|
||||||
| Updated: Monday, August 15, 2005 11:13 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
راشد الدين سنان ينخلع قلب المرء لمرأى المرأة، وقد انخلع قلبي كما ينبغي لـه، فما أن وصلنا مصياف مع دخول الشتاء، حتى تركني شيخ الجبل أنعم بكل طيبات الحصن الحصين إذ يقوم هذا على جبل عال وقاس يصعب تسلقه، والناظر إلى الجبل لا يمكنه توقع بناء حصن مثل هذا على قمة تكاد تلمس الغيوم، فلا طريق لاحبة ولا ظاهرة ولا يوجد ما يشير إليها أبداً، فإذا تجاوزت القريتين أو الثلاثة التي تلتجئ إلى أقدام الجبل، تجد طريقاً ملتوية رفيعة كأفعى تبدأ من تحت صخور هائلة تقودك إلى أنفاق نصف معتمة في مغارات تسيل على جوانبها مياه مغطاة بالطحالب وأعشاب الماء، وستنتبه إلى مواقع قدميك، فالطريق زلقة وخطرة، ولا يمكن التنبؤ بها، وينتابك إحساس بالخوف والرهبة، فيما تستمع إلى أصوات مبهمة وغامضة آتية من الشقوق الكثيرة، وتفقد الإحساس بالاتجاه فلا تعرف فيما إذا كنت صاعداً أو نازلاً. وما أن تجاوزت طريق المغارة، حتى واجهتني طريق أخرى مختلفة، طريق مبلطة ببلاط أبيض مصقول، تحف بها أشجار قصيرة شديدة الاخضرار لا ثمر لـها، وتنتهي ببوابة حديدية ضخمة ذات أربعة مصاريع ومسامير ضخمة غليظة، يقف على باشوراتها حراس لا تبين وجوههم أمامهم أوعية نفط كبيرة، والبوابة هذه ليست جزء من سور مبني بل تقوم بين صخرتين ضخمتين كتب على أحدهما: الداخل في سعد والخارج في نكد. وفتحت البوابة دون أن نرى من فتحها، وأغلقت كذلك دون أن نرى من أغلقها، وما أن أصبحنا في الداخل حتى واجهتنا القلعة المهولة، واكتشفت أننا كنا على جسر خشبي يصل مابين البوابة وباب القلعة، نظرت تحتي، فرأيت وادياً عميقاً ينادي إلى الفناء، واد سحيق بعيد الغور يبعث القشعريرة في الصدر والانحلال في الركب. مشيت محاذراً شاعراً بأنني مخدر، أما القلعة التي أمامنا، فكانت أقرب إلى التربيع منها إلى التدوير، وفي كل زاوية من زواياها الأربع، يقف برج عال بنوافذ ضيقة وباشورة عالية، ومابين كل برج وبرج، كنت أرى بوضوح الحراس وأكف المنجنيقات وآلات الضرب المختلفة، وكذلك سارية العلم الأسود والأصفر تتوسطها دائرة زرقاء كتب عليها الحروف: ح،س،ن. وفيما بعد عرفت أن الحاء من الحسن الصباح، والسين من سنان والنون من نزار بن المنتصر بالله الخليفة الفاطمي. بدا الحصن وكأنه معزول عن الدنيا، لا علاقة لـه بما وراءه، أقرب إلى السماء منه إلى الأرض، بهذه الرفعة التي تلمس النجوم، وبهذا الشموخ الذي يتعالى على كل ما حوله من تلك الجبال المتصلة والتي تركض باتجاه البحر. الحصن يفوق الأحلام حقاً، ولا يمكن تصور مكان مثل هذا على الأرض، فما إن دخلنا الباحة الرئيسية حتى رأينا حديقة غناء، بأشجار مثمرة وأخرى مزهرة وأخرى بلا هذا ولا ذاك، رأينا ماء جارياً وآخر ساكناً وآخر صاعداً وآخر نازلاً، وطيوراً من كل نوع ولون ونغم، وحيوانات مفترسة وأخرى داجنة، ورأينا نساء، النساء في كل زاوية، عاريات، وشبه عاريات وكاسيات وشبه كاسيات، لـهن شعور عجيبة مفرودة ومضمومة، وروائح زاكية، تفعم الروح قبل الجسد، وألواناً وأضواء، ومن عجب، فإن اجتماع الماء بالضوء بالنغم يدفع المرء إلى كثير من الخفة والطرب والانتشاء. وقد انخلع قلبي لمرأى ذلك كله، كان لا يمكن تصديق أو تصور مكان كهذا بين هذه القمم التي تبدو بلا نهاية. الحصن الذي عرفت فيما بعد أن لـه باحة رئيسية وباحتان ثانويتان أحدهما شرقية والأخرى غربية، كان مؤلفاً من عدة طوابق، اثنان منها تحت الأرض، وثلاثة فوقها، ولكنها ليست متراكبة، فالطابق الأخير يتكئ على قمة الجبل، ولهذا فإن الطابقين الذين فوق الأرض يعلوان كثيراً ليكونا على مستوى الطابق الأخير المتكئ على قمة الجبل، ولهذا أيضاً كان من الصعب وصف الحصن بالتربيع الكامل، ولوهلة ما تشعر أن الحصن يقوم داخل الجبل وليس فوقه، ولوهلة أخرى تعتقد أن نصف الحصن من الجبل والنصف الآخر من الحجارة، خاصة وأن هناك نهر ماء يجري في الطابق السفلي ويذهب إلى حيث لا يدري أحد، ولكن، وللحقيقة فإن هذا الوصف لا يكفي، إذ أن للحصن أسراراً وأسراراً لم تنكشف لي رغم إقامتي الطويلة فيه، فقد قيل لي إن تحت الحصن أنفاق تؤدي إلى حماة مروراً بسلمة، وأخرى تؤدي إلى حلب، استكثرت ذلك فالمسافة بعيدة، ولكنهم أكدوا لي الأمر، قائلين أن مولانا راشد الدين سنان استعان بخاتم سليمان في تسخير الجن والمردة لبناء هذا الحصن العجيب، وأضاف هؤلاء أن مولانا راشد الدين بنى قلعة تفوق قلعة الموت التي أقام فيها مولانا الحسن الصباح دولة العظمية في بلاد فارس. لم يظهر مولانا راشد الدين خلال مرورنا بالأبواب أو بالحراس على أحد، كان على ناقته السوداء تغطيه ستائر من الديباج الأسود والأحمر معرقة بخيوط من الحرير الأصفر، و كلما مررنا بباب أو بجماعة، ينحني الجميع بما هو بين الركوع والسجود، حتى وصلنا الباحة الرئيسية، فانسربت الناقة في ممر واسع يفضي إلى ما لا أعرف. أما أنا فقد قادني شاب في مثل عمري إلى باب صغير يفضي إلى سلم حجري نازل مضاء بشموع غليظة معلقة على الجوانب، هبطنا أكثر من عشرين درجة حتى وصلنا إلى ممر طويل على جانبيه حجرات كثيرة مغلقة الأبواب، تقدمني الشاب إلى غرفة في نهاية الممر، دفع بابها، فدخلت، فوجدت نفسي في حجرة صغيرة أنيقة، فيها سرير خشبي حسن الصنع وخوان مصدف، وصندوق كبير وقراطيس فيها أوراق، أما النافذة الوحيدة التي يرى منها الشمس فقد أطلت على أفق واسع ممتد يزدحم بالقمم والقيعان البعيدة، كان ذلك ساحراً وفاتناً ولمس قلبي حتى رغبت بالرقص. قال لي الشاب أن الحمامات في الطابق السفلي مباشرة، أما الطعام والشراب فسيأتيني ثلاث مرات في اليوم إلى حجرتي. تبسم في وجهي وانطلق. قربت الخوان إلى النافذة وجلست أحدق في ذلك المشهد الفاتن، حيث امتدت أمامي قمم الجبال وجذوعها المتداخلة المتشابكة، فكأنها أصابع كف عظيمة تفترق وتتلاقى لتوتر فيها أو لعشق، وكل هذا غارق في غلالة من رذاذ فضي جعلت منه أشعة الشمس أشبه بالندى وماهو بالندى. شملني برد عجيب في روحي وفي بدني، لحقني ما يلحق بالمنتشي طرباً أو عشقاً، اندفعت أسبّح اسم الله في قلبي، كان لا يمكن إلا ذكر الله أمام كل هذا الإبداع. وفي ذلك المساء جاءني نفس الشاب ليقودني إلى قاعة رحبة فيها نوافذ عديدة تروح فيها النسائم اللطيفة وتجيء، على جوانبها أصص الورد والريحان والقرنفل، وتتضوع من زواياها روائح الند والبخور، وقد طرحت طنافس جلدية ونمارق من الحرير، وفي أعلاها مصطبة غطيت بستائر فاتحة اللون لم أميزها للضوء الذي يغرق المكان. وجدت أمامي كثيراً من الشبان في مثل عمري، لـهم أزياء لا تشبه زيي، ولهم ملامح مختلفة وبعضهم يرطن بلغة لا أفهمها. وقف شخص متقدم في السن أمام الجميع، تحدث بلهجة بين الجد والهزل، فقال: إن هذا الاحتفال لأولئك الذين يدخلون جنة مولانا راشد الدين لأول مرة، قال ذلك بعدة لغات كما يبدو، لأنه انتهى من كلامه بقول ذات القول بلسان الإفرنسيس الذي أتقنه. طاف علينا ولدان يلبسون سراويل قصيرة وقمصان بلا أكمام وشعور مسرحة تلمع بالزيت، بقوارير فيها منقوع الحشيش، تذوقته بطرف لساني فإذا به ممزوج بمعقود السكر، لم تمض فترة طويلة حتى شعرت بالضباب يملأ رأسي، وخفة عجيبة أشعرها على جلدي، بدت الدنيا مضحكة حتى في حجومها وطعومها، ولما انسابت الموسيقى وملأت المكان وفاضت، رميت بنفسي في تلك البؤرة التي تشدني إليها الألحان، ولما تداخل جسد الراقصة واستحم بشلال الأنغام، فقدت آخر خيط بالمرئيات حولي. كنت أعرف أن هذا هو مصدر ضعفي، كنت أحب الله وأحب الموسيقى وأحب النساء ولكني كنت أرغب أن أغطي كل ذلك بامتلاك القوة، ولا يأتي ذلك إلا بالصبر والاحتمال والمعرفة العميقة. ثم طاف الولدان علينا بمشموم ومأكول آخر، فطاش الدماغ، وضاعت كل الموجودات، وأحسست أني عدة أشخاص في أمكنة مختلفة، وشعرت بأني باشق أحلق في أجواز السماء، وشعرت بدفق الماء في جذوري، كان ذلك فوق الاحتمال، استمر عدة ليال، وحتى أستعيد توازني، اعتدت أن أفتح النافذة وأحدق في ذلك الليل الممتد على القمم وفي القيعان، أفكر بالأشجار العارية على تلك الجبال وتلك الحيوانات الليلية الهائمة وكل تلك المخلوقات التي تخرج في الليل تبحث أو تستكشف أو تتأمل. كان الكون فسيحاً وممتداً وعميقاً ولا يمكن الإحاطة به. ثم عرفت مهمتي التي جئت من أجلها، فقد كان يجاورني عدد من الرهبان والأطباء القادمين من أنطاكية وبيزة وصور وبيت المقدس وعكا، جاؤوا بأمر من أمرائهم أو ملوكهم أو حتى رؤساء أديرتهم بهدف ترجمة كتب الطب والجراحة والأعشاب ومن ثم العودة إلى بلادهم التي أتوا منها. كان هناك أيضاً أطباء ومترجمون من اليهود والسريان والأرمن والموارنة، وقد تعرفت إليهم جميعاً، وتحدثت معهم. فقد كان العمل يبدأ في ساعة مبكرة بعد الإفطار مباشرة، حيث تأتي خادمة سوداء بالخبز الرقيق الأبيض والعسل المنزوع الرغوة والجبن الصلب وشراب من عصير الرمان الممزوج بالدار صيني، مما يجعل لـه طعماً لا ينسى. كان الرهبان والأطباء الفرنجة مهتمين كثيراً بطب العيون وطب الكسور والجروح، وكذلك بما يتعلق بالباه وتقويته، وقد عجبت لـهم حقاً إذ كانوا يختارون من كتب الطب الكثيرة تلك الأجزاء المتعلقة بما يريدون فقط، فلا يهمهم من كتاب ضخم سوى ذلك الجزء الذي يصف كيفية العلاج فقط، وكأنهم كانوا على عجلة من أمرهم. كانت مهمتي أن أساعد هؤلاء في ترجماتهم السريعة والمرتبكة، فهم في غالبيتهم يدعون معرفتهم للعربية، ولكني وبعد التمحيص وجدتهم لا يعرفونها بما يكفي، بل هم يتحدثونها بكثير من التهويش والتشويش، ولهذا كان علي في كثير من الأحيان أن أنقل النصوص من العربية إلى اللسان الإفرنسيسي أو الطلياني أو اللاتيني كاملة دون تدخلهم. أما الأطباء السريان والأرمن والموارنة وهم مهرة في صناعاتهم فقد كانوا يشرحون لأولئك أسرار الجراحة الخفية، حيث يأتون بالأرنب أو الخنازير الصغيرة ويشقون بطونها أو عيونها ويبدؤون بشروح طويلة تستمر حتى موعد الغذاء، وكانوا في العادة يستعملون آلات لـها أشكال عجيبة ولها أسماء أعجب مثل مكاوي الطحال وزراقان الكولنج وقناطير التبويل وملزم البواسير ومجرفة الأذن ومخرط المناخير ومخالب التشمير ومحك الجرب ومفتاح الرحم ودرج المكاتل وغير ذلك ما لا يطاق رؤيته أو حتى سماعه. وقد انخرطت مع راهب إيطالي نشيط في أواسط عمره يدعى قسطنطين في ترجمة كتاب الكامل في صناعة الطب لعلي بن عباس المجوسي، وكان ذلك سهلاً علي، إذ أنني عملت مع الأب ميشيل طويلاً في هذا الكتاب، وكان قسطنطين لا يتوانى عن سؤالي عن كل كلمة يقرؤها، وعندما تكون الكلمة من الصعوبة بمكان يذهب إلى طبيب أرمني أو ماروني ليصفها لـه من وجهة نظر الطبيب. وقد عجبت أنه بعد أن انتهى قسطنطين من ترجمة بعض الكتاب وضع اسمه عليه ولم يضع اسم المؤلف، فلم أجرؤ على المراجعة، ذلك أنني ريمون ويجب أن أتصرف مثل ريمون في مثل هذه الحالة، ولكن قسطنطين لم يكن الوحيد في هذا، فأغلبية المترجمين هنا يجتزؤون الكتب التي أمامهم وينسبوها لأنفسهم. كنا نعمل في قاعة تقابل الجناح الذي نقيم فيه، فيما كانت هناك قاعة أخرى على يمين قاعتنا، وقد مضى وقت طويل قبل أن أدخلها، فقد ادعيت رغبة بالتعرف على المذهب الذي يدين الحصن به، فدخلتها، فوجدت آلاف الكتب في خزائن ضخمة تصل السقف، ووجدت عشرات النساخين وواضعي الكتب منكبين على القراءة والنسخ والمحاورات التي لا تنتهي. كانوا مشغولين بكتب أبي يعقوب السجزي وأبي عبد الله النسفي وهما من كبار علماء الإسماعيلية، فهذا الأخير هو من وضع الكتب في أصول دعوتهم مثل كتاب "المحصول" و"عنوان الدين" و"أصول الشرع" و"الدعوة المنجية". وكذلك كتب أبي حنيفة النعماني المغربي وخاصة كتابه "الهمة وفضل الأئمة"، الذي فصل فيه واجبات الاتباع والمريدين أمام الدعاة والأئمة، وكتاب جعفر بن منصور اليمن وكتابه "أسرار النطقاء"، حيث يتحدث عن غيبة الإمام والإمام الصامت أو الإمام الأساس الذي يشرح أقوال النبي وينطق عنه وهؤلاء ستة بالتوالي. وكذلك كتاب هبة الله الشيرازي "المجالس المؤيدية" في التأويل الإسماعيلي. وقد انهمكت بالقراءة وانشغلت بها، فكان ما علق في ذهني وأذهلني أن لابد من وجود إمام معصوم، إلهي، يعرف علم الباطن ولا أحد يعرفه غيره، وأنه إذا كان مستوراً، فإن حجته يجب أن يكون ظاهراً، وإذا كان ظاهراً فإن حجته يجب أن يكون مستوراً، وأن الله فوق متناول العقل، فهو لا موجود ولا غير موجود، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، وهم لا يثبتون وجود الله ولا ينفوه، فهو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين المتضادين. أما الحج فظاهره إلى الكعبة أما حقيقته فهو إلى إمام الزمان ظاهراً أو مستوراً، وفي المحاورات التي كنت أسمعها بين المشتغلين بهذه الكتب، سمعت أن مولانا راشد الدين قال بالتناسخ وهو ما يعني أن روح الإنسان تنتقل من جسد إلى جسد لتنال ثوابها وعقابها، وكان هؤلاء يسوقون أمثلة وحكايا تدلل على صدق انتقال الأرواح إلى أجساد الكلاب أو الحمير أو النساء الجميلات أو الغلمان المرد، وقال بعضهم إنه يتذكر حياته السابقة حيث كان في جسد جعل وحكى عن طعم التراب، أما ثالث فقد ذكر أنه يتذكر كيف كان طعم العشب عندما كان في جسد بقرة، وتحدثوا عن تعرفهم على أماكن لم يألفوها من قبل وعلى وجوه لم يروها أبداً، وكانت تلك قصص مسلية وغريبة ومدهشة حقاً، فقد تحدث أحد علمائهم عن ذكرياته في جسد بغي عاشت في عكا كانت تسكن بين حيا البيازنة وحي الجنوية، وأضاف أنه ارتقى في العمل الصالح حتى استطاع الحصول على جسد عالم يعيش في جنة مولانا راشد الدين. فلما سألتهم عن الأجساد والأرواح الشريفة وتلك الرديئة، قيل لي أن الشرف والرفعة هي معرفة إمام الزمان، فالجعل والبقرة والبغي لا يعرفون إمام زمانهم. وقد استغرقني ذلك وأشغلني حقاً، فقد كان ما تعلمته من والدي لا يشبه ما أتعرف عليه الآن، وما لا يشبه ما علمنيه إياه الأب كلود، تحركت غرائزي كلها، تفتح ذهني لمعرفة الأعمق والأبعد، رغبت حقاً أن أعرف أين أنا، وما هذا المكان، وما الذي يجري في الطوابق المختلفة والحجرات المغلقة. فادعيت بتبحري في تلك العلوم، وطلبت الاستماع إلى أولئك المتبحرين في المسائل العويصة، ولوحت بإمكانية تحولي عن النصرانية إلى مذهب مولانا راشد الدين، فاهتم متولي القلعة بذلك ووعدني خيراً، وبينما أنا في قاعة الرهبان والأطباء أعمل معهم، حتى استدعاني خادم وقادني إلى الطوابق السفلية من القلعة، إذ نزل بي سلماً حجرياً طويلاً إلى أعماق لولبية بالكاد مضيئة، وأخيراً وصلنا ما يشبه المصطبة الدائرية حولها أبواب ثلاثة مغلقة، طرق إحداها فانفتح الباب من تلقاء نفسه، دخلت متوجساً، فلم أر شيئاً سوى ستائر تصطفق بفعل ريح لم أعرف مصدره، وشمعة تهتز فترمي ظلالاً عشوائية، لم أشاهد أحداً، زاد توجسي، بحثت بعيني خلف الستائر علي أجد أحداً، فلم أعثر على شيء، مضى وقت على هذا، صارت الريح أكثر برودة وسرعة، زاد اصطفاق الستائر وانطفأت الشمعة وساد ظلام كريه، عندئذٍ شعرت بالخوف حقاً، بحثت عن الباب لأخرج، وجدته مغلقاً، وإذا بصوت عميق وقوي وجارف وكأنه بعشرات الحناجر، يقول: -هل خفت يا ريمون؟!... في الحقيقة فقد كنت مرتعباً، قلت بصوت حاولت أن أخفي فيه خوفي: لا يخاف من هو في ضيافة مولانا راشد الدين. قال الصوت الذي لم أحدد مصدره: ماذا تريد أن تعرف يا ريمون؟! قلت وأنا أستعيد سيطرتي على نفسي: كل شيء... بي فضول شديد للمعرفة. قال الصوت: ولكن لا حقيقة هناك؟!... قلت: وما الحياة، وما الموت؟!... قال الصوت العميق: هي دورات نخلع فيها هذا اللحم الوسخ لنلبس غيره. قلت: ثم ماذا؟!... قال الصوت: لا شيء غير اللذائذ!! قلت: لاشيء غير اللذائذ؟!... قال الصوت: تقديس الإمام، الظاهر والمستور. قلت: فالجنة والنار؟! قال الصوت: عرفت الإسلام وعرفت النصرانية يا ريمون، وكل هذا باطل. قلت: فما هو الحق إذن؟!... قال الصوت: الإمام صاحب العلم وصاحب الأمر. قلت: وماذا بعد الإمام؟!... قال الصوت العميق القوي الجارف: بعد الإمام، كل شيء مباح. قلت: فماذا أفعل؟!... قال الصوت: تعتقد بقلبك وجوارحك أن مولانا راشد الدين، من نسل تقدس اسمه مولانا نزار بن المستنصر. قلت: وما العلامة؟!... قال الصوت: مولانا راشد الدين يعلم الغيوب، ويتحول، ويغيب، ويعاقب ويثيب؟؟!... سطع في ذهني وجه أبي الغاضب المحتقن بالدم والقهر: حافظ على دينك دائماً. قلت: فكيف تحده الجهات والثياب ويأكل الطعام؟!... قال الصوت العميق: هذا ظاهر الأمر أما باطنه فلا، إن مولانا مثل هذه القلعة، يظنها الناس من ثلاثة طوابق، وما علموا أن طوابقها في باطن الأرض أكبر وأعظم وأجمل. لكل أمر ظاهر وباطن، أما الظاهر فللعامة والجهلة أما الباطن فهو لأولي العلم والمعرفة. قلت بثبات عجبت لـه: أنا أؤمن بمولانا راشد الدين، تقدس اسمه. هدأت الريح وأضيئت الحجرة من حيث لا أعرف، وفتح الباب من تلقاء نفسه، فإذا بالخادم ينتظرني، قادني إلى طابق سفلي آخر، وما أن ولجنا بوابة خشبية تحفها المشاعل من جميع أطرافها، حتى دخلت حديقة عجباً، فنورها بين البياض والزرقة، وأشجارها كأنها مطلية بنثار الذهب، وطيورها ثابتة لا تريم ولا تتوقف عن السقسقة بصوت كأنه الهمس، أما أرضها فكانت أشبه بالحناء ملمساً ورائحة، وانعقد لساني تماماً عندما شاهدت شخصاً يشبهني طولاً وعرضاً وزياً وملامحاً. لم أستطع الحركة، كان هذا أكثر مما أطيق. تقدم مني مد يده مصافحاً بصوت هو صوتي: أهلاً بك في عالم الحقيقة!!.. لم أستطع الكلام، أضاف بصوتي: لا تندهش، ولا تخف، أنا شبيهك في عالم الحقيقة. أنا صورتك في المرآة، أنا هو من تعتقد أنك هو ولا تظهره على الناس، أنا حقيقتك. استطعت أن أحرك لساني: ولكن... أنت... أنت تشبهني تماماً!... قال بصوتي: ليس هذا فقط، بل أنا غرائزك وهواجسك وأحلامك أيضاً، في عالم الحقيقة لا نخفي شيئاً. يمكنك القول أنني تأويلك. قلت: فما حقيقتي. قال وهو ينظر إلي بالطريقة التي أنظر بها إلى الناس عندما أدقق:أنت تحب أن تؤمن وتحب الموسيقى وتحب النساء، وأنت تريد أن تبدو على غير ما أنت عليه. قال ذلك بهدوء وثقة وبطريقة لا يبدو معها أنه معرض للخطأ. اهتززت حقاً. وتزعزع كياني. هل يمكن لراشد الدين أن يكون إلهاً كما يقول؟!... أخذ يدي، قال: تعال معي. سرت معه كالمسحور، تجاوزني نهر ماء يهدر بين الجدران والصخور والأشجار المطلية بالذهب. كانت في الجو رائحة عجيبة تتضوع فتحيل الجسد إلى ما يشبه الريشة. هبطنا من الحديقة إلى رحبة واسعة تتوسطها بركة صغيرة يفور الماء فيها فيظهر على سطحها زبد خفيف سرعان ما يتطاير، صفق شبيهي بكفيه، فاندفعت إلى الرحبة مجموعة من النساء الشابات محلولات الشعور يلبسن غلالات بيضاء وحمراء تبين معها ما تحتها، رمين أنفسهن في البركة الفوارة وبدأن بالتعابث اللطيف الذي يأخذ بمجامع العقل. قال شبيهي: -أمامك نساء روميات، الأظهر أرحاماً، الراغبات دوماً، الدسمات، والعريضات والمحتملات. حدقت بما أمامي، تطاير دمي في كل الجهات. صفق شبيهي بكفيه، فخرجت هؤلاء من الماء يقطر من أطرافهن، وما أن اختفين وراء باب ما حتى اندفعت مجموعة أخرى من النساء في مقتبل العمر، ورمين بأنفسهن في البركة الفوارة وكأنها تقوم على تنور. قال شبيهي: -أمامك نساء أندلسيات، الأجمل، والأطيب رائحة والأملح وجوهاً والأوسع عيوناً. ثم غبن وجاءت مجموعة أخرى ففعلت ما فعلت الأخريات. -أمامك نساء هنديات وسنديات وفيهن يجتمع الشبق بالقذارة ومحبة الرجال بسخف العقل. توارين وظهرت مجموعة أخرى، وقال شبيهي: -أمامك نساء حبشيات الأطيب نكهة والأشد طاعة، والأكثر تذللاً للرجل. توارين وجاء غيرهن، وقال شبيهي: -أمامك نساء بغداديات، الأجلب للشهوة. ثم قال: -أمامك نساء شاميات، الأكثر وداً والأكثر جرأة. ثم قال: -أمامك نساء فارسيات الأحسن أحوالاً ولطفاً والأحفظ عشرة. ثم قال: -أمامك نساء نجديات، الأنجب أولاداً والأكثر صيانة. ثم قال: -أمامك نساء نوبيات، الأسخن والأنعم. ثم قال: -أمامك نساء تركيات، الأبرد جسداً والأكثر مشاكسة. ثم قال: -أمامك نساء مغربيات، الأشد محبة. ثم قال: -أمامك نساء مصريات، الألطف كلاماً والأرق طبعاً والأكثر تخلعاً. ثم قال شبيهي وهو يحرك يده كما أفعل تماماً: -هذه هي نساء الأرض –وليس بعدهن من نساء- لك منها ماتشاء!!... لم أستطع الرد، سحبني من يدي بلطف، تجاوز الرحبة إلى نفق نصف معتم، ثم دفع بوابة من قضبان حديدية فإذا نحن في مغارة ضيقة، ينحدر في عمقها خليط ماء يلمع، أخذ من ثيابه خاتماً لـه فصوص غليظة من أحجار كريمة لم أميزها جيداً. دفعه إلي قائلاً: -أفرك هذا الخاتم وسترى العجب. أخذته بتوجس شديد، ولكن باستسلام. فركت الخاتم، وإذا بالمغارة تنفلق كالرمانة، وإذا بي أقف على حافة هاوية عميقة يتصاعد إلي منها هتاف مشروخ كاحتكاك الأوعية النحاسية: لبيك لبيك. تلبسني خوف شديد، قلت من هذا؟!... قال شبيهي: هذا جني يخدم هذا الخاتم، هو لك إن شئت!!.. أؤمره بما تريد. قلت في العمة: أريد زيتاً من بيت فوريك. هكذا قلت دون تفكير سابق. كان بيت فوريك في قلبي دائماً. بين مصياف حيث أنا وبين بيت فوريك مسيرة خمسة عشر يوماً على الأقل. فجأة كانت جرة زيت صغيرة تحت قدمي. رفعتها كالمسحور، رفعت غطائها ودسست أنفي في فوهتها، فدهمتني نكهة الزيت الدسمة العميقة. قال شبيهي: ماذا تريد أكثر؟!... لم أستطع الرد. كانت الهاوية تحتي عميقة يتصاعد منها همهمات تشبه همهمات الدواب الحبيسة. قال شبيهي: تريد أن تطمئن إلى ربوبية مولانا راشد الدين. لم أرد. كنت كمن يستمع إلى نفسه، كان شبيهي يتحدث بلساني وعقلي، سحبني من يدي، خرجنا من المغارة، عدنا إلى النفق نصف المعتم، مشى بي قليلاً قبل أن يتوقف عند نافذة صغيرة تطل على القمم والقيعان الممتدة ما امتد البصر، قال لي شبيهي: ادع مولانا ينزل المطر!! قلت أو لم أقل: أدعوك يا مولانا سنان أن تنزل المطر. وما أن أنهيت جملتي، حتى اكفهرت السماء، تجمعت الغيوم السوداء الكثيفة والغليظة من أركان السماء الأربعة، اندغمت فيما بينها، أبرقت فأرعدت فانهمر المطر بكثافة عجيبة، كان للمطر رائحة وصوت وسرعة، مددت يدي من النافذة لألمس المطر، فشعرت أن حبات المطر كبيرة ودافئة. قال شبيهي: نحن في عالم الحقيقة... ألم أقل لك!!... قلت أو لم أقل: وما عالم الحقيقة؟!... قال شبيهي: المستحيل في دار الدنيا، جائز وواقع في عالم الحقيقة. كل ما جعله العقل محالاً، هو في عالم الحقيقة ممكناً، العقل قاصر، والظاهر لا يكفي، وفي عالم الحقيقة فإن الأضداد تجتمع، وإن كل حديث وآية مما صرفها العقل عن ظاهرها تجدها هنا على حقيقتها. قلت أو لم أقل: وهل العقل قاصر إلى هذا الحد؟!.. قال شبيهي: وما العقل، إنه الأداة الأكثر ضعفاً وعجزاً في الإنسان، ما أسهل أن يفقد المرء عقله فلا يعود يميز بين أمه وزوجته. قلت أو لم أقل: فماذا تريدون مني؟!.. قال شبيهي: أريدك أن تصدق بما ترى. بعد ذلك، لم أعلم من أمري شيئاً، فقد صحوت في حجرتي عارياً، ووجدت بالقرب مني وعاء فيه منقوع الحشيش ومشموماً من حشائش أخرى قيل لي أنها من بلاد قندهار أو بلاد الملتان. استرجعت ما حصل لي، فلم أعلم أكان ذلك حلماً أو حقيقة، ولأول مرة منذ دخولي هذه القلعة شعرت أن المكان مليء بالأسرار التي تدعو إلى الخوف والريبة والحذر، ذلك أن أصحاب الأمر هنا يستطيعون التلاعب بكل شيء حتى بالأحلام. تراءى لي وجه والدي المحتقن:حافظ على دينك دائماً. حاولت أن أرد الأمر كله إلى أساسه الأول، فتحت النافذة، تنسمت النسيم البارد العليل، حدقت بقرص الشمس الرائع، قلت لنفسي، يا الله... أنقذني في ما أنا فيه. يا الله... إن دماغي أصغر من كل هذا، وأنت أكبر من كل شيء، أنقذني أيها الكبير. وقد جاء الفرج وإن متأخراً، فقد انتدبني متولي القلعة لأعلم العمي الصغار، أو الفداوية، اللسان الإفرنسيسي واللسان الطلياني. فهم بالإضافة إلى تدربهم على استعمال الخنجر ووضع السموم في المأكل والمشرب والملبس وفنون المصارعة والقفز والاختباء والتنكر، فهم يتعلمون أيضاً ألسنة أعدائهم حتى يسهل الاقتراب منهم من دون إثارة للشبهة، وقد علمت أن الفداوية يعملون لحساب من يدفع أكثر، فمولانا راشد الدين يدفعهم إلى قتل الإفرنجي والمسلم سواء بسواء، فضلاً عن دفعهم لقتل أعدائه شخصياً. والفداوية لا يعرفون بعضهم البعض، فهم يتخذون أسماء مختلفة، ولهم سحن مختلفة، فترى السحنة العربية بوضوحها وحدتها، والسحنة التركية بغلظتها والكردية بخشونتها والفرنجية بحمرتها وبياضها، والفارسية بنعومتها، والسودانية بامتدادها، هناك فداوية من كل نوع وجنس، وكلهم في مقتبل العمر، صامتون لا يتكلمون إلا إذا سئلوا، قساة وحازمون، ولوهلة ما حسبت أنهم يتعاطون طيلة الوقت ما قد تعاطيته، أو قد رأوا ما قد رأيته، وهم –ومن أجل سرعة الحفظ- يأخذون حب البلاذر الذي يفيد في حدة العقل وسرعة الحفظ، وهو حب لـه قدرة عجيبة في الدماغ ومن يكثر منه يصاب بالجنون أو بالعته، وربما كان هذا هو سر جحوظ أعينهم. وقد انتقلت إلى تعليمهم في الطابق العلوي الأخير من القلعة في الوقت الذي غادرنا فيه معظم الأطباء والرهبان بعد أن انتهى الجميع تقريباً من ترجمة ما يريدون، خاصة وأن الشتاء كان دخل بقسوة غير معهودة، في تلك الأثناء كنت قد استطعت أن أجمع وأقطر ما نمى إلى علمي من حكايا وإشاعات وأكاذيب وحقائق حول مولانا راشد الدين، وحاولت أن أرتب الحكاية ما وسعني ذلك، وقد توصلت إلى أن مولانا هذا قد نشأ في البصرة، وتشيع مبكراً، إذ كانت الخلافة العباسية في لحظات ضعفها المزمن كما هي الآن تماماً، ولكن مولانا راشد الدين الذي سحرته الدولة العبيدية في مصر لم يجد غير قلعة الموت في بلاد فارس ليزداد علماً ومعرفة، إذ أن دعاة الدولة العبيدية انطلقوا إلى فارس حيث الناس هناك أكثر قابلية لدعوتها، وفي قلعة الموت التقى مولانا بالإمام حسن بن محمد وكان شاباً في مثل عمره، فارتبطا بعلاقة وطيدة قيل فيها ما قيل، والإمام حسن بن محمد هو ابن الإمام محمد بن كيابزرك جميد، ولكنه أنكر هذه الأبوة عندما صار إماماً ورئيساً للدعوة الباطنية، فادعى أنه إمام العصر وأنه ابن الإمام من نسل نزار بن المستنصر، ولتبرير ذلك فلقد لجأ إلى مسألة الظاهر والباطن هذه، فقد قال إنه ابن محمد بن كيابزرك جميد في الظاهر ولكنه ينحدر من نسل الإمام الأكبر نزار بن المستنصر الفاطمي في الباطن. حسن هذا، وبعد أن صار أمر الدعوة إليه أعلن في شهر رمضان قيام القيامة وأنهى الشريعة وأسقط التكاليف وأباح الإفطار، ثم أمر مولانا راشد الدين سنان بمغادرة قلعة الموت إلى بلاد الشام لبث الدعوة في تلك الأنحاء. مولانا راشد الدين واسمه الكامل سنان بن محمود لا يعرف أحد عنه شيئاً، لا أمه، ولا أبوه، ولا أصدقاؤه ولا معارفه ولا علمه ولا حتى ملامحه، استطاع أن يجمع حولـه الناس وأن يبسط نفوذه من أعالي فلسطين وحتى أطراف حماة، على طول قمم تلك الجبال العالية، من خلال قلاع وحصون منيعة وأتباع يمشون وراءه كالمنومين، ولما صار الأمر إليه، قطع العلائق مع ولي نعمته الإمام الحسن بن محمد، وقيل في ذلك أنه أراد الانتقام من صديقه اللدود، إذ أن علاقتهما أيام الشباب علاقة غير سوية، وقيل إن الإمام الحسن ماكان ليطلب من صديقه مغادرة قلعة الموت إلا لأن الغيرة والحسد والرغبة في التملك كانت هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك. ولهذا أيضاً، أسقط مولانا راشد الدين حرفي النون والحاء من علمه وبقي حرف السين. وقد ذهب مولانا بعيداً باستغلال الظاهر والباطن ليقول بتجدد الأرواح وتناسخها الأمر الذي سهل عليه فيما يبدو ادعاء الألوهية، وماكان لي أن أعرف كل ذلك لولا فرج الله الذي أضاء لي الطريق في ذلك الشتاء القاسي، فقد قاربت على الجنون أيامها، ذلك أن شبيهي كان يأخذني كل مساء إلى طوابق القلعة السفلية قائلاً لي: -تعال نسخر من عقولنا. أو كان يقول: هيا بنا ننتهك نواميس العقل الذي منحنا. كنت أنا وشبيهي نمارس ذات الأفعال وكأنني أنظر إلى نفسي في مرآة، وكنا نأمر الجني أن يأخذنا إلى بلاد بعيدة، وراء البحر، وفوق الصحراء، وأن يطير بنا فوق القمم وقريباً من القيعان. وكنت أنقسم إلى أشخاص عديدين، وأصير كما أريد، شجرة أو عصفوراً أو فراشة، أحس بما تحس هذه المخلوقات، أكاد أصير دودة بلا إحساس، وأكاد أتحول إلى هباء من شدة التوهج. كان شبيهي يقول عادة: هل اكتشفت قصور العقل، أليس هناك من حاجة ماسة للذهاب إلى ما وراء العقل. كان يسحبني إلى ما لا أطيق، وصرت على شفا هاوية من الجنون لولا فرج الله، وتمثل فرج الله بقدوم أهالي جبل السماق القريب من مصياف إلى مولانا لتقديم الولاء والتعظيم لـه. جاؤوا تتقدمهم أحمال الزيت والنبيذ والقمح والسكر والدهن والصابون والبقر والغنم والنوق السود التي يحبها مولانا ويعتز بها. وكان أهالي جبل السماق هم أول من جهر بربوبية مولانا راشد الدين، فعبدوه، وأقاموا لـه معبداً سموه هيكل سنان، وجعلوا لـه تمثالاً من خشب الأرز طلوه بالذهب والنحاس، ولهم في ذلك عيد تلبس فيه النساء ملابس الرجال، وفيه لا يمتنع الرجل عن أمه أو أخته أو ابنته، وأنهم لـهذا التحلل، فقد أسموا أنفسهم المتطهرين، أي من خطايا الأمم الأخرى التي تضع نصب أعينها الحلال والحرام أو العيب أو الخجل، أو الحياء، وهم بهذا اعتبروا أنفسهم أكثر الناس حكمة وجرأة وحقيقة وتطهراً. كانت السماء تمطر لحظة دخولهم القلعة، فاستدعاني متولي القلعة على عجل، وكان مضطرباً جداً وهو يقول لي: أنت تفهم بالأعشاب، أليس كذلك؟!... قلت: قليلاً... قال: اتبعني إذاً. دخلت معه عدة أبواب، ثم وقفنا أمام باب محكم من الخشب والرصاص، طلب مني أن يضع عصابة على عيني قائلاً أنني الآن في مكان لا تنفع معه العيون ولا يجوز فتحها أيضاً. قبلت على مضض، وضع العصابة على يدي، ثم دخل بي أبواباً وممرات لا أعرف منها شيئاً، كنت في بعض الأحيان أشعر بالحرارة وأخرى بالبرودة، وكنت أشعر أني أمشي على أرض غارقة بالزيت وفي مرات أخرى كأني أمشي على رمل، وهكذا، حتى وصلنا حجرة واسعة جداً، تعبق برائحة لم ألتقطتها من قبل، لم تكن رائحة منفرة، كانت رائحة محايدة بشكل يدعو إلى الريبة، كانت الحجرة مزينة برسومات لحكماء هنود وإغريق وفرس، ورقاع من الجلد مكتوب عليها بالفارسية التي لا أتقنها رغم أن أهل القلعة يتحدثون بها عادة، التفت إلى متولي القلعة بقلق بالغ. -اسمع يا ريمون، الأمر كله يتعلق بمهارتك، نحن منتبهون إلى عقلك وحسن تصرفك. قلت وتوتري يزداد: أنا رهن إشارتك!! قال: مولانا راشد الدين، تقدس اسمه لحقه ريح شديد في بطنه يمنعه من لقاء أهالي جبل السماق. قلت: وماذا تطلب مني؟!... قال: أمامك في هذه الخزانة كل ما تحتاج إليه من أعشاب وأدوية، وأريدك أن تنقذ مولانا فس ما هو فيه؟!... في تلك اللحظة، سمعت ومتولي القلعة صوت ضرطة منكرة طويلة دفعتني دفعاً إلى الضحك واريتها بتحريك رأسي إلى هذا الجانب وذاك. قال متولي القلعة وكأنه لم يسمع: مولانا في ضائقة شديدة. توالى الضراط الطويل المنكر، ولم يعد الأمر مثيراً للضحك بل للسخرية العميقة. قلت لأنقذ نفسي من كل شيء: سأفعل ما بوسعي!! فتحت الخزانة المزدحمة بالقوارير والأوعية، تناولت شيئاً من حب القزحة وشيئاً من سكر النبات، سحقت ما تجمع لدي بهاون كبير حتى صار المزيج الأسود كثيفاً يتطاير الزيت منه، وضعت ذلك في كأس من الزجاج، قلت لمتولي القلعة: ليأخذ مولانا منه شيئاً. سألني بقلق شديد: هل سيمنع هذا ماهو فيه؟!... قلت: ليس سريعاً على الأقل. قال: نريد ذلك سريعاً يا ريمون، افعل شيئاً. قلت: لا يذهب الريح سريعاً. قال وهو يدخل بين الستائر: نحن في كرب إذاً!!... غاب، فيما تواصل الضراط مثيراً وراءه ما يثيره. عاد متولي القلعة متجهم الوجه، حدق بي وهو يقول: نحن نعتمد عليك يا ريمون، أنت تملك عقلاً راجحاً وتدبيرك جيد. قلت: وماذا تعني يا سيدي؟!. قال: رأينا أن تنتحل صفة مولانا راشد الدين، وهذه منزلة لا ينالها إلا القلة. قلت: ماذا تقول؟!!... قال: هذا هو الرأي، ستنتحل صفة مولانا أمام أهالي جبل السماق، لا تدبير أمامنا غير هذا التدبير. لا يمكننا أن نرد هؤلاء دون أن يسمعوا ربهم أو يلمسوه. إنهم أول من آمن بمولانا. قلت: السمع والطاعة. جلست خلف ستارة زرقاء غامقة في صدر قاعة فسيحة يلعب فيها النسيم والرائحة الزكية، وتفيض بالأنوار الصفراء والبيضاء، وما أن جلست حتى لاحظت وجود عدد كبير من الرجال والنساء الجالسين على الجانبين، وما أن أعطوا الإشارة بوجودي، حتى وقفوا جميعاً وصاحوا بصوت منغم واحد: ما صار صار * * ماكان كان نان ربنـا * * ربنا سنان ثم بدأوا يتمايلون، ركبهم اللحن وهزتهم الحركة، حلت النساء شعورهن، فقام الرجال بتمزيق ثيابهم، وما زال اللحن والكلمات تتعالى: ما صار صار * * ماكان كان نان ربنـا * * ربنا سنان ثم أعطوا الإشارة بالهدوء، فصمتوا، مددت يدي من خلف الستارة كما قيل لي من قبل. بدأوا بتقبيل يدي التي أغرقتها بالطيب، شعرت بالشفاه تأكلني وتدغدغني، شفاه جافة ومبلولة وغليظة ورفيعة، نهمة وجائعة ومحبة. لم يعرف ما جرى إلاي ومتولي القلعة، ولما وضعت رأسي على فراشي في تلك الليلة، زارني والدي وجلس إلى جانبي، رميت رأسي في حضنه، وقلت لـه: لقد منَّ الله عليَّ بالفرج. كان ما مر بي مجرد كذبة سمجة. لم يعد شبيهي يزورني واختفى الجني، وانفجر خبر في القلعة يقول أن أميراً يدعى صلاح الدين قد أخذ دمشق حرباً وأنه قد يهاجم مصياف في كل لحظة. كانت تلك هي المرة الأولى التي أسمع فيها بهذا الاسم، ومن هو صلاح الدين هذا؟.. فقيل لـه إنه أمير كردي سني انقلب على سيده نور الدين واستأثر بملك مصر وأنه لا يشبه الأمراء الآخرين، فمسالكه مغلقة وشهواته معدومة سوى شهوة الملك، وقيل إنه يكره مولانا راشد الدين كراهية عميقة لأن مولانا صاحب علم ومعرفة بينما صلاح الدين لا يعرف القراءة والكتابة، ولأن مولانا باطني وصلاح الدين ظاهري ما يزال يتوضأ ليصلي. ولكن فداوياً رومياً كان يتعشقني أسر لي أن فداوياً كردياً صديقاً لـه انتدب لقتل صلاح الدين وأنه لم يعد بعد من مهمته، وقال لي إنه يفتقده كثيراً، ولهذا فهو يريد أن يتعزى بي، صددته بلطف مدعياً المرض المعدي، وقد سعدت بهذه الأخبار، فقد شعرت أن هناك من يستطيع أن يتحدى جبروت مولانا، وأن يخيفه أيضاً، ذلك أن صوت الانفجارات صارت تسمع في القلعة، بعد أن أخذت فرق النفاطين والحراقين يتدربون على أكسير جديد يدعونه ثلج الصين، وهو إذا خلط بالكتان والفحم والرماد واحترق أخرج صوتاً ذا أرعاد شديد ونار عجيبة، وقد انضم إلى التدريب شاب مصري يدعى الراضي وهو ابن لأسطولي طرده صلاح الدين من بلاده بعد أن اتهمه بالتآمر عليه، وكان هذا الأسطولي يدعى يعقوب وقد مكث قليلاً في القلعة قبل أن يغادر إلى الأندلس تاركاً ابنه في عهدة مولانا راشد الدين. كان الراضي ابن ستة عشر أو سبعة عشر ولكنه لفت الأنظار إليه عندما اقترح استعمال أسلوب البحارة في قذف النار على الأعداء، وسرعان ماتصادقنا عندما شاهدني ذات مساء أحدق في غروب الشمس، فوقفت إلى جانبي فإذا به يبكي، وقال إنه يتذكر أهله وأحبته في مصر، فآذن ذلك بعلاقة دافئة بيننا، استطعت خلالها أن آخذ منه العهود والمواثيق أن يكتم ما سأعلمه إياه، فأسررت لـه ما أعرف، فلم يعد بعد ذلك يفارقني، لاسيما أنني من الأشخاص القلائل الذين يتحدثون بالعربية إليه، فقد كان لا يعرف الفارسية الأكثر استعمالاً أو أياً من اللهجات والألسنة التي كان أهل القلعة يتعارفون بها. تواردت الأخبار المربكة عن صلاح الدين، فقد ذكر في القلعة أنه هاجم حلب، ولكنه لم يدخلها بعد أن صالحه أهلها، وقيل أيضاً أن صاحب الموصل سيف الدين غازي حالف ريموند الإفرنجي صاحب طرابلس ليكون معه على صلاح الدين، وأن سيف الدين هذا لم يكتف بذلك، بل جمع إليه أمراء الجزيرة وديار بكر، وتحرك بالجيوش الموصلية والحلبية ومن والاهم لحرب صلاح الدين في دمشق، وتحولت متابعة أخبار الحرب إلى خبر يومي في القلعة، خاصة بعد أن وصل الخبر بمقتل الفداوي الكردي الذي بعث لاغتيال صلاح الدين، وما أن سمع الفداوي الرومي الخبر حتى قتل نفسه أمام الجميع بخنجر معقوف ومسموم، فوضعوا جثته فوق أعلى باشورة في السور لتأكله طيور السماء الجارحة حسب دين عجيب يدين به. الأخبار التي كانت تصلنا إلى قلعتنا ذكرت أن صلاح الدين جاء إلى بلاد الشام ليهدم البيت الزنكي ويرثه، ولم يأت لمواجهة الفرنجة، فهو يعقد معهم المعاهدة تلو المعاهدة، ولهذا فإن ورثة نور الدين يدافعون عن ملك أبيهم، وأن على المسلمين كلهم أن يقفوا معهم في وجه هذا الطامع. دعاة القلعة والمتبحرون فيها كانوا عادة ما يجمعوننا في الطابق العلوي حيث أغلبية مجالس الدرس والمحاضرة ويبدؤون بشرح الأحداث المتسارعة والخطيرة والتي تهدد القلعة ذاتها، فقال هؤلاء إن صلاح الدين هو عدو كبير ويستحق الموت ذلك أنه هدم خلافة الأئمة من نسل فاطمة الزهراء في مصر، وأنه ألغى دعوتهم وحرق كتبهم وسجن ذكورهم في ناحية وإناثهم في ناحية حتى لا يتناسلوا من بعد، وأنه سمح لحاشيته أن تنهب دار الحكمة التي تضم مئات آلاف من كتب الدعوة الباطنية وأن تحرقها أيضاً، ولهذا فإن صلاح الدين عدو خطير، أخطر من كل عدو آخر، بل ذكر أحد الدعاة أن صلاح الدين يعمل لصالح الفرنجة لأنه هدم خلافة الفاطميين، وقال آخر إن صلاح الدين وإن كان يتستر بالسنية إلا أنه لم ينضو تحت لواء الدول السنية كالعباسية أو السلجوقية، فإذا أضيف هذا إلى معاهدته مع الفرنجة وقتاله ورثة سيده نور الدين، فإن هذا الرجل إما أن يكون خادماً ومنفذاً لسياسة الفرنجة أو إنه مغامر لا يدرك ماذا يفعل، فهو لا يستطيع أن يتحدى الجميع مرة واحدة، فلا يمكن لـه أن يقاتل الفرنجة والحلبية والمواصلة وخليفة بغداد وآل سلجوق في آن واحد. وعندما سئل أحد الدعاة أين يقف مولانا راشد الدين، قال هذا أن مولانا لا يقف مع أحد بل يقف إلى جانب دعوته وأمره، فالفرنجة أصدقاء ماداموا بعيدين، وكذلك أمراء حلب والموصل، وأضاف أن مولانا يعلم ما تقدم وما تأخر من الأمر، ولهذا فإنه يعرف تماماً ماالذي يجب عمله في الوقت المناسب والمكان المناسب. ولم تمضِ فترة طويلة، حتى وقع الخبر في القلعة، صلاح الدين هذا الأمير الذي طلع علينا فجأة، انتصر على الحلبية وعلى المواصلة وعلى أمراء ديار بكر والجزيرة وعلى كمشتكين أيضاً، وما أدراك ما كمشتكين هذا؟!... وحدثت الأخبار أن صلاح الدين التقى كل هذه الجيوش بينما كان في دمشق، وأنه انتصر عليهم مجتمعين، وأنه قتل منهم الكثير وغنم منهم الكثير. الدعاة الذين أكثروا من محاضراتهم ولقاءاتهم بنا، تحدثوا عن صلاح الدين كأمير كردي مختلف، هو لا يذكرهم بنور الدين، ولا بعماد الدين الذين يتفاخرون بأنهم كانوا وراء اغتياله، هو لا يذكرهم بأي أمير آخر يعرفونه، كان محيراً بالنسبة لـهم، فقد كان محيراً في مصر، وهو يبدو محيراً أكثر في الشام، ولكنهم كانوا بالتأكيد يألبوننا عليه ويكرهوننا فيه إلى أبعد الحدود، فهو مغتصب الملك وهو هادم خلافة الأئمة وهو سني ظاهري ما زال بحاجة إلى الماء للالتقاء بربه إلى آخر هذه الادعاءات. في تلك الأثناء كان الراضي قد تعرف إلى امرأة في الستين من عمرها تعمل درزية تخيط ثياب الجواري والفداوية وتتفنن في اختراع أزياء تثير الشهوة والخيال وتناسب المقامات المختلفة، كانت امرأة بيضاء لـها جلد مشدود وشعر بجدائل طويلة ترميه وراء ظهرها، كان هدوءها يثير الراحة والثقة والأمل، ما أن رآها الراضي حتى تذكر أمه، وما أن رأته حتى رأت فيه أياماً لـها مضت، فقد تحدثت عن ابن لـها ضاع منها في قلعة بعيدة قريبة من حلب كان اسمه علي، سمعت أنه في جند صلاح الدين، وكانت العلاقة بينهما تثير التساؤل في قلعة بنيت على علاقات تتميز باختراق الجسد وانتهاك العقل واستلاب الإرادة، كانت مثل هذه العلاقة التي ليس فيها مثل ذلك، علاقات بائسة وتثير الشفقة، وفجأة ظهر صلاح الدين أمام قلعتنا، هكذا دفعة واحدة، ذات يوم جمعة، كان صلاح الدين وجنده وخيله وآلات حربه تملأ القيعان والأودية والتلال التي تحيط بقلعة مصياف. استيقظت صباحاً، فتحت نافذتي، فإذا بي أرى جيشاً كثيفاً لـه ضجيج هائل يملأ الأفق. رأيت الأعلام الصفراء والحمراء وذلك النسر الممتلئ بالقوة والفخر يملأ صفحة العلم، كان الجند في شغل كثير، فهم يبحثون عن مواقع للخيام، وللقدور، ولآلات الحرب، جلست أراقبهم من نافذتي دون ملل، وما أن حل الظهر، حتى انطلق صوت المؤذن بذلك النداء الظاهر: الله أكبر.. الله أكبر. ذكرني الصوت بصوت والدي، كان فيه ذلك الأمل بالدنيا وذلك الرضا بما لا نعرف، فيه ذلك الاستسلام للأكبر وذلك الفرح بما أعطى. سال الصوت من على التلة على التلال الأخرى، تصاعد وتطاير إلى الأعالي، مسح على كل شيء، وسمعه كل شيء، الطيور والأشجار، الهوام، والكائنات السائرة والتي في جحورها، وسمعته أنا كذلك، وقع ذلك في قلبي موقعاً اهتز معه كياني كله، لم أمنع نفسي من البكاء، لقد عرفت خياري أخيراً. اصطف الجنود صفوفاً متراصة ومستقيمة، استقبلوا القبلة على تلك التلة المشرفة، كانوا كالأشجار الصلبة العملاقة، تستطيع أن تلمس جوهر القوة والمنعة من زردهم الخفيف وحمائل سيوفهم الدائمة الاهتزاز، تقدمهم شيخ لم أتبين ملامحه أو سمته، تابعت صلاتهم الصامتة على تلك التلة، كنت أرغب أن أكون معهم، كنت أرغب أن أطير وأنضم إلى آخر صف من صفوفهم. ولكني استيقظت من خواطري بدق قوي على باب حجرتي. كان الخادم يأمرني بالصعود إلى متولي القلعة في الطابق الذي يعلو حجرتي مباشرة، وهو الطابق المواجه للبوابة الرئيسية للقلعة، نفضت عني خواطري، وصعدت إلى حيث أمرت، فإذا بمتولي القلعة في أقصى حالات قلقه وغضبه، كان هذا يستطيع أن يتحدث معي بحرية بعد أن انتحلت شخصية مولانا أمام أهالي جبل السماق، وقد صرت بعدها أيضاً أدعى في القلعة بالموقر ريمون بالعربية والفارسية والتركية، تلك اللغتين اللتين صرت ألم بهما إلماماً جيداً. قال لي: يطلب منك مولانا أن تحمل رسالة إلى هذا الكردي المغرور. كان ذلك فوق توقعي: أنا.. ومن أنا حتى أحمل رسالة مولانا إليه. قال هذا بسرعة وغضب: أنت تعرف أشياء كثيرة، ولا نريد لأحد من القلعة أن يشك في مولانا أو أن يتسرب إليه الشك فيه، أنت تفهم البقية. منعت نفسي من الابتسام، قلت بجدية مبالغ فيها: ولكن الحرب لم تبدأ بعد لتبرر الرسالة. صاح متولي القلعة وكأنه يتحدث مع نفسه: وهل جاء هذا للعب هنا في هذه الجبال، لقد انتصر على الدماشقة والمواصلة والحلبية، فماذا تراه يفعل بنا وقد أردنا قتله؟!... قال : خذ. دفع إلي رقعة من ورق سمرقند الفاخر، فتحتها وقرأت: "من راشد الدين سنان صاحب الأمر، المهيمن بسيفه واسمه، المتحكم في مصياف وبانياس وقدموس والكهف والخوابي، الآمر لما تعرف و لما لا تعرف، إلى السلطان العظيم والاسفهسلار الكريم صلاح الدين بن نجم الدين أيوب، مالك مصر، وهازم ابن مودود ومن تبعه من الأمراء الخرعين، أنهي إليك رجوعنا عما بدر من بعض صبياننا، وأن ذلك لم يكن بأمرنا ولا بعلمنا، وأنه لك ما شئت من أموال أو متاع، وأنه لك أن ترحل عن بلادنا بسلام، وإن حامل رسالتنا إليك هو الموقر ريمون بن الزين مفوض بأمر الكلام والسلام". ما أن انتهيت حتى قال متولي القلعة: خذها إليه صباحاً. قلت لـه: السمع والطاعة!!... بحلول المساء، أضاءت التلال المحيطة بالقلعة بآلاف المشاعل، ضجت تلك البراري، بصوت المؤذن يدعو لصلاة المغرب، كنت أسمع صوت الإمام يقرأ أمام ذلك الفضاء الفسيح: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً.....(. كان ذلك يترعني بالرضى، وقد اختمرت الفكرة في رأسي وعقدت النية على تنفيذها، كان لا يمكن تأخير ما قد وقر في القلب وانتهى إليه العقل. ولكني لم أتوقع أن يطرق بابي الراضي ساحباً وراءه تلك العجوز الهادئة التي تخيط الثياب لتشعل أخيلة الناس. كان الراضي متجهماً، أجلستهما على السرير متسائلاً في سري عن سبب الزيارة. قال الراضي: قد تستغرب هذه الزيارة، لكن كل من في القلعة يعرف قدرك عند متولي القلعة!! هززت رأسي موافقاً، أضاف: جئتك طامعاً في أن تمنع عني الطامعين بي. نظرت إلى العجوز ذات الجلد المشدود الأبيض والجدائل الطويلة، أحنت رأسها علامة الموافقة دون أن تنبس ببنت شفة. قلت: ماذا يعني هذا!!... قال: أنت تفهم ماذا أعني، أنا لم أسمع أبداً عن أناس فاسقين كهؤلاء!! كان الراضي شاباً وسيماً لـه جسد عبل، قلت: هم أصدقاء والدك؟!... قال: رغب والدي أن يبعدني عن جند صلاح الدين فجاء بي إلى هنا، فيما ذهب إلى الأندلس ليجد عملاً هناك، لن أخون ثقة والدي بي، كما يخونها هؤلاء. ولأول مرة أسمع صوت المرأة العجوز، كان هامساً. متردداً كمن فقد القدرة على الكلام: أهل هذه القلعة أخبث خلق الله... ليتنا نخرج من هنا. قلت: أنت تقولين هذا الكلام. قالت: لم أكره في حياتي أناساً بقدر هؤلاء، هؤلاء الذين أبعدوني عن ولدي.. علي ومحمود... سأل الراضي: كيف السبيل إلى الهرب؟!... أطرقت برأسي أزن الأمور، كنت قد قررت الهرب قبلهما، ضجة الجيش تحت النوافذ كانت تترامى إلينا.. كان قلبي يرقص طرباً لـهذه الضجة، قلت لـهما دون تفكير: -هل تذهبان معي غداً إلى معسكر صلاح الدين؟!... قال الراضي مستنكراً: هل أهرب من الرمضاء إلى النار.. سيقتلني صلاح الدين إن عرف أنني ابن يعقوب الأسطولي. قلت:ولماذا تقول إنك ابن يعقوب. -فماذا أقول؟!.. -قل أنك فداوي هارب مستنكر لأفعال مولانا. قالت العجوز: نعم الرأي. ولكن كيف نذهب؟!... قلت وأنا تحت تأثير عجيب لنخوة مفاجئة: اتركا ذلك لي!! ولم يستغرقني الأمر كذلك لأقنع متولي القلعة أنني بحاجة إلى الراضي وتلك العجوز لتدبير في رأسي يعينني في إيصال رسالة مولانا راشد الدين، ولزيادة التعمية، فقد طلبت من العجوز أن تلبس ثياب أهل فلسطين، بذلك الثوب الأسود من الكتان المتواضع المرشوم بتصاوير من الزهور وعناقيد العنب وسنابل القمح، وطلبت من الراضي أن يلبس لبس الفقراء المتصوفة الذين يدعون الكشف والجذب، وذلك لما يقال عن ضعف صلاح الدين أمام هؤلاء، وقد أعجب ذلك متولي القلعة وأعتقد أنني صاحب حيلة محكمة. وعندما أنهيت كل هذا التدبير كان الليل قد انتصف، نمت وأنا أستمع إلى ضجة جند صلاح الدين تحت نافذتي، كانوا لم يناموا بعد، ويبدو أنهم لا ينامون في الليل. مضت سويعات حتى صحوت على صوت هو جوهر الفضة يهز جذوع الليل قائلاً: حي على الفلاح... حي على الفلاح... كم سعدت وكم طربت لذلك، منذ زمن بعيد، لم أسمع هذا الصوت العذب، منذ أيام بيت فوريك التي صارت الآن بعيدة جداً عني، أسرعت إلى النافذة لأرى حركة دائمة وأضواء ومشاعل وعجيج الرجال والخيل والسلاح. بعد قليل، تعالى صوت الإمام يقرأ: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطوا من رحمة الله...(. وقع ذلك على قلبي كالندى، انتظرت شروق الشمس لأول مرة في حياتي، راقبت صفرتها المحمرة تتقدم ببطء من وراء القمم، ثم شاهدتها تتصاعد رويداً رويداً، فتعطي للكائنات طعماً جديداً مقبولاً ومستساغاً، جاءتني الخادمة بقليل من الجبن والعسل ورقائق الخبز وبعض شرائح الشمام، أكلت قليلاً ثم صعدت إلى الطابق العلوي، وجدت الراضي والعجوز في هيئة مناسبة بل ومقنعة، انتظرنا قليلاً قبل أن يأتي متولي القلعة ليسلمني الرسالة دون أن ينتبه أحد، قال لي بهمس: يهديك مولانا السلام ويقول لك إن كل شيء بيدك. هززت رأسي، فأمر حارس قريب أن يقودنا إلى الخارج، ولدهشتي، فقد انسرب بنا من باب جانبي صغير غير مرئي، ومشى بنا في نفق مظلم قصير، قبل أن نجد أنفسنا خارج القلعة، تضربنا شمس الصباح التي صارت حارة جافة، عجبت لذلك، فقد دخلت القلعة من طريق مختلف تماماً، كانت تلك المرة الأولى التي أخرج فيها من القلعة منذ دخلتها قبل سنة ونصف تقريباً. تنفست بعمق، شعرت بأن عظامي تستعيد عافيتها وأن جلدي يتفتح. كنا على سفح الجبل المليء بالأسرار،وراءنا ترتفع القلعة. وعلى التلة المقابلة ينتشر جيش لا ينام، انحدرنا ببطء شديد، كنت قد اتفقت مع الراضي وتلك العجوز على ما نقول تماماً. وما أن شارفنا ذلك الوادي الذي يفصل بين القلعة والجيش حتى تسلمتنا جماعة من الفرسان شاكي السلاح. وما أن سألوني حتى أسرعت بالقول: خذوني إلى السلطان صلاح الدين. طاروا بنا إلى خيمته المضروبة بالقرب من شجرة بلوط وارفة، انتظرنا على الباب قبل أن ندخل، كان في قلبي طنين، استحضرت كل دماغي، لأدخل على سلطان سمعت عنه الأعاجيب. كانت خيمته كبيرة تجمع بين الخيمة البدوية في اتساعها وبين الخيمة الكردية في دائريتها وذروتها، وما أن سمح لنا بالدخول حتى كنت في مجلس ينضح بالهيبة والوقار، شعرت بالخوف والدوار يأخذ برأسي. كان السلطان صلاح الدين، هناك، في صدر المجلس، برأسه الكبيرة وخوذته الحديدية التي يلفها بعمامة بيضاء، وعينيه اللتين تأخذان، ولحيته البيضاء الأنيقة تأطر وجهاً مباركاً، فيه كل شيء الجمال والهيبة والوقار والجلال والسحر والأسر، كان حوله رجالاً يشبهونه في الزي والهيئة، كلهم صامتون ينتظرون مني الكلام. قلت وأنا أشعر أنني مخنوق: السلام عليكم يا مولاي. قال السلطان بصوت فيه راحة لا تخفى: وعليك السلام. قلت: قبل كل شيء يا مولاي، أنا مسلم ابن مسلم، وأنا أحمل إليك رسالة من كافر فاجر، لا تصدقه ولا تؤمنه. ضج المجلس بالتكبير والتهليل: ياللإسلام... ياللإسلام. طافت على وجه السلطان شبه ابتسامة، قال بلطف: هلا استرحت يا ضيفنا، وحدثتنا بما وراءك. شعرت بأنني ألقيت عن ظهري كل الأحمال، أحسست بالفرح يأخذني من مجامعي. جلست قريباً من السلطان، حكيت قصتي باختصار وتركيز، بين عيون تكاد تعريني للتمحيص والتدقيق. وما إن انتهيت حتى عاد التكبير والتهليل: ياللإسلام... ياللإسلام. قال السلطان الذي لم يخف تأثره: أكرموا ضيفنا. ثم التفت إلى شخص آخر يشبهه في كل شيء، عرفت فيما بعد أنه شقيقه العادل: -وأما أنت، فإن هذا الرجل قد يفيدك. أسرع هذا إلى القول: أرجو من الله ذلك. خرجت من خيمة السلطان شاعراً أنني من هذا الجيش، سرت بين الجنود والخيل والسلاح شاعراً أن هذا لي، انطلق بي ومن معي إلى خيمة صغيرة مشرفة على كل التلال، وتواجه القلعة البغيضة، ولما شاهدتها من الخارج رغبت حقاً أن أهدمها. عند الظهر، استدعاني العادل، وهو رجل خشن، ذو عينين غامضتين ووجه لا تخفى وسامته رغم صلابته وقسوته، كان مدققاً وحصيفاً وعارفاً بكل شيء. تحدثنا طويلاً عن كل شيء. عن الفرنجة وعن حياتي وعما أعرف، وعما رأيت وعن قلعة مولانا، وعن مداخلها ومخارجها، بعد أن انتهينا، وكنا وحدنا في خيمة الرجل. وضع يده الضخمة المشعرة على كتفي، وقال: أنت منذ اليوم من خواصي.. لا تغب عن عيني. قلت لـه: السمع والطاعة يا مولاي. ابتسم فبدا أكثر وسامة: عد إلى اسمك، أنت عمر، عمر اسم حسن ومبارك. كان العادل يقود جيشاً خفياً من العيون والجواسيس ورجال الرصد والكشف والاستقصاء، وقد ضمني إليه لأكون ترجمانه ومتولي مكاتباته ومحاوراته، وبعد أن وثق بي سلمني ذلك الجيش المؤلف من أخلاط من كل الأجناس، رجالاً ونساءً، شعراء ومتصوفة وبغايا، ورجال حكم وقواد جيش وحتى باعة الخضر وتجار القوافل، ولكنه لم يسلمني مسؤولية ذلك، إلا بعد مخاطر كانت فيها رقبتي غير بعيدة عن السيف. أما المرأة العجوز، التي تخيط الثياب فقد ذكرت للعادل مداخل خفية في قاع الجبل تؤدي للقلعة، وكان لما قالت أهمية كبرى في بدء الحرب على القلعة البغيضة، فقد أمطرها جيش السلطان بالنار من فوق ومن أسفل، وخير سكان القرى المجاورة بين الإسلام أو القتل، فاختاروا الإسلام، داوم جيش السلطان على ضرب القلعة من معظم طرقها وأنفاقها السرية، حتى جاء خال السلطان، شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة، ونصح السلطان بأن يترك القلعة لصاحبها آخذاً منه المواثيق بعدم التعرض للسلطان، مدعياً في الوقت ذاته أن أتباع هذا الشيطان كثيرون وهم يملؤون سلمية، تلك المدينة القريبة من حماة، وأن هؤلاء على استعداد لتخريب كل شيء وقتل كل شيء قبل قتل أنفسهم، وما كان للسلطان أن يوافق لولا وردته أنباء عن تحرك جيش الفرنجة باتجاه بعلبك، فأمر السلطان بالرحيل واعداً بالحرب مرة أخرى. صرت مع جيش السلطان ومن خاصة العادل، ورأيت الحروب من أمامها ومن خلفها، كنت أدخل القلاع والحواضر قبل مولاي صلاح الدين، أتفقد المواقع وأسمع الناس،كنت أدخل مرة صوفياً، ومرة إسماعيلياً نزارياً، أو إسماعيلياً مستعلياً وأحياناً راهباً من الداوية، وأخرى من الهسبتالية، وكنت أدخل طبيباً أو فقيهاً، أسمع وأرى وأسجل كل ذلك وأصبه بين يدي العادل. ويشاء لي الله، أن أدخل نابلس التي خرجت منها ذات يوم وأنا ريمون، كنت برفقة الملك جي دي لوزجنان الذي أسره مولاي السلطان في موقعة حطين، كنت واحداً من الجند الذين خفروا هذا الملك للترجمة والمساعدة. وما أن هبت علي نسائم نابلس حتى خفق قلبي بشدة، تذكرت روائح الإسطبل وروائح الحديقة وصابون نابلس على جسد فرانشيسكا. دخلت نابلس محدقاً بالمكان، اختفى الفرنجة منها، ظلت هي هي، لامعة نظيفة خضراء تشع بالنضارة والضوء والماء الرقراق. الأيام تجري بسرعة في نابلس. لم نجد مكاناً نضع فيه هذا الملك الذي يشي كل شيء فيه بالغباء والغلظة إلاَّ بيت الفيسكونت، أو بيت فاليريا. وضعناه في إحدى حجرات البيت مع بعض حاشيته وكبراء قومه، وانطلقت إلى الإسطبل، فوجدته فارغاً من الخيول تفوح منه رائحة عفنة، استعدت طعم الخوف والانتهاك وقلة الحيلة. ولم ألبث أياماً حتى جيء بالفيسكونت نفسه مخفوراً، كان قد أسر في نواحي صفورية، فوجئت به وفوجئ بي، كان منكسراً مذلولاً، رأيته على بيادر بيت فوريك يسرق ثمار أهلي، ورأيته يتشاجر مع زوجته على كل شيء، رأيته مزهواً في الكنيسة أمام ممثل الملك. تقدّم مني وقال بلسان منكسر: دعهم لا يقتلونني أو يبيعونني؟! قلت بهدوء عجبت لـه وكأنني لست أنا: لك ذلك. ابتعد قليلاً، سألته أين فاليريا؟!... نظر إلي من وراء كتفه، كانت عيناه ذليلتان بشكل يدعو للرثاء: قتلها حصان ما. واستدعاني الأمير علي بن أحمد المشطوب والي بيروت لأنظم العقود مع تجار الفرنجة هناك، فوجئت بوجود المرأة العجوز خياطة الثياب تعمل في قصر الوالي المتواضع. فرحت لمرآها وسألتها عن حالها، كانت بذات الهدوء وذات الجلد المشدود و الجدائل الطويلة التي ترمي إحداها خلف ظهرها والأخرى على صدرها، قالت وهي باسمة: -لقد وجدتهما! -من هما؟! قالت بصوت يرتعش من الفرح: ابناي، علي ومحمود. سألت مستغرباً: من هؤلاء؟!... قالت: أحمد، هو الأمير أحمد، الذي تسمونه المشطوب، ومحمود هو الذي تسمونه الجناح. -ماذا تقولين؟!.. أحقاً؟... هزت رأسها وأغمضت عينيها كأنها تخاف على سعادتها أن تضيع منها مرة أخرى. في تلك اللحظة، مر الأمير المشطوب بجرمه الهائل ووجهه المخيف من القاعة التي كنا نتحدث بها، وما أن رآني حتى أمرني باللحاق به، ثم حدق بالمرأة العجوز، قال لـها على حين غرة: قولي لي يا هذه، هل عشت يوماً في قلعة العقاب قرب حلب؟! قالت هذه وهي تدير رأسها إلى جهة أخرى: لا، لا ياسيدي، لم أكن هناك يوماً ما!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |