عكا و الملوك ـــ أحمد رفيق عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الملك ريتشارد

كانت قلة قليلة من الأشخاص التي تعرف السبب العميق لتلك الكراهية المتبادلة بين الملك ريتشارد والملك فيليب اغسطس، وهي كراهية تجددت هنا أمام أسوار عكا كأوضح ما تكون وأسطع ما تكون، وعلى الرغم من أن كل التوقعات ذكرت بأن الملكين ـ وهما أكبر ملكين مسيحيين هنا على الأرض المقدسة ـ سوف يجدان طريقة ما للتعاون أو حتى التصاهر، إلا أن ذلك لم يحدث أبداً، بل تعززت الكراهية واشتدت الحزازات، التي أشعلها المركيز كونراد دي مونتفرات وجماعة القديس يوحنا وتجار جنوة من جهة، والملك جي دي لوزجنان وجماعة فرسان الهيكل وتجار بيزة من جهة أخرى، كان هؤلاء مختلفون على كل شيء، بدء من تاج المملكة اللاتينية الضائع، وانتهاء بالاتفاق على خطة موحدة لاقتحام عكا.‏

وعندما سألت الملكة جوانا شقيقها ريتشارد عن سبب تأخره في الزواج من شقيقة الملك فيليب رغم أنه قضى وقتاً طويلاً في بلادهم، هز هذا رأسه دون كلام، فلما ألحت عليه، قال بما يشبه الغضب: أنا أصلح للحرب لا للزواج.‏

ولكن جوانا التي أغرقها العادل بالذهب والمجوهرات النادرة بواسطة رجله الداهية عمر الزين، كانت ترغب في أن تذكر أخاها بالعائلة والحياة الرغيدة، حسب ما أوصاها به هذا الرجل، عمر الزين، الذي يدخل عليها مرة راهباً ومرة محارباً ومرة عجوزاً تفصد الدم الفاسد أو تكحل العين التي تعاني الرمد.‏

ولكن جوانا التي لم تصدق أقوال أخيها، استطاعت أ ن تسمع الإشاعات التي يطلقها رجال المركيز كونراد ومفادها أن ريتشارد الذي قضى وقتاً طويلاً من شبابه الأول في ضيافة الملك فيليب اغسطس، وبدلاً من الاهتمام بشقيقة الملك فقد اهتم بمفاسد أخرى لا ترضى عنها الكنيسة الكاثوليكية، وقد توسعت الإشاعات أكثر فأكثر، فتحدثت عن علاقة غير سوية بين الملكين، فاحت رائحتها حتى وصلت أنف شقيقة فيليب التي كرهت ريتشارد ورفضت هي أن تتزوج بشخص مثله حتى لو كان ملكاً، وقيل أن الحياة القاسية والتدريبات العنيفة وشهرة القتال التي لحقت بالملك ريتشارد هي من قبيل التغطية على ما شاع بين أوساط النبلاء الفرنسيين والإنكليز من سيرة هذا الملك الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره.‏

وقد لا يجد المرء تفسيراً لـهذا العداء الظاهر بين الملكين، وهما يقومان بمهمة مقدسة لم يقم بها ملوك المسيحية من قبل، بهذا العدد وهذا الإعداد، فقد تجمع حول أسوار عكا ثمانية وثلاثون ملكاً وأميراً مسيحياً، كلهم يرجو أن يحرر قبر المسيح من أيدي الأتراك الأجلاف، فلا يعقل ولا يجوز أن تبدو الكراهية بهذا الشكل بين ملكي إنكلترة وفرنسا.‏

وقيل في ذلك إنه صراع بين كنائس، ولكن هذا غير صحيح فالبيازنة والجنوية أتباع كنيسة واحدة ولكنهم منقسمون ويقفون على طرفي نقيض، وقيل في ذلك أن الإنكليز يريدون بسط نفوذهم في هذه البلاد لما يحقق ذلك من ربح وفير وموانئ جديدة وبضائع جديدة ولكن ذلك غير صحيح أبداً، فملك صقلية وهو يتبع التاج الإنكليزي يستطيع أن يقوم بالمهمة، وقيل أيضاً أن ريتشارد يريد أن يحقق وعد والده هنري بحماية القبر المقدس بعد أن وعد الأب هوسياس أسقف صور بذلك عند لقائه به في رايدنج بإنكلترة، ولكن هذا غير صحيح أبداً، فريتشارد لم يعش مع أبيه كثيراً ولم يعرف عنه التدين أبداً، وقيل في ذلك أن ريتشارد مغامر وخيالي ويتبع مزاجه الحاد والمتقلب، وأن مهمة مثل هذه تحقق لـه الشهرة والمجد والمغامرة في بلاده عندما يعود إليها، ويستطيع بذلك أن يكسب شرعية الملك وأحقيته من أخيه جون الأسود، الخبيث والطامع والشرير، وقيل أن ريتشارد يريد من هذه المهمة في الأرض المقدسة أن يقدم نفسه للنبلاء على أنه المتدين الطهور الغيور على المسيحية، وربما كان ذلك جزء من عملية تطهير كبرى يقوم بها أمام نفسه وأمام النبلاء وأمام شقيقة فيليب اغسطس، خاصة وأن الملكين انطلقا معاً في أسطول واحد ثم افترقا في صقلية.‏

وكان من حق جوانا أن تستغرب أن أخاها الذي لم يتجاوز الخامسة والثلاثين يعيش عيشة الرهبان حقاً، فهو لم يتزوج ولا يدخل النساء إلى خيمته ولا يستحم ولا يأكل إلا لماماً، ولم يسألها أبداً عن حياتها في باليرما، ولم يوجه لـها أي لوم أو كلمة فيها عتاب أو تحقير.‏

ولاحظت جوانا أن شقيقها يفرض حول نفسه هالة كبيرة من قوة الحضور وهيبة المجلس، ليس لأنه الأغنى ملكاً والأكثر عدة وعدداً، والأشهر، ولكن لأنه ريتشارد فقط.‏

ويمكن القول بوضوح، أن مجيء ريتشارد إلى عكا، وانضمامه إلى باقي الملوك والأمراء المسيحيين الذين يحاصرون عكا منذ حوالي سنتين، قد أثمر سريعاً، فالآلات التي أحضرها معه كانت من الكفاءة بحيث دكت أسوار عكا الشرقية والشرقية الجنوبية والشمالية أيضاً، فالمنجنيقات السريعة والسلالم والكلاليب والمضراب الثقيل والدبابات ذات الطوابق والسلم المتحرك، أتت أكلها، فإذا أضيف إلى ذلك قوة الحصار وإحكامه ومنع التواصل بين أهل المدينة المحاصرة ومعسكر السلطان، وإنهاك جند صلاح الدين، وانخفاض دافعيتهم للقتال، كل هذا أدى إلى بدء الكلام عن الصلح.‏

الأمير علي بن أحمد المشطوب قائد حامية عكا، وهو رجل لا يجدر النظر إليه مرتين لبشاعة وجهه وفظاعة منظره، خاصة بتلك العين الجامدة والشفة المشرومة، كان هو الذي خرج من باب قراقوش بصحبة رجل يدعى عمر الزين قيل عنه أنه نصرانياً من نصارى العرب، جاءا للتفاوض حول شروط الصلح، وقد تم اختيار المركيز كونراد دي مونتفرات ممثلاً عن الأمم المسيحية لوضع الشروط والاتفاق عليها.‏

وما إن دخل المشطوب الخيمة الصغيرة المضروبة على تل المصلبين بين خيمة الملك ريتشارد وخيمة الملك فيليب، حتى اهتز الرجل اهتزازاً عميقاً. قال بصوته المشروخ الشبيه بوجهه: أنت؟‍‍..‏

مشيراً بدهشة إلى المركيز بوجهه القاسي ولونه الكامد.‏

كان المركيز قد غضب من الملك ريتشارد الذي هدد بأخذ صور في حالة استمرار الخلاف بين كونراد والملك جي، ما دفع كونراد إلى الرحيل إلى صور لتحصينها من جديد، ولكن وساطات كثيرة تدخلت لإقناعه بالعودة، بعد أن تخلى ريتشارد عن تهديده، ولزيارة طمأنينته فقد اختاره الملوك والأمراء ليفاوض أهل عكا على الاستسلام.‏

قال كونراد: أنا.. من أنت؟‍!...‏

كان ترجمان كونراد رجلاً مارونياً، فيما كان عمر الزين ترجمان المشطوب.‏

لم يستطع المشطوب الكلام، بل ارتجفت يداه بشكل ظاهر. قال عمر الزين:‏

ـ هذا الأمير علي بن أحمد المشطوب قائد حامية عكا، وهو مخول بالحديث.. فمن أنت؟!...‏

كان عمر الزين يعرف محدثه جيداً، ولكن السؤال كان جزء من التقليد.‏

قال الترجمان الماروني:‏

ـ هذا المركيز كونراد دي مونتفرات، حاكم صور والوصي على عرش المملكة اللاتينية، وممثل الأمم المسيحية في هذا الاتفاق.‏

بدا المشطوب كمن يعاني تعباً داخلياً شديداً. كان يحدق بالمركيز كأنه لا يصدق ذلك، وبدا كأنه يعيش في حلم من الأحلام.‏

قال المركيز بهدوء وثبات وثقة:‏

ـ أرغب في القول أنكم فقدتم القدرة على الدفاع عن بلدكم، ونحن داخلوها، ولهذا نحن هنا نتحدث عن استسلامكم.‏

أخذ المشطوب نفساً عميقاً إلى صدره، كان الكلام ثقيلاً عليه، كان من الواضح أن كل شيء يبهظه.‏

قال بصعوبة: ماهي شروطك؟!...‏

قال هذا بذات الهدوء والثبات: نأخذ البلد بمافيها من آلات وعدد ومراكب.‏

صمت المركيز ثم أضاف:‏

ـ ومائتي ألف دينار صوري.‏

بدا المشطوب أنه لا يسمع، الخيمة صغيرة وحرارة تموز قاتلة، الذباب ورائحة العفونة تجعل من اللحظة قاسية ولا تحتمل.‏

أضاف المركيز:‏

ـ وتطلقون ألفاً وخمسمئة أسير مسيحي من مجاهيل الناس.‏

العين الواحدة التي تتحرك في وجه المشطوب كانت معلقة في الهواء، دون معنى. كان صامتاً يستمع إلى صوت المركيز الذي يملأ الخيمة والمرج والكون كله:‏

ـ وتطلقون مائة أسير معينين بالاسم.‏

الماروني يجيد التعبير بالعربية كما ينبغي.‏

ـ وتعيدون إلينا صليب الصلبوت.‏

صمت المركيز وصمت المشطوب، انتظر المركيز كلام الرجل ولكن هذا ظل صامتاً، وكأن الأمر لا يعنيه.‏

تنحنح عمر الزين وقال:‏

ـ وماذا تضمنون لنا؟!‏

قال المركيز مستغرباً صمت الأمير:‏

ـ نضمن لكم خروجكم من البلد سالمين، ومامعكم من الأموال والأقمشة وكذلك نساءكم وجواريكم وخدمكم.‏

نظر عمر الزين إلى الأمير ليرى أثر الكلام عليه، ولكن هذا كان في عالم آخر تماماً. تشجع عمر الزين ليقول:‏

ـ موافقون.‏

مد المركيز يده إلى الفضاء الذي أمامه، قال بصوت أعلى من الصوت الذي تكلم به أولاً:‏

ـ هذه شروط الملوك والأمراء، أما شروطي فلم تسمعوها.‏

تحرك المشطوب عن كرسيه الذي بلا ظهر، تحرك بعنف كمن يريد أن يستل سلاحه، ما أجفل المركيز.‏

أضاف المركيز بسرعة: تضمنون لي عشرة آلاف دينار صوري، وتضمنون لجنودي أربعة آلاف أخرى لحمايتكم عند الخروج.‏

زفر المشطوب، كان من الواضح أن تعبه قد نال منه كل النيل، وأنه على وشك أن يغمى عليه.‏

قال عمر الزين: موافقون.‏

أضاف المركيز: نحن في يوم الخميس، والتنفيذ غداً الجمعة.‏

قال عمر الزين: موافقون. فهلا كتبنا ذلك بيننا.‏

قال المركيز: لا نكتب، بل هي كلمتنا فقط.‏

قال عمر الزين: فما الذي يضمن لنا هذا كله.‏

قال المركيز: المال الذي ستعطوني إياه.‏

هم المركيز بالقيام، فقام قبله الماروني، ثم قام عمر الزين، أما المشطوب فلم يستطع القيام، كان صاحب جثة عظيمة، وبدا غائباً عن كل ما يجري حوله، مد عمر الزين يده، وضعها تحت إبط الأمير ليساعده على القيام.‏

عند ذلك، قال الماروني للأمير: بعد أن انتهينا، فإن الملك فيليب أغسطس يقول لك أن هذا هو رده على إهانتك لـه.‏

لم يكن المشطوب يسمع أبداً، التفت عمر الزين إلى الترجمان وقال لـه بحنق ظاهر: وهل هذا وقتك أنت أيضاً؟‍‍!!...‏

خرج المشطوب من الخيمة يسنده عمر الزين، قطعا المسافة مابين الخيمة وباب قراقوش ببطء شديد، شاهدا جند الفرنجة وهم يغتسلون عراة، وهم يتهارشون، وهم يطاردون بغايا بشعور وسخة وثياب ممزقة، وشاهدا خيولهم القصيرة ذات القوائم الغليظة والصدور العريضة القوية، وشاهدا الحدادين والنجارين يصلحون آلات الحرب المكسورة أو التالفة، وشاهدا قدور كبيرة الحجم معلقة فوق نيران تصطفق، كانت الحرارة لا تطاق، والمشطوب تهالك حتى لم يعد عمر الزين قادراً على حمله. الجنود الفرنجة الذين شاهدوا المنظر كانوا يقولون بسخرية شديدة:‏

ـ الهزيمة بشعة كهذا الرجل.. ها ها.‏

ـ أليس عند الأتراك رجلاً أجمل... ها ها.‏

ـ هل أرادوا بهذا إخافتنا.. ها ها .‏

ـ يبدو أن رب الأتراك قد غضب على هذا فأعطاه سحنة شيطان... ها ها.‏

ـ هذا قاتل الأخت فرانشيسكا، راهبة الرداء الأخضر، إنه الشيطان الذي ضربها بالدبوس على السور.‏

عمر الزين الذي كان يسند المشطوب توقف عند ذلك، لم يترجم ماكان يسمع للمشطوب، وقف كثيراً، اعتقد الجند أنه يستريح من عناء إسناد رجل الشيطان هذا. لم يعرف أحد أن فرانشيسكا، راهبة الرداء الأخضر، قد شهقت بين ذراعي عمر الزين بما يكفي لإزالة جبل من مكانه. إنها الحرب، إنهم الناس الذين يعيشون في زمن الحرب. عمر الزين يسند الرجل الذي قتل جسداً أحبه.‏

غاب الرجلان في باب قراقوش، كانت الشمس في أصيلها، كان كل شيء عذباً في الكون إلا الحروب، بين أناس يعتقدون أن عكا من حقهم، وأناس آخرين يتوجب عليهم الدفاع عنها، لأن ذلك ما يفرضه الدين والنخوة والشرف والرجولة، هناك معان كثيرة يموت الإنسان من أجلها، هكذا دون أدنى مقابل.‏

في ذلك المساء التموزي الحار، دعا الملك ريتشارد إلى اجتماع عام لكل المشاركين في هذه الحرب، وحتى لا يثير الحزازات، فقد اقترح أن يكون الاجتماع في خيمة ممثل الملك الدانمراكي بحضور ممثل البابا، وكل ملوك وأمراء الأمم المسيحية، وكان هدف الاجتماع كما ذكر الملك ريتشارد في رقعته التي أرسلها للجميع:البحث في تقسيم عكا بعد تحريرها من أيدي الأتراك المحمديين الكفار.‏

بعد صلاة المساء، جاء الجميع إلى خيمة ممثل الملك الدانمركي، الملك الفرنسي والألماني، وممثلو ملوك صقلية والنرويج والفريزي والفلمي وممثلو مدن جنوة والبندقية وبيزا وآخرون لا أهمية لـهم وصلوا بسفينة أو سفينتين لمجرد التبرك بالأرض المقدسة والإسهام في هذه الحرب المباركة، والقول بأنهم حصلوا على مباركة الرب، أو لمجاملة الملوك المسيحيين الكبار.‏

كانت الكراهية بادية بوضوح على وجهي الملكين الفرنسي والإنجليزي، وقد جلس كل منهما على رأس المائدة الخشبية المستطيلة والرفيعة المغطاة بغطاء من الكتان الأحمر، وضعت عليه عدد من الشمعدانات التي تحمل شموعاً صغيرة كثيرة.‏

وكان الجلوس حول المائدة يعكس التحالفات التي ظهرت واشتدت الفروق فيما بينها حول عكا.‏

فالملك جي دي لوزجنان وقائد فرسان الهيكل وممثل تجار بيزة اتخذوا يمين الملك ريتشارد، فيما جلس المركيز كونراد دي مونتفرات الوصي على عرش المملكة اللاتينية وقائد جمعية القديس يوحنا وممثل تجار جنوة على يسار الملك ريتشارد، وتوزع الباقون حسب هذين الفريقين. قائد جمعية التيوتون كان قلقاً من هذا الاجتماع، فجمعيته هي الأصغر حجماً والأقل دعماً، ولهذا حاول أن يبدو بلا موقف حتى يتبين اتجاه الريح.‏

كان الملك ريتشارد يعرف تمام المعرفة أن تجار بيزة لا يدعمون الملك جي من أجل استعادة تاج المملكة اللاتينية بقدر اهتمامهم بالشروط الجديدة المجزية التي وعدهم بها الملك جي عند استعادة عكا، أما تجار جنوة فكان دعمهم لكونراد يأتي من ناحيتين أولهما إغاظة الباب الذي ينتقدهم دائماً لتقاعسهم عن دفع الأموال لـه من جهة، ولأن صور صارت تحت إمرته ويمكن استعمال مينائها تماماً كميناء عكا بعد استعادته. المركيز كونراد، كان قد أشبع الجند والأمراء بقولـه أن الملك جي دي لوزجنان لم يعد ذلك الملك المسيحي الذي يمكن الاعتماد عليه بعد فشله في معركة حطين وسقوط القدس ومساعدته صلاح الدين في سقوط عكا نفسها وعسقلان من بعدها، كما تفاخر كونراد بأنه من جمع ملوك المسيحية كما لم يتم من قبل.‏

ولهذا اعتاد أن يقول ساخراً في خاصة أهله أن الملك جي لا يملك من شرعيته في تاج المملكة اللاتينية غير عضوه باعتباره زوج ملكة تلك المملكة الضائعة.‏

أما الملك فيليب أغسطس، فقد كان سيتخذ أي موقف من شأنه أن يتميز عن موقف الملك ريتشارد مهما كان ذلك الموقف، ولكن الملك الفرنسي وبعد أن رأى انحياز معظم المسيحيين المحليين إلى جانب كونراد وإعجابهم بقدراته وخاصة موقفه في صور، فقد صار من حقه أن يتكلم عن حماية رعاياه الفرنسيين واهتمامه بمصالحهم وأن يدعم رجلاً ممثل كونراد حتى لو كانت بينه وبين البلاط البابوي مشاحنات، وقال الملك فيليب عدة مرات وعلى مسمع من الجميع أن غيرة كونراد على المسيحية وإخلاصه في الدفاع عنها يشفع لـه حتى عند البابا.‏

أما في السر، فقد كان الملك فيليب يقول أن ريتشارد لم يكن يوماً ما مسيحياً، بل هو وثني بالفطرة، يعبد القوة وآلهتها، وأن النورمان بشكل عام، لا يعبدون سوى آلهتهم، وهي آلهة بحرية لا علاقة لـها بالمسيحية أبداً.‏

وعندما سئل الملك فيليب عن سبب الجفوة الظاهرة بينه وبين ملك الإنكليز، قال: لا يمكن الركون لإنكليزي، فهو يستطيع أن يبقى قادراً على الابتسام في وجهك بينما يكون خنجره قد وصل إلى قلبك.‏

ولما وصل هذا الكلام إلى الملك ريتشارد، ابتسم وهو يقول: بالتأكيد لم يصل خنجري إلى قلب فيليب.. ها ها..‏

ثم أضاف: أنا أحب هؤلاء الفرنسيين، إنهم عاطفيون بشكل خاص.‏

وفيما كان أذان صلاة الليل يتصاعد في معسكر المسلمين، كان ممثل البابا يبدأ صلاة قصيرة قبل الاجتماع، ثم يبدأ كلامه باللاتينية أمام الملوك والأمراء:‏

ـ نبدأ اجتماعنا هذا ببركة الرب، الكلي القدرة، وباسم مخلصنا يسوع المسيح، وبركة قداسة البابا كليستينوس الثالث، التام القداسة، وهو يرفع صلواته ودعواته إلى السماء طالباً انتصاركم على أعدائكم لتخليص القبر المقدس من أولئك البرابرة، الأتراك الكفرة. وباسم قداسته وباسم مجلس الكرادلة، البالغ التوقير، أتقدم إليكم، جميعاً، أنتم ملوك وأمراء وكونتات وماركيزات المسيحية، القاطنون هنا، وأولئك الذين جاؤوا ليساهموا في هذه المهمة المقدسة، الكفيلة بتخليصكم من جميع خطاياكم وخطايا شعوبكم وأممكم، أتقدم إليكم جميعاً، بتوحيد الجهود وتجميعها لاستعادة القدس وقبر المسيح وتاج المملكة اللاتينية، من أجل المسيح، ومن أجل المسيحية، ومن أجل إخوتنا القاطنين هنا، الذين لا سند لـهم ولا نصير سواكم أنتم، فهم يعيشون في بحر معاد من الأتراك المتعطشين لدمائهم، هذه المرة، عليكم أن تثبتوا لـهؤلاء الأتراك على اختلاف أنواعهم وأجناسهم أنكم لن تسمحوا بإبادة الأخوة المسيحيين هنا، ولن تسمحوا بانكسار المملكة اللاتينية الأولى وذهابها. عليكم هذه المرة أن تثبتوا لكل الساكنين هنا، من بغداد حتى الخليفة العباسي، وحتى فاس حيث الملك الموحدي أن ملوك المسيحية مهتمون بقبر مخلصنا، وأن هذه هي مسؤوليتكم، قبر مخلصنا يناديكم ويستصرخكم، وأن الصليب الذي صلب عليه بيد أناس ملاحدة ووثنيين ونجسين. وأن من العار على الملوك والأمراء المسيحين المخلصين، الأوفياء للكنيسة، وأن يبقى هذا العار مصلتاً أمام الأمم.‏

وأن استعادة عكا هي الخطوة الأولى في الطريق إلى القدس، وأن هذا الإصرار والثبات أمام أسوار المدينة على مدى عامين ليدل على عمق الإيمان وثبات الموقف وقوة الالتزام بتحقيق كل الأهداف. إن استعادة عكا، ستعيد لـهذه الحرب زخمها وقوتها كما حدث قبل أكثر من خمس وثمانين عاماً، أن المسيحية تتجدد بهذه المعركة، وأن المسيح سيفرح ما أن يرى المؤمنين على هذا القدر من الصبر والثبات والإيمان، وأنتم تعرفون تماماً ما الذي قام به البابا كليستينوس الثالث، بالغ العظمة والقداسة متمماً عمل البابوات السابقين اوربان الثالث وغريغوري الثامن وكليمنت الثالث من أوامر وفروض دنيوية ودينية لنشر السلام بين الملوك والأمراء استعداداً لـهذه المعركة الفاصلة التي يلتقي فيها الشر والخير، نعم، هي المعركة الفاصلة التي تحدث عنها الكتاب المقدس، معركة هارمجيدون، استعداداً لنزول المسيح المخلص. كونوا أنتم في المقدمة، احصلوا على كامل الشرف في هذه المعركة التي يباركها ويريدها الله. ليبارككم الرب، ليمحوا خطاياكم وخطايا جنودكم وشعوبكم، لتكن آثامكم كما لم تكن.‏

جلس ممثل البابا وهو يتصبب عرقاً، فوقف الملك ريتشارد ليتحدث باعتباره صاحب الدعوة، كان طويلاً وشائكاً، بشعره الطويل الأشقر الملبد الذي يصل إلى كتفيه، وعلى عكس كثيرين، فقد كان يلبس بزة الحرب، تكلم باللاتينية أيضاً باعتبارها اللغة التي يفهمها جميع الحاضرين:‏

ـ أشكر حضرة الأب، وأؤكد على ماقاله، نعم، هي حرب يريدها الله، وهي معركة هارمجيدون، ولنا الشرف أن نكون من جنودها الأوائل، وأن نكمل ما بدأه الملك العظيم غودفري دي بويون الذي استعاض عن تاج الملك بتاج شوك، وكم كان أخوتنا من البورغنديين والنورمانديين والبروفنساليين أوفياء كل سنة أن يحتفلوا بذكرى موت هذا الملك العظيم. ما أحوجنا في هذه اللحظة إلى تواضع ذلك الملك، وإلى إخلاصه، وإلى إيمانه العميق. إن استعادة القدس وتحرير القبر المقدس هي الهدية الأفضل التي نقدمها إلى روح ذلك الملك الذي أسس هذه المملكة، إن استعادة عكا غدا ستكون بداية الطريق الطويل والصعب لاستعادة القدس والانتقام لأولئك الشهداء من المسيحيين المخلصين الذين سقطوا في معركة حطين. على يد صلاح الدين ومن يقف في صفه أن يفهم جيداً أننا لن نتخلى عن مسؤولياتنا وعن أهدافنا في تحقيق السلام والوئام في ربوع هذه البلاد، وإن أهدافنا نبيلة وعظيمة وتختلف كلياً عن أهداف صلاح الدين ومن يقف في صفه. إن السمو والنبل والإيمان الذي يتمتع به رجالنا، والمدعوم والمبارك من قداسة البابا، لـهو الكفيل بتحقيق كل الأهداف. وكما تعلمون، فإنه قد تم وضع شروط الاستسلام على المحاصرين في عكا، وسندخلها غداً، ولهذا أرجو من المعنيين بالأمر أن يحددوا عدد ونوع وجهة الأماكن والعقارات التي كانت لـهم في المدينة قبل أن يحتلها صلاح الدين منذ ما يزيد على أربع سنوات، ستتم إعادة كل الممتلكات والعقارات لكل الأطراف التي كانت في عكا قبل سقوطها، وأريد أن أبلغكم أنه لن يتغير شيء وأن كل ذلك سيتم تسجيله حسب المواثيق المعهودة.‏

وما إن جلس الملك ريتشارد حتى وقف ممثل تجار جنوة، نظر إلى وجه المركيز كونراد الذي كان كعادته مستفزاً كشوكة، صامتاً كثور:‏

ـ أقدم كامل التبجيل وتام الاحترام والتقدير لكل ملك وأمير وكونت وماركيز يجلس إلى هذه المائدة، وأطلب من الرب النصر والبركة لـه، فأنتم تعلمون أن تجار جنوة، كانوا السباقين والأوائل الذين قدموا المال والأشرعة والطعام للفرسان المسيحيين الأوائل الذين أقاموا الممالك والإمارات في هذه البلاد، وتعلمون أيضاً أن الامتيازات التي حصلت عليها جنوة في عكا، كانت في العام 1104 ميلادية، أي قبل ثمانية وثمانين عاماً، وأن التجار الآخرين من المدن الأخرى قدمت بعدنا، بعد أن رأوا المكاسب والأرباح، وتعلمون أيها السادة المبجلين أن تجار جنوة الذين أمثلهم، قدموا لـهذه الحملة كل ماتحتاج إليه من أموال وأشرعة وطعام ودواء وكساء، تعلمون أن سفننا هي الأكثر عدداً، وأن تجارنا لم يبخلوا على جنودكم بشيء، ولهذا فإنني بناء على ما تقدم، أطالب بتعديل الوضع عما كان عليه قبل احتلال صلاح الدين للمدينة، وأطلب أن تؤخذ تضحياتنا بعين الاعتبار.‏

وما إن جلس هذا، حتى قام ممثل تجار بيزة حيث كان يجلس بالقرب من الملك جي دي لوجنان، وبدأ كلامه بما يشبه لـهجة التحدي، وكان من الواضح أن خلافهما التجاري يخفي الخلاف السياسي بين الملك جي والمركيز كونراد، وبالتالي يعكس تلك الفجوة الكبيرة بين الملك الفرنسي والملك الإنكليزي. قال ممثل تجار بيزة:‏

ـ يبدو أن الأخ المحترم من جنوة نسي أننا جميعاً، تجار جنوة وبيزة والبندقية منضمون تحت لواء الكومون، وأرغب هنا أن أذكر الجميع بهذا الاتحاد الذي يضم مدننا الثلاثة، بحيث تتساوى في الحقوق وتتساوى في الواجبات، وأن خلافاتنا تسوى بيننا، بدون تدخل من الخارج. إن الكومون يفرض علينا يا سيدي أن تكون أرباحنا متساوية وعقاراتنا متساوية لأننا نقدم مساعداتنا للملوك والأمراء الذين يحاربون على طول الساحل الشامي والمصري بشكل متساو، فما معنى أن يطلب الأخ المحترم من جنوة أكثر من غيره. هذا يجب أن يبت فيه هذه الليلة قبل غد.‏

وما إن جلس هذا، حتى قام قائد جمعية القديس يوحنا، القريب من المركيز كونراد، كان صليبه المنقوش على صدره العريض يلمع تحت ضوء الشموع، قال دون أن ينظر إلى أ حد.‏

ـ يجب القول أيها السادة أن الوضع تغير جداً بعد معركة حطين وسقوط القدس، فقد تغيرت الأحلاف وتغير وجه المعركة، بعد صلاح الدين لم تعد بلاد الشام كما نعرفها أو عرفها أسلافنا. هذا الرجل استطاع أن يوحد خصومه وأعدائه وأن يجعل منهم جيشاً واحداً يقاتلنا به، ولهذا فإن تغيير المعركة يستوجب تغييراً في توزيع المهام وتوزيع العقارات والأرباح أيضاً. أنتم تعرفون أن هدفنا هو تحرير القبر المقدس، ولكن لن يتم هذا الهدف دون توفير الأموال والرجال، وأنتم تعرفون أن جمعيتنا قدمت وتقدم وستقدم دائماً التضحيات تلو التضحيات من أجل تحرير قبر مخلصنا، إن حجم الأرباح يجب أن يساوي حجم التضحيات، ومع تقديري لما يقوم به أعزاؤنا تجار المدن الثلاثة إلا أن جمعياتنا الدينية هي التي توفر دائماً الفرسان المنقطعين للحرب والصلاة، ولهذا أطلب أن يتغير الوضع وأن تتغير القسمة بما يتناسب مع حجم ما تقدم.‏

كان من الواضح أن من يقف في صف المركيز كونراد يرغبون بمعارضة ما يقول به الملك ريتشارد، والحقيقة أن ماكان يثير الخلاف بين المحاربين حول عكا أكثر ما يوحدهم، فإضافة إلى الخلاف السياسي والتجاري والديني، كان المسيحيون المحليون ينظرون إلى المسيحيين القادمين على أنهم غير متحضرين، لا يلبسون جيداً ولا يعرفون الكثير من المخترعات وأنواع الأطعمة والكتب والأدوية، بينما ينظر هؤلاء إلى المسيحيين المحليين على أنهم فقدوا الحماسة الأولى وتخلوا عن كثير من العادات المسيحية، هذا بالإضافة إلى أن القادمين يعتبرون أنفسهم بأنهم حماة هؤلاء والمدافعين عنهم، ولهذا فإن ذلك الإحساس بالرفعة من جانب هؤلاء الإحساس بالقوة من جانب هؤلاء كان دائماً مثار حزازات لا تنتهي، وقد شعر الأمراء المحليون بالحرج عندما اصطفوا إلى جانب المركيز كونراد دي مونتفرات القادم من بيزنطة وتركوا الملك جي دي لوزجنان، الملك الذي ولد وعاش بينهم هنا في هذه البلاد، كما أن رغبة الأمراء المحليين بالاستقلال عن أوطانهم الأصلية كانت تصطدم دائماً، ليس فقط بنقص الرجال والأموال والعدة، وإنما ببحر العداء العظيم الذي يحيط بهم من كل جانب، فالأتراك المسلمون ما فتئوا يحرضون على وجود الممالك والإمارات الإفرنجية، الأمر الذي يدفع بالأمراء المسيحيين إلى التفكير الدائم بالأوطان الأصلية، وطن المرء لغته، إن اللغة تشد الناس إلى أوطانهم الأصلية، ولا يمكن العيش بالقرب من أتراك مسلمين على ما يبدو.‏

الملك ريتشارد الذي أدرك المغزى العميق لما قاله كل من ممثل تجار جنوة وقائد جمعية القديس يوحنا، طلب من الأمير باليان الإبليني أن يتكلم باعتباره آخر رجل دافع عن قبر المسيح قبل أن يسقط بيد صلاح الدين، فقام هذا بوسامته الملحوظة والقسوة التي تحيط بعينيه، وقال:‏

ـ اسمحوا لي أيها السادة بالقول إن حربنا هذه وإن كان هدفها نبيل ومقدس، إلا أن المطامع والأهواء تلعب دوراً رئيسياً، لقد تعرضت شخصياً وبعض النبلاء هنا إلى الذل والمهانة، عندما طردنا صلاح الدين من القدس قبل أربع سنوات تقريباً، لقد خرجنا من المدينة المقدسة بحماية أعدائنا الأتراك، ولكننا لم نجد قلعة مسيحية واحدة أو مدينة مسيحية مهما صغرت تقبل باستقبالنا، بل على العكس من ذلك تماماً، فإننا هوجمنا داخل حدود إمارة طرابلس من قبل مسيحيين مثلنا، وأكثر من ذلك، فقد رفض حاكم طرابلس استقبالنا، وسمح لبعض رجاله بنهب ما نملك من متاع. إن هذا يدل أيها السادة على ضرورة استعادة القوة التي تحلى بها الفرسان المحاربون الأوائل..‏

تدخل المركيز كونراد دي مونتفرات بشدة:‏

ـ إذا كنت تعرض بتصرف حاكم طرابلس قبل أربع سنوات، فما قولك إذن بمن يهدد بالاستيلاء على صور، تلك المدينة التي وقفت في وجه صلاح الدين، وكانت سبباً في حضور كل هؤلاء الملوك والأمراء من الغرب.‏

كان هذا هجوماً غير من متوقع من المركيز على الملك ريتشارد، الأمر الذي خلق بلبلة حول المائدة، لم يرد الملك ريتشارد، ذلك أن الملك جي اندفع بما عرف عنه من تسرع وطيش:‏

ـ عندما تهدد الأمم المسيحية بالانقسام بسبب أطماعك الشخصية، فإن الحزم سيكون أولى، وأن الملك ريتشارد ماكان ليهدد بالاستيلاء على صور لولا ما رآه من استغلالك لوجود هؤلاء الملوك والأمراء، وكأنهم جاؤوا إلى هنا لتتويجك ملكاً في القدس. يجب أن تعرف أيها المركيز أن أكبر ملوك الغرب المسيحي جاؤوا لاستعادة القبر المقدس وتحريره، لا من أجل أهدافك الصغيرة.‏

رد المركيز كونراد بعنف شديد:‏

ـ ماجاء هؤلاء بسببك، بينما كنت أنت تساعد صلاح الدين في سقوط عسقلان والداروم، كنت أنا من يرسل الرسائل ويعد العدة للتحضير لـهذه الحملة. لقد فشلت ملكاً وفشلت قائداً، وعليك أن تعترف بذلك. عندئذٍ تدخل الملك ريتشارد قائلاً بهدوء:‏

ـ مهلاً أيها السادة، من الواضح أن هناك خلافاً عميقاً بين الأطراف ما يستدعي المراقبة الدائمة والإشراف المستمر، وأعتقد أن الملك فيليب يوافقني على ذلك.‏

خرج هذا عن صمته بالقول:‏

ـ هذا صحيح، ولهذا أرغب في تقسيم المدينة هذه الليلة، حتى لا تصطدم الفرسان ببعضها بعضاً يوم غد، ويتحول يوم النصر إلى يوم هزيمة.‏

قال الملك ريتشارد: وحسماً للخلاف، فأنا أقترح كما قلت منذ البداية، ببقاء الوضع على ماهو قبل احتلال المدينة منذ أربع سنوات.‏

قال الملك الفرنسي: أوافق على ذلك بشرط أن يعاد النظر في التقسيم بعد تحرير المدينة.‏

قال ريتشارد: موافق.‏

وما إن اتفق الملكان حتى توقف الكلام، لم يعقب على قوليهما أحد، صمت الملك ريتشارد قليلاً قبل أن يقول:‏

ـ أمر آخر، أيها السادة، أرغب في طرحه أمامكم.‏

توتر الحضور، إذ أن ما تم الاتفاق عليه بين الملكين لم يرض أطرافاً كثيرة.‏

قال الملك ريتشارد وهو يجيل بصره بين الحاضرين:‏

ـ تعلمون أن شروطنا للاستسلام قد قبلت، وأن المركيز كونراد هو ضامن هذا الاتفاق، فيما سأكون أنا من ينفذه، هذا مع احتفاظ كل واحد منكم بنصيبه من الأموال والعقارات، هل هناك من اعتراض؟!..‏

قال الملك الفرنسي بما يشبه الحدة: على أن يكون ممثلي الشخصي حاضراً في كل مرحلة من مراحل التنفيذ. نظر الملك الإنكليزي إلى نظيره بعين صقر، قال: حسبت أن المركيز كونراد، ضامن الاتفاق يمثلك أيها الملك.‏

كان ذلك سؤالاً في غاية الخبث، ولكن الملك الفرنسي أسرع إلى القول: مع احترامنا الكامل للمركيز كونراد إلا أنه ليس من رعايا مملكتي.‏

فجأة، ألقى قائد جمعية التيوتون سؤاله:ولماذا ننفذ الاتفاق أيها السادة، لماذا لا نقتل المحاصرين ونلقيهم في البحر؟!...‏

كان سؤاله مثيراً وغير مريح، صمت الجميع، حتى قال الأمير باليان الإبليني:‏

ـ مع توقيرنا الكامل لشخص قائد جمعية التيوتون وغيرته المسيحية الشديدة، إلا أن أخلاق المحارب وأخلاق المسيحي الحقيقي تفرض عليه احترام المواثيق والعهود، ويعرف المحترم السائل، أن صلاح الدين لم يقتل مسيحياً واحداً عندما احتل القدس، وقد خرجنا جميعاً من أمامه، وكان يدفع الفدية عن فقراء المسيحيين، ولن نكون أقل منه أخلاقاً. إن تصرف صلاح الدين هذا رسالة لنا جميعاً علينا أن نقرأها بتقدير. إذا كنت مخطئاً أيها السادة، فليتقدم أحد منكم وليقل لي أنت مخطئ.‏

تدخل الملك جي، الذي ساعد صلاح الدين فعلياً في إقناع حاميات بعض المدن المسيحية بالاستسلام دون إراقة نقطة دماء واحدة:‏

ـ الحقيقة أيها السادة أن الرجل مختلف عما عرفنا من أمراء الترك، إنه رجل لا يشبه سيده القديم نور الدين، وأنا أؤيد ما قاله الأمير باليان، من أن صلاح الدين يبعث دائماً برسائل علينا قراءتها جيداً، إننا نأخذ منهم مدناً ويأخذون منا مدناً، وعلينا أن نتقن ذلك، بحيث لا نقطع كل الخيوط.‏

بدا من الغريب أن يكون الملك جي حكيماً.‏

أصر قائد جمعية التيوتون الذي رغب أن يذكر الجميع بوجوده.‏

ـ ولكن، ما جاءت هذه الملوك وهذه الجيوش والسفن من أجل أن يقدموا للأتراك درساً في المسيحية، بل دروساً في التأدب وحسن التصرف مع إخوتنا المسيحيين المقيمين هنا، ما أقوله هو أن يشعر الأتراك دائماً أن هناك من يؤدبهم ويبصرهم بالسلوك المطلوب، ثم، لأذكر السادة هنا، أن صلاح الدين هذا، الذي تقولون إنه يبعث برسائل أخلاقية، إنما يقوم بتصفية وجود المسيحية كلها من هذه البلاد.‏

رد الأمير باليان الإبليني:‏

ـ ولكن الرجل كان صادقاً في كل اتفاقاته معنا، وكان يمكن لـه أن ينتقم مما فعل أولئك المسيحيون الأوائل الذين دخلوا القدس قبل أكثر من ثمانيين عاماً، حيث قتلوا أكثر من سبعين ألف مسلم. الرجل لم يفعل بنا شيئاً، بل على العكس من ذلك، اعترف لكم أيها السادة، أن ما فعله عندما دخل القدس لا يمكن تصديقه ولا يمكن فهمه بسهولة. إنه أكثر من الكرم وأكثر من الرجولة. يجب أن أعترف لكم بذلك. أنا من رأى ذلك، وأنا من فاوض الرجل، وأنا من رأى كيف يدفع من ماله ليفدي فقراء المسيحيين. وأعترف لكم أكثر، لو كنا نحن الذين دخلنا القدس لما فعلنا فعله، ولما وصلنا إلى ما وصل إليه،هذا رجل مختلف كما قال الملك جي.. وعلينا الاعتراف بذلك... ثم إننا نحن الذين نعيش مع هؤلاء الناس منذ مدة طويلة، ولا نريد أن نقطع معهم كل الحدود.‏

سأل الملك ريتشارد: برأيك أيها الأمير، لماذا تصرف صلاح الدين هذا التصرف؟!...‏

قال الأمير باليان وهو يستعيد ذكرى أيام الحصار المخيف: في القدس: لا أدري أيها الملك، الحقيقة لا أدري، ولكن جواسيسنا الذين يعيشون في معسكر السلطان يذكرون أن صلاح الدين ملتزم بدينه جيداً، يقول هؤلاء أن صلاح الدين يفرق بين المحارب وغير المحارب، وأن هناك في دينه ما يمنعه من الإيغال في القتل أو تقصده...‏

تدخل قائد جمعية التيوتون:‏

ـ وهل تريد القول أيها الأمير أننا لا نفرق بين المحارب وغير المحارب، هل تريد القول أننا أقل تقديراً للروح الإنسانية...‏

قال الأمير باليان بعنف: المسألة ليست بالكلام، المسألة في التنفيذ، صلاح الدين أقل قتلاً منا... وأعترف أيضاً؛ إنه يعرف كيف يقتل أيضاً... إذا أحببت ذلك أم لم تحبه.‏

توجه ريتشارد بالسؤال إلى نظيره الفرنسي: وما رأي عزيزي الملك فيليب.‏

قال الملك فيليب بتؤدة: أنا مع تنفيذ الاتفاق، لسنا أقل من صلاح الدين، وهو لا يعلمنا أصول الحرب ولا أصول السلم.‏

قال الملك ريتشارد بما يوحي بانتهاء المجلس: سمعنا كل شيء. وسمعتم كل شيء، وسنقوم بما هو مناسب.‏

انفض الاجتماع، ركبوا خيولهم وانطلقوا إلى خيامهم المتفرقة والبعيدة عن بعضها البعض، فيما كان التكبير الشديد يصل إليهم من معسكر السلطان، كانت الأصوات واضحة وتتعالى في هذا الليل الحار والصافي. ما الذي يجري في معسكر الأعداء؟!... أما المحاربون في خيامهم وفي سفنهم، فقد كانوا يحتفلون بالنصر استعداداً لدخول عكا غداً، وكان الأشد فرحاً أولئك الجنود الذين أمضوا سنتين حول المدينة يترقبون لحظة استسلامها، ولأنها كانت الحرب الأكثر طولاً والحصار الذي لم يكن أبداً من قبل، ولأنها المدينة التي تجمع حولها أكبر عدد من ملوك المسيحية وأمرائها، ولأنه الانتصار الأول والأصعب على صلاح الدين بعد سقوط القدس، فقد رغب الجميع بالاحتفال، وهكذا فقد أشعل الجنود النار وشربوا الخمر، وغنوا للنساء والبيوت والأصدقاء الذين ماتوا أو غرقوا أو اختفوا، ثم دارت الخمرة في الرؤوس، فتعروا وتشاجروا وطاردوا بعضهم البعض، لاحقوا من وجدوهن من بغايا، بعضهن للمال والبعض الآخر كنوع من التكفير عن خطاياهن وذلك بمنح أجسادهن للمحاربين على الأرض المقدسة، كان فرحهم وحشياً وعنيفاً ومنتهكاً لكل شيء، ولكن النصر رائع، لاشيء مثل النصر، إنه يتحول إلى يقظة في الجسد، والمنتصر شبق إلى أبعد الحدود، قوي لا يخجل، صريح يكشف عن مخبوء جسده ونفسه.‏

وفي صبيحة اليوم التالي، يوم الجمعة الرابع من تموز عام 1191، وقف ثمانية وثلاثون ملكاً وأميراً وكونتاً ومركيزاً على رأس فرسانه وراجليه، بأعلامهم وشاراتهم وسيوفهم ودروعهم وصلبانهم، أحاطوا بعكا من جميع جهاتها، كما انطلقت سفن الجنوية والبيازنة والبنادقة وكل السفن التي حملت المقاتلين من البلاد البعيدة وأحاطت بعكا من جهة البحر، ونعرت الأبواق فامتلأت السماء بضجيج يصم الآذان، وكانت تلك إشارة ليتقدم المركيز كونراد دي مونتفرات تتبعه كوكبة من الفرسان يحملون أعلام الملوك والأمراء المشاركين في الحملة وعددها ثمانية وثلاثون علماً، وفيما كان هذا يتقدم باتجاه الباب الرئيسي للبلدة المنهكة، كان يشعر بإثارة شديدة في جسده وروحه، فقد كان يشعر أن صبره وجهده وعمله الدؤوب الطويل هو المسؤول عن هذا النصر، وعن هذه الجموع التي خلفه، كان يشعر أن هذا هو نصره الشخصي، وأنه ـ وحده ـ استطاع أن يجر ملوك أوروبا إلى هنا، وأنه ـ وحده ـ الذي أعاد لـهذه الحرب جذوتها وحماستها التي خبت وتضاءلت، وأنه هو ـ وحده ـ الذي استطاع أن يهزم صلاح الدين، كان يشعر أن هذه الحرب هي حربه وليست حرب غيره، ولهذا فهو الأحق بتاج مملكة القدس اللاتينية، وهو الأحق بأن يكون غودفري دي بويون آخر، ولن يمانع أبداً بوضع تاج من الشوك عندما تستعاد القدس، كان الرجل يشعر أنه من آخر جيل من المسيحيين الحقيقيين الذين يعتقدون أنه بقدر المحبة والتسامح التي بشر بها السيد المسيح، بقدر القوة التي يجب أن يتمتع بها من يبشر بذلك، لا محبة مع الذل ولا تسامح مع الضعف، الضعيف لا يسامح بل يتنازل.‏

كونراد الذي لم يرفع أي علم باعتبار أنه في نزاع حي مع الملك جي، ترك الفرسان الآخرين يرفعون علم مملكة القدس اللاتينية وعلم البابوية، كل ما اعترف به الملوك الآخرين لـه أن يدخل عكا أولاً، وأن يرفع الأعلام كلها أولاً، وأن يتفاهم مع المحاصرين أولاً.‏

دخل كونراد عكا من الباب الرئيسي الذي كان مفتوحاً على مصراعيه، أو بما بقي من مصراعيه بعد الدق والحرق والتكسير الذي تعرض لـه طيلة سنتين، كان نسيم البحر يضرب صفحة الرجل ويحمل معه روائح العفونة والتحلل، كانت المدينة أشبه بمدينة ضربها إعصار ومضى، خراب في كل مكان، الدكاكين بلا أبواب، والشوارع بلا بلاط، حجارة السور وباشوراته تملأ الأزقة، آثار حرائق على الجدران وألسنتها السوداء تخرج من النوافذ والأبواب، جثث متعفنة، أحجار منجنيق لم تتفتت، سهام مكسرة، سيوف مرمية هنا وهناك، أغطية وأثاث محطم، قطط سوداء سمينة تتمسح في الجدران، ورائحة فظيعة تسيطر على المكان كأنها تفضحه.‏

عجب المركيز كونراد لحال المدن، إنه يتذكر عكا عندما كان فيها حاكمها الناعم اللين، عاشق المتع واللذائذ كلها جوسلين دي كورتناي، الذي لم يستطع أن يدافع عن عكا عندما حاصرها صلاح الدين أقبل أربع سنوات أو يزيد، قال لنفسه إنه لا يشبه جوسلين أبداً، فقد أسرع هذا إلى تسليم المدينة لصلاح الدين، بل أقنع حامية المدينة بعدم القتال. أما هو، فقد حصن صور وجعل منها قلعة لا يصل إليها الطير. إنه لا يشبه جوسلين أبداً، وها هو يدخل عكا انتقاماً وتشفياً وانتصاراً، إن جوسلين دي كورتناي فقد إيمانه وحماسه ومسيحيته أيضاً، ولهذا لم يستطع أن يتحمل أو يصبر أو حتى يدافع. أما هو، فقد صبر واحتمل ورفض تسليم صور مقابل حياة أبيه، للمجد أثمان باهظة.‏

ولكن عكا هي عكا، هاهي الرائحة الذفرة المعتادة، التي يأتي بها التجار من بلادهم البعيدة والمجهولة، نعم، هي عكا التي يتذكرها المركيز كونراد، بشوارعها المزدحمة بالناس والغرارات والدواب والعربات، الخضار والتوابل، و الزجاج والفخار والفضة والذهب، باللغات المختلفة والوجوه التي لا تشبه بعضها والثياب التي يثير بعضها السخرية حقاً.‏

ولكنها تكاد لا تكون المدينة التي يعرفها، فنزل جمعية القديس يوحنا تهدمت بعض جوانبه، وبيت الأسقف لم يعد يرفع الصليب على واجهته، وبرج جمعية فرسان الهيكل بلا باشورة إطلاقاً، وفندق أهل بيزة محترق، وبيت محكمة الميناء بلا أبواب ولا شبابيك ولا تماثيل على السلم الرخامي الصقيل، كل شيء اختلف، نعم، الأتراك يهدمون كل شيء، ويخربون كل شيء. الأتراك أجلاف حقاً.‏

قفز المركيز كونراد عن حصانه، أمر الفرسان بالتوقف، أمرهم برفع الأعلام على برج جمعية فرسان الهيكل وجمعية القديس يوحنا وعلى بيت الأسقف وعلى الباشورة التي تعلو باب قراقوش. كانت الأعلام عالية جداً، صارت ترفرف كأنها طيور عملاقة تضرب الرياح وتضربها الرياح، كانت الصلبان الحمراء والخضراء والزرقاء والصفراء تغير المشهد كلياً، وما إن شاهد المركيز تلك الأعلام وهي تعلن عن نفسها عالياً في صفحة السماء فوق كل ذلك الخراب، شعر بأنه حقق ما حلم به طيلة تلك الأيام والليالي. ابتسم فيما بينه وبين نفسه، شعر بالفرح يأخذ بمجامعه. فانطلق بصراخ وفرح وحشي غير معهود فيه ولا معروفاً عنه:‏

ـ ليتبارك الرب!!...‏

صاح الفرسان وراءه مباشرة : ليتبارك الرب!!...‏

سمع الفرسان والجنود وراء السور الصياح، فصاروا يصيحون:‏

ـ ليتبارك الرب!!...‏

أخذ مئات الألوف من الجنود والفرسان والأمراء والملوك يهتفون كل بلغته:‏

ـ ليتبارك الرب!!... ليتبارك الرب...‏

ـ كانت الصيحات ترج الأركان الأربعة، ملأت الفضاء كله، شعروا بالفخر والكبرياء، شعروا ببركة الرب تحل عليهم، أحسوا بطعم النصر على الأسطورة التي وصلت إليهم عن صلاح الدين.‏

تهالك الرهبان على الأرض، في صلاة طويلة تتخللها الدموع، فيما انطلق آخرون بالغناء عن مجد القدس الذهبي، وعن السيد المسيح الذي عاد إليها علىحماره يحمل غصن النخيل بيد وغصن الزيتون بيد أخرى.‏

كان فرحاً طاغياً وشاملاً، بحيث تناسى الجميع أحقاده ومصالحه، إلى درجة أن الملك ريتشارد ترجل عن جواده ودخل خيمة الملك الفرنسي فيليب أغسطس، الذي استقبله على بابها، وتعانقا بقوة أمام الجنود الذين ازداد فرحهم وحماسهم، ثم رفع الملكان يديهما بالتحية وسارا معاً بين صفوف الجنود المتحمسين. كان ذلك نصرهما، وهذا ما فعلاه معاً، وهذا ما سيجعلهما في بلاد الغرب المسيحي من أنبل وأطهر الملوك وأكثرهم غيرة على المسيحية.‏

ولكن ذلك لم يدم طويلاً، بل كاد أن ينقلب تماماً إلى شر مستطير، عندما اندفع فرسان جمعية القديس يوحنا ونظيرتهما جمعية فرسان الهيكل إلى مواقعهما القديمة في المدينة، وكذلك فعل ممثلو تجار بيزة وجنوة والبندقية، رغم ماتم من اتفاق ليلة أمس.‏

إذ استعادت جمعية القديس يوحنا العقارات الواقعة شمالي المدينة ابتداءً من التقاء السور بالبحر وحتى البرج المسمى باسم الجمعية من ناحية الشرق، وحيث كان من المفروض أن يبدأ من هذا البرج المنطقة التي ستستعيدها جمعية فرسان الهيكل، ولكن الطرفين فوجئا بوجود مبنى جديد أقامه المسلمون لصنع الأسلحة، فادعى كل طرف ملكيته، ولما لم يتفقا، تضاربا بالسيوف وسقط عدة جرحى من الطرفين، ولم يتوقف ذلك إلا عندما أقام الملك ريتشارد بنفسه وكبح جماح المتقاتلين.‏

ولكن الخلاف تجدد بين الطرفين مرة أخرى، عندما اقتسما مواقع فرض الضرائب ودكاكين للصرافة. إذ أن الجمعيتين الدينيتين المحاربتين كانتا تفرضان ضرائب على السفن القادمة إلى ميناء عكا، وتقومان بتبديل النقود للمسافرين والتجار في تلك السفن، وهي مهنة لا يقوم بها إلا فرسان تلك الجمعيتين وتدر ريعاً لا ينقطع. ولأن الطرفين وجدا أن المسلمين ـ خلال أربع سنوات ـ قد هدموا كثيراً من تلك الدكاكين والفنادق وأنهم أقاموا مبان جديدة، فقد اختلف ممثلوا الجمعيتين اختلافاً دموياً هذه المرة، تقاتلوا بالسيوف حتى دخل الليل، الأمر الذي دفع بالملك ريتشارد إلى تقسيم المدينة من جديد، حيث أعطى فرسان الهيكل والقديس يوحنا ما بأيديهما بالإضافة إلى تناصف الميناء بعد قياسه، أما البيازنة فأعطاهم شرق المدينة حيث كانت هناك فنادقهم وحماماتهم ومخازنهم ومخابزهم القديمة التي لم تمس، أما الجنوية فأعطاهم جنوب المدينة المطل على البحر، فيما توزع البنادقة بين مناطق الجميع مع الإبقاء على تماسهم مع البحر أيضاً. أما جمعية التيوتون التي لم تكن تملك شيئاً داخل أسوار عكا، فقد منحهم الملك عدة كاريوكات من الأرض خارج الأسوار. وقد ضمن الاتفاق كل من الملك ريتشارد والملك الفرنسي فيليب أغسطس والممثل البابوي وممثل عن الملك الألماني الشاب الذي لم يستفق بعد من صدمة غرق أبيه في ذلك النهر الصغير اللعين في أرض الأتراك البعيدة التي يحكمها أجلاف يسمون آل سلجوق.‏

لكن هذا الاتفاق سرعان ماتم خرقه بعد أقل من أسبوعين تماماً، ولكنه اتخذ شكلاً آخر، إذ طالب المركيز كونراد بتاج مملكة القدس اللاتينية وأراد من الملوك أن ينصبوه قبل عودتهم إلى بلادهم، فرفض الملك جي ذلك، مدعوماً من الملك ريتشارد، فعاد كونراد إلى القول إنه الأحق بذلك من ناحية شرعية، فهو زوج الملكة صاحبة التاج، ومن ناحية عملية، فهو من كان مسؤولاً عن تنظيم هذه الحملة، كان الاجتماع في بيت الأسقف الذي كان مسجداً جامعاً وبيتاً للمتصوفة المسلمين، وكان المركيز كونراد يتحدث بفخر ما بعده فخر، ففاجأه الملك ريتشارد بالقول:‏

ـ دعك من هذا التفاخر، لم تصنع أنت هذا النصر، ولم تأت أنت بنا، وكذلك دموع الرهبان الذين أرسلتهم، إن كان ملك وأمير هنا، جاء بسبب حبه لدينه ورغبة منه في تحرير القبر المقدس، أنت لا تتميز عن أحد هنا. هل تفهم ذلك.‏

اشتعل غضب المركيز كونراد، نظر إلى الحضور، فلم يتعاطف معه أحد، أكمل الملك ريتشارد:‏

ـ كنت صادقاً في تهديدي بأخذ صور منك، لم أفعل ذلك بسبب حربنا مع صلاح الدين ولم أرغب في إحداث انشقاق في المعسكر المسيحي. أما الآن، فأنا على استعداد لتنفيذ تهديدي.‏

ماكان للملك ريتشارد أن يقول ذلك لو لم يضمن رضى وموافقة معظم الأمراء المحليين وكذلك تجار المدن الإيطالية سراً وعلناً.‏

أكمل ريتشارد :‏

ـ أنا سأبقى هنا أيها المركيز لأباشر الأمور بنفسي.‏

كان يشير بذلك إلى إعلان الملك فيليب عن رغبته في السفر لعوارض مرض بدأت تظهر في جسده.‏

المركيز كونراد، احتقن بالدم والغضب والكراهية، قال من غله:‏

ـ إذا لم أحصل على ما يناسبني وما يناسب مقامي ويناسب تضحياتي، فإنني أهدد... قاطعه الملك ريتشارد بعنف شديد:‏

ـ أنت لا تستطيع أن تهدد ولا تعط نفسك أهمية أكثر ما تستحق. لك صور وإذا استطعت أن تنتزع بيروت وصيدا من أيدي المحمديين فهما لك.‏

قال كونراد بصوت من تحته النار: وتاج المملكة.‏

تحرك بعض الأمراء المحليين، وخاصة أولئك الذين دعموا المركيز في بداية صراعه مع الملك جي وأغروه بتاج المملكة، كان من الصعب عليهم الآن أن يتخلوا عن الرجل خاصة وأنه أثبت دائماً أنه على قدر المسؤولية.‏

الملك ريتشارد لم يشأ أن يشوه انتصاره السريع في عكا بمغامرة شق الصف المسيحي، ولم يرد أن يحمل معه وصمة عار يأخذها معه إلى إنكلترة، كان يريد انتصاراً طاهراً خالصاً شفافاً يضاف إلى انتصارات المسيحية. قال وهو يدير وجهه بعيداً عن وجه المركيز القاسي البغيض: لك عرش مملكة القدس إذا توفي الملك جي، تسابق وإياه على حب الحياة، لتحصل على التاج.‏

شعر المركيز أن هذا يمنحه طوق نجاة، ذلك أنه لا يستطيع أن يحارب مثل هذا الملك الصلب كالحجر، المراوغ كثعلب صحراوي، المتكبر الذي لا يسمع أحداً، وقد شعر المركيز أيضاً أن التجار قد خانوه، وأن الأمراء الذين دعموه في البداية يتناقصون الآن أمام أموال وقوة ونفوذ الملك ريتشارد.‏

كانت تلك فرصة أخيرة، قال من بين أسنانه: موافق.‏

قيل فيما بعد أن عبارة الملك ريتشارد التي قالها للمركيز: "تسابق والملك جي على حب الحياة"، كانت بمثابة الفكرة التي لمعت في رأس الملك الإنكليزي لقتل المركيز كونراد، أو أنها كانت بمثابة الإذن لقتل المركيز، فبعد سنة تقريباً من هذا الحوار، قتل المركيز بينما كان يصلي في الكنيسة بيد شخص يلبس ثياب الرهبان، وقد حاول أسقف صور أن يجعل من المركيز شهيداً للمسيحية فادعى أن من قتله كان القائد التركي الضخم صاحب الوجه البشع الذي يسمى المشطوب، وقد قصد أسقف صور من ذلك أن ينفي عن المركيز صفة الخيانة لما قيل إنه فاوض صلاح الدين على خيانة قومه والانتقام منهم لما منعوه تاج مملكة القدس، فقام هذا الأسقف بكتابة أشعار وقصص تروي سيرة المركيز، فيما أشاع أيضاً أن المركيز صاح قبل أن يموت "ماش توب... ماش توب."، أما باقي الأمراء المسيحيين فقد همسوا فيما بينهم أن الملك جي هو من بعث إليه رجالاً من الحشيشية الباطنية لقتله بعد أن اتفق مع شيخ الجبل راشد الدين سنان مخوفاً إياه من أن المركيز كونراد يفاوض صلاح الدين لإعطائه الإذن باحتلال كل القلاع غرب حلب ومنها قلعة مصياف وبانياس والخوابي والكهف، فاستشاط سنان غضباً وبعث إليه من قتله، ويقال أن عمر الزين متولي العيون والجواسيس هو الذي رتب هذا الترتيب المعقد وبإعلام مسبق من الملك العادل الذي وافق على هذا العمل لما فيه من توهين لصفوف العدو وإضعاف لشوكتهم.‏

والمهم في هذا، أن اغتيال المركيز كونراد لم يضعف من مكانة الملك ريتشارد بل يمكن القول لأن ما جرى كان يعارض هذا القول تماماً، إذ أن مقتل كونراد وحد الجميع حول هدف صعب المنال كما يبدو حتى الآن ألا وهو استعادة القدس ذاتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244