماقها بشجاعة، تلك الشجاعة التي جعلت ريتشارد نفسه يتطامن ولا يسألني سؤالاً واحداً عمَّا فعلته، ليس لأنَّه لا يملك الحق، بل لأنني أشجع منه وأكثر جرأة، وإذا كان يفتح البلاد والقلوع والمدن، فإنني أستطيع أن أفتح فخذي كلما أريد، ووقتما أريد، ولمن أريد؛ فليس هناك من حزام عفة يلف وسطي. حزام عفة!! كان ذلك مضحكاً، ويثير الرثاء والشفقة في الوقت ذاته، وشعرت لوهلة ما أن فضائحي في باليرمو لا تقارن بحزام العفة هذا !! والحديث هنا لا يدور عن عفة أو غير عفة، المسألة منتنة من أساسها. زوجات الأمراء القلائل اللواتي رافقنني على السفينة حاولن التقليل من شأن الحزام، وقلن إنه استعمل في الأرياف فقط، وإن ذلك تقليد فرنسي انتقل إلى إنكلترة في أوساط الفلاحين، وسكان المدن الصغيرة، ولكن بعضهن ذكرن لي طرائف عجيبة حول ذلك، منها أن سكان إحدى القرى الصغيرة قتلوا حداد القرية حتّى لا يفتح أقفال الأحزمة، وأن النساء اللواتي تحزمن بهذا الحزام سمحن لأنفسهن بأنواع جديدة من المتع الأخرى، على آخر هذا السيل من الحكايا التي لا تنتهي. فسألتهن فيما إذا كان مثل هذا التصرف يهين المرأة، أو أنه يشكل لـها دافعاً للخيانة، فتضاحكن وأخفين وجوههن. انتبهت عندئذ أن حكاياتي في باليرمو لا تسمح لي بأن أسأل عن الخيانة. عندئذ استشطت غضباً وقلت إن المرأة حرة تماما بلحمها ودمها ومشاعرها، ولا يملك أحد أن يقرر مصيرها بدلاً عنها، حتّى لو كان البابا نفسه. ردت إحداهن بأدب جم، ولكن بوضوح وثبات أنني أذكرها بوالدي الملك هنري، فهذا هو غضبه وهذا هو تهوره أيضاً. هذه الحادثة كشفت لي عمَّا كنت لا أراه أو ألاحظه؛ ذلك أنني انتبهت إلى أن الجميع هنا، أمراء وقواداً وجنوداً وبحارة عاديين كانوا ينظرون إلىَّ نظرة غريبة، هي نظرة لا تخلو من احترام ولكن فيها غير الاحترام أيضاً، حتّى نبرة الصوت، وإن كانت تتميز بالانخفاض والرغبة في إظهار التوقير إلا أن فيها ذلك الرنين المعبر عن عواطف ورغبات وتمنيات. أحسست أن الجميع يتواطأ على سري وحكاياتي في باليرمو، وانتبهت إلى أن أخي ريتشارد الذي سمح لي بقضاء وقتي كما أريد، إنَّما كان يهدف إلى أن لا أظهر معه في اجتماعاته، أو حتّى جلساته العادية. شعرت أن الجميع يدينني دون كلام، ولكن الإدانة تظهر في كل شيء من كلامهم وتصرفاتهم، ولم يكن يمنعهم من مصارحتي، أو مطاردتي سوى أخي ريتشارد؛ فقد كانت لـه هيبة عظيمة على الجميع. أزعجني ذلك كله، فانزويت في قمرتي بالطابق الأسفل من السفينة ولم أعد أصعد إلى ظهر السفينة إلا بعد أن تخلو من الازدحام. اكتفيت من المسير بقراءة الكتاب المقدس إلى أن قيل إننا ندخل ميناء عكا. كان الوقت بعد الظهر بقليل، وما إن صعدت إلى ظهر السفينة حتّى فوجئت بلظى الشمس يجلد ظهري ووجهي. أرسلت بصري باتجاه عكا، فرأيت عشرات السفن، والمراكب المحيطة بها، ورأيت أسوارها البيضاء تلوح من بعيد فوق أديم ساحر من الماء الأخضر. قيل لي إن هذه السفن والمراكب تعود للأمم المسيحية المختلفة، فقد وصل إلى عكا قبلنا الجنويون والبنادقة والبيازنة والدينماركيون والفريزيون والفلميون والصقليون والألمان والفرنسيون بالإضافة إلى سفن الملك غير دي لوزجنان ـ ملك المملكة اللاتينية، وسفن المركيز كونراد دي مونتفرات حاكم صور. كان منظر تلك السفن الكثيرة، بأعلامها المختلفة، وألوانها الفاقعة، وأشكالها المتنوعة، تثير الفرح والقوة والفخر. كانت الأمم المسيحية المجتمعة حول عكا ـ كما رأيتها ـ تدفع إلى الإحساس بأن النصر قريب، وفي متناول اليد. اقتربت من سفينتنا عدة مراكب صغيرة، تبادلوا الكلام مع بحارتنا، وما أن أنهوا الحديث حتّى لوح هؤلاء بأعلامهم، فلوحت جميع السفن بالأعلام، وضربت الطبول ونفخ بالأبواق، وارتفع عجيج هائل في البحر، كان الجميع يحتفل بقدومنا، ورأيت من معي على ظهر السفينة يحدقون في المشهد، ثمَّ يركعون على أرجلهم، ويبدأون صلاة طويلة وعميقة، بعضهم بكى خلالها، وقد دهشت وأنا أرى شقيقي الملك ريتشارد يركع مع الراكعين، ويبدأ الصلاة الخاشعة التي أثرت في قلبي ومشاعري. الأرض المقدسة أخيراً، حيث درج يسوع وكرز وبشر ثمَّ صلب. هنا السماء أقرب إلى الأرض، وهنا حدثت المعجزة. هزني المشهد حتّى أعمق أعماقي. كانت أسوار عكا البيضاء تحت أشعة الشمس أسواراً متواضعة بالمقارنة بما شاهدت من أسوار في بلادي أو في صقلية؛ الأسوار هنا قليلة الأبراج بشكل ملحوظ. لم يكن ذلك يعنيني، وقد اعتقدت تماماً الاعتقاد أن هذا الجمع المسيحي سينتصر في النهاية. انهمكت في صلاة صامتة، وما أن أنهيت ذلك حتّى وقع الصوت: سفينة محمدية.. سفينة محمدية!! تخلص الجميع من لحظات الصفاء والخشوع. هبوا إلى أسلحتهم وأماكنهم. شعرت بخوف شديد، وتجمدت مكاني. نظرت حيث ينظر الجميع، فرأيت سفينة كبيرة ضخمة على ظهرها عشرات الرجال، وهي ـ وإن كانت أصغر حجماً من سفننا، وأقل إحكاماً ومتانة ـ إلا أنها مجهزة جيداً من خلال ما يظهر منها ومن مقاتليها؛ فهي من طابقين، وستة أشرعة مفرودة على آخرها، ولسوء حظ من فيها فقد اختفت الريح تلك اللحظة، حاول الأمراء أن يبعدوا سفينتنا عن المواجهة، ولكن أخي ريتشارد رفض ذلك، وأصر على المواجهة، واقتراب سفينة العدو، آمراً السفن الأخرى بالالتفاف ومحاصرة السفينة الإسلامية. وقد رأيت أمام عيني ارتباك الرجال في تلك السفينة واضطرابهم، ورأيت قوة وسرعة ضرب المجاذيف في الماء للخروج من المصيدة، ولكن هيهات؛ فقد انطلقت كرات النار من سفننا باتجاههم، وسرعان ما اشتعلت النيران في أجزاء مختلفة من السفينة، ولم يستطع الرجال إطفاء ما يحترق؛ فقد أمطروا بوابل من السهام الطويلة التي لا تخطئ الهدف عادة، سقط منهم عدة قتلى، كانوا يصيحون صيحتهم المشهورة: الله أكبر... الله أكبر. ثمَّ يسقطون. اشتعلت النيران في الأشرعة جميعاً. تراقصت النيران في كل مكان، بينما الرجال يسقطون واحداً بعد الآخر، فيما كانت المجاذيف تخبط الماء دون جدوى. لم يستطع من في السفينة الإسلامية المقاومة، ذلك أنها كانت محاطة بالسفن من كل الجهات، وترمى بكل شيء. عندئذ تقدم أحد الأمراء الذين كانوا على ظهر سفينتنا وصاح بالإنكليزية: ـ نأمركم بالاستسلام وإلا فإنكم ستموتون جميعاً. ضحك بعض المحاربين، حتّى أخي ريتشارد تبسم بوقار قال لـه أحدهم بسخرية: كيف عرفت أنهم يعرفون الإنكليزية.! دهشنا ونحن نشاهد بحاراً عجوزاً، متين البنيان، يشد إلى رأسه عمامة صغيرة، ويكشف عن ذراعين ضخمين، ينتصب تحت شراعه المحترق ويرد علينا بإنكليزية سليمة: ـ أنتم يا أولاد القحبة، من أي بلاد كنتم، ومن أي أرحام فاسقة جئتم، والله لن نستسلم لكم ولو متنا جميعاً! دهشنا حقاً. تسرع الأمير الذي تكلم أولاً بالقول: ـ ولكنكم ستموتون جميعاً. انظر حولك. انفجر البحار العجوز، وصرخ بغضب وحنق سمعه كل من حوله: ـ أنت يا ابن الفاجرة، أنت لا تعرفني، أنا يعقوب، أبو الراضي، خادم مولاي السلطان الناصر صلاح الدين، حاربتكم في كل موقع، من الأندلس وحتى أنطاكية، فهل تعتقد يا ابن الفاجرة، أن أستسلم لكم الآن؟ والله هذا لن يكون، وسترى ما ستحدث به أمك الفاجرة. عندئذ رأينا ما عجزنا عن فهمه، وقد دهش الجميع حتّى أنهم توقفوا عن قذف النار والسهام؛ ذلك أن جميع الرجال في السفينة الإسلامية، هبوا إلى أطرافها، يهدمونها جزءاً جزءاً. وقفنا نشاهد ما يجري من جنون حقيقي، كان الرجال يدمرون سفينتهم بكفاءة وسرعة، خلعوا مقدمتها وجوانبها، فككوا العوارض والحبال والمسامير الضخمة. كانوا يفعلون ذلك وهم يرددون صيحتهم المشهورة: الله أكبر... الله أكبر! تكشفت سفينتهم عمَّا تحمل من أكياس طعام وأغنام وأبقار وأسلحة، كان من الواضح أنهم كانوا بصدد إدخالها إلى عكا. تمايلت السفينة ذات الشمال وذات اليمين، تدفقت المياه إليها من هذا الجانب وذاك الجانب. غاص أحد جوانبها في الماء، ودفعة واحدة، انقلبت ثمَّ غاصت رويداً رويداً في قلب البحر، وما انفكت الصيحة المشهورة تتردد: الله أكبر الله أكبر! شاهدت بأم عيني الرجال وهم يغرقون ويغرغرون بصيحتهم المشهورة، ورأيت بأم عيني أكياس الطعام تطفو ثمَّ تغيض، ورأيت بأم عيني البقر والغنم وهي تجاهد من أجل الحياة. كان الرجال بالعشرات، غرغروا بصرخات الله أكبر قبل أن يذهبوا بعيداً. وبعد لحظات، لم يبق من السفينة سوى لوح خشبي هنا أو هناك. كان ما شاهدته جنوناً حقيقياً، أدهشنا جميعاً حتّى الملك ريتشارد، وقف الجميع مشدوها أمام ما حصل. كان ذلك أول ما شاهدته في هذه البلاد المقدسة، حيث الأمور لا تدرك ولا يسبر غورها. أرض مدهشة حتّى النخاع. لا يصدق أن يقدم عشرات الرجال على الموت بهذه البساطة لتجنب الاستسلام. تبرع كاهن بالقول: إن رب المحمديين يأمرهم بقتل أنفسهم حتّى يرضى عنهم، ويدخلوا ما يسمونه "الجنة" حيث يحصل كل من قتل نفسه على سبعين بكراً. قال آخر وهو ما يزال تحت تأثير الدهشة: سبعون بكراً سبب وجيه ليقتل المرء نفسه. الملك ريتشارد وحده الذي انقبض قلبه. قال: ستكون الأمور صعبة علينا أيها السادة؛ إن أمثال هؤلاء لن يغلبوا بسهولة. في الحقيقة فإن هؤلاء المسلمين لا يفهمون، ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم، حتّى أولئك الذي كانوا يقومون من بين فخذي كانوا يتمتمون بما لا أفهم، فإذ سألت، قالوا لي بما يشبه القرف أنهم يستغفرون ربهم، فأسأل: وهل يغفر لكم؟! فيردون بذلك القرف الذي أشعره بنظراتهم نحوي: إنه يغفر الذنوب جميعاً. والحقيقة ـ أيضاً ـ أن الإسلام ـ هذا العدو المتشعب الرؤوس والأيدي كما عرفته من خلال وصيفاتي وخدمي والرجال الذي اتصلت بهم، لا يشبه أي دين آخر؛ فهو يتدخل في أخص الخصوصيات، وينقاد لـه الناس من خلال نصوص لا تقبل المناقشة. كرهت الإسلام لأنَّ لا خمر فيه، ولأن الزانيات يرجمن بالحجارة، ولأن إله الإسلام يعاقب الناس بالنار. إنه أقرب ما يكون على اليهودية التي تحاسب حسب عقلية الصيارفة وتجار الذهب، وكرهت الإسلام لأنَّ الناس في بلادي يكرهون الإسلام والمسلمين الذين يسومون المسيحيين سوء العذاب، ويهدمون كنائسهم، وأكرههم لأنهم يعتقدون أن دينهم هو الدين الأخير، وهو الدين الأفضل بين الأديان، وأنهم يحمدون الله في صلواتهم على أنهم مسلمون. وسعدت أن ما شاهدناه أمام أعيننا أنسى الجميع وجودي، وأن الاحتفال الكبير الذي استقبلنا به من قبل السفن الكثيرة شغلهم عن النظر إلي. كانت سفينتنا ما إن تمر بالقرب من سفينة أخرى حتّى تقوم هذه بالتلويح بالأعلام، ودق الطبول، ونفخ الأبواق الطويلة النحاسية، أو الخشبية مترافقة مع صرخات مرحبة بلغات لا أفهمها. كان المسيحيون المخلصون يحتفلون ببعضهم البعض، يفرحون أنهم يتجمعون هنا لإنقاذ قبر المسيح من براثن الكفار. كانوا يشعرون بذلك الخيط الذي يجمعهم رغم اختلاف اللغة والوجوه والأوطان . كانوا يشعرون جميعاً أنهم خدم يسوع، وأنهم يقومون بأنبل المهام، وأكثرها قدسية، وها هو ملك إنكلترة أقوى ملوك المسيحيين يأتي من بلاده البعيدة، ومعه خمس وعشرون سفينة من أكبر السفن، وأكثرها قوة وعدداً وسلاحاً، يأتي من أجل يسوع وقبره. شعرت أن هؤلاء جميعاً، الذين لا يمتلكون لغة واحدة للتفاهم بينهم، إنَّما تجمعهم رابطة أقوى من أية رابطة أخرى، شعرت بأخوتهم وفرحهم وإحساسهم بالقرب والتقارب. وشعرت أن احتفالهم بوصولنا إنَّما هو احتفال بأنفسهم وقدرتهم على التضحية من أجل هدفهم المقدس. أعجبني ذلك جداً، وشعرت بالفخر لـهذا الدين الذي يستطيع أن يجمع كل المسيحيين، ويوحدهم من أجل حرب الكفار، وانتزاع القدس منهم، شعرت بالفخر رغم كل شيء، رغم مأساتي الصغيرة التافهة التي جعلوا منها حكاية تمضغ في الأفواه. استسلمت لشعور الناس المحتفلين في البحر من أجلنا، وشربت نبيذاً بالمناسبة. وما أن وصلنا الشاطئ من الجهة الجنوبية لعكا المحاصرة، حتّى استقبلنا الملك "غي دي لوزجنان" بقامته المديدة ووجهه العريض الذي تشعر بغبائه وقسوته وصلابته. كان يشبه البغل بهذا العظم المديد والقاسي، تذلل كثيراً لأخي، وأظهر لـه من الخضوع والانكسار ما جعل الجميع يستنكر ذلك التصرف، ولم ينتظر لوزجنان كثيراً حتّى قال على مسمع من الجميع إن الكونت كونراد دي مونتفرات سلب منه عرش المملكة اللاتينية بعد أن تزوج من إيزابيل شقيقة زوجة لوزجنان التي توفيت قبل عدة أشهر، وكانت الوريثة الشرعية لتاج المملكة، فلما توفيت انتقل هذا الحق لأختها إيزابيل، فاختطف هذا الحق كونراد دي مونتفرات، وهو رجل طويل صموت يعطي انطباعاً شديداً بالغموض والقسوة. وكانت لا تخفى نظرات الكراهية في عينيه لأخي ريتشارد، وبدا من اللحظة الأولى أن هناك انقساماً كبيراً بين المسيحيين المجتمعين في خيمة الملك لوزجنان، فتضاءل في قلبي هذا الإحساس بالفخر والانتشاء بالقوة؛ذلك أن حضور الملك الفرنسي فيليب أغسطس لم يحسن من فرحة اللقاء، فقد بدا هذا الملك القصير صاحب العين الجامدة يشعر بالغيرة الشخصية من أخي، لما شاهده من تأثير لـه على الجميع، وعلى طريقة الاحتفال بوصوله؛ فقد أشعل الجنود المنتشرون على تل المصلبين نيرانا هائلة، وأخذوا يرقصون، ويغنون، وصاروا يمرون بالقرب من خيمة أخي، وهم يحملون أعلامه وأعلامهم. كان الخلاف حول عرش المملكة اللاتينية يقسم المسيحيين بشكل سيء، الأمر الذي دفع الملك الفرنسي على القول إنه استطاع تهدئة الخلاف بمواصلة الهجوم على معسكر صلاح الدين من جهة، ومدينة عكا من جهة أخرى، إلى حين وصول أخي للبت في مسألة العرش هذه. دخلوا في نقاشات طويلة وصعبة، وتبادلوا الاتهامات والوشايات، كانوا يتحدثون باللاتينية التي لا أفهم منها كثيراً، وبما أنني أفهم لغة صقلية المحلية، فقد كنت انتبه إلى ما يقوله كونراد دي مونتفرات إلى مساعديه بلغتهم الوطنية، حيث يطعن بنزاهة أخي، ويتهمه بالانحياز إلى جانب الملك غي دي لوزجنان، ويطلب إليهم التشدد في الحق بتاج المملكة اللاتينية، ولم أوفر ذلك، وحتى أعطي لنفسي أهمية، فقد قلت ذلك لأخي باللغة الإنكليزية، فانفجر ريتشارد غضباً، وطلب إلى كونراد أن يؤجل هذه المسألة إلى حين الاستيلاء على عكا. قام كونراد وبقية الأمراء، وكان من الواضح أن هناك خلافاً عميقاً بين الأطراف جميعاً، وأن تسويته لن تتم في وقت قريب. أسباب الخلاف لم تتوقف على مسألة تاج المملكة اللاتينية، بل على التفويض الذي منحه الملوك والأمراء والقواد لأخي بقيادتهم في هذه الحرب التي قاربت السنتين، فهذا الأمر لم يرض كونراد دي مونتفرات، ولا الملك الفرنسي فيليب أغسطس، ولا الأمراء المحليين الذين يخضعون بالولاء لفرنسا، ولكن الجميع رضخ في النهاية مضطرين لا مختارين؛ فالقوة هي التي تحكم في النهاية، وكان أخي الأقوى، والأكثر استعداداً، والأكثر شهرة، والأكثر حضوراً بين الملوك حتّى بالنسبة للجنود العاديين. نمت تلك الليلة في خيمة صغيرة، على فراش محشو بالليف لـه رائحة منتنة. كانت تلك المرة الأولى التي أعيش فيها مثل هذه الظروف. لم أتغلب على الرائحة الفظيعة، وما زاد الأمر سوءاً أصوات نباح الكلاب، والمشاجرات والرقص والغناء الذي لم ينته احتفالا بوصولنا. كان يقف على باب الخيمة عدة جنود مدججين؛ فقد ذكر لنا أن لصوص المسلمين يسرقون الكحل من العين، وأنهم يستطيعون سرقة ثياب الملك إذا ارادوا، وحدثنا عن قصص عجيبة عن قدرة هؤلاء اللصوص في سرقة وخطف ما يريدون من معسكر المسيحيين؛ فهم يتنكرون بأزياء الجنود والرهبان والخدم ويتكلمون لغات المسيحيين كأبنائها. لم أستطع النوم، للرائحة والصوت والحرارة الفظيعة. خرجت من الخيمة علني أجد نسمة هواء، ولكن ذلك كان عبثاً، فلم أجد سوى النيران الهائلة التي تشتعل على التل الذي نوجد عليه، وهو تل عريض مقوس يمتد من الجنوب إلى الشمال يحيط بمدينة عكا المحاصرة، التي بدت في هذه الليلة مجرد كتلة هائلة سوداء لا يشاهد منها سوى ذبالة ضوء هنا أو هناك. أمَّا في الشرق، وعلى التل المقابل، امتدت خيام معسكر صلاح الدين حيث المشاعل الكثيرة المتحركة، حتّى ليخيل إليك أنهم لا ينامون أبداً. العتمة والحر الشديد، وهذا التوتر الذي يكاد يلمس، جعلني أتساءل عمَّا رمى بي إلى هذه الأرض! انفجرت في داخلي فضائح باليرمو، فقلت إن هذا المكان على مفاجآته لـهو أرحم من هناك. عدت إلى خيمتي وفراشي المنتن. صليت وحاولت النوم، ولكن نباح الكلاب، وأصوات الجنود السكارى لم تجعلني ألامس أهداب النوم اللطيفة إلا في الساعات الأولى للفجر، عندما سمعت مؤذن معسكر صلاح الدين، ومؤذن مدينة عكا يعلنان عن ضرورة قيام المسلمين إلى صلاة يؤدونها في عتمة الفجر. قمت صباحاً مذهولة؛ فأصوات الانفجارات والصرخات التي تخرج من القلب، أفزعتني تماماً اندفعت إلى الخارج، فرأيت أن ما يفصلنا عن عكا خندق عميق لا يستطيع الفارس أن يقطعه، لا راكباً ولا راجلاً، ورأيت منجنيقات أخي التي أحضرها معه من بلادنا قد نصبت وراء الخندق، وبدأ يضرب أسوار عكا بشدة وكثافة، كانا منجنيقين كبيرين أطلق عليهما الجنود اسم "الجار السيء" واسم "الهر"، لما يطلقانه من حجارة ضخمة لـها صوت هائل عند ارتطامها بالأسوار، ورأيت أن جزءاً من السور فوق باب المدينة الرئيسي يتداعى شيئاً فشيئاً؛ كان القتال محتدماً ذا شرر ونار، وقد بدأ الجنود يردمون الخندق بكل بشيء ممكن، بالأسلحة الصدئة وخشب المنجنيقات التالفة، والخرق والتراب حتّى بجثث القتلى، فيما تنهمر عليهم السهام والحجارة وكرات النار، لكن ذلك لم يردعهم؛ فهم يلبسون زرداً يردُّ عنهم الأذى. وبعيداً عن ذلك، وعلى مشارف التل المقابل، كان الفرسان من الجانبين يلتحمون في قتال مميت، كانت الخيول وكان الفرسان تتداخل فيما بينها، تصبح كتلة واحدة تلمع تحت الشمس، فيتعالى الغبار، ويفيض الدم، وتنطلق الصرخات في ذلك الفضاء فلا يعود من شيء ذي قيمة سوى اندفاع الدم، واندفاع الدم فقط. كانت الحرب على أشدها، ذلك لم أره ولم أشاهده طيلة عمري. سألت حراسي عن أخي ريتشارد، فقالوا لي إنه على رأس الجيش الذي يقاتل صلاح الدين وجيشه. انقبض قلبي خوفاً. جثوت على ركبتي أُصلّي، أطلب إلى الله حمايته، وعدم خذلانه. استمرت الحرب على أشدها طيلة ذلك اليوم. سقط السور فوق باب المدينة الرئيسي وانكشف داخلها، ورأيت بعيني أن جنود المسلمين حموا السور بأجسادهم، حاولوا بناء السور، رغم القذائف الحجرية، والسهام التي تسقط عليهم كالمطر،ولم ينقذهم سوى حلول الظلام. عاد أخي إلى خيمته بوجه آخر؛عاد مغبّراً لا يكاد يُعْرَفْ، مغطى بالدم، والجروح الصغيرة. ارتمى على كرسي خشبي طويل لا ظهر لـه، كانت عيناه محمرتين زبد خفيف يعلو طرفي شفتيه. بدا مريضاً أو كالمريض. مكث مدة قصيرة قبل أن يدخل حمّامه. ولما خرج دعا الملوك والأمراء إلى خيمته، وأمرهم بعدم الاصطدام بجيش صلاح الدين، وإيلاء كل الجهد في مدينة عكا حتّى تسقط، قائلاً. أن لا فائدة من استهلاك قوة الجنود في حرب مع صلاح الدين قد تطول سنتين أخريين، بالإضافة إلى أن استرداد عكا سيمكن الأساطيل المسيحية الأخرى من الوصول. وعكا بوابة القدس. وافق الجميع بسرعة لم تكن متوقعة. تناولوا العشاء في خيمة أخي، فلما رأوا ثمار قبرص الطازجة، وفاكهة صقلية المجففة، واللحم المدخن، انقضوا على الأكل كأن لم يشاهدوه منذ زمن بعيد، وقالوا إنهم محاصرون تماماً، كما يحاصرون مدينة عكا منذ سنتين تقريباً، وذكروا أن طعامهم هو دهن الخنزير المدخن، والسمك والنبيذ، ولا شيء غير ذلك إلا ما يجود به البيازنو والجنوية إذا قدمت سفن جديدة إليهم. ولما قدم لـهم أخي برميل جعة إنكليزية رأوا أن ذلك يشبه الغضب إن هذا الخلاف تافه ومضحك؛ فالقدس بيد المحمديين، وحتى تسترجع، عندها يكون للحديث معنى. في هذه الأثناء، تقربت مني إيزابيل زوجة كونراد دي مونتفرات، كانت امرأة في أواخر الثلاثينات، طويلة وبيضاء وهشة، وتتكلم بشكل خفيض، وبطيء لتعطي انطباعاً أنها ملكة. كان سلوكها مصطنعاً إلى أبعد حد، وأكثرت من اقتباسات آيات الإنجيل، والإشارة إلى قربها الشديد من شقيقتها المتوفاة سيبل، فعاملتها بالمثل؛ فأنا ملكة أيضاً، ولكني لاحظت أنها تنسج حولي شبكة من الود المصطنع حتّى أؤثر في موقف أخي من زوجها، ملك المملكة اللاتينية المدعى. خلال الحوار المصطنع بيننا، شعرت أن كل شيء تافه، وغير ذي قيمة، وتساءلت عن هذا التاج الذي يتعلق بفخذي امرأة، وتساءلت بيني وبين نفسي عن ذلك الحق الذي حصل عليه كونراد لمجرد أنه اضطجع مع هذه المرأة البيضاء الهشة ذات الصوت الخفيض. هذا الخاطر الذي ألح علي جعلني أبتسم، فاستغربت محدثتي ذلك، فسألتني عن ذلك، فقلت لـها إن منظر المسلم الذي أغرق نفسه وسفينته وشتمنا قبل أن يفعل ذلك جعلني أبتسم، فقالت معقبة عن المسلمين في هذه البلاد وحوش في بعض الأحيان، وألطف من الملائكة في أحيان أخرى، وحدثتني عن العلاقة الحميمة بين الكونت ريموند الثالث حاكم طرابلس وزوجته سيبل، وبين صلاح الدين. استغربت ذلك، وسألتها عن مدى العلاقة، فأنكرت معرفتها بمداها، ولكنها غمزت في حق سيبل هذه، ووصفتها بأنها امرأة لا تتبع الإنجيل في حياتها الخاصة، ولكنها استدركت كلامها بالقول إن لكل إنسان الحق في اختيار شكل حياته ونوعها. صعد الدم إلى رأسي. ها هي تعريني بحكاياتي التي سبقتني إلى هذه البلاد. قلت بوضوح وصراحة إن حياة الإنسان هي ما يخطط لـه الإنسان وحده وليس الله. فاجأتها صراحتي أو وقاحتي. نظرت إلى زوجها الصامت الهادئ الغامض، فنظر إليها هذا بعيني صقر، وكان ذلك إيذاناً بانفضاض المجلس. تغيرت وجهة الحرب؛ صارت الحرب باتجاه عكا، بالمنجنيقات وبآلات الحرب الأخرى التي لم أشاهد مثلها من قبل. استطاع الجنود ردم الخندق. تقدموا إلى الأبواب الرئيسية. سقطت أجزاء أخرى من السور. وصل بعض فرساننا إلى الأجزاء المهدمة. صرنا نشاهد المدينة من الداخل، وجرى الحديث من حاميتها بالصلح أو الاستسلام، وفي تلك الأثناء مرض أخي الملك ريتشارد، فاضطر إلى المكوث في خيمته، واضطر إلى فتح حوار مع صلاح الدين ليكف عن مهاجمته. ذهب وفد من عندنا إلى صلاح الدين يفاوضه. عاد خالي الوفاض، فأعاد أخي الكرة مرة أخرى، وإذا بوفدٍ إسلامي يدخل خيمة أخي يحمل الثلج والفاكهة ودجاجاً مشوياً لـه رائحة نفاذة يسيل لـها اللعاب، وكان على رأس الوفد رجل طويل أسمر، لـه وجه مثلث، وعيناه نفاذتان تثقبان الجسد والقلب، وشارب أسود غليظ فوق شفاه أقرب إلى الغلظ تدعو إلى انحلال المفاصل؛ كانت تقطر منه رائحة الرجال، العميقة والقوية والمسيطرة، تلك الرائحة التي تنزُّ من الاعطاف تحمل معها أطايب الأسرار، واللذات العميقة المستترة، وعندما تكلم باللغة الفرنسية صعقني تماماً. عرّف نفسه بأنه الملك العادل شقيق صلاح الدين ومستشاره. تحدث إلى أخي طويلاً، أمَّا أنا فقد تابعت عروق يديه واتساع صدره، وبزته الجلدية التي تلامس جسده. تعلقت بشفاهه الأقرب إلى الغلظ، وإلى ساقيه في سروال من الكتان البني اللون، وحذائه الجلدي الطويل، وإلى سيفه الطويل المقوس، وحزامه العريض، وخنجره الطويل المعلق فيه. ويبدو انه انتبه إلى نظراتي، فشملني بنظرة واحدة سريعة، فارتبكت ارتباكاً ظاهراً لم يخف عنه. ابتسم وهو يقول لأخي: يبدو أن الجميلة هي أختك؛ إنها تشبهك كثيراً. قال ريتشارد: نعم، هذه هي الملكة جوانا. نظر إلي نظرة طويلة، ومستقرة قرأتها تماماً وقال: آه... الملكة جوانا!! تقدمت منه عندئذ، ومددت يدي إليه وكأنني أسلم لـه كل شيء. تردد قبل أن يمد يده الكبيرة السمراء، وعندما احتضن يدي، شعرت بحرارته، ودفق دمه، واضطراب قلبه. انفجرت كل كوامني، وتأكدت أن كل محاولاتي للتنسك أو التزهد في البحر، أو في هذه الخيمة الحقيرة كانت مجرد كذب ليس إلا. شعر الملك العادل بما أعاني. ترك يدي بعد أن بقي من رائحته ما يكفي لأنَّ أستعيد كل ذلك وحدي. قال باسماً: نعم، قلت ذلك. قلت وكأنني أرمي نفسي من عل: إذاً، زوجّني الملك العادل. تفاجأ أخي حتّى أنه رفع رأسه عن وسادته: ماذا تقولين؟! أجننت؟! قلت وأنا أستسلم لما بي: لا. زوجّني إياه، مقابل صلح شامل. اتسعت عينا شقيقي ريتشارد وهو يتسمع إلي. أضفت وقد شجعني سكوته: لقد قلت إن معنى اسمه هو الملك الذي يحب العدل، وأنا أعرض حلاً فيه عدل، زواجي مقابل صلح بيننا وبينهم، وبدلاً من هذه الحرب المسعورة، نحل المشكلة بهذه الطريقة. استمع أخي ريتشارد بهدوء. عاد برأسه إلى الوسادة. حدق في سقف الخيمة طويلاً. قال: هل أنت جادة فيما تقولين؟! قلت وأنا أرتعش: نعم. أنا جادة!! نهض مرة أخرى. هرش رأسه. ابتسم في وجهي وقال: أنت حكيمة أكثر ممَّا توقعت، ولكن ، ماذا لو رفض الملك العادل هذا العرض؟! قلت وأنا أقامر بآخر أمل لدي: لن يرفض. أنا متأكدة من ذلك. قال ريتشارد: لك ذلك. نحن مجانين أبناء ملك مجنون أيضاً!!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |