عكا و الملوك ـــ أحمد رفيق عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

سيف الدين علي بن أحمد المشطوب

ألف لعنة، أعرف تماماً إشارات الهزيمة، وهي قادمة لا محالة، هزيمة ساحقة وماحقة إني أشم ريح الهزيمة عادة، واسمع خطوها كخطو بغلة جرباء، وأراها على الوجوه وعلى الأكتاف واسمعها في الكلمات والتعابير التي يتبادلها الناس.‏

اللعنة، لم يعد العوامون حتّى هذه اللحظة من معسكر السلطان بالرد، والحمام لم يعد يصل بسبب سهام أولاد الفاجرة الذي أحاطوا عكا من كل جهة في البر والبحر.‏

والأنكى والأدهى، أن الميرة تكاد تنفد ولم يعد هناك سوى عدة غرارات من قمح ليس إلا.‏

سيف الدين علي بن أحمد المشطوب هو الأمير الكردي الذي قبل أن يدخل عكا بدلاً من الأمير حسام الدين أبو الهيجاء. رغم الحصار، ورغم الجوع، ورغم الموت المتكاثر في المدينة قال للسلطان صلاح الدين: لا أرغب في اصطحاب "أرسل، وجاولي"، وسنقر. ولكن السلطان أصر على اصطحاب هؤلاء، قبل المشطوب ذلك على مضض، وفي الليل، ركبوا بركوساً صغيراً انطلق بهم من نقطة التقاء النهر الحلو بالبحر، ومن هناك انزلقوا فوق الموج اللامع الناعم، ودخلوا شواني العدو النائمة أو الصاخبة. كان الجميع يتخفى بزي المحاربين الإفرنسيس، لم يلحظهم أحد أو لم يشك في هويتهم أحد، ولما وصلوا برج الغربان تنفسوا الصعداء، وما أن دخل المشطوب المدينة حتّى فوجئ بما يجري داخلها، كانت المدينة مدمرة، وشوارعها مسدودة بأحجار المنجنيق والدواب النافقة وحتى الجثث، أمَّا البيمارستان فقد امتلأ بالجرحى والمرضى الذين لا يجدون علاجاً، أمَّا السلاح من السهام والسيوف والنفط فقد شارف على الإنتهاء، وفاجأه الراضي مقدم النفاطين بسؤاله عن ثلج الصين، فرد المشطوب بما يشبه الغضب أن راشد الدين سنان مجرد ابن فاجرة ليس إلا؛ فقد رفض طلب السلطان إعطاءه هذا الأكسير، ذلك أن ابن الفاجرة هذا يخشى أن ينتصر صلاح الدين على الفرنجة الملاعين، وأضاف المشطوب على طريقته في الكلام السريع والبذيء أن سنان هذا ـ ابن الفاجرة ـ مستعد لأنَّ يبيع أمه في سوق النخاسين من أجل مصلحته، ومصلحته في إبقاء صلاح الدين محاصراً وضعيفاً ولا يستطيع الحركة في كل اتجاه. اغتَّم الراضي وظهر ذلك على وجهه، فوضع المشطوب يده على كتف الرجل وقال لـه بصوت مسموع ولطيف للمرة الأولى: أُعزّيك بوفاة والدك الشجاع يعقوب. لقد كان مثالاً للتضحية والشهادة والشهامة. ولأول مرة، شاهد أهل عكا، دموع الراضي تنهمر بصمت على صفحة وجهه العريضة الناصعة.‏

المشطوب الذي لا يحب هذه المشاهد ولا يرتاح إليها. قال وهو يهم بالقيام:‏

ـ كان والدك شجاعاً طيلة عمره، رجلاً طيلة عمره. ومات كذلك.‏

لم يرد الراضي، بل استذكر اللحظات العصيبة التي رأى فيها والده محاصراً بشواني العدو، ويقذف بالسهام وبالنار، وكيف أغرق نفسه وعشرات البحارة معه، وكيف أن العدو المخذول التقط بعض الناجين ومثّل بهم وقذفهم بالقرب من برج الذبان ليحدثوا بما رأوا، كان ذلك أكثر ممَّا يتوقع من يعقوب، البحار الذي عاش فوق الموج أيام عمره، ومات فوق الموج إلى آخر لحظة في حياته. يعقوب لم يكن يحب صلاح الدين، فما الذي جرى تماماً. الراضي، الذي تحول إلى بطل حقيقي في عكا بعد استشهاد والده، كان ينتظر عودة والده ليتزوج من فاطمة ابنة أحد الصوفية الموجودين في دار الأسقف، التي وقفها صلاح الدين على الصوفية منذ اللحظة الأولى التي حرر فيها عكا قبل ثلاثة سنوات، ومن ثمَّ صار بيمارستاناً لبعده عن مرمى الحجارة.‏

استشهد الوالد واستشهد الصوفي أثناء صلاة الفجر بحجر منجنيق هائل سحقه تماماً، أمَّا فاطمة فقد اضطرت للعمل ممرضة في البيمارستان لقلة الأطباء والممرضين، وقد تعلمت بسرعة كيف تنظف الجراح وتضمدها، ومتى تقدم الأدوية المتاحة في مواعيدها إلى المرضى. ولم يبق بينها وبين الراضي سوى النظرات والإشارات والحرقة الجارفة.‏

وعندما التقى المشطوب بالأمير بهاء الدين قراقوش، تعانقا بقوة، رغم أن كليهما لا يحب إظهار العواطف أو الضعف، ولكنهما لم يشاهدا بعضهما البعض منذ أكثر من سبع سنوات كاملة. فقد ظل قراقوش في مصر، فيما عاد المشطوب على الشام وتولى بيروت وصيدا، وهاهما يلتقيان في مدينة محاصرة مهددة بكل الاحتمالات.‏

المشطوب وقراقوش، كلاهما من القوات الأسدية التي ألفها أسد الدين شيركوه، وقد عاشا شطراً كبيراً من حياتهما في ذات الخيمة، يتقاسمان ذات اللقمة ويصارعان ذات العدو، وقد ظل بينهما ذلك الود الصامت الذي لا يعبر عنه بالكلمات، ولما صار الأمر إلى صلاح الدين، لم يشعر المشطوب بأية غيرة لقرب قراقوش من السيد الجديد ولم يشعر أن قراقوش يتقدم عليه بالمناصب، ولم يغضب أيضاً للولاء الشديد الذي أظهره قراقوش من السيد الجديد ولم يشعر أن قراقوش يتقدم عليه بالمناصب، ولم يغضب أيضاً للولاء الشديد الذي أظهره قراقوش لصلاح الدين ناسياً بذلك أسد الدين وسيده الجليل نور الدين.‏

الود الصامت وربما الأعجاب الخفي الذي يكنه كل واحد منهما الآخر هو الذي جعلهما يختاران ذات الاختيار. الهدوء الخارق لقراقوش مقابل الغضب الجارف للمشطوب جعل منهما قطبين يتجاذبان المودة والألفة والاتفاق.‏

ولهذا لما اجتمعا يتدارسان وضع المدينة، كان من الواضح أن لا شيء كثير يمكن فعله سوى الصمود والصمود فقط.‏

قال قراقوش بهدوئه وصوته الواثق: تتهدم الأسوار بأسرع ممَّا نبنيها، والسلاح في تناقص مستمر، أمَّا معنويات الرجال فهي في مد وجزر.‏

قال المشطوب: ماذا تريد إذاً؟‏

رد هذا: لا شيء سوى أن يتقدم السلطان ويفك الحصار عنا. أمَّا نحن فلا نملك سوى أن نصمد.‏

قال المشطوب وغضبه يتعالى: هل من فائدة للصمود؟‏

ـ دائماً للصمود فائدة.‏

قام الرجلان لتفقد الأسوار، فوق باب البلد من الناحية الشرقية متهدم تماماً في بعض أجزائه، يوشك على الانهيار في بعض أجزائه الأخرى، أمَّا برج الداوية فقد انهارت جميع الباشورات فيه، ورأى المشطوب رجالا يحاولون رفع الأحجار لسد ثغرة كبيرة في إحدى جهاته، ولكن عملهم بدا دون فائدة إطلاقاً، ذلك أن المنجنيقات السبعة التي نصبها ملك الانكتار كانت ظاهرة تماماً وراء الخندق الذي صار أضيق وأقل عمقاً، وكان يبدو للعيان بشكل جلي ما فعله الفرنجة، من فنون حرب لم تشاهد من قبل، كهذا السلم الذي يتحرك على عجلات ويصعد إلى أعلى، وهذا البرج المؤلف من حديد ونحاس وخشب وجلود ويخفي تحته الرجال والمقاتلة، وهذا القضيب الضخم المركب على دبابة من حديد ويدور على نفسه فيحفر في السور كأنه يحفر قطعة من الجبن، كان الفرنجة قد استعدوا هذه المرة استعداداً لم يشاهده المشطوب أو يسمع به من قبل، منذ أن حل الفرنجة في هذه الديار منذ ما يقرب من مئة عام كاملة، أولاد... ماذا يريدون من بلادنا؟‏

أولا القحبة، ما الذي يجمعهم ويوحد بينهم؟‏

ولد المشطوب في الموصل، أيام كان عماد الدين زنكي قدس الله روحه يحاول أن يجعل من الموصل قاعدة لدولته، يقاتل كل الناس من أجل ذلك. قاتل الخليفة المسترشد وأمراء المسلمين الخونة من الأراتقة وغيرهم. وقاتل الصليبيين حتّى استرد الرها، قاتل زنكي كل شيء بقسوة وغلظة تركية لا مثيل لـها، حتّى قتله أحد خصيانه بدسيسة من أعدائه الكثر وقيل يومها أن أحد الحشاشين هو الذي قتله، المشطوب ولد في تلك الظروف، حيث الحرب، والحرب وحدها هي ثقافة الناس وطعام الناس وشراب الناس، رأى المشطوب الأمراء يصبحون جثثاً ترمى على قارعة الطريق، ورأى المدن تحرق وتدمر وتتحول إلى خرائب ليس إلا، ورأى الأسرى تباع وتشترى بأبخس الأثمان، ورأى المبادئ تتحول إلى مطامع وهوى وأغراض، ورأى أن الإنسان لا قيمة لـه في نهاية الأمر ما لم يمنح هذا الإنسان نفسه هذه القيمة وهذا المعنى، يدعي المشطوب أنه رأى ما يكفي من ألم الناس ومصائر الناس، بدايات الدول ونهاياتها، ورأى كيف أن الفرنجة الملاعين، المخذولين، يتحولون إلى أبناء البلد يتم التعامل معهم وكأنهم جزء من الأهلين. رأى كيف يذهب الحاكم المسلم يطلب النصرة من الحاكم المسيحي، وكيف يقاتل الحاكم المسلم إلى جانب الحاكم المسيحي.‏

المشطوب الذي رأى ما رأى، آمن بأن القوة والاحتشاد لـها وانتهاجها هي الطريقة المثلى للتعامل مع الفرنجة، بكل أنواعهم ومللهم وسحنهم وأصولهم. المشطوب، كان يكره الفرنجة كراهية عميقة لا قرار لـها، كرههم محاربا، وكرههم لكل شيء آخر ولكل سبب آخر، كره قوادهم ومحاربيهم ونسائهم وطريقة قتالهم وقلاعهم وآلات حربهم ولهجاتهم وملابسهم، وكان لا يطيق الروائح التي تنبعث من أفواههم وملابسهم وأجسادهم، وكره فيهم صلفهم وغرورهم وادعاءهم حب المسيح، وكره فيهم هذه الوحشية التي لا تبرير لـها في تدمير المدن والقرى والمزارع وتشريد الناس وقتلهم، كره فيهم جلدهم على القتال وإدارة الحرب والسياسة. ولهذا لم يكن المشطوب بقادر على تحديد مشاعره من صلاح الدين، فهذا الأخير من ناحية، يجالد الفرنجة في كل المواقع، ومن ناحية أخرى، فإنه يعاملهم معاملة لينة رخوة تغري به وتصوره أمامهم بالمتردد. لم يكن المشطوب يفهم سر ليونة صلاح الدين أمام الفرنجة، تدحرجت إشاعات هنا وهناك، قيلت كلمة هنا وهناك، ولكن ـ والحق يقال ـ فإن صلاح الدين رجل فوق كل الشائعات وكل الأقاويل. فالمشطوب الذي عرف صلاح الدين في شبابه وكهولته، حيث درجا في بلاط نور الدين، وتلقيا فنون الحرب في ذات المدرسة، وتسلما المناصب في ذات الجيش، يعرف تمام المعرفة أن صلاح الدين ما كان لـه ولا ينبغي أن يتراخى في حرب الفرنجة أبداً، وهو رجل سياسة وحرب، أمَّا رخاوته وتردده فهو ما يحير في شخصية الرجل.‏

المشطوب الذي سمى بهذا الاسم لم يظهر في وجهه من شطب عميق يجعل من وجه وجهين، حيث يشطر الشطب وجهه من أعلى الجبين وحتى أسفل الذقن، الأمر الذي باعد بين عينيه وحطم أنفه وأرخى شفتيه فيصعب عليه الكلام بوضوح، المشطوب هذا، كان يعتقد أن حصار عكا ما كان ليكون بهذا الوضع من التعقيد والإحساس العارم بالهزيمة لولا تردد صلاح الدين ورخاوته في التعامل مع مدينة صور التي التجأ إليها كل إفرنجي فرّ من بيت المقدس والقلاع والأخرى.‏

كان المشطوب أيامها والي بيروت، تلك المدينة الصغيرة المعلقة على الجبال، التي انحدرت إلى البحر رغماً عنها، فقد أقام التجار قياسرهم بسرعة من اللبن الأبيض والرمادي لتكون قريبة من البحر، أمَّا الفرنجة فقد وسعوا تلك القياسر وأضافوا عليها، حتّى صارت بيروت تواجه البحر تماماً، بل وتعانقه، بعد أن وسع الفرنجة ميناءها بما يحتمل كل أنواع المراكب البحرية والتجارية، ولكنه ظل ميناءً صغيراً لا يشبه ميناء عكا الكبير أو ميناء عسقلان الذي اهتم به خلفاء دولة الفاطميين.‏

المشطوب الذي ولي بيروت رأى بأم عينه كيف صارت صور محجة الفرنجة وقلعتهم الأخيرة بعد فتح بيت المقدس، ورأى بأم عينه كيف استطاع هذا الفاجر الكندهري أن يجعل منها مدينة لا تطال، وهي أصلاً لا تطال، فثلاثة أرباعها في البحر وربعها الباقي على صخرة، الكندهري الذي وصلها غاضباً محتقناً بالحقد والكراهية والتصميم، طلب من أولئك الذين يقيمون في ربع المدينة الصخري أن ينتقلوا إلى قسمها المائي. ثمَّ ملأ المسافة ما بين البر والبحر بالسلاسل الحديدية والصخور الكبيرة حتّى لا يستطيع أي مركب مهما كان أن يصل إلى المدينة، ولم يكتف الفاجر بهذا، بل حفر خندقاً عميقاً بعد ذلك كله تحت الصخرة التي تقوم عليها البلد، ولما أرسل المشطوب جواسيسه إلى المدينة بهيئة تجار أقمشة وتوابل وخضار، حدث هؤلاء بأن الفاجر هدد سكان المدينة بعدم الاستسلام أو الهرب أو الهرب أو حتّى مجرد التذمر، وأقنعهم أن ملوك الغرب كلهم، عن بكرة أبيهم، سيأتون قبل صيف العام المقبل، لقتل صلاح الدين وبيعه رقيقاً في روما ومن ثمَّ استعاد القبر المقدس، وأضافوا أن الفاجر جمع لديه كل الميرة وصار يوزعها على الناس بتدبير مخصوص استعداداً لحصار طويل، طويل.‏

المشطوب، الرجل الطويل الجهم، ذو البطن العريضة والأكتاف العالية والوجه المخيف، الذي كان ثقيلاً إلى درجة أنه يغير حصانين أو ثلاثة في يوم الحرب، أرسل رسائل عديدة إلى صلاح الدين يدعوه فيها أن يهاجم صور قبل أن تستعصي وتستغلق وتتحول إلى عكا جديدة ولكن صلاح الدين تأخر في الرد، ولما قدم على صور كان الوقت متأخراً. فقد كان الكندهري الفاجر قد استعد أيما استعداد، ولم يستطع صلاح الدين أن يؤثر في أسوار المدينة أو المحاصرين فيها، حتّى أن صلاح الدين حاول أن يلين موقف الكندهري اللعين بمساومته بإطلاق والده الملك الأسير لدى السلطان في دمشق ولكن الكندهري اللعين أجاب بالقول أن والده عاش ما يكفي ولا يهمه إن مات أو قتل أو بقي أسيراً، وقال الكندهري اللعين أيضاً أنه لن يسلم صور أبدا فهي أمانة بيديه حتّى مجيء ملوك الغرب الذين سينقذون قبر المسيح من أيدي الكفرة المحمديين. اللعين ابن اللعين، لـه قلب سلحفاة منتنة، وجلد نملة سوداء وعمى صرصار الخراء.‏

ولما تنازل صلاح الدين عن صور، لاستغلاقها وملل الأمراء من حوله وكثرة لغطهم وخلافاتهم، أوجس المشطوب في قلبه خيفة، فقد التقط لـه جواسيسه في بيروت بعض التجار من بيزة ومن جنوة، حيث التقى بهم وأطمعهم بتخفيف الضرائب عنهم إن هم صدقوه القول فيما يجري وراء البحر.‏

كان أحدهم يدعى ماريو، تاجر الملح المعروف، صاحب السفينة الأكبر في الأسطول الجنوي، القصير المكور، صاحب الوجه الأبيض المحمر والإلية الضخمة المضحك، أمَّا الآخر فقد كان يدعى روبيرتو، تاجر الحديد من بيزة, وهو رجل طويل أسمر لـه لحية قصيرة، يبدو جليلاً بذلك المعطف الطويل الذي لا أكمام لـه، وذلك الحزام الجلدي العريض الذي يلف خصره الضامر.‏

كان المشطوب واضحاً وحازماً في قوله: لكما أن اخفض ما تدفعانه من مكوس إذا ما صدقتماني القول.‏

أسرع ماريو إلى القول بلغة عربية ركيكة: نحن نشكر لك ذلك، ولكن ماذا تريد أن تعرف أيها الأمير؟‏

قال المشطوب وهو يتأمل التاجر، كارهاً هيئته ونبرة صوته: حدثاني عمَّا يجري في بلادكم، هل صحيح أنكم تستعدون للحرب؟!‏

تبادل التاجران النظرات، ترددا، حركا رأسيهما ذات اليمين وذات الشمال.‏

صاح المشطوب في سماء الحجرة الرئيسية في قصره المتواضع على رأس تلة تطل على بيروت كلها: ماذا قلتما؟!‏

قال ماريو بصوت متردد: وهل أنت جاد في ما ذكرته عن تخفيض المكوس؟!‏

قال المشطوب، بما يشبه الغضب: نحن لا نتراجع عمَّا نقول.‏

قال ماريو: إنهم يستعدون للحرب فعلاً!!‏

قال المشطوب: أفصح. قل كيف ذلك؟!‏

تدخل روبيرتو عندئذ وقال بعربية أفضل من لغة صاحبه، نعم، تركناهم يستعدون لحربكم، منذ اللحظة التي استولى فيها الملك صلاح الدين على القدس وحتى هذه اللحظة، وبلاد كل المسيحيين تستعد لحربكم.‏

أضاف ماريو بسرعة: إن كل كاهن مهما صغر شأنه في أبعد كنيسة مهما صغرت في بلاد المسيحيين يدعو إلى حربكم لإنقاذ قبر المسيح بين أيديكم.‏

قال روبيرتو: والناس هناك يتبرعون بكل ما يملكون ليمولوا الحرب.‏

تدخل ماريو: أو قل إن الملوك والأمراء فرضوا ضريبة على الناس ليمولوا الحرب.‏

سأل المشطوب: ضريبة!!‏

قال ماريو: نعم، هي ضريبة، تؤخذ غصباً من الناس الفقراء والأغنياء، ومن لا يملك يضطر إلى تقديم كمية من الدقيق أو الزيت أو الدجاج أو ما يمكن لـه أن يفيد الجيش الذاهب لتحرير قبر المسيح.‏

سأل المشطوب: وأنتم، أنتم التجار. ما رأيكم؟!‏

قال روبيرتو: ماذا تقصد أيها الأمير؟!‏

قال المشطوب: كيف ترون الحرب؟! هل تمولونها أيضاً؟!‏

قال ماريو: أنت تعرف أيها الأمير أننا في عكا نملك حياً كبيراً، فيه مخازننا وفنادقنا وكنائسنا، وكنا ندفع ضرائب أقل، وكنا نحصل على البضائع بسعر أقل، أمَّا الآن؛ وقد احتلها الملك صلاح الدين فقد ضاع كل ذلك.‏

قال روبيرتو: وكما ترى أيها الأمير فإن الحرب عليكم ستعود بالنفع على تجارنا.‏

قال المشطوب بما يشبه السخرية: وقبر المسيح، هل يهمكم؟!‏

قال روبيرتو: بما يشبه الابتسامة: إذا كان ذلك يعود بالنفع علينا أيها الأمير.‏

قال المشطوب فجأة فقال: ومن هو هذا الكندهري، أقصد هذا الذي يسمى كونراد دي مونتفرات بلغتكم؟!‏

قال ماريو: ألا تعرفه حقاً أيها الأمير؟!‏

انتبه المشطوب إلى قصده الخفي: أعرفه حق المعرفة، فوالده هو الملك وليم، الأسير لدينا منذ معركة حطين...‏

أضاف ماريو: وهو شقيق الملكة سيبيل زوجة الملك جاي لوزجنان ملك بيت المقدس..‏

ضحك المشطوب لأول مرة: هذا الملك الذي يشبه الحمار، نعم أعرفه، نحن نسميه الملك العتيق لأنَّ مولانا السلطان أطلقه لقاء أن لا يقاتله أبداً.‏

قال ماريو: ولكنه سيقاتله أيها الأمير.‏

قال المشطوب بلا مبالاة: كعادة الفرنجة، لا عهد لـهم.. ولكن هذا ليس موضوع الكلام، حدثني عن هذا الكندهري.‏

قال ماريو: كل ما أعرفه أنه كان يعمل في بلاط الملك البيزنطي إسحق الثاني انجيلوس، كسفير أو ممثل لوالده في بلاد بيزنطة، فلما علم أن الملك صلاح الدين يحاصر عكا، طلب من الملك البيزنطي أن يسمح لـه بالتوجه إلى عكا لمساعدة المسيحيين فيها، ولكنه لم يستطع الوصول إليها فتوجه إلى صور، وهو ما يزال فيها.‏

المشطوب، الرجل الغاضب، المحتقن والمهيأ دائماً كان يكره الكندهري كراهية عميقة لا قرار لـها ، وقد ندم وسيظل نادماً طيلة حياته أنه لم يستطع أن يظفر بهذا الكندهري اللعين يوم جاء إلى عكا من جهة البحر، يومها، كان الملك "الأفضل" ابن السلطان صلاح الدين منتشياً بالنصر بعد أن فتح عكا، ثلاثة أيام انقضت بسرعة، قيل بعدها أن سفن الكندهري تقترب من أسوار عكا، طلب المشطوب من الملك الأفضل أن يأمر السفن بملاحقة الكندهري في البحر، ولكن "الأفضل" تباطأ في الأمر، ربَّما رفض أن ينصاع لنصيحة المشطوب، وربما كانت تلك من الحالات النادرة التي يسترخي فيها المحارب ويطمئن إلى نصره، نجا الكندهري بسفنه بعد أن رأى أن عكا أصبحت بيد المسلمين، فيما أكل المشطوب يديه ندماً، هناك فرص نادرة في الحرب لا تتكرر، وهناك لحظات في الحرب لـها قيمة كقيمة الحياة تماماً.‏

كان المشطوب الذي ذاع صيته كفارس لا يشق لـه غبار، صبراً على المواجهة وشجاعة في شق الصفوف، قد سمع أن هذا الكندهري ـ ابن الملوك ـ فارس متدين، شديد التدين، شديد البنيان، لـه جلد عظيم على القتال، وله رأي ومكيدة في الحرب والنزال، وأنه يكره المسلمين ولهذا فهو يطلق عليهم تفاهات مثل أنهم يغسلون مؤخراتهم بالماء بأيديهم، وأنهم يرفعون مؤخراتهم في الهواء عند صلاتهم، وأن هناك علاقة بين الأمرين، وأن المسلمين لا يشربون الخمرة خوفاً من الفسق الذي يمنعهم من الصلاة، فمن يفسق عند المسلمين لا يستطيع أن يصلي ـ وكانت هذه من اللمع التي كانت تضحك الفرنجة عموماً ـ فقد رأوا ذلك عجبا وأيما عجب. فالصلاة لديهم تتم في كل الحالات وفي كل المواقع دون ارتباط ذلك الفسق أو غيره، وقد رأى الفرنجة ذلك نوعا من الرفعة الروحية التي يتميزون بها عن المسلمين. الفسق في نهاية الأمر يجب أن لا يحول بين المرء وصلاته... يقولون ذلك ويستعجبون.‏

ولكن المشطوب الغاضب والمتهيأ دائماً لم تكن تشغله تلك التفاهات ولم يكن معنياً بالرد على مسائل الفسق. هذه، بقدر رغبته العميقة في الاشتباك مع ـ ابن اللئيمة ـ هذا، فقد انطلقت إشاعة كالنار بين مقاتلة المسلمين أن الكندهري لـه سطوة عجيبة، وإن مجرد نزوله إلى ساحة المعركة يغير ميزانها، ولمس المشطوب رعب هذه الإشاعة، سمع بأذنيه ما يتناقله مقاتلة المسلمين حول ابن الملوك هذا، عن طوله وقوة ذراعه وطول سيفه ودرعه، وخوذته المربعة، وعن زهده وتدينه، حتّى عن هذا تكلموا. وتكلموا عن رعايته للحجاج المسيحيين ولفقرائهم ومرضاهم. ذهل المشطوب وهو يرى عدوه يكبر ويكبر تحت سمعه وبصره، وعجب كيف يتحول العدو إلى ما يشبه المقدس المهاب، عجب كيف يصبح من نخاف منه ونخشاه إلى شخص يتميز بشيء من القدسية والبعد والعلو. جن جنون المشطوب حقاً، فاستدعى إليه مصوراً أرمنياً حاذقاً يعمل في بيع النقد بالنقد، واتفق معه على أن يدخل مدينة صور حاملاً معه مبلغاً مغرياً من الدنانير الفاطمية يدعي رغبته في بيعها بالدنانير الافرنجية من البيزنت والفلورين أو حتّى تلك الدنانير الرخيصة التي تسمى الدنانير الصورية ـ وهي نقود يكرهها المشطوب ولم يتعامل بها أبدا، لأنها تحمل شعار المحاربين الفرنجة، كان طلب المشطوب على فعله هذا، ربَّما تسرع، ولكنه كان تحت ما هو أكبر من التسرع والندم، كان يريد أن يتعرف على عدوه الذي طارت شهرته بين تلك النواحي حتّى بين معسكر المسلمين.‏

ربَّما كان المشطوب يرغب بشهرة مثل تلك، ربَّما رغب أن يحطم تلك الشهرة ليتملكها. هناك غيرة بين المقاتلين وهناك تنافس بين المتحاربين.‏

المشطوب الذي عرف أن اسم المشطوب قد التصق به، وأن الناس تدعوه بهذا الاسم في مجالسهم الخاصة، لم ينزعج، ولم يتضايق، بل ربَّما يمكن القول أنه قد انتزع هذا الاسم الشهير انتزاعاً، كان ذلك الاسم جزء من شجاعته أو ثمرة لـها، ولكن هذا الاسم لا يكفي، ليس فيه تلك المسحة من الغموض والعلو الذي لـهذا الفاجر ابن الفاجر، الكندهري.‏

المشطوب، الرجل الضخم، ذو الأكتاف العالية والبطن العريضة، واليدان الكبيرتان، عندما رأى أن الكندهري لم يستسلم أمام صلاح الدين في صور، جن جنونه، فقد اتسعت شهرة هذا الفاجر، وحدث مقاتلة المسلمين أنفسهم عن شدة الكندهري الذي رفض أن يبادل المدينة بأبيه الملك الأسير.‏

كم تمنى المشطوب يومها أن يتحول إلى عقاب من الحكايا ليطير إلى صور ويخطف ابن الفاجر هذا. إنه يعرفه الآن من بين كل البشر. فقد عاد المصور الأرمني ومعه رقاع كثيرة صور عليها الكندهري قاعداً، وقائماً، وراكباً، وماشياً، صامتاً ومتكلماً.‏

إنه الآن بين يدي المشطوب، بوجهه الصموت الغامض الحاد ولحيته المدببة القاسية وعينيه الغائرتين القويتين وفمه القاسي الذي لا تبين مع قسوته شفاهه.‏

كان رجلاً يشبه الحجر في قسوته وصلادته وحياديته.‏

الكراهية العميقة هذه دفعت بالمشطوب إلى التساؤل عن حكمة الله في الإغداق على الكافر كل هذه الصلابة والمنعة والجلد والمثابرة، ولم يكن المشطوب ممَّن يتوقف ليتساءل عن أسئلة عويصة كأولئك المتصوفة أو المتفلسفة، ولكن الكراهية العميقة لـهذا الفاجر دفعت بالمشطوب حقاً إلى أن يسأل عن تلك الإرادة الإلهية العصية على الفهم التي تمنح الكفار كل هذا الجلد وكل هذا الثبات لتحمل المشاق وتجشم الصعاب مع كل هذا التدبير والكيد والثقة.‏

والكراهية العميقة أيضاً هي التي دفعت بالمشطوب إلى الطلب من السلطان صلاح الدين أن يعفيه من تولي بيروت للمشاركة في حصار الفرنجة حول عكا، حتّى تتسنى لـه الفرصة لأن يلحق بالكندهري الذي انحدر هو الآخر من صور إلى عكا عندما وصل ملوك الغرب إليها. وقد وافق السلطان على طلب المشطوب بسرعة عجب لـها المشطوب نفسه.‏

وهناك، على تلك التلال الواطئة المعشوشبة، المطلة على ذلك المرج الفسيح الفاصل ما بين تل كيسان وتل المصلبين حيث الفرنجة وجموعهم وإعلامهم ومن ورائهم شانياتهم في البحر، شد المشطوب الهواء إلى صدره، عرف مرة أخرى أنه قريب كل القرب من الكندهري، هناك، إلى اليمين منه معسكر الملك العتيق وزوجته سيبل شقيقة الكندهري، وهناك إلى اليسار قريباً من البحر معسكر الكندهري ومن معه من الداوية والهسبتالية الملاعين وتجار المدن الإيطالية، رأى المشطوب بعينه المجردة محاولات الملك العتيق لتغيير مجرى النهر حتّى يحرم أهل عكا الماء، وكانت تلك نصيحة الكندهري اللعين، فالملك العتيق لا يتمتع ببعد النظر والحكمة.‏

المشطوب المحتقن والمهيأ دائماً، استدعى إليه عمر الزين، متولي العيون والجواسيس وطلب إليه أن يوافيه بحركات وسكنات الكندهري، دافعاً إليه صور الرجل التي صنعها ذلك الأرمني. عمر الزين الذي لـه من العيون والجواسيس الكثير، من الرجال والنساء والأطفال والتجار والأطباء والباطنية والمتصوفة، والفرنجة، والعرب، والكرد، والترك، وعد خيراً، قائلاً بلهجته الواطئة والغامضة معاً: ستسمع ما يسرك قريباً.‏

وفوجئ المشطوب بوصول أخيه "الجناح" من مصر قادماً مع المعسكر المصري، قبل هجوم الشتاء من سنة الحصار الأولى. تعانق الشقيقان بقوة شوق ولهفة حقيقية، غص الجناح وهو يحدق بوجه أخيه: ما أجمل وجهك يا أخي!!‏

قال المشطوب بصوت عال ليتجاوز ما ألم به: هذا وسام نرجو من الله أن يحتسبه لنا.‏

قال ذلك وذكرى الكندهري تهب على قلبه، أمَّا أخوه الجناح الفارس المشهود لـه بالوقائع فقد أحس شفقة عميقة في قلبه لما حل بوجه شقيقه، فقد كان وجهاً مخيفاً حقاً، بهذا الجمود في العين، والشرم العميق في الشفتين، والتدمير الكبير الذي لحق بما يوحي به الوجه الآدمي من التعبير. كان وجه أخيه بلا تعبير أبدا، كان صفحة من الجلد الأسمر المحروق فيه ثقوب لا يرى بعدها إلا الرعب أو القسوة أو كليهما. هذا هو المشطوب، رجل قد من لـهاث الغضب وشواظ النار.‏

لم يتحدث الشقيقان عن الأولاد أو عن الزوجات أو عن الضياع، المحاربون أمثالهما، القواد أمثالهما، الفرسان أمثالهما، الذين يحاربون مع صلاح الدين أمثالهما، تحدثا عن الفرنجة الملاعين، عن ملوك الغرب القادمين، عن دولة الفاطميين التي دالت، عن الخيانات والمؤامرات التي حصلت، عن مطامع الأمراء الأقربين من صلاح الدين، الذي لا مثيل لـه ولا نظير، عن شدته وتدينه وليونته، عن هذا الرجل الذي يجمع بين السيف والندى، تحركت دواخل المشطوب مرة أخرى، كم يرغب بحكاية خاصة به، وكم يرغب بمثل هذا الكلام عنه يجمعه من غبار المعارك وظهور الخيل وصفائح السيوف، لا أحد هنا يفهم الشعر، الأكراد لا يفهمون بشعر العرب، والعرب لا يقولون شعراً في الأكراد.‏

اللعنة على الشعر، ما أجمله، من قال أن الأكراد لا يحبون الشعر؟!‏

لكل عصر دولة ورجال، ولكل لغته ومفرداته وأهواؤه ومزاجه، وكان المشطوب يعيش في عصره حرب وقتال. في ذلك العصر الذي صار البحر يقذف فيه كل يوم جنساً جديداً من أجناس المسيحيين في الغرب، كل ولباسه، كل ورائحته الزنخة الزهمة، كل وشعاره. في ذلك العصر، ولد المشطوب، تعلم الحرب منذ نعومة أظفاره في قلعة عظيمة تقوم على جبل ضارب في السماء يكاد يبلغ السحاب، منذ نعومة أظفاره أطل المشطوب على الدنيا من شقوق تلك القلعة، منذ أيامه الأولى، أشرف على الوديان العميقة والسحيقة، وقمم الجبال الأخرى الأقل ارتفاعاً من جبل قلعته، ومنذ أيامه الأولى، كان يحب القمم ويكره الوديان العميقة السحيقة، وحتى مماته، سيظل المشطوب معلقاً بين القمم والوديان، وسيظل يذكر الشمس وهي تتخلل القمم وتحيلها إلى فضة منثورة على الكون، فيما تجعل الوديان أكثر وحشة وأشد غموضاً.‏

في تلك القلعة البعيدة المعلقة على قمة جبل قريب من حلب، تعلم المشطوب الحرب، وتعلم الألم واكتوى بالحرقة، فقد هجمت الباطنية على تلك القلعة، حاصرتها مدة شهرين، ثمَّ اقتحمتها بالنار والحديد، ذبحت الناس وهدمت الجدران وأخذت من أخذت سبايا وأسرى، أمه التي لا يتذكر منها سوى جدائلها الطويلة، كانت إحدى السبايا التي اختفت حتّى هذه اللحظة، ضاعت أمه في لحظة من لحظات الغفلة، ضاعت إلى الأبد، وليس من شيء منها في الخاطر سوى جدائل طويلة كانت تفردها أمام نافذة ضيقة تدخل منها أشعة الشمس، فتصبح كائناً آخر. حتّى هذه اللحظة، وعندما يحدق المشطوب بالشمس فإنه يتذكر أمرين لا ثالث لـهما: أمه ذات الجدائل وقمم الجبال التي تشبه نثار الفضة. وهي ذكرى تجر معها الإحساس الساحق بفجيعة تحيق بالقلب تماماً. والمشطوب يعترف بأنه لم يفرح يوماً، لم يشعر بالسعادة الحقيقية التي تأخذ مجامع القلب وتلابيب الجسد. لا فرح أيام الحرب، ولا سعادة والعدو حواليك، يسد المنافذ ويضيق الأفق. اكتشف المشطوب في شبابه أن الفرنجة يشيدون القلاع على أكتاف الطرق وعلى رؤوس الجبال ويحتلون الحواضر والمدن ويمنعون الناس من السفر والتجارة، فضلاً عن قتلهم والكيد لـهم والإيقاع بهم. اكتشف المشطوب أن بقاء الفرنجة في البلاد يعني تخريبها ودمارها وضياع هيبتها، وأدرك المشطوب أن الفرنجة ـ ورغم ما يقولون عن تدينهم وورعهم ـ هم في نهاية الأمر تجار ماهرون وزراع ماهرون وصناع ماهرون أيضاً، فقد زرعوا قصب السكر على طول الساحل الشامي واستخرجوا منه السكر، وزرعوا الكرمة واستخرجوا منها النبيذ الذي يبيعونه للمسلمين أيضا، وزرعوا الرمان والسفرجل وكذلك ورد الأكاسية والقرنفل والريحان. وصنعوا الحرير الذي يشابه حرير الفسطاط وحرير بغداد. جاء الفرنجة ليستوطنوا هذه البلاد، لا ليخرجوا منها، هنا يتوالدون وهنا يدفنون موتاهم أيضاً، وهم يعتقدون أنهم الأحق بهذه البلاد وأنهم الأقدر على تعميرها. ولهم فيها إمارات وممالك، ولهم لغاتهم ونقودهم وأعلامهم وقلاعهم وجيوشهم وعلماؤهم ورهبانهم وصلبانهم، وبطول المدة فقد صار لـهم أصدقاء وأعداء، وصار لـهم معاهدات مع هذا الأمير المسلم أو مع ذلك.‏

المشطوب الذي نجا وأخوه من السبي، ساقه القدر إلى بعلبك أيام كان أيوب والد السلطان صلاح الدين والياً عليها، وهناك التقطه أيوب وألحقه في خدمته، معجباً ببنيانه الشديد وبملامح النباهة في وجهه المديد، وفي بعلبك وعلى خرائب آثار الأمم السابقة المهولة، عرف صلاح الدين الذي كان يومها يعرف باسمه المجرد يوسف. جمع بينهما الأصل الواحد واللغة الواحدة والخدمة الواحدة. كان يوسف يومها مثل كل الذي في عمره، ربَّما تميز عن الآخرين بطول الصمت، ربَّما تميز عنهم بإتقانه المبكر لفنون القتال، وربما تميز عنهم بسرعته في إتقان اللغة العربية وأحكامها وحفظ أشعارها، وربما كان الأكثر التزاما بالدروس التي يواظب عليها في المسجد وفي قصر أبيه، وربما كان ـ وهذا ما لفت النظر إليه ـ أكثر من هم في عمره التصاقاً بأبيه والاستماع إليه وعدم الخروج عن طوعه أو مشورته.‏

كان أيوب الملقب بنجم الدين، أكثر حكمة من كل الأمراء والقواد الذين حولـه، كان الأكثر اتزاناً وبعد نظر وعمق رؤية. يوسف، ولده الأكثر نجابة ونباهة كان يستمع إلى أبيه كثيراً.‏

الصداقة العميقة التي نمت وترعرعت بين صلاح الدين يستمتع وكأنه يجرب ليتعلم، وكان يعبث وكأنه يريد معرفة الفرق بين الصواب والخطأ، وعندما كان يخطئ كان يتعجب من ذلك الشعور غير المريح الذي يلم بالبدن والروح.‏

يتذكر المشطوب أيامها، على مدارج تلك الخرائب المهولة التي تركتها الأمم السابقة في بعلبك، كيف كان صلاح الدين يستغرب بشدة ما فعلته تلك الأمم ولماذا أهلكها الله، رغم شدة البنيان وإتقانه. ويتذكر المشطوب أنه لم يكن يملك أجوبة لأسئلة صديقه، فصلاح الدين صاحب أسئلة كثيرة صعبة ولا يمكن الإجابة عنها. فلا أحد يستطيع القول باطمئنان لماذا يهلك الله الأمم، ولماذا تنكسر الدول وتقوم دول أخرى مكانها، وما هو الفرق بين القوة والعدل. كان صلاح الدين يبدو غريباً بهذه الأسئلة بين من هم في مثل سنه من أبناء الأمراء الأكراد والأتراك. هؤلاء لا يسألون، ولهذا توقف صلاح الدين نفسه عند حدود السؤال ولم يتعداه إلى حدود البحث عن الإجابة، وما يدري المشطوب أن صلاح الدين تجاوز السؤال إلى الإجابة!!‏

ولكن المشطوب لم يكن يتوقف عند الأسئلة، بل قذف بنفسه في أَتوُن المعارك الكثيرة التي كان يديرها نور الدين زنكي أعظم الرجال قاطبة، قوة ومهابة وتديناً وبعد نظر.‏

نور الدين الذي استطاع أن يفتح دمشق وينتزعها من حاكمها الخائن مجير الدين أبق، تحول في ليلة وضحاها إلى شخص خارق بين المسلمين من ضفة بردى إلى ضفة الفرات، وتحول نور الدين من مجرد أمير عادي إلى شخص يشبه الصحابة الكرام في صفاته وشمائله وجهاده، وقد وقع المشطوب في الانبهار بشخص نور الدين، وتحركت غوامض روحه بالتشوق إلى أن يتحول هو الآخر إلى حكاية تنتقل وتتدحرج بين المسلمين من بردى إلى الفرات.‏

المشطوب ظل مُخلّصاً لنور الدين حتّى مات، وقد كره صلاح الدين أن نازع سيده الأمر، ولم يغفر لـه حتّى اللحظة، وعلى الرغم من أن صلاح الدين عمل جاهداً على أن يجعل نفسه وريثاً لنور الدين، سيرة وعملاً وجهاداً، لكن المشطوب كان يشعر في أعماق روحه أن من الجلل تحطيم حكاية رائعة صاغها نور الدين ذات يوم. وقد مضى وقت طويل حتّى انضم المشطوب إلى صلاح الدين، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن انهار البيت الزنكي أو كاد.‏

ولما فتح الله بيت المقدس على يد صلاح الدين طارت شهرة الرجل وطبقت الآفاق، انتبه المشطوب عندئذ إلى صلاح الدين هذا وأي نوع من الرجال هو.‏

حدّق به جيداً، لعله يرى ذلك الذي يميز به الرجال الذين تطير شهرتهم في أقاصي الأرض، فرآه رجلاً لا يشبهه أبداً، لأول مرة يراه مختلفاً عنه جداً، اكتشف أن غموض صلاح الدين أكثر من وضوحه، وأن صمته أكثر من كلامه، وأن ذكره الله أكثر من ذكره الناس، وأن جهاده أكثر من قعوده، وأن أكثر خلصائه من العلماء، وأن أكثر وقته يقضيه في قراءة كتب الجهاد أو في ارتياد الأراضي والمواقع الملائمة للعساكر، وأنه لا يملك من الدنيا أكثر من حصانه وسلاحه على سعة ملكه وثراء مربعه.‏

تضائل المشطوب في نفسه، كان شخصاً آخر، كان عنيفاً، سريعاً في الكلام، سريعاً إلى الغضب، سريعاً إلى الشهوة، سريعاً إلى كل شيء آخر، كان مستعداً لأنَّ يدخل المعركة ـ كل معركة ـ دون أن يتعب نفسه في التفكير بالعواقب، الرجل خلق للحرب ولم يخلق للحكمة. الحكماء لا يحاربون.‏

وديار الإسلام بحاجة إلى مقاتلة قبل كل شيء أخر. إنه لا يملك غير أن يقاتل، من أجل الإسلام، ومن أجل كراهيته لـهؤلاء الملاعين الذي ملأوا البلاد بقلاعهم وقلوعهم، ومن أجل أن يخلق حكاية خاصة به، ولأن لا شيء آخر ولا مهنة أخرى تطيقه أو يطيقها غير القتال.‏

عاد عمر الزين، متولي العيون والجواسيس، جاء في الظلمة كما يأتي عادة، جاء متلفعاً بعباءة طويلة يلبسها البدو عادة. استقبله المشطوب بلهفة لا تخفى، جلسا إلى خوان خشبي مثمن الأضلاع مصدف الحواف، كان عجيج الجيش يصل إلى مسمعهما في الخيمة المضروبة على تلة غير بعيدة عن خيمة السلطان صلاح الدين.‏

قال عمر الزين دون مقدمات: صاحبك صعب المنال، ليس من السهولة الوصول إليه.‏

أجاب المشطوب بخشونة: ما لـهذا انتدبتك!!‏

قال عمر، الرجل الأربعيني الذي عاش بين الفرنجة وعرف ألسنتهم وطباعهم: أنت سريع الغضب أيها الأمير!!‏

قال ذلك بثبات وهدوء، كان يعرف قدره وقدر مهمته.‏

تراجع المشطوب قليلاً: أنت من نعتمد عليه في مثل هذا، لا تُخيّب رجاءنا.‏

هدأ عمر الزين، تنفس بعمق، قال: صاحبك هذا، علج رومي ذو مكيدة، لا يفتتن بالمال أو النساء، لقد سلطت عليه ثلاث نساء إفرنجيات من أجمل نساء الأرض، ولكنه لم يتزحزح.‏

سأل المشطوب: وهل لك أعوان من نساء الإفرنج!!‏

تبسم هذا بابتسامة لا تكاد تبين: نساء الإفرنج يعشقن الذهب، والذهب لـه أسرار لم تدرك بعد.‏

قال المشطوب: وهل وصلت إلى هذا اللعين؟!‏

قال هذا بنبرة من الفخر لا تخفى: لا يستعصي علي أحد. فقد دسست إليه شيخاً من خواصنا ادّعى النصرانية والتبحر فيها، وأنهه فر بدينه من معسكر صلاح الدين.‏

ـ ثمَّ.. ماذا حصل؟!‏

ـ رجلنا الذي استعد لكل الإجابات، سأل هو الآخر، رصد واستفسر، وأرسل لنا يقول أنه الآن بعهدة كهنة يعلمونه أسرار الدين الجديد.‏

قال عمر ذلك بما يشبه السخرية.‏

انفجر المشطوب: وماذا بعد؟!‏

قال عمر الزين: صاحبك أيها الأمير، محبوب في معسكره، محبوب من قبل أمراء الإفرنج الذي نعرفهم، ولكنه ينازع الملك العتيق على ملك بيت المقدس، ويناصره الطليان والافرنسيس على اختلاف مللهم، ويجافيه الانكتار ومن والاهم من الداوية.‏

ـ كيف رأيت الحرس حوله؟!‏

سأل عمر الزين: بماذا تفكر أيها الأمير؟!‏

ـ كيف رأيت الحرس حوله؟!‏

ـ كثير ومتيقظ.‏

ـ وماذا رأيت أيضاً؟!‏

ـ حوله من رجال الحشيشية الكثير؟!‏

ـ وما حاجته إليهم؟!‏

ـ يتولون التجسس وصد رجالنا عن الرصد والاغتيال ودهم خيام الفرنجة ليلا.‏

ـ اللعين.. يستعين علينا بأناس من جنسنا!!‏

ـ ماذا أنت فاعل أيها الأمير؟!‏

ـ هل عندك رجال من هؤلاء الباطنية الحشيشية، أو الحشيشية الباطنية أو ما شئت من هذه الأسماء اللعينة.‏

قال عمر بذات الهدوء: عندي ما تريد!!‏

قال المشطوب وهو يحدق في العتمة المترامية أمَّا الخيمة: كن مستعداً.. قريباً جداً.‏

وقبل أن يخرج عمر الزين من الخيمة، أعطاه المشطوب بدرة كبيرة من الدنانير، أخذها هذا بهدوء، التف بعباءته البدوية وانطلق في قلب العتمة، في مهمة غامضة أخرى مع أناس غامضين آخرين.‏

الآن، في هذه اللحظة، المشطوب، سيف الدين علي بن أحمد المشطوب داخل أسوار عكا المضروبة بالفرنجة والجوع والخوف، لم يظفر بالكندهري اللعين، ولم تنقض هذه الحرب التي دامت سنتين. دامت أكثر من كل حرب أخرى، وطالت أكثر من كل حصار آخر، وأتعبت معسكر المسلمين أكثر من كل نزال آخر، وأظهرت على غير عادة المعارك الأخرى عيوب المسلمين وانخذال هممهم، حتّى الخليفة في بغداد تخاذل عن النجدة، أمَّا الأمراء المسلمين الآخرين فقتالهم موسمي.‏

المشطوب الذي لم يحقق شيئاً منذ سنتين، رغم كل ما أبلاه وأخوه "الجناح"، شعر أن من واجبه أن يدخل عكا، أن يكون هناك حيث كل الأشياء تبدو مختلفة ومضطرمة بالبطولة والفداء والشجاعة، وحيث يكون المرء نافعاً وحقيقياً ومميزاً.‏

دخل المشطوب عكا، قوبل بالفرح من قِبَلْ المحاصرين ومن قِبَلْ أفراد الحامية المنهكة المتعبة، أحس الجميع أنه يسند ظهره إلى قائد محنك وشجاع وصبور، ولكن المشطوب، ومن أعماقه السحيقة، أحس بريح الهزيمة تلفح وجهه، انقبض قلبه وهو يرى برج عين البقر متهدماً، وأن باشورات الأبراج المواجهة للفرنجة الملاعين قد سوّيت تماماً، وأن الناس لا تجد التمر ولا الماء ولا الدواء، وأن المقاتلة لا تجد النفط أو حتّى الزراقات المناسبة. قيل لـه أن البطسة التي أرسلها السلطان آخر مرة، قد حرقها الفرنجة قبل أن تصل برج الذبان بقليل، وقيل أن العوامين لم يعد بمقدورهم دخول عكا بعد أن أحكمت شانيات العدو الحصار حول عكا من جميع الجهات.‏

الناس، المحاصرون منذ سنتين، الذي صمدوا احتساباً لله، الذي قاتلوا الفرنجة من أجل الله ومدينتهم، الذين أضرَّ بهم الحصار أيما ضرر، قالوا أنهم رأوا أمراء يهربون بليل، وأن آخرين أخذوا أموالهم وانسلوا من المدينة، وأن بعضهم أدعى المرض، وبعضهم الآخر طلب الصلح مع الفرنجة دون إذن السلطان.‏

الناس، العاديون، الذين تجدهم في كل مدينة، كانوا على استعداد للصمود إلى الأبد، ما دام ذلك لله، وللنخوة، والشهامة، ورفض الاستسلام للأجنبي.‏

أبناء البلاد، من عكا، وشفرعم، وصفورية، والزيب، أولئك الذي اكتووا بحكم الأجنبي لعدة عقود من الزمن، كانوا على استعداد لأنَّ يقدموا آخر قطرة من عرقهم ومن دمهم على أن تسقط المدينة في يد الإفرنجي.‏

المشطوب الذي استمع بكل جارحة فيه لما قاله الناس، تجول في أسواق المدينة وشوارعها وأزقتها، لاحظ ما الذي يفعله الحصار وضرب النار.‏

رأى الجوع على وجوه الأطفال، والقلق على وجوه الكبار، أمَّا التوتر فكان في تضاعيف الهواء وعلى الجدران، زار بيت الأسقف الذي صار بيمارستان ورأى النساء أنهن يستعضن عن الدواء بالماء والملح على قلتهما، وزار المسجد ليشاهد بعض المشايخ يحفظون الأولاد الضامرين سورة الفاتحة، تلك السورة التي يحبها المشطوب لما فيها من هذا الخطاب بدون حواجز بين الخالق وعبيده، كان الأولاد يقرأون بصوت مسموع منغم: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين...‏

الصوت المنغم الموقع في تلك الرحبة المغلقة، وقع في صدر المشطوب وقعا حسنا.‏

يا للمحاصرين!! المحاصر لا بد مهزوم، هكذا قال المشطوب، رائحة الهزيمة لا تفوتني. المدينة، وبعد سنتين من حصارها، لم تعد تملك الكثير لتقدمه، والشجاعة حاسمة ولكنها عند لحظة من اللحظات تفقد مغزاها وجدواها.‏

لماذا دخلت إذاً إلى هنا يا مشطوب؟!‏

لماذا قبلت أن تدخل هنا؟! أليس من أجل أن تعدل ميزان المعركة؟!‏

اللعنة، ألف لعنة، لم نظفر بشيء خلال سنتين من قتال لعين يبدو بلا نهاية!!‏

ولولا هذا السلطان المقيم على التلة لتركنا هذه المدينة التي جعلها الفرنجة ذات يوم مباءة للفسق والمال معاً.‏

الكندهري المجرم خارج المدينة وأنا داخلها ولم أنل منه حتّى الآن...‏

في المساء الثقيل والباهظ بغيومه الداكنة وشمسه البطيئة ونسمة البرد الخفيفة، اجتمع المشطوب إلى قراقوش في حجرة صغيرة على السور المقابل للبحر.‏

ابتدأ الكلام قراقوش بهدوئه الخارق: هل ترى يا سيف الدين....‏

كان المشطوب يحدق في الأفق، حيث الموج الغارق بالأشعة الصفراء، وحيث هذه غارقة بالموج، شد المشطوب روحه حيث كانت الشمس، التفت وهو يقول: ماذا أرى يا بهاء الدين...‏

كان المشطوب يرغب بالصمت، دائما كانت أشعة الشمس تشده وتسحره منذ أن كان طفلاً في قلعة مهولة على قمة جبل عال ضارب في السماء.‏

قراقوش كان في عالم آخر: هل تعرف من بنى هذا السور المواجه للبحر والقائم على البحر أيضاً؟‏

ـ لا أعرف، من هو باني هذا السور؟!‏

قال قراقوش الذي تعجبه وتطربه أحاديث البناء والعمران أكثر من أي شيء آخر: بنى هذا السور المعجب فوق البحر بنّاء يقال لـه أبو بكر البشاري، بناه بأمر من أحمد بن طولون حاكم مصر والشام قبل أكثر من ثلاث مئة عام....‏

قال المشطوب: اعتقدت دائماً أن الفرنجة هم من بنى مثل هذا السور...‏

قال قراقوش: هم لا يستطيعون مثل هذا البناء، كل ما فعلوه هو بناء الأسوار الشرقية وبعضاً من الشمالية....‏

قال المشطوب باقتضاب: ماذا تريد أن تقول يا بهاء الدين.‏

قال هذا: أريد أن أقول أن للأجداد علينا حق!!‏

ـ ماذا تقصد أيها الأمير؟!‏

ـ أقصد أن... أن نبقى حتّى النهاية.‏

قال المشطوب وهو يعود بوجهه إلى الأفق، حيث كل شيء يتراقص في لجة من الأصفر والبرتقالي والأحمر والذهبي: ولكن المدينة لا تحتمل.‏

قال قراقوش بهدوئه العجيب: ولكننا نحتمل.‏

ـ الناس مطعونون.. فر بعض الأمراء، تخاذل البعض الآخر.‏

ـ أنا وأنت هنا!!‏

ـ الفرنجة كثر، جاؤوا بآلات لم نسمع عنها ولم نر مثلها.‏

ـ إذاً، لماذا جئت يا سيف الدين.‏

هكذا قذف قراقوش السؤال في وجه المشطوب، لا أحد يسأل المشطوب هكذا، ولكن قراقوش رجل آخر.‏

الظلمة التي تكاثفت جعلت الأفق حيث غطست الشمس في البحر أكثر سحرا من ذي قبل، قال المشطوب لنفسه أن الحرب لا تدع للمرء فرصة لشيء.‏

تحرك بجرمه الهائل، لوح بيده ذات اليمين وذات الشمال، توتر وجهه المشطور إلى نصفين، بدا أكثر بشاعة.‏

قال بعنف: دخلت لأني... دخلت من غيظي.‏

كبح ما ثار في نفسه من خيبات أمل، لم يرغب أن يكشف سره لرجل لم يعرف عنه ولعه بالشهوات أو الدنيا.‏

قراقوش، الذي رأى ما رأى، الذي لم يعد قلبه ينبض إلا بذلك الحب البارد الشبيه بالطاعة والولاء، طافت على وجهه ابتسامة خفيفة لا تكاد تبين، كان يعرف أن المشطوب حصان جامع بعقل صغير.‏

قال قراقوش ولم يفارق هدوءه: هل لك خطة!!‏

لم يمض على قدوم المشطوب سوى سويعات، وهذا يطالبه بخطة. قال بسرعة: الحقيقة أيها الأمير، لا يحتاج الأمر إلى خطة.‏

ـ كيف ذلك؟!‏

ـ على السلطان أن ينقذنا!!‏

ـ سنتان مضتا ولم يستطع السلطان فعل ذلك. والفرنجة يتكاثرون والمسلمون يتناقصون.‏

ـ أو قل أن أمراء المسلمين مختلفون.‏

ـ فماذا أنت فاعل إذاً.‏

الحقيقة أن الحوار مع رجل محاصر منذ سنتين مختلف جداً، قراقوش الرومي الهادئ الذي لم يتزحزح عن موقعه، ولم يطلب المغادرة ولم ينبس بكلمة واحدة تدل على انكساره أو انخذلانه يجعل الكلام معه صعباً جداً.‏

قال المشطوب وهو يشعر بتقدير كبير لمحدثه: اقترح علي أيها الأمير.‏

قال قراقوش: أعني على ما يشد أزر الناس.‏

قال المشطوب دون تفكير: ليغنوا قليلاً، ليفرحوا!!‏

قال ذلك وهو يشاهد ذلك اللون البديع الذي انتشر على دائرة الأفق، فوق البحر، فجعل للحياة طعماً مستساغاً.‏

أشرق وجه قراقوش وهو يقول: نعم.. نعم.. ليفرحوا قليلاً.‏

استغرب قراقوش لنفسه وهو يقول ذلك، كان يطلب خطة للحرب، فإذا به ينساق وراء كلام عابر.‏

اندفع تحت تأثير هذا الشعور: سنزوج الراضي غداً.‏

قال المشطوب: هو جدير بذلك.. والخطة أيها الأمير.‏

قال قراقوش بما يشبه السخرية، بما يشبه التسليم: الأمر لا يحتاج إلى خطة.‏

على سور بني قبل ثلاث مائة عام، في مدينة لا يعلم إلا لله متى بنيت، وفي حصار تقوم به أقوام من بلاد لا يعلم إلا الله في أي الجهات هي، تبدو الأحاديث أقرب إلى الجنون منها إلى العقل.‏

المشطوب، الذي حارب أمراء المسلمين وأمراء الفرنجة على حد سواء، الذي تزوج خطفاً، وتسرى بالإماء خطفاً، وتعلم خطفاً، الذي يعيش يوماً في بيت من حجر وعشرة أيام في بيت من وبر، الذي يكره الفرنجة، ويكره لغاتهم، ويكره روائحهم، ويكره عنجهيتهم، ويكره سحنهم الذي يحب أمه دون ملامح، ويحب الشمس على ذرى الجبال، الذي يغار من صلاح الدين، الذي يحب صلاح الدين، الذي يرغب بأن يحكى عنه بين الناس. المشطوب هذا، ذو الوجه المخيف البشع، والقلب المتقد بالغضب والشهوات والتمنيات، الذي رأى المصائر والأقدار، والدول التي تقوم وتنهار، هذا المشطوب، وهو يمشي على الأسوار المواجهة لمعسكر الملاعين الفجرة:‏

ـ ماذا يريدون منا أولاد الكلب هؤلاء!!‏

كان يحس بثقل ما في جسده، وكان يشعر بارتجاف قلبه لضجعة مريحة تحت معرش كعادة أهل الشام، كان يرغب بامرأة ما، بيضاء لطيفة، تؤانسه بالكلام، لا وجود للحياة الحلوة بوجود هؤلاء الملاعين. كان عجيج معسكر الفرنجة يصله بوضوح شديد، كان يتصارخون أو يتشاجرون، مشاعلهم تملأ التلال المواجهة لعكا من الشرق والشمال والجنوب، كيف الفكاك إذاً يا الله؟!‏

ـ ماذا يريدون منا أولاد الكلب هؤلاء؟!‏

المشطوب الذي سمع الادعاءات المضحكة منذ أن كان طفلاً حول رغبة هؤلاء بتحرير قبر السيد المسيح لم يعد يلتفت إلى تلك الأكاذيب منذ فترة طويلة. فهؤلاء ـ أولاً وأخيراً ـ أولاد كلب حقيقيون. يقتلون ويحرقون ويدمرون ويتاجرون بكفاءة عالية، المشطوب، الآن وبعد كل هذه السنين، يشعر أن عليه إخراجهم من هنا فقط، إنهم يدمرون حياته فقط، ولأول مرة في حياته يعرف ما معنى هذا الذي يسمونه: الجهاد، إنه الدفاع عن الحياة فقط. نحن نكبر أيها المشطوب. والاحتلال والحصار يزيد من حكمتنا ويزيد من غضبنا.‏

لا شيء كالغضب أيها المشطوب!! لا شيء كالغضب. ليس هناك أكثر حقيقية وصفاء ونقاء من ذلك الغضب المحمى على نار الحكمة المهذب بحرارة الإيمان.‏

صباح اليوم التالي، بدأت منجنيقات ملك الإنكتار المهولة تضرب البلد بأحجار ثقيلة وكرات نار عجيبة، وتقدم فرسان ذو شارات مختلفة على صدورهم إلى الخندق المحيط بالبلد يردمونه بالخشب والحجارة والدواب النافقة. انطلق المشطوب مع مقاتليه إلى باشورة السور فوق باب قراقوش، الهبوا العدو بالنبل والنار، ما استطاعوا. صاحوا من أعماق أعماقهم، فرحاً ويأساً ولهفة وغضباً وأملاً لا نهاية لـه: يا للإسلام.. ياللإسلام!!‏

الله، العظيم، العلي، سمع الصيحة الأبدية، على الأرض، في عكا، على السور القديم، كانت قلة من الرجال على رأسهم المشطوب ذو الوجه المخيف يضرب بساعد غليظ لم يعرف الخوف أو التردد. فوجئ المقاتلة أن من بين الفرسان البرابرة امرأة عظيمة الخلق تلبس بزة حرب خضراء على صدرها شارة الصليب تقاتل كمن يرد الموت، ثبتت أمام الحجارة والسهام بما يدعو على العجب، حدق فيها المشطوب عن قرب، حدقت فيه عن قرب، أفزعها الرجل بوجهه، انخطف بوجهها الأبيض المشرب بحمرة عميقة، وبعينيها الزرقاوين شديدتي الازرقاق. تنامي الغضب حتّى وصل مبتغاه صاح من أعماقه: خذي أيتها الكلبة!!‏

رماها بدبوس بعنف شديد ليسحق رأس المرأة الإفرنجية، تهاوت من حيث كانت إلى الخندق العميق، حيث فرسان الفرنجة يدقون باب السور بمضرب لم يشاهد مثله.‏

استمر القتال والقتل، تهدمت أجزاء أخرى من السور، تساقطت حجارة كبيرة منه إلى الخندق حيث عملت على ردمه وتسهيل المرور منه، سقط من المقاتلة عدد من الرجال، كانت المواجهة تنضح باليأس. عرف المشطوب ذلك، ولكن لا خيارات كثيرة أمام المحارب. صاح: يا للإسلام.‏

صاح المقاتلة: يا للإسلام!!‏

قبل المساء بقليل، توقف الضرب فجأة، نظر المشطوب إلى أسفل السور ليرى ما الذي يجري، فشاهد فارساً على حصان قصير قوي لا يشبه جياد هذه البلاد، حوله فرسان آخرون يحملون شارات وأعلاماً كثيرة، توقع المشطوب أن يكون هذا أحد كبرائهم أو مقدميهم.‏

صاح أحد من الجمع تحت السور: يا أهالي عكا.. يا أهالي عكا.. هذا ملك الإفرنسيس يرد التحدث معكم.‏

كان الصائح يتحدث بلهجة تميز بها بعض أهل بيروت، تلك اللهجة التي خبرها المشطوب أيام كان والياً عليها، يعرف المشطوب أيضاً أن موارنة بيروت عملوا لدى الفرنجة أطباء ومترجمين وأدلاء.‏

قال البيروتي: يقول لكم الملك فيليب أغسطس، ملك الإفرنسيس وحامي الفرنجة في هذه البلاد أن تخرجوا من عكا مستسلمين لـه، طالبين الرحمة منه.‏

بآخر خيط من الحكمة، قال المشطوب: مقابل ماذا؟!‏

قال البيروتي بلهجة رخوة لم يستطع صياحه أن يزيلها: ليس هناك مقابل. أنتم عبيده ومماليكه.‏

عندئذ، عمي المشطوب غضباً وحنقاً، رأى كل خيبات أمله في الحياة مرة واحدة. رأى أن حياته لا معنى لـها حقاً. انفجرت مكامن براكينه كلها. صرخ من قحفه:‏

ـ قل لـهذا الكلب أيها الكلب أننا لن نسلم البلد حتّى نقتل عن آخرنا، وقل لـه أيضاً أنه لن يقتل واحد منا قبل أن يقتل خمسين من كبارهم.‏

أحدث صراخه بلبلة في الأسفل. رد البيروتي بحياد تام، كريه إلى أبعد الحدود:‏

ـ يقول لك ملك الإفرنسيس أنه سيعاقبك على سوء التصرف والكلام أمام الملوك.‏

اندفع المشطوب إلى كامل غضبه: قل لـهذا الكلب الداعر الفاجر أنه أساء التصرف عندما جاء إلى بلادنا، قل لـه إنه مجرم بمحاصرتنا، وإنه كاذب بادعاءاته، قل لـه أنه سيموت.‏

رد البيروتي بحيادية شديدة: يقول الملك لكم أنه سيدخل البلد بعد يوم أو يومين وسيرى فيكم رأيه، وأن كلامك الوقح لن يقدم أو يأخر شيئاً.‏

ارتجت عكا بعد ما جرى، أيقن الناس بما سيأتي من رعب. في الليل البهيم، حيث لم ينتبه أحد، قام أرسل وسنقر الوشاقي وابن الجاولي الكبير، بالتسلل من البلد، أخذوا بركوساً صغيراً، انزلق بهم فوق الموج الناعم المضيئ بمشاعل بعيدة، وابتعدوا عن البلد المعذبة. هربوا تاركين وراءهم كل شيء.‏

في الصباح التالي، وعندما علم الناس بهروبهم، أحسوا بطعنة نجلاء تصل إلى شغاف قلوبهم. ولأول مرة منذ سنتين، تحدثت العيون أولاً عن الاستسلام، ثمَّ تحركت الألسنة، ولأول مرة منذ سنتين، صار الحديث عن خيار الاستسلام يسمع ويناقش بهدوء وثبات.‏

أمَّا المشطوب، فقد وصلته رسالة علقت برجل حمامة أن الرجل الذي دفعه عمر الزين إلى الكندهري قد تمَّ اكتشافه، وأنه قبل أن يقتل، ذكر بأنه مدفوع من قبل المشطوب، ليكون عيناً على الكندهري انتظاراً للأوامر.‏

بعد ذلك بأقل من سنة، وفي صور ذاتها، يتقدم رجل يلبس مسوح الرهبان ويطعن الكندهري طعناً محكماً يفضي به إلى الموت، ولكن الكندهري وهو يتلقى شفرة الموت في قلبه يصرخ: ماش توب.. ماش توب.‏

الفرنجة الذين ذهلوا بمقتل الرجل، لم يجدوا غير صلاح الدين ليلصقوا به تهمة القتل، على الرغم من كثرة أعدائه، حيث يتربص به ريتشارد ولوزجنان من جهة، وصلاح الدين من جهة أخرى، ومما أقنع عموم الفرنجة أما صلاح الدين كان القاتل، هو صراخ الرجل أثناء موته: ماش توب.. ماش توب.‏

والمشطوب رجل مخيف لـه وجهان يبدوان كأنهما ملتصقان ببعضهما البعض دون تنسيق أو انطباق تام بين الجزئين، وهو رجل ضخم الجثة يأكل الأطفال الصغار وله سيطرة على الجن والشياطين. ويقال إن أمه تزوجت شيطاناً في إحدى جبال العراق البعيدة، ولهذا أتت به أمه هكذا، بوجه شيطان وجسم إنسان.‏

مقتل الكندهري المفاجئ، حيث كان ينتظره مستقبل عظيم، ألحق مرارة شديدة في قلب أسقف صور، الذي صور الكندهري ورفعه إلى درجة من التقديس كبيرة، وألف حوله عدداً من الكتب والأشعار، شاعت في مدن إيطاليا وفرنسة وإنكلترة، ومع تقادم الزمن، ارتفع الكندهري ليكون قديسا من قديسي تلك الحروب التي هدفت إلى تحرير القبر المقدس، وتم ترسيم الكندهري قديساً بعد مقتله بحوالي سبعمئة سنة، وصور وهو يقتل على يدي رجل ضخم الجثة مشطور الوجه، بينما يدافع عن نفسه بالصليب. ولأن الصورة لاقت رواجاً شديداً في أعالي إيطاليا وما جاورها من تلك الأراضي بما فيها من قرى صغيرة ومنعزلة بين غابات وأنهار وجليد لم تعرف عن بلاد الشام شيئاً، فقد أطلق على الكندهري لقب "قتيل الشيطان" وصارت حكايته متداولة ليس في الكنائس والأديرة وحسب، وإنما صارت تروى للأطفال الصغار لتنشئتهم نشأة مسيحية صالحة.‏

وفي العهود الحديثة، وعندما انطلقت عبادة الشيطان، كتعبير عن الرفض والتدمير والإهلاك لم يجد أولئك سوى صورة المشطوب ذي الوجه المشطور وحكايته شعاراً لـهم، فأمه التي تزوجت شيطاناً لم تفعل ذلك إلا لرغبتها في الحصول على أقاصي المتعة، وأما ولدها "الماشطوب" فقد كان من القوة بحيث استطاع قتل قوة الصليب، فأعاد هؤلاء قصة المشطوب وجعلوه شعاراً لـهم، فصنعوا لـه صوراً ورسومات وتماثيل وأوشاماً على أذرعهم وصدورهم ومؤخراتهم، وتفننوا في طقوس وسلوكيات نسبوها إليه، كالفحولة، والنهم والغضب والرغبة في القتل، وأطلقت بعض جماعاتهم على نفسها اسم: جمعية ماش توب لرغبات الروح المطلقة.‏

وبعد تسمعئة عام أو يزيد، صار للمشطوب حكاية على جانبي بحر الروم، تماماً كما تمنى أو يزيد، إذ أن أبناء من حاربهم صاروا يعبدونه.‏

أمر يفوق التصور أو الخيال أو التوقع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244