|
||||||
| Updated: Monday, August 15, 2005 11:13 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
عمر الزين ينخلع قلب المرء لمرأى المرأة، المرأة البيضاء، المرأة البضة، المرأة الملززة، المرأة المكلثمة، المرأة الرجراجة، المرأة اللحيمة، المرأة التي لـها عيون تأكلك، أو التي تدعوك، أو التي تعد بالملذات وتعد بالمخاطر معاً، امرأة المهالك، امرأة المسالك الوعرة، وينبوع المرات اللاذعة، ينخلع القلب لـهذا الترف الممتد على طول الجسد، لـهذا الكرم في التفاصيل، وهذا الامتداد والانفجار في الزوايا والحنايا، لتلك الخطوط الناعمة السهلة الرخوة المنسابة هنا وهناك، لذلك العجب المنحدر، وذلك الادهاش المكور، وتلك البياضات والسمانات التي تضمر ما تضمر. ينخلع القلب، ويرغب المرء بالصراخ، وتنبض الشرايين والأوردة معاً بدم يكاد ينعف ذاته على شيء. المرأة الطويلة، البيضاء، التي تلبس سروالاً من حرير الفرنجة، كان مشقوقاً على طول ساقها وفخذها، أما صدرها فقد جمعته في قميص موشّى بخيوط من الذهب معلق فيها أحجار كريمة ذات ألوان مدهشة، تزداد ادهاشاً كلما تعرضت لضوء المصابيح المعلقة بكثرة في سقف القاعة. المرأة الطويلة، البيضاء، لـها عيون خطرة، تنذر بالشهوات وما بعدها، امتشقت جسدها العظيم، المهول، الباذخ، المكرم، والمعجب، فردته أمامنا، في القاعة الفسيحة، التي ترامت فيها طنافس جلدية ملونة، وأصص ورد وريحان وقرنفل، وانتشر فيها شبان في مثل عمري لا أعرفهم ولا يعرفونني، مشدوهين مثلي، ومشدودين مثلى إلى تلك المرأة التي تعرف مدى تأثيرها خيوطها وخطوطها علينا. المرأة الطويلة البيضاء، عانقت ما حولها من الهواء والنسائم والأضواء والأرواح اللطيفة حولنا، تنشقت ما انتشر من بخور الهند وشذى الورد وعرق الرجال حولها، ثمَّ انطلقت في فضائها ترقص، تستحضر ما غاب، وتعيد ما كان يمكن لـه أن يكون، وتكتشف ما غمض في روحها وبهت في جسدها، عجنت روحها في جسدها، فردت جسدها على الكون، انفجرت كوامنها الأعمق والأبعد، تصاعدت مع شهوتها، عرضتها لليل والريح، والرجال المحدقة المشدوهة، تصالحت مع بذاءتها وشراستها ونهمها، صارت سبيكة واحدة من الفضة والبخور،وكلما كانت العازفة المساحقة تشتد في ألحانها، كان كائن الفضة والضوء يذهب بعيداً في عليائه، وكلما كانت المساحقة تحنو وترتخي، كان ذلك الجسد العظيم يلتصق بالوحل ليستمتع بكونه حلاً ليس إلا. الموسيقى، والرقص، واللحم الذي لم يعد لحماً، والروائح الخفيفة، والكأس المشعشع، والليل الممتد خلف النوافذ، جعلني أطيش في بحر من النعومة والخفة لم أعد بعده أفكر في شيء آخر. غاصت أيامي وذكرياتي وعذابات أمي وأبي وأخوتي في قعر ذاكرتي. تعقلت بما يجري حولي من نعيم فاق كل ما توقعته. العازفة المساحقة التي لا صدر لـها وتقص شعرها كالغلمان، شدت أوتار عودها، غيرت اللحن، وانطلقت في غناء عجيب لكشاجم الرملي: جعلت إليك الهوى شفيعاً فلم تشفعي وناديت مستعطفاً رضاك فلم تسمعي أتاركتي مدنفاً أخا جسد موجع ومغرقتي بالدموع قد أقرحت مدمعي أحين سبيت الفؤاد بالنظر المطمع جفوت وأقصيتني فهلا وقلبي معي انزلقت مع أمواج اللحن العجيب، صعدت إلى ذرى اللذائذ المسكرة، رغبت عندئذ في التخلص من جسدي، وكأن اللحن يدعو إلى الفناء أو الذوبان، صار الجسد عبئاً إلى هذا الحد، وصار المكان سجناً ليس إلا. دبت في أوصالي رغبة شديدة في الحركة، رغبت أن أتذاوب في ذلك الذي يتخلق داخلي ولا أطيقه، صار كل من هو أمامي شيئاً آخر، تبدل المكان وذاب في بوتقة واحدة تبعث على الالتحام بها. صار كل ما هو أمامي ممتعاً وجميلاً ومقبولاً ويمكن فهمه. الستائر الحمراء الشفيفة التي تغطي صدر القاعة، تحركت بعنف، تراقصت الظلال وراءها، قيل لنا إن من الممكن أن يكون وراءها مولانا تقدس اسمه راشد الدين سنان، أو قد تكون زوجاته ومحظياته، أو أحد وزرائه الأكثر قرباً وأهمية الظلال التي تحركت وراء الستائر لم تنبئ عمن وراءها. ولكن اللحن الذي سيطر على كل من القاعة جعل من كل شيء تام الاكتمال. لم أحظ حتّى اللحظة برؤية مولانا تقدس اسمه، راشد الدين، ولكن القلعة كلها تحيا بنفسه واسمه وعبقة وسطوته. مولانا، تقدس اسمه، لا يظهر على الناس، ولا يسمح لأحد أن يراه إلا بعد أن ينال الرضى، حتّى أولئك الأكبر سناً، كمتولي القلعة، ومقدم الحرس، ومدرب الفداوية، أو العمي الصغار كما يدعون بيننا، لم يحدثوا أنهم شاهدوا مولانا تقدس اسمه، رغم أهم أمضوا سنوات كثيرة في خدمته هنا، في قلعة مصياف. قيل لي إن مولانا يمشي في الليل على أسوار القلعة، يقرأ النجوم ويحدث أرواحا يعرفها، وأنه في بعض الأحيان يفرد جناحيه ويقفز عن السور ويغيب في الظلام ويتحول إلى نقطة ضوء تتوغل في العتمة، وأنه عندما يعود قبيل الفجر، يكون هناك ذروراً من تبر لـه بريق عجيب على كتفيه. وقيل لي إنه عاد ذات مرة من طيرانه على شكل باشق عظيم الخلقة، وإنه عاد مرة أخرى حمامة تشبه حمام مصر. وقد رأيت بعيني هاتين رماناً وتيناً في قلعتنا في غير وقته، وقيل يومها إن هذا ما جاء به مولانا تقدس اسمه من أرض بعيدة ذات حرارة وينابيع، وصل إليها خلال رحلات طيرانه. وقيل لنا جميعاً أن مولانا تقدس اسمه، يستطيع أن يتحول إلى كل صورة يريد، ولهذا طلبوا منا أن لا نقتل برغوثاً أو صرصاراً أو حمامة أو أن نزعج حماراً أو بغلاً أو حصاناً، فقد يكون ذلك مولانا في إحدى مهماته التي لا تنتهي. وقالوا لنا أيضاً إن مولانا تقدس اسمه، يعجبه في بعض الأحيان أن يتحول إلى جارية تجامع الرجال، أو إلى غلام أمرد، ولهذا أمرنا أن نعامل نساء القلعة بكل لطف وأن لا نمتنع عن كل أمر أو حاجة مهما كانت مستغربة من الصدوع بها، وقد ظننت لوهلة ما أن حجارة القلعة قد تكون مولانا، تقدس اسمه. إذ إن أحد لم يره، ولا يستطيع أحد أن يجرؤ على وصفه، أو الحديث عن هيئته، بل يتحدثون عن أثره وعطره، ونوره الذي ينوس في الردهات أو الأقبية البعيدة عن صحن القلعة. وقد التقيت عدداً من رهبان الفرنجة الذي يحلقون رؤوسهم من الوسط، وغيرهم ممَّن يحملون عصّياً يعلق في آخرها ما يشبه القرعة، وقد جاؤوا ليأخذوا عن مولانا بركاته وأعاجيبه لينقلوها بدورهم إلى شيعتهم، وقد سمعتهم يتراطنون ذات يوم أن مولانا قد نقل إليهم ـ عن طريق وسيط ـ القدرة على إشفاء المرضى باللمس. أمَّا أنا، عمر الزين، من قرية بيت فوريك شرقي نابلس العامرة، المحتلة من الإفرنجي منذ ما يزيد على ثمانين عاماً، فقد ولدت لأبوين أجلاهما الإفرنجي من قريتهما كفر مالك القريبة من قلعة الإفرنجي ريمون السنجيلي، التي يسميها فلاحو تلك النواحي سنجل، استسهالا واستساغة للاسم الغريب. وقد أجلي أهل كفر مالك بناءً على أمر الرهبان من كنيسة القيامة في بيت المقدس، إذ رفض هؤلاء الرهبان أن يتسلموا أرض القرية بسكانها، بل رغبوا بها خالية حتّى يزرعوها كما يحلوا لـهم، هذا ما ذكره لي والدي كان قاضياً للأنكحة في تلك النواحي. وقال لي والدي أن فرسان الفرنجة أخرجوا الأهلين من بيوتهم صبيحة يوم عيد الفطر حتّى أنهم منعوهم من الصلاة، ومنعوهم كذلك من أخذ متاعهم أو أحذيتهم، بل ساقوهم عنوة إلى قرية بيت فوريك، وهناك وجدوا أهل بيسان الذي أخرجوهم أيضاً من مدينتهم بذات الطريقة. قال لي والدي أن ذلك كان أول عهد الفرنجة بهذه البلاد، كانوا يقتلون الناس، أو يحرقون مدنهم وقراهم أو يطردونهم من حيث هم. وفي بيت فوريك، وعلى تلك الهضاب الناعمة المعتدلة، ولدت، لأرى أول ما أرى محتسب الفرنجة يأتي كل عام يحيط به فرسانه ليحصّل من الأهلين غلّة الحقول من الثمار والحب والزيت والأعسال. كان أهلي يعملون أُجَرَاءْ في أراضيهم، وكانوا مجبرين على تقديم الحصص الأفضل لمحتسب الفرنجة الذي يدعى بلغتهم فيسكونت، أو شيئاً من هذا القبيل. أراد لي والدي أن أمتهن مهنة، ولكن الحياة كانت أقوى مني ومنه، كانت الفرنجة في كل مكان، وكانت بيت فوريك بعيدة عن بغداد أو عن القاهرة أو دمشق، أمي رحمها الله، أقنعت والدي أن بغداد يتنازعها الأتراك، وأن القاهرة يتنازعها الأرمن والسودان، وأن دمشق يحكمها الغريب، وأن من غير المأمون إرسال بكرها إلى إحدى هذه الحواضر، وأن العلم الذي علمنيه الوالد يكفي لـهذه الحياة، وأن من الأنسب أن أبقى إلى جوارهما، قبل الوالد ذلك على مضض، ولم يكن للعلم وجاهة في تلك الأيام، فقد استطاع الإفرنجي أن يحولنا جميعاً إلى عبيد عنده، تحولنا جميعاً إلى مزارعين وبنائين وفعلة في مزارع الإفرنجي وقلاعه ومصانعه التي تعددت، فبعضها للسكر وبعضها للصابون، وبعضها للعطور، وبعضها للخمور. أمَّا أنا فلم أعمل في المزارع أو المصانع، ذلك أن والدي كان لاجئاً من كفر مالك، ولا أرض لـه في بيت فوريك، ولهذا عملت أجيراً لدى نجار لاجئ من بيسان، كان يبكي طيلة الوقت حسرة على الأرض التي أجبر على تركها، وقد بلغ بهذا النجار الشوق إلى بلده مبلغاً كنت أخاف عليه من الموت، هذا النجار البكاء العاشق، لم يعلمني صنعته فقط وإنما قصَّ عليَّ حكايا بيسان وعائلاتها وعشائرها وأسماء أراضيها ووصف طيب مناخها، وكثرة أمطارها، وأنواع النخيل، وعدد أسماء عيونها العذبة الوافرة، وكان على استعداد لأنَّ يحدثني عن كل حجر أو عن كل تلة في بيسان، هذا النجار، كان يرفض أن ينادى باسمه، بل كان يفرح أيما فرح إذا نودي بالبيساني. هذا الشوق الذي لم أفهمه كان يشدني إلى سؤاله عن الفرنجة، عندئذ ينطلق النجار اللبيساني بتعداد فظائع هؤلاء الأغراب بطريقة لا مثيل لـها، إذ عندما يتحدث عن الحرائق التي أشعلها هؤلاء في القرى أو الحواضر، كان يشتعل مثل النار، يهب بجسده إلى أعلى، يرفع يديه عالياً ويرقصهما، وتحمر عيناه، وعندما يتحدث عن قلع الزرع وإتلاف الثمار، كان يتمرغ ويتمزق، وعندما كان يصف قتل الناس كان يطيح برأسه كأنه يطير، طريقته الغريبة هذه جعلت بعض أصحاب النيّات الخبيثة يطلب منه دائماً أن يروي فظائع الفرنجة، فيندفع هذا دون أن يلاحظ خبث الطلب. كان هذا أستاذي بعد والدي. أمَّا أستاذي الثالث فقد كان... زوجة فيسكونت نابلس نفسه، ذلك أن الفرنجة الذين كانوا في العادة لا يتقنون الزراعة أو البناء أو الأعمال المشابهة، لأنهم منشغلون بالحرب أولاً، ولأن أعدادهم قليلة ثانياً، ولأنهم لا يدفعون لنا إلا كما يريدون ثالثاً، فقد التقطني الفيسكونت ذات صيف، عندما جاء مع فرسانه لاقتسام الغلة، على البيدر الشمالي المشرف على السهول والتلال الممتدة على مدى الأفق، تجمع أهالي بيت فوريك، الرجال والنساء والأطفال والدواب يشهدون سرقة ثمارهم التي اجهدوا أنفسهم طيلة العام لجمعها، أخرج الفيسكونت سجلاته الضخمة السوداء، دفعها لراهب عجوز يشد إلى بطنه حبلاً مجدولاً خشناً، صار الراهب يقرأ اسم الفلاح مقروناً بما تحت يده من أرض، فيتقدم الفلاح المقصود دافعاً أمامه غرارات الحب أو جرار الزيت أو العسل. عادة ما تكون هذه المناسبة من أسوأ لحظات القرية عموماً، وعادة ما ينتهي هذا اليوم بحديث الأهالي عن النصر وتحرير بين المقدس ونهاية الدنيا ونزول عيسى عليه السلام ومن ثمَّ المهدي، لينهي الله الدنيا لفجورها وجورها وفسقها وانقلاب موازينها. في ذلك الصيف، أعرب الفيسكونت عن رغبته باستئجار عدد من الصناع المهرة، فأسرع ناظر القرية وهو من أقوى عشائرها وله علاقات مشبوهة مع الفرنجة إلى القول أن في بيت فوريك أفضل صناع تلك النواحي، وليس لناظر القرية أي نفوذ سوى أنه يقدم الطعام للفيسكونت وضيوفه ويقال أنه يقدم لـه كل ما يريده هذا من معلومات حول سرقات الغلة التي يقدم عليها بعض الفلاحين، أو ما قد يقوم به بعض شبان القرية أو وجهاؤها أو علماؤها من نشر دعوات لرفض الأجنبي وعدم التعامل معه. عندما طلب الفيسكونت من النجار البيساني البكاء الذهاب معه، رفض هذا بعناد عجيب مدعياً المرض الشديد، فيما كان يتحدث دون أن ينظر إلى وجه الفيسكونت، فقد قال مراراً أن النظر إلى وجه الإفرنجي يسبب البثور وربما الجذام المستعصي. فاضطر الفيسكونت عندئذ إلى سؤالي بالذهاب معه رغم صغر سني وقلة خبرتي، وما أن سمعت أمي الخبر حتى هبت من جلستها المعتادة في فناء الدار المتواضعة، خرجت كالعاصفة دون أن تستأذن أبي ودون اعتبار لمكانة زوجها أو مكانتها، وصارت تصرخ بوجه الأفرنجي الذي كان يركب فرسا قصيرة غليظة الكفل والقوائم، ولكنه لم يفهم حرفاً ممَّا قالت، فلما نقل إليه الوكيل ما تقول الوالدة، رطن في وجه الناظر شيئاً ما ترجمه هذا لأمي بالقول أنني لن أغيب طويلاً، وأنني سأعمل في نابلس القريبة من القرية. في تلك اللحظة كان والدي قد جاء يرفع أذيال عباءته وقد أنهكه الجري من المسجد، وما أن شاهد أمي حتّى امتقع لونه، فجذبها من يدها جذبة شديدة لا تليق بقاض، وقبل أن يغيب نظر إليَّ بعنف وصاح بغضب لم يستطع كتمانه: كن رجلاً دائماً. حافظ على دينك دائما. أخذ أمي من كمّها إلى بيتها المتواضع، ثمَّ لم تخرج منه بعد ذلك إلا إلى قبرها. أمَّا أنا فقد شعرت بالطرب بالطرب إلى حد كبير، ذلك أن هذه هي المرة الأولى التي أغادر فيها بيت فوريك، الفقيرة، المتواضعة، التي لا شيء فيها سوى الشقاء الدائم في الحقل أو في دكان النجارة. سرت على قدمي وراء الفرسان والعربات المحملة بالغرارت والجرار، وقد تبخر شعور الطرب والإثارة ذلك أن الفرسان المدججين بالحديد استنفروا لسبب ما، فسألت فقال لي الصناع الأكبر مني سناً أن قطاع الطرق من البدو والفلاحين الذين فقدوا أراضيهم وبيوتهم تحولوا إلى عصابات كبيرة تقطع الطريق وتسلب الإفرنج أكان محارباً أو حاجاً. حاذرت في السير، وأخذت أحدق في تلك الطرق الوعرة بين الجبال العالية المغطاة بأشجار الزيتون والعبهر والخروب والسنديان. كانت جبال مهولة تستطيع أن تكون متسعاً لكل احتمال. وصلنا نابلس فيما كانت الشمس تغيب، لم أستطع أن أميز شيئاً، فقد شعرت أن جسمي قد تفتت، حشرت في قبو مضاء بمشعل عالٍ وحيد، رأيت من خلاله كومة قش ناعمة، ارتميت عليها حتى الصباح، حيث دخل علينا راهب صغير الحجم أصلع الرأس، تحدث معنا بعربية مضحكة قائلاً إنه من جمعية فرسان الهيكل وإنه في خدمة الله وإن علينا إطاعته إذا رغبنا في الاحتفاظ برؤوسنا، وتحدث معنا بما يخيفنا، فضحك بعض زملائي من الصناع الأشداء وقالوا إن المسألة مسألة وقت حتى الظفر بمؤخرة هذا الراهب، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها مثل هذا الكلام، ثم قدم لنا هذا الراهب قطعاً من خبز غليظ لم أشاهد مثله حيث خبزنا أرق وأكثر طراوة حتى وإن كان من الشعير أو الذرة. بعد ذلك، تفرقنا، ذهب كل صناع إلى مهنته، إلا أنا، فقد استصغرني الراهب صغير الحجم أصلاً، قلت لـه إنني نجار فعلاً وإنني خير من عمل بالرابوخ، ولكنه لم يصدقني وقال لي إنني أصلح سائس خيل في اسطبل الفيسكونت نفسه، فلم أعترض. خرجت من القبو، لأشاهد نابلس لأول مرة في حياتي، فدهشت لما فيها من أبنية فخمة، وشوارع عريضة لامعة ونظيفة، كانت المدينة تصعد من الوادي باتجاه الجبلين الذين يحفان به من الشرق إلى الغرب، وهما جبلان عاليان، جهمان، جليلان، يبتعدان عن بعضهما ويقتربان كأنهما يهمان بالعناق ثم يعدلان عن ذلك، ورأيت دور الفرنجة، تلك التي ورثوها عن المسلمين وتلك التي ابتنوها حديثاً، فرأيتها من الحجارة البيضاء وقد تفننوا فيها وذهبوا بها مذهباً عجيباً من النحت الغائر والبارز ومن التماثيل العارية للبشر والحيوانات والرهبان، ومن كثرة الأفاريز والشرفات والمقرنصات والأعمدة والأقواس، أما كنيسة المدينة فقد كانت عجباً، إذ أقيمت عند نبع ماء حار عرفت فيما بعد أنهم يقدسونه، رأيت المدينة تنضح بالماء والنسيم الطيب، دوراً وقصوراً وبساتين. وفيما نحن نسير في الشوارع المرصوفة بالحجارة تحت تلك الدواميس الرطبة التي تدعو إلى الراحة والإلفة، كنت أرى الفلاحين والفلاحات من القرى المجاورة يفترشن الأرض يعرضن مالديهن من ورق العنب وطيور الحجل والأرانب والبيض والألبان، وكنت أسمعهن وهن يجادلن نساء الفرنجة مرة بالإشارة ومرة بكلمة من هنا أو هناك، بالعربية مرة وبالأعجمية مرة أخرى. وصلنا دار الفيسكونت في قعر الوادي، بين بساتين ومياه، حيث إلى الجهة الجنوبية من الدار بيمارستان كبير رأيت في باحته الواسعة عدداً من الرهبان ومثلهم من المرضى يعرضون أنفسهم للشمس في هذا الصباح الباكر. دار الفيسكونت كانت ضخمة بطابقيها وفنائها الواسع وسورها المربع، وعندما ولجنا الدار من بوابتها الحديدية الضخمة حيث يحرسها عدد من الفرسان والكلاب القبيحة، رأيت أن الفناء يضم مخازن للغلال والسلاح والطيور الداجنة فضلاً عن الإسطبل الكبير ذي الباب الخشبي الكالح. دفعني الراهب صغير الحجم إلى الإسطبل قائلاً لي بعربيته المضحكة أن مهمتي هي تنظيف الإسطبل وخدمة الخيل وترييضها وترويضها، وإن منامي ومأكلي ومشربي في الإسطبل أيضاً. تركني ومضى، كنت لا أتجاوز الخامسة عشرة من عمري، ولم أخدم الخيل يوماً، ولم أقترب من إفرنجي إلى هذا الحد ولم أشم رائحته إلى هذا الحد، وهأنذا في مدينة تعج بكل أنواع الفرنجة، أصابني ما يشبه الخبال، اعتراني بعض الخوف. وفيما أنا في حيرتي هذه، وإذا بامرأة إفرنجية في أواسط عمرها تلبس ثوباً مفرداً واسعاً من الأسفل ومكشوفاً عند صدرها وتفرد شعرها الأشقر على عنقها تطل علي، لم تكن جميلة، كانت ذات تقاطيع عادية رغم بياض جلدها، لم يكن وجهها ودوداً كذلك لم تكن نظراتها. ويبدو أنها تفاجأت بي، رطنت في وجهي، فلم أفهم، رطنت بشدة أكثر، حيث شعرت أنها غاضبة لسبب ما، لم أفهم بل شعرت بالخبال يستبد بي، رطنت مرة أخرى بصوت أقل حدة وغضباً، فأخذت أشير إلى الخيل لعلها تفهم، تغيرت نظرتها وهي تفح بوجهي بما لا أعرف، اقتربت مني، فشعرت بالخوف حقاً، ولكنها دفعتني من صدري داخل الإسطبل،حيث الخيل تحمحم هي الأخرى، كانت الرائحة في الداخل فظيعة، والخوف يستبد بي، ولكنها، وبأصابع مدربة، فكت حزامي ورفعت ثوبي وأنزلت سراويلي بسرعة فائقة لم أستطع ملاحقتها لشدة ما أنا فيه من الخوف والاستغراب، عقدت الدهشة لساني وأنا أراها منبهرة بما ترى، أحسست أن قلبها انصدع وهي تشهق شهقة عميقة مفاجئة تكاد تشبه الصرخة المكتومة. ومن خلال خوفي واندهاشي والرائحة الفظيعة المسيطرة على المكان، أدركت أن المرأة كان لـها مأرب ما من كل ما فعلته بي. وكان ذلك يومي الأول في بيت الفيسكونت الذي يسرق غلة أهلي في بيت فوريك. زوجة الفيسكونت التي عرفت فيما بعد أن اسمها فاليريا، علمتني لغتها حتى أكون على علم بما تفعل وبما تقول من فحش، ولغتها هي لغة عوام الإفرنسيس ودهمائهم، وعرفت فيما بعد أنها تتشاجر مع زوجها كثيراً، إذ كان على علم بما تفعل ويغض النظر عنه بسبب مشاغله الكثيرة كقاضٍ بين الفلاحين، وبين الفلاحين أنفسهم ومالكي أراضيهم من الفرنجة الآخرين. وقد سمعته ذات مرة يصيح بوجهها: ـ أنت مريضة، أنت تحبين مجرد رائحة الإسطبل، عليك أن تضعي روث الخيل تحت سريرك. وقد صدقت أنها مريضة، ذلك أنها كانت تخيفني، وكانت تداعب الخيول بطريقة يقشعر لـها جسدي، بالإضافة إلى أنها كانت تمتلك عدداً من الكلاب ذات الرؤوس الضخمة المربعة، تتعلق بها بشكل لم أشاهد مثله من قبل، فقد كانت تقبل الكلب من فمه. هذه المرأة المخيفة، التي لم أكن أعرف متى ترضى ومتى تغضب، وبعد سنتين من العمل في الإسطبل بما فيه من عجائب، دفعتني إلى إحدى الراهبات العاملات في البيمارستان المجاور قائلةً لـها إنني نافع جداً، فرفضت هذه، ذلك أنني لست مسيحياً، فقالت فاليريا ببساطة: سيتحول إلى المسيحية أيتها الأخت الصالحة. فظهر الفرح على وجه الراهبة الصافي والمريح، بالفم الهادئ ذي الشفتين الورديتين الناعمتين، والعينين الواسعتين التي يشع منهما بريق يجمع بين الفهم والتفهم والطيبة. قالت: سيكون ذلك من أجل الخدمات التي تقدمينها للكنيسة. قالت تلك: لك ذلك!!... فاليريا، المرأة المريضة المخيفة، حشرتني في زاويتها المفضلة من الإسطبل، بين الخيول الغليظة الكفل والكلاب المربعة الرؤوس، أمرتني أن أتحول إلى المسيحية، ولأول مرة في حياتي أشعر أنني على وشك التخلي عن شيء ثمين لا يقدر، لأول مرة في حياتي أشعر أنني شخص مختلف وأن لي ما أعرف نفسي به، وإنني لست كما تريد هذه المرأة لي أن أكون، شعرت أنني مختلف عنها تماماً، لا أشبهها ولا تشبهني، وإنني أكرهها من أعماقي، وأنها تحتقرني، وتستغلني كمتاع تافه، في تلك اللحظة، بين الروائح الفظيعة ووجه المرأة القاسي وكذلك الكلاب ودبيب الخيول، تراءى لي وجه والدي بغضبه وحنقه يصيح بي: حافظ على دينك دائماً. سطع في صدري القرار؛ أن أظهر ما لا أبطن، وأن أختلف عن الأجنبي المحتل السارق الفاسق، أن أحتفظ في صدري بشيء لا يستطيع هذا الأجنبي أن يصل إليه أو أن يدمره أو أن يمتلكه، للغالب سطوة، ولكن سطوته ليست قدراً. سنتان من العمر في الإسطبل، لم أصل فيهما أو أصوم، بل انغمست في جحيم من الخطايا القاتلة، ولكني لن أتخلى عما يميزني عن هذه المرأة التي تدلل الكلاب أكثر ما تدلل زوجها. فحت في وجهي: ماذا قلت؟!.. قلت: ولماذا تصرفيني من الخدمة!!.. قالت بفجاجة: سيأتي شاب تركي حقيقي، أصغر وأطول منك. قلت: وكيف أتحول إلى المسيحية. ابتسمت وهي تقول: كنت أعرف أنك ولد طيع. صباح اليوم التالي، دفعتني إلى راهب عجوز أصلع الرأس تماماً، أحمر الجلد تماماً، ترتجف يداه ويسيل اللعاب على طرفي فمه الواسع، كان فرحاً بي جداً، وقال وهو يعانقني إن ما حدث دليل على معجزات الرب التي لا تنتهي، وقال إنه سيجعل من تحولي إلى المسيحية حدثاً هاماً في مدينة نابلس وإنه سيعمدني في حفلة كبيرة يحضرها ممثل الملك أمالرك شخصياً، ذلك أنني أول مسلم يعلن مسيحيته في هذه المدينة منذ عشرة أعوام. كان ذلك في أيام الربيع، حيث تتحول نابلس على مافيها إلى قطعة من الجنة، بالماء والخضرة والنسيم واللطف العجيب، وفي البستان الملحق بالبيمارستان، أخذ هذا الراهب يعلمني أسرار دينه، فكان مما قال إن لسيدنا عيسى طبيعتان؛ ناسوتية ولاهوتية، وأنه ضحى بنفسه من أجل أن يخلص بني الإنسان من خطاياهم، وأن هذا أساسه الحب لكل بني البشر، ولهذا فإن المسيحي الطيب يحب كل الناس، ثم قال لي إن الثالوث يتكامل في واحد، وأن الواحد لـه ثلاثة وجوه، فلا تعارض أو تجزئة. ولأن الحب يفترض التسامح، فإن التسامح يفترض الاعتراف بالخطيئة، وهكذا فإن على المسيحي الطيب أيضاً أن يعترف بخطاياه. كان ذلك جديداً ومفاجئاً ومدهشاً، فكيف أعترف لـهذا الراهب بما أفعل في الإسطبل؟!... ولكني وبصعوبة بالغة استطعت التقاط ما قال لي، وحاولت أن أرتب ذلك في ذهني، ما وسعني الأمر. فأظهرت السرور والفهم، ففرح الراهب بذلك أيما فرح، ووعدني أن يعلمني الكتابة والقراءة إذا ماكان تقدمي سريعاً، ولم أخيب ظنه، فقد حفظت كل ماقاله لي، حتى تلك الصلاة "أبانا الذي في السموات...". وقد قرأتها بلسان غير لسان العوام وإنما بلغة عويصة لـها مخارج ثقيلة قال لي الراهب عنها أنها لسان الكتاب المقدس الذي كتب بحروف لاتينية. وفي الأسبوع التالي، ألبستني فاليريا لباساً فاخراً لأول مرة في حياتي، سروالاً إفرنجياً ضيقاً خجلت منه لأنه أظهر أعضائي بكاملها وحزاماً جلدياً مزيناً بزرد حديدي لامع، وصدرية خضراء من الحرير الخالص، وفوق ذلك معطف طويل يربط إلى العنق بلا أكمام، ثم سرحت شعري ورمته على أكتافي وحلقت ذقني وشاربي، وما إن انتهت من ذلك حتى حدقت بي، شعرت بها تقول بحسرة كاملة: لم أكن أعرف أنك بكل هذا الجمال!! كانت تريد أن تحتفل بي، أو أن تنتصر بي أمام هذا الجمع الكبير، حيث ازدحمت الكنيسة به، ولأول مرة منذ سنتين، رأيت الفيسكونت سعيداً بزوجته، حيث قدمت للكنيسة مسيحياً جديداً، إذ وضع الرجل يده على كتف زوجته ودفعها أمامه لتتقدمه إلى الصف الأول في القاعة الضخمة المزينة برسوم لسيدنا عيسى وأمه مريم في أوضاع تدعو إلى الاندهاش والتأمل، وقد فتنت بما أرى حولي من الصور والتماثيل ومن فخامة المكان وروعته ومن ذلك الحضور الكبير بالملابس والألوان والوجوه الجميلة، اعترفت لنفسي أن ما أراه لم يمر بخلدي في يوم من الأيام، وأحسست بما يشبه الخفة والطرب وأنا أرى هذا الاحتفال بي، تذكرت بيت فوريك وفلاحيها ووالدي وبيتنا الفقير المتواضع، بحثت عن تميزي وسري الكبير في صدري. قلت: ماذا أريد إذاً!! سألت نفسي: لمن أخفي سري، وكيف أستفيد منه؟!!! انبثقت الإجابة من داخلي: الله، أنت تخفي سرك من أجل الله. كان ذلك عجباً، لم أدر لـه سبباً، ولم أعرف كيف أصفه. بهت الافتتان في داخلي، صرت أستمتع به كمن يستمتع بخطيئته. بدأت صلاة طويلة بتلك اللغة العويصة، حيث قررت أن أتعلمها، بعد ذلك، دفعني راهب آخر إلى الراهب الذي قاد الصلاة، ركعت أمامه، فرسم علامة الصليب فوقي، أطعمني وأسقاني شيئاً ما، ثم قمت مسيحياً بعد ذلك، ثم تقدم مني ممثل الملك أمالرك وباركني ثم تبعه بعد ذلك كبراء القوم الذين لا أعرف منهم أحد. وفي ساحة الكنيسة، تباهت بي فاليريا أمام الجميع، وقالت إنها تمنحني للخدمة في البيمارستان، وأنها بسبب من سلوكها المسيحي الصالح فقد جعلتني أترك ديني، سلم علي كثيرون منهم الراهب الذي رأيته في بيت فوريك ينادي على الفلاحين ليحصل منهم ثمارهم، وقد لاحظت أن كثيراً ممن سلم علي فعل ذلك دون كبير احتفال أو اهتمام، ويمكن لي أن أقول إن الاحتفال كله ماكان ليكون لولا مركز الفيسكونت وزوجته، أو ربما ماكان ليكون لولا رغبة فاليريا بترتيب حدث مختلف، وقد صدق ظني إذ أن زوجها حصل بعد أيام على رتبة جديدة منحها لـه الملك أمالرك، وأن الاحتفال بي لم يكن إلا ذريعة. ولم أعرف أن اسمي تغير إلا بعد أن ذكرت لي فاليريا أن الراهب الذي قاد الصلاة في الكنيسة قد أعلن للحشد أن اسمي قد أصبح ريمون وأنني على دين البابا نفسه، ولأن الإنسان اسمه، فقد خامرني شعور بأن ريمون يختلف تماماً عن عمر، وأن لي حقوق ريمون وحريته وانطلاقه، وعجبت لنفسي أشد العجب وأنا أحاول أن أبدو ريمون الذي يدين بدين البابا نفسه. قدمتني فاليريا لبعض النسوة اللواتي يبدو عليهن الأهمية والخطورة، نظرن إلي بعين الخبير المدقق، سلمن ببرود ظاهر رددت بمثله، فمن حق ريمون أن يكون بارداً إذا شاء. وفي البيمارستان المجاور، التقيت الأخت فيرونيكا، القوية والنشيطة والهادئة، استقبلتني بترحاب كبير، ودعتني بالأخ، وهو ما أطربني أشد الطرب، وأحسست حقاً أنني ريمون وليست عمر الزين من بيت فوريك. أجلستني أمامها في حجرة ضيقة ليس فيها سوى مائدة صغيرة عليها شموع وكتاب سميك وتماثيل صغيرة من الخشب لسيدنا عيسى. شرحت لي الأخت فيرونيكا عملي داخل البيمارستان حيث توجب علي الاهتمام بالحديقة المحيطة والاهتمام بالمرضى في حالة عدم وجود ما يشغلني فيها، هذا مع ضرورة حضور جميع الصلوات والدروس التي سيلقيها علي الأب كلود عصر كل يوم حتى أصبح مسيحياً يضرب بي المثل كما قالت الأخت فيرونيكا. ثم أضافت قائلة: هذه ستكون حجرتك منذ اليوم، للنوم فقط، أما قاعة الأكل والدرس ففي الجناح الآخر المقابل. هززت رأسي علامة الفهم، فتناولت صرة من تحت المائدة، قدمتها لي وهي تقول: وهذه هي ملابسك منذ اليوم. ابتسمت في وجهي وخرجت، عندما لبست الثوب الذي قدمته لي وشددت خصري بالحبل الخشن، سألت نفسي: أين عمر من ريمون، وأين ريمون من عمر؟!... كان الثوب من الكتان الخشن، بلا سراويل فقيراً من كل شيء، خلا من الجيوب أو الثنايا، وبلا لون تقريباً، شيء يدعو إلى التواضع والإحساس بالضآلة، ما الذي يلم بجسدي وروحي؟!... ملابسنا جزء منا!!... أحسست بأني تقدمت بالعمر فجأة، وأنني أقف على مسافة بعيدة من قريتي الفقيرة وبيت والدي المتواضع. أحسست أنني أمشي على حبل مشدود فوق هاوية سحيقة. استجرت بالله لأحتفظ بدماغي وقلبي ومقصدي، كنت كالسلاح الذي يبحث عمن يستعمله، أو كالمصباح الذي لا يعرف لمن يضيء، لم أجد غير الله لألوذ به من هذا الجنون الجديد الذي يلم بي. الأب كلود، الراهب الذي لـه سحنة محارب وجسده، بدأ دروسه بصرامة شديدة، وعندما علم بأن والدي يعمل قاضياً وأنه علمني القراءة والكتابة والحساب وبعض الحديث والفقه، غرق في لجة تفكير عميق، ثم رفع رأسه وقال لي إنه يطلب مني أن أفرغ رأسي من أية علوم سابقة، لأن ما سيعلمني إياه لا يحتمل المقارنة، فبدأ بقصة سيدنا عيسى وميلاده حتى صلبه، ومن ثم عودته بعد ثلاثة أيام حياً يرزق، وانطلاق الرسل إلى الأمم يكرزون بالبشارة، وما رافق ذلك من عهود ظلم وجور تعرض لـها المسيحيون الأوائل، أمور لم أسمع بها يوماً من الأيام ولم تخطر ببالي، ولكن ـ ورغم هذا كله ـ فقد قارنت بين ما أسمع وبين ما عرفت من سيرة سيدنا محمد وصحبه فوجدت أن الفكرة العظيمة تحتاج عادة إلى أناس عظماء لا يشبهوننا ولا نطيق ما يطيقون. واستغربت أن الأب كلود لا يشاركني إيماني وإنه لا يستطيع أن ينظر إلى دين الناس الذين يحاربهم، وإنه إذا كان يؤمن بالله الخالق المبدع، فلماذا ينكر هذا الإيمان على غيره من الناس، وإذا كان يؤمن بالخوارق والمعجزات التي جرت على يدي الرسل فلماذا لا يؤمن بمعجزات الديانات الأخرى، وقد وصلت إلى أن التعصب لما نحن فيه ولما نحن عليه هو ما يجعلنا نحن، وإنه دون هذا التعصب القائم على ما لا نعرف أيضاً، فإننا لن نعود نحن، بل إننا لن نستطيع أن نحدد الاختلاف عن الآخرين، وقد أقنعني الأب كلود بتصرفه لا بكلامه إننا بحاجة إلى تعصب ما حتى نميز أنفسنا عن الآخرين، ولا حاجة إلى البحث عن براهين لتأكيد أو تبرير هذا التعصب. التعصب لا يحتاج إلى براهين، بل يحتاج إلى كثير من الأنانية والغضب، وهذا ما وجدته لدى كلود بطريقة كرهته فيها إلى أبعد حدود، فقد تعرض لسيدنا محمد بكلام لا يليق واتهمه بكل شائنة، وكان يدعوه "ماهوند" أثناء الحديث عنه، واتهم أصحابه بالشذوذ والدموية، ذلك أنهم أقلعوا عن شرب الخمر الذي يرقق الحاشية ويرهف الوجدان، وقال إن القرآن الكريم مأخوذ عن التوراة في كلامه عن الحقوق ومأخوذ عن الإنجيل في كلامه عن التسامح والحب، ولكنه تقاصر عن الكتابين المقدسين. وقد تحملت ذلك كله وأعانني الله عليه رغم ما كنت أشعر به من تأنيب وذنب، كنت في داخلي أرغب في تمزيق الراهب ووجهه. الفظ الذي لايليق بوجه راهب، ولتراكم الغضب والشعور بالذنب، صرت أغلق على نفسي الحجرة وأصلي صلاة نافلة طويلة وممتعة، عندها، وفي تلك اللحظة، أستعيد اسمي ووجه والدي ورائحة أمي وبيادر بيت فوريك اللامعة تحت الشمس، وقد دفعني ذلك إلى أن أجعل من سري ذي قيمة، ودفعني أيضاً إلى الإحساس بالأهمية والخطورة، وأنني أمارس ما لا يعرفون وأخفي عنهم ما لا يتوقعون، وهذا علمني هذا الهدوء والثبات والكتمان ودقة الملاحظة والاهتمام بالتفاصيل إلى درجة فائقة، فقد اكتشفت أن لدي ذاكرة عجيبة، استطعت معها أن أتعلم لغة الكتاب المقدس بسرعة أدهشت الأب كلود والأخت فيرونيكا. هذا ما كان من أمر الأب كلود ودروسه، أما ماكان من أمر العمل في الحديقة فقد كان ذلك الجزء الأكثر إثارة في يومي الحافل في ذلك البيمارستان الذي يسير على نظام الأديرة كما قيل لي، إذ عملت بادئ الأمر مساعداً للأب ميشيل، وهو راهب هرم يتعب بسرعة، سرعان ما يغرق في عرقه ولهاثه فيتهالك ثم لا يعود ينهض طيلة اليوم، ويكتفي من ذلك بإعطائي الأوامر أنفذها كيفما اتفق، وكان هذا معنياً بزراعة الأعشاب الطبية كالبابونج والقزحة، والثوم والبصل والفجل،والشومر واليانسون والنعناع والزعتر، بالإضافة إلى الليمون والرمان والكرمة واللوز والجوز والصبار والخشخاش، والورود أيضاً كالقرنفل والأكاسية والريحان والنرجس، والخضروات كالكرات والقثاء والقرع، ولما كانت الحديقة صغيرة الحجم لا تتجاوز مساحتها كاريوكاً واحداً ـ والكاريوكا بلغتهم تلك الأرض التي يحرثها ثور واحد في يوم واحد ـ فقد كان عملي سهلاً إلى حدٍ ما، ومثيراً إلى أبعد الحدود، ففي الصباح أقدم للأخت اليزابيث ـ العجوز المتجهمة دائماً ـ سلة كبيرة من الثمار والخضروات تدخلها إلى المطبخ المجاور الذي تتصاعد منه روائح ونكهات غريبة لا أستسيغها، ثم أتفقد جوانب الحديقة بالكامل، أرعاها كما ينبغي، سقاية وتشذيباً ونكشاً وإزالة للضرر، ثم أقعد أترصد مجيء الراهبات صغيرات السن، اللواتي يأتين للقراءة أو التريض أو مرافقة المرضى والجرحى من المحاربين الذين يصلون من أرض المعارك الكثيرة التي تدور في بلاد الشام. ولأنني ريمون، حديث المسيحية، الذي همست فاليريا حولي ما همست، فقد كنت محط اهتمام الراهبات اللواتي ينشرن حولهن هالة تفتنني حقاً، فهذا الجمال الهادئ والوقار الأنثوي وتلك الرقة الشبيهة برقة الفراش في أيام الربيع، تصيبني في أعماق قلبي، ولكن، ورغم كل ذلك، تعلمت أن أخفي ما يضطرم به قلبي فلا يظهر على وجهي. الراهبات صغيرات السن، اللواتي تجنبن الحديث معي في البداية، بدأن ذلك على ما يشبه الاستحياء، ثم صار ذلك عادة محببة، واكتشفت أن هناك راهبات من جنس الإفرنسيس وأن هناك راهبات من جنس الطليان، وهن أجمل وأكثر لطفاً، ومن بين أولئك استوقفتني الأخت فرانشيسكا، وهي امرأة لم تتجاوز العشرينيات من عمرها، لـها وجه يقطر جمالاً وابتهاجاً وفيه ما يدعو إلى الحياة والطرب، فعيناها الواسعتان الخضراوتان يتراقص فيهما شوق عارم لما سيأتي، أما شفتاها الغليظتان النافرتان إلى الأمام قليلاً، فهما دعوة مباشرة وواضحة لكل ما يثور في الصدر، وعندما حدثتني بلسانها الذي يختلف عن لسان الإفرنسيس، دق قلبي بقوة ناقوس الكنيسة القريبة، لسان الطليان، ناعم ورخو وفيه غنج لا يطاق وموسيقى ذات وقع مثير. قلت لـها وأنا أكظم ما في صدري وأخفي ارتعاش يدي: حدثيني بما أفهم. شفتاها النافرتان الغليظتان قالتا: لماذا لا تتعلم لغتي؟... قلت وأنا أستعيد ذكرى فاليريا: أتمنى ذلك! الشفتان النافرتان الغليظتان قالتا: اطلب ذلك من الأخت فيرونيكا. الأخت فرانشيسكا مدت يدها البيضاء، الناعمة، الرقيقة، وكأنها الوردة في كمها، لمست جبيني وقالت: إنك تنزف عرقاً!!... أغرقت عينيها بعيني، عندئذٍ انهرت، ولم أستطع المقاومة. جلست على مقعد حجري قريب، قلت: لا أستطيع... مستحيل. كانت تلك المرة الأولى التي انكشف فيها على هذا النحو، ولكني فوجئت بالمرأة تقول: انتظرني عصراً في حجرة الأب ميشيل، قالت ذلك بصوت المؤامرة ثم انطلقت، كان ذلك أكثر ما توقعت وأسرع مما توقعت. حل العصر بغمضة عين، نام الأب ميشيل في حجرته التي يستعملها للنوم وتحضير الأدوية والمراهم، هو عادة ينام عصراً كعادة أهل الشام ومصر، أما حجرته فكانت واسعة يستعملها لنومه ولتحضير الأدوية والمراهم، فهناك على حامل خشبي طويل عشرات الأوعية الزجاجية المملوءة بأوراق الشجر أو جذور الأعشاب، معظمها بالعربية وبعضها باللاتينية. وعندما ينام الأب ميشيل فهو عادة لا يصحو إلا على دقات الكنيسة تعلن صلاة المساء، لبدت بالقرب من باب الحجرة الذي يفضي إلى الحديقة، فالباب الآخر الذي يفضي إلى باحة البيمارستان لا يستعمله إلا الأب ميشيل. كنت أترقب فيما كان قلبي يضرب جدران صدري بشكل مؤلم، توتري بلغ مداه وأنا أعرف خطورة ما أنا مقدم عليه,ولكني لم أتوقع تدبير الراهبة، فقد جاءت وهي تساند عجوزاً محطماً يتفاهم معها بالإشارة. وما أن وصلا إلى باب الحجرة حتى أجلسته على مقعد حجري قريب، ثم انسلت إلي تسبقها راحة صابون زكي اشتهرت به مدينة نابلس، أسكرني ذلك بلا حدود،شعرت بدوار في رأسي. اندفعت إليَّ بلغة الإفرنسيس التي نتفاهم بها عادة: جئت بهذا الحاج من بلاد الدنمرقة حتى أجد ما أبرر به الخروج في هذه الساعة. لم أدر ما أقول، أخذتني المفاجأة وهذا الحضور الكثيف الصاعق، وتلك الشفاه الغليظة النافرة، وهذه الجرأة العالية. قالت بلهجة مختلفة عن تلك التي تتحدث بها الراهبات عادة: أراك صامتاً. قالت: أنت... أنت. قالت وهي تشمل المكان بنظرة واحدة: شخير الأب ميشيل مضحك. وجدت ما أقول: إنه لن يصحو. قالت ببساطة: أعرف. تفاجأت حقاً: هل تعرفين؟!... قالت: أعرف ذلك قبلك. الراهبة فرانشيسكا كانت من جمعية الإسبتارية فيما كان البيمارستان يخص جماعة الداوية وهم من الإفرنسيس، وعرفت فيما بعد أن فرانشيسكا كانت على خلاف مع الأخت فيرونيكا، ولكن هذه لم تستطع أن تشكم تهور الراهبة صغيرة السن، وقد حدثتني فرانشيسكا بكلام شائن عن الأخت فيرونيكا إذ اتهمتها بأنها كانت امرأة سيئة السمعة في حاضرة كبيرة ببلاد الإفرنسيس تدعى مرسيلية، ولكنها ادعت قدرتها على شفاء المرضى بالصلاة أو باللمس، فصدق الناس ذلك، حتى قيل إنها استطاعت إشفاء ملك الإفرنسيس نفسه بمجرد أنها لمست ذراعه، وأنها رغبة منها في إظهار تقواها وورعها وصدقها، فقد قصدت البلاد المقدسة حيث قبر المسيح لتخدم المسيحيين المحاربين، والحجاج وكل طالب حاجة. الراهبة فرانشيسكا كانت تقص علي ذلك بسخرية، وتزيد من سخريتها عندما تقول أن أكثر الأكاذيب شيوعاً وتصديقاً هي الأكاذيب التي ينشرها بعض الرهبان عن قدراتهم ومعجزاتهم، فلما سألتها عن سبب اختيارها الرهبنة، قالت: إنها أجبرت على ذلك، فهي ابنة غير شرعية لأحد فرسان جمعية الاسبتارية الذي رفض الاعتراف بها، فاضطرت أن تحيا هكذا من دير إلى دير، فهي راهبة رغماً عنها، لا تعرف أماً ولا أباً، وفي حديث آخر ذكرت لي أنها ليست راهبة بل خادمة ولكنها تضطر أن تلبس لباس الراهبات حتى لا تثير النظر، وفي حديث ثالث قالت لي أن الأخت فيرونيكا تفكر بطردها من البيمارستان، هكذا كانت فرانشيسكا، لا يعرف صدقها من كذبها، أو جدها من هزلها، ولكنها كانت مثل عسل النحل أول موسمه، حلواً لاذعاً، تتكشف حلاوته قطرة بعد قطرة، وتزداد حلاوته قطرة بعد قطرة. ولما قلت للأخت فيرونيكا أن هذه الراهبة ستعلمني لغتها، فكرت هذه قليلاً، ثم رفعت حاجبيها، وقالت: أعرف أنك موهوب باللغات، فقد ذكر لي ذلك الأب كلود، ولكن.... ألا تعتقد أن الأب ميشيل قد يكون أكثر ملائمة لك؟... قلت، وأنا أخفي عيني: الأب ميشيل عجوز يقضي وقته في النوم. رمقتني الراهبة القوية بعينيها المتفهمتين، طال صمتها قبل أن تقول: لك ذلك ولكن بشرط أن لا يؤثر هذا على عملك في الحديقة أو على دروسك مع الأب كلود. قلت ولا زلت أخفي عيني: لك ذلك أيتها الأخت المباركة. هل فهمت الأخت فيرونيكا ما وراء طلبي؟!... هل عرفت سر ما يجري في حجرة الأب ميشيل؟!... لا أدري عندما نقلت ذلك لفرانشيسكا ضحكت هذه بصوت عال بدا غريباً في المكان، وقالت: كان يجب أن توافق. فأنا أعرف أسرارها. -وهل لـهذه أسرار؟!.. أكملت ضحكتها: هذه هي التي تملك كل الأسرار. وفيما كان الأب كلود مطمئناً إلى تقدمي في دروسه بأسرار الدين المسيحي وتاريخ قديسيه، كان الأب ميشيل مطمئناً هو الآخر إلى تقدمي في دروسه حول الأعشاب والنبات في الحديقة والمعمل، حيث صرت قادراً على استخلاص الأدوية من الأوراق والأعشاب والزهور والبذور، والجذور واللحاءات، وصرت قادراً على صنع الصبغات والزيوت والمراهم، ذلك أن الأب ميشيل كان يستعين بي في بعض الأحيان بترجمة فقرأت من كتب الطب والأعشاب التي لديه بالعربية، حيث كان يملك كتاب ابن البصال في الأعشاب، وكتاب ابن زهر في الطب، وكتاب علي بن عباس المجوسي الذي وسمه بالكامل في الطب وكذلك جزء واحداً من كتاب القانون للشيخ الرئيس ابن سينا، هو ذلك الجزء الذي وصف فيه المؤلف سبعمئة وستين دواءً مختلفاً لكل مايمكن للإنسان أن يصاب به. فيما كان ذلك كذلك، كنت أتعلم من فرانشيسكا كل شيء، اللسان والجسد والحياة الصعبة على الفهم، كانت أكبر من عمرها بكثير، ذلك أنها عاشت في أديرة كثيرة ورأت كثيراً من الناس. قالت لي أن جماعة الهسبتالية أو الإسبتارية هم المدافعون عن تجار بيزة وجنوة والبندقية، ففي الوقت الذي يبني فيه هؤلاء القلاع والأديرة ويحصلون على الإقطاعيات، فإن أولئك التجار يحصلون على أحياء جديدة وموانئ رخيصة وأرض خصبة في بلاد الشام. وفيما هؤلاء يخدمون المسيح فإن أولئك يخدمون البيزنت والفلورين، وأين أنت من كل هذا يا فرانشيسكا؟! قالت هذه: أنا مجرد امرأة لم يعترف بها والدها الفارس المحارب المؤمن الصالح؟!... -ولماذا لم يعترف بك؟؟ -لأنه أنجبني من امرأة عاهرة جاءت مع من جاء من المحاربين إلى الأرض المقدسة؟!.. -بماذا تؤمنين يا فرانشيسكا ؟!.. -أؤمن بنفسي، بحريتي، ولا أصدق الكهنة. -ولكنك تعيشين معهم؟!... -إلى حين، سأعود يوماً إلى بلادي. -وهذه، أليست بلادك؟.. -نابلس... هذه ليست بلادي... هنا يعيش المحاربون وليس الناس... إننا نعيش هنا في توجس كبير وحذر أكبر... كل شيء حولي يذكرني بالموت... قلت لـها بحذر شديد: ولكنك تعيشين حياتك كما تريدين... لقد عرفت أناساً قبلي. ضحكت بصوت عالٍ، ضحكت بحرية لا يعرفها أحد في هذا المكان: وهل تحسب أنك الشاب الأجمل في الدنيا. وهل تعتقد أن الأب ميشيل ينام حقاً عندما أدخل حجرته. صعقتني المفاجأة، لم تحملني ركبتاي، أحسست بالعري والخجل وقلة الحيلة، إذاً كان كل ما جرى، تم بتدبير محكم، حتى الأخت فيرونيكا كانت على علم بما يجري. تضاءلت حتى رغبت بالتحول إلى هوام الأرض. هالني أن كل شيء يتم بهذا الرضى وهذا الاكتمال وهذا التكتم. وقعت مريضاً بالحمى، واضطر الأب ميشيل إلى معالجتي بمنقوع الحبة السوداء وخل التفاح، وما أن تماثلت للشفاء حتى قال لي الأب ميشيل أنني كنت أهذي باللغة العربية، حدقت فيه لأرى سري على وجهه، كان بسحنة جامدة لا تظهر شيئاً، كان عجوزاً جداً ينتظر الموت، ولوهلة ما، شعرت أن لا سعادة لـه في هذه الحياة سوى أن يسترق النظر. جاءتني الأخت فيرونيكا، جلست بالقرب من الحشية الليفية التي كنت أنام عليها. جاءت بهدوئها وعينيها المتفهمتين وشذى الحنو والطيبة. لم يخدعني المظهر إطلاقاً. قالت بصوت خفيض: يجب عليك أن تشكر الرب كثيراً. لم أرد، تدخل الأب ميشيل: وعليك أن تشكر الأخت فيرونيكا التي لم تفارقك. نظرت إليها أستطلع ما تخفي هاتان العينان المتفهمتان، لا شيء فيهما. ابتسمت برقة بالغة. قالت: أريدك أن تترك الفراش، بعد غد سيزورنا أمير عربي شهير، وأرغب أن تترجم لـه ولنا. لاشيء عن الفضيحة، ولما قمت من فراشي ولمست قدماي الأرض أحسست بطعم آخر لكل ما جرى، لم أندم إلا على شيء واحد فقط، هو أني كنت مكشوفاً وضعيفاً ومخدوعاً. ولا أعرف ما الذي يجري تحت أنفي، فوطنت نفسي على أن لا أكون كذلك أبداً. الآن، وأنا أتولى العيون والجواسيس لسيدي ومولاي صلاح الدين، أعرف تماماً مامعنى اكتشاف السر والاحتفاظ به والبحث من أجله، يجب أن لا يكشف المرء للآخرين ومن ينكشف فهو مجرد أخرق وغبي ولا يستحق الشفقة. عندما قمت من مرضي، أتمشى في الحديقة شعرت حقاً أنني بدون ملابس، كانت الخديعة تدفعني إلى الضحك، وذلك أنها بدت وكأنها لعبة كنت الأغبى فيها أو الغبي الوحيد. جاءتني فرانشيسكا عصراً تجر وراءها محارباً بالكاد يسير، خاطبتني بلغة الفرنجة والإفرنسيس لأن المحارب يفهم لسانها الأصلي كما قالت، سألت بسخرية: هل استطاعت الدجالة فيرونيكا إشفاءك بلمستها المباركة. قلت بجفاف: إنها لا تدعي القداسة كما تدعين، بل هي تدير المكان ليس إلا. ضحكت بخفوت: أنت جميل فقط. غضبت حقاً، رأت ذلك على وجهي، تراجعت وقالت: نحن لا نستطيع الحياة دون بضعة أكاذيب. قلت: وخداع. -وهذا صحيح أيضاً. -لماذا؟!... -أنالا أعرف. قلت وأنا أرغب في إذلالها: ادخلي!!... نظرت بعينين متآمرتين، زمت شفتيها النافرتين اللتين لا تقاومان: أنت مريض!!... قلت: لا عليك.. الحياة لا تدرك، وتحتاج بضعة أكاذيب لتصبح أسهل وأمتع، والحياة –هذه المباركة- لا تفترض منا حسن النية ولا سلامة السريرة، للشر حكمة، وللخطيئة حكمة، ونحن ناقصون، ناقصون بالشوق والتشوق والأمل، إن الأحلام والآمال هي مجرد ما يشعرنا بعدم امتلاكنا ناصية أي شيء. فرانشيسكا كانت تسعد الكل بما تستطيع وكيف تستطيع.(1) استيقظت صباحاً على جلبة، دخل الأب ميشيل وهو يلهث، قال لي أن الأخت فيرونيكا تطلبني حالاً، فالأمير العربي في طريقه إلى البيمارستان. لبست رداء الكتان الخشن، سرحت شعري الذي يصل إلى أكتافي، شاعراً ببعض الإثارة ذلك أن هذا هو العربي الوحيد الذي سأتحدث معه منذ سنوات، هنا، بين الإفرنج، لا يطلقون على من حولهم كلمة العرب، بل المسلمين أو الأتراك أما الأب كلود فهو الوحيد الذي يستطيع وصف الناس بدقة ولكنه يتكلم عنهم باحتقار شديد، الآخرون ممن أراهم من الرهبان والأطباء والمحاربين أو الحجاج فإنهم يتحدثون بكراهية واضحة عن المسلمين وعن قطاع الطرق واللصوص ويعتبرون المسلم مجرد حيوان كريه الرائحة يحب الدم ويكره سيدنا المسيح. قالت لي الأخت فيرونيكا وهي منفعلة بحيث احمرت وجنتاها فبدت أكثر جمالاً وبهاءً: أهلاً بك أيها الأخ ريمون. نحن بحاجة إليك هذا اليوم. قلت ومشاعر الإثارة تتزايد: أنا رهن إشارتك. قالت بانفعالها الذي لم أشاهده على وجهها منذ أن التقيتها: يزورنا اليوم عربي طبيب، أمير قلعة، وصاحب معجزات، أريدك مترجماً لـه وللمرضى. قلت: ومن هذا العربي الطيب؟!... قالت: شيخ الجبل... أمير قلعة مصياف وصاحب قلاع أخرى. كانت تلك المرة الأولى التي أسمع بها بهذا الاسم، كان للاسم وقع مثير في أذني وفي قلبي.... شيخ الجبل!!.. أنا الذي لم أعرف الجبال وما الذي يوجد فيها، شعرت باستفزاز عجيب دب في جسدي. وعندما دخل الأمير من البوابة الكبيرة للبيمارستان تحيط به حاشيته، وكذلك زوج فاليريا الذي أصبح مركيساً أو مركيز بلغة الافرنسيس، فقد سحرت به، سحرت بالأناقة الشديدة والطول الغامض والعينين النافذتين الآسرتين، كان متوسط الطول، يضع عمامة بيضاء تتوسطها ياقوتة حمراء كبيرة، مزنرة بسلسلة من الذهب شد إليها عدد من المفاتيح الصغيرة والنجوم السداسية تهتز كلما حرك رأسه الضخم الجميل، أما ملابسه فكانت أعجوبة حقاً، بذلك الثوب الحريري الأحمر الموشى بخيوط الذهب من أطرافه وأكمامه، وحزامه الأسود الغليظ، وعباءته القرمزية التي وشمت بتصاوير وخطوط متشابكة باللونين الأسود والأصفر. تقدم تسبقه رائحة عميقة وآسرة، تقدم بوقار كبير، اصطف الرهبان والأطباء من الفرنجة والسريان والأرمن والموارنة، سلم عليهم شيخ الجبل بكامل الأبهة والوقار، في آخر الجمع كانت الأخت فيرونيكا، وعندما وصل إليها شيخ الجبل، انحنت هذه بعينيها المتفهمتين وهدوئها وطيبتها وحمرة خديها، وقبلت اليد التي مدت إليها، ولدهشتي فقد رفعها شيخ الجبل إليه، بأن مد يده تحت ذقنها وشدها إليه، طاوعته كالمسحورة، قال لـها شيئاً برطانة لم أسمع مثلها، فانهمرت دموعها ببطء وهدوء، دهش الجميع، علت همهمة مكتومة، صاح راهب أو اثنان: ليتبارك اسم الرب!!... مشت الأخت فيرونيكا وراءه وهي مطأطأة الرأس، ساكنة الحواس وكأنها سحرت. ولما دخل شيخ الجبل قاعة المرضى التي تغمرها الشمس وتعبق برائحة الليمون والصنوبر، تهللت وجوه المرضى من المحاربين والحجاج الذين أتوا من بلاد وراء البحار. عندئذٍ تقدمت بين يدي شيخ الجبل وقلت لـه بالعربية: أنا سعيد بقدومك أيها الأمير، وأتشرف بأن أكون الترجمان بين يديك. رفع إلي عينيه النافذتين، اللتين يصدر منهما خيوطاً تفكك العظام وتبهر الإنسان. قال ببطء لذيذ يدخل اللحم: هل أنت بولاني؟!كان يقصد أولئك الذين ولدوا من إفرنجي وامرأة من أهل البلاد. قلت: لا يا سيدي، والدي ووالدتي من أهل البلاد، والدي قاض من بيت فوريك، لاحظت اهتمامه: وماذا تعرف من اللغات. قلت وأنا أشعر بالإثارة: لسان الإفرنسيس والطليان واللسان اللاتيني. ارتفعت درجة اهتمامه: كل هذا وأنت شاب؟!.. قلت متحذلقاً: اللسان الجديد عقل جديد... وعمر جديد... سأل وهو يغرز عينيه في عيني، فأشعر بجسدي ينحل: هل تعرف لسان اليهود؟!... قلت بضعف: لا. قال وهو يتقدم في القاعة: لك عندي أمر بعد أن ننتهي من هذا. صرت أترجم لـه ما يقوله المرضى، وأترجم عنه ما يقول، أعجبتني سطوته على الجميع، أعجبني أنه محط اهتمامهم واحترامهم وخشوعهم. كان بلمسة واحدة من يده الضخمة المعروقة المشعرة، يضخ قوة عجيبة في الضعيف والمتهالك والميؤوس منه. عجبت لما يملك الرجل في يديه وعينيه، عجبت لما يجري حقاً، أما الرهبان الآخرون فقد كانوا يتصايحون في كل مرة: ليتبارك اسم الرب. أما الأخت فيرونيكا فقد ظلت متعلقة بأذيال شيخ الجبل لا تفارقه، وللحظة ما رغبت أن أقول للرجل عن سري الذي أحافظ عليه، رغبت أن أقول لـه أنني ما زلت مسلماً وأنني أصلي في السر ما وسعني ذلك، ولكن، وفي اللحظة الأخيرة، امتنعت عن ذلك تماماً. إذ قلت لنفسي أن امتلاك سر خير من إذاعته، وأن إذاعة سرك يعني أنك بلا ثمن ولا قيمة، الأسرار ثروة حقيقية والانكشاف مجرد خزي لا يطاق. وعلى مأدبة الغذاء التي أقامتها الأخت فيرونيكا، التقيت هناك بأسقف صور الذي وصل متأخراً، وهو رجل قصير القامة ضخم الكرش أصلع الرأس، لـه أسنان عريضة كأسنان الخيل، ويتحدث العربية جيداً، وقد انخرط في حديث هامس طويل مع شيخ الجبل لم أسمع منه شيئاً ولكنهما استدعياني في نهاية حديثهما، فنظر إلى الأسقف وليم وسألني عما إذا كنت أتقن اللسان الإيطالي والإفرنسيسي جيداً، فأكدت ذلك تماماً، وسألني عن عملي في البيمارستان، فذكرت لـه كل شيء بالتفصيل، فعاد بالكلام معي بلسان الإفرنسيس، فجاوبته خير إجابة، عندئذ قال لشيخ الجبل بالعربية: أعتقد أننا وجدنا ما نريد. لم أفهم شيئاً، ولكن المائدة كانت قد اكتملت، ولأول مرة آكل ما أحب أن آكل، إذ قدم لحم الضان بالبصل والحمص والدارصيني، وكذلك الدجاج المعرق بزيت السمسم، والفول النابت المقلي بزيت الزيتون، أما الحلوى فكانت ناطفاً من الخرنوب، وقد أكلت حتى لم أعد أميز بين الألوان أو الأشخاص، وفقد شيخ الجبل سحره علي، فذهبت إلى غرفتي لأنام، ولم أصحو إلا بدقات جرس الكنيسة يدعو إلى صلاة المساء. وقد اختلت بي الأخت فيرونيكا بعدها لتقول لي إن شيخ الجبل طلب أن أذهب معه إلى قلعته البعيدة لأعمل ترجماناً لديه. فوافقت بسرعة ندمت معها إذ لم أظهر أدنى تعاطف مع المكان الذي عشت فيه مدة طويلة من الزمن. في تلك الليلة جاءتني فرانشيسكا إلى غرفتي، وهذا ما لا يحصل عادة، وهو خرق لما اعتاد عليه الناس هنا، ودعتني كما طاب لـها أن تفعل، أعطتني خصلة من شعرها وطوقاً جلدياً كانت تعلقه في رقبتها لفتة على رسغي الأيسر، طلبت مني أن أتذكرها دائماً، ثم انطلقت في الليل باتجاه مهجع الراهبات الصامت. في الصباح، كنت مستعداً للرحيل، وإذا بالأب ميشيل يأتي بلهاثه وعرقه رغم الساعة المبكرة، دفع لي بكتاب علي بن عباس المجوسي وقال لي أن أحافظ عليه مثل حياتي لأن شيخ الجبل طلب منه ذلك، وبينما هو يودعني بكلمات طيبة، فوجئت به يقول: لقد كنت كريماً يا ريمون، معي ومع فرانشيسكا، إنها لم تحب شخصاً مثلك. قال ذلك وخرج من الغرفة باتجاه الحديقة. في الباحة الرئيسة للبيمارستان، رأيت شيخ الجبل وحاشيته وبعض الأطباء الفرنجة والرهبان مستعدين للرحيل، أعطيت بغلاً قصيراً لأركبه. قال لي شيخ الجبل على مسمع: هل تريد شيئاً من هذا المكان يا ريمون غير ما تحمل؟!! قلت برجاء: أرغب في زيارة والدي ووالدتي في بيت فوريك يا مولاي. قال: لك ذلك. غادرنا نابلس صباحاً، نابلس التي لا تنسى، جئتها عمر الزين وخرجت منها ريمون، أحسست بأنني كبرت مئة عام مرة واحدة، كنت قد تغيرت تماماً. أنا الآن في حاشية أمير خطير يدعى شيخ الجبل، تتقدمه كوكبة من فرسان الفرنجة تحميه من مخاطر الطريق. وما إن شارفنا على بيادر بيت فوريك حتى فوجئت بالحقول المهجورة والأشجار المهملة، دخلنا على حذر وتوجس، وعجبت لحال القرية، ومن بقي فيها، بالكاد عرفني واحد أو اثنين، تحدثا بخوف ظاهر، سألت عن والدي ووالدتي، قالت لي عجوز لا أسنان لـها أنها ماتا في زمن متقارب لما علما بأنني تنصرت. شعرت بدوار في رأسي وألم في صدري، بالكاد ركبت على البغل، لقد فات الوقت لأقول لوالدي أنني حافظت دائماً على ديني، انطلقنا في الطريق شمالاً وأنا أعاني غاية الكمد. (1) إن كاتب هذه السطور وبينما هو يحقق في مصائر الناس في تلك الحقبة البعيدة، اكتشف أن طائفة حلولية انحلالية ظهرت في القرن الرابع عشر الميلادي ثم اضمحلت أو كادت في القرن الثامن عشر، اعتبرت فرانشيسكا قديسة لما أظهرته من تفان في العطاء وقدرة على استبصار الحقيقة من خلال تحطيم القواعد والقوانين باعتبار هذه تحد من التشوف الإنساني للحرية المطلقة، التي تشبه حرية الإله، فرانشيسكا وحسب هذه الطائفة المضمحلة استطاعت أن تثبت من خلاله سلوكها الفذ افتقار كل شيء للمعنى، وذلك من خلال تفكيك المعنى نفسه ونقضه من أساسه، إلى ذلك، فإن كاتب هذه السطور فوجئ أيضاً عندما قرأ أن شركة إعلامية كبيرة تنتج أفلاماً إباحية قد أطلقت على نفسها اسم فرانشيسكا واتخذت شعارها التجاري من صورة راهبة تكشف عن مؤخرتها الفسيحة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |