عكا و الملوك ـــ أحمد رفيق عوض

رواية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Monday, August 15, 2005 11:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

متجددات القاضي الفاضل*

اليوم يوم بكاء، وأهل بيسان بكاؤون، وهم الذين أشاعوا في ديار الإسلام كلها أن النظر إلى وجه الإفرنجي يسبب ظهور البثور على الجلد. وهاهي المشاهد في عكا تعيد إلي كل المشاهد الأخرى التي حدثني عنها والدي وتلك التي رأيتها بعيني.‏

عكا تسقط بيد الإفرنجي البغيض، وعلى أسوارها وأبراجها وجوامعها ترفرف أعلام طواغيت الفرنجة كلها.‏

مولاي السلطان صلاح الدين صار يبكي كالثكلى، أسرع إليه القاضي ابن شداد والكاتب عماد الدين الأصفهاني، يهونان عليه المصاب، أما أنا فلم أستطع أن أتحرك من خيمتي. أدركني النقرس اللعين فشل مفاصلي رغم حرارة هذا الصيف.‏

سمعت من فراشي صياح الفرنجة وهم يدخلون عكا، كان عجيجهم كريهاً ومستفزاً إلى أبعد الحدود.‏

أجبرت نفسي على النهوض، أصلحت من شأني قدر استطاعتي، خرجت من خيمتي التي كانت تجاوز خيمة مولاي السلطان من جهة وخيمة القاضي ابن شداد من جهة أخرى، كانت التلال التي ينتشر عليها جيش السلطاني خيم عليها الصمت والذهول وهم يشاهدون عشرات الآلاف من جند الفرنجة وأشرعتهم تطوق عكا وتنتهكها.‏

ما أبشع الهزيمة!! الهزيمة سوءة كريهة منفرة وقبيحة. شعرت بسكين يغوص في لحمي، شعرت بالخزي حقاً، شعرت بالتقصير والعجز والضعف، وشعرت بالخذلان، كانت هذه النهاية نهاية مرعبة حقاً، سنتان من العمل الدؤوب تذهب أدراج الرياح، وعكا بوابة البحر لملوك الغرب وطواغيتها، ومن ملكها ملك الشام.يا الله! هذه هزيمة منكرة!!‏

دخلت خيمة مولاي السلطان صلاح الدين، وما أن رآني أدخل عليه أمشي بصعوبة بالغة، حتى هب إلي.. احتضنني وأنا أسمع نهنهة بكائه.‏

ـ تعال إلي.. تعال إلي يا قاضينا الأجلّ... أعني على ما أنا فيه.‏

كتمت ما ثار في صدري، قلت بما أملك من رباطة جأش:‏

ـ قل يا مولاي... لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.‏

قال مولاي: ما الذي جرى يا قاضينا الأجل. قل لي ما الذي جرى. ألم أعد أهل عكا بالدفاع عنهم؟.. لماذا تعجلوا بالاستسلام؟!...‏

قلت: أعذرهم يا مولاي!! الحصار طويل وبغيض ومكلف.‏

قال مولاي بما يشبه التسليم: ولكني كنت أمدهم بالرجال والميرة والسلاح!!...‏

قلت لمولاي: ولكن ذلك لم يعد كافياً يا مولاي.. قلوع الفرنجة ملأت البحر.‏

صاح مولاي فجأة: والمشطوب.. ماذا المشطوب...‏

قلت لمولاي: وماذا يفعل رجل واحد أمام كل هذه الأجناس يا مولاي.‏

عاد سيدي ومولاي إلى البكاء الصامت الثقيل، كانت هيبته ومسؤولياته تمنعه من أن يتحرك، فكبت بكاءه، فظهر ذلك ألماً شديداً على وجهه.‏

بعد فترة قصيرة، قلت لمولاي: أتمنى عليك يا مولاي أن لا تجد في نفسك، فإنها مدينة واحدة تطلبت سنتين حتى أخذت، ودولة الإسلام بيدك، وأنت المتحكم فيها والمنافح عنها، والأيام دول، وما زال الميدان منصوباً وما زالت الخيول واقفة، وما زالت السيوف مشرعة وحولك رجالك وهم من خيرة الرجال...‏

قال مولاي: رجالي... أتقول رجالي,... وقد هرب بعضهم من عكا وبعضهم سلمها... أتقول رجالي أيها القاضي. قلت رجالك ما زالوا رجالك.‏

قال بغضب: لا تذكرني، أنت نفسك كتبت عشرات الكتب تستنجد بملوك وأمراء المسلمين، فماذا كانت النتيجة، هاهم ملوك الغرب كلها متجمعة حول عكا، فمن معي... ها.. قل لي.. من معي؟!...‏

سأل نفسه ثم أجاب: معي أمراء آل زنكي فقط، الذين أصانعهم بالأموال والإقطاعيات، والأمراء من خاصتنا، هذا ما معي.. أنظر إلى هناك... من ترى من الفرنجة؟!... ماذا ترى من أعلامهم؟... ثمانية وثلاثون علماً... فكم علماً معي؟!!!!...‏

تدخل القاضي ابن شداد بتواضعه ولطفه ورقته: ولكنك يا مولاي على الحق... والحق معك... فهل تريد للباطل أن يكون معك.‏

التفت إليه مولاي السلطان، سبقته دمعته، قال: لا والله لا أريد، أن أهزم ومعي الحق أحب إلي أن أنتصر ومعي الباطل.‏

تشجع القاضي ابن شداد بالقول: وقد منَّ الله عليك بنصر حطين وفتح بيت المقدس، وماهذه النكسة سوى امتحان من الله، يمتحن فيها صبرك واحتسابك.‏

قال مولاي وهو يعاني نوبة بكاء جديدة: هذه ليست نكسة يا أبا المحاسن، إنها كسرة، كسرة لا أحتملها، ولا أحتمل شروطها.‏

قال الكاتب عماد الدين الذي لم يعتن بأناقته على غير عادة: النصر ثقيل وباهظ والهزيمة ثقيلة وباهظة.‏

التفت مولاي إلى الكاتب، هز رأسه وقال: نعم، نعم، صدقت. كلاهما ثقيل وباهظ.‏

قلت لمولاي: يامولاي، أرجو أن لا تبهرنا هذه الكسرة عن تولي الأمور ومعالجتها. الأمراء بانتظارك والجند يرغبون برؤيتك.‏

حدق بي مولاي بعينيه الطيبتين الواسعتين، قال: قلت الصواب يا أيها القاضي الأجل.‏

قام فقمنا، شد إلى خصره ممنجاته، ورتب كزاغنده على صدره، وتقدمنا، مشى بقامة مشدودة ورأس مرفوع، وما إن ظهر من باب خيمته، حتى رفع الجند الصوت:‏

صلاح الدين * * صلاح الدين‏

سيف الدين * * سيف الدين‏

فقال مولاي بصوت مرتفع: بل نرجو من الله أن نكون سيفاً لدينه فقط.‏

فلما سمع الجند ذلك أخذوا يصيحون:‏

صلاح الدين * * صلاح الدين‏

درع الأقصى * * وسيف حطين‏

تقدم مولاي حتى صار على مشرف من الأرض، تجمع تحته الجند والأمراء والمقدمين، انتظروا منه كلمة.‏

طال صمت مولاي. لم يستطع الكلام، عندئذٍ تقدم قاضي العسكر ابن شداد، همس بإذن مولاي كلمات، ثم اتجه إلى المجتمعين تحته، وقال بصوته الجهوري:‏

ـ بسم الله الرحمن الرحيم، المعز لمن يشاء، المذل لمن يشاء، مالك الملك، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أما بعد؛ فإن الله عزَّ وجلَّ، شاء لنا ما شاء، وأراد لنا ما أراد، لـه الحكمة والتدبير، وله العزة والتأييد، لا راد لحكمه، ولا اعتراض على مشيئته، فتمسكوا بإيمانكم فإنه أساس نصركم، وتشبثوا بعقيدتكم فإنها مثابتكم وثباتكم. أما كسرتنا أمام هؤلاء فهي ليست نهاية الأمر ولا مبتداه، فبيننا وبينهم سجال طويل، النصر فيه لمن يكتبه الله لـه، والنصر إيمان وعمل، ولحمة ووحدة،وتعاضد وتساند، ونية مسبقة وإرادة مستحكمة. فليبحث كل منا عما أخطأ، وليدقق كل منا فيم قصر، وليسأل كل منا نفسه قبل أخيه فيم تهاون. وإن مولانا السلطان الناصر صلاح الدين، وكما علمتم ورأيتم بأم أعينكم، لم يغادر هذا التل منذ سنتين في حر أو قر، لأهل أو لولد أو لمغنم أو لمغرم، احتساباً لله وطلباً لعونه في حربه ضد طواغيت الكفر والفساد، ولم يأل جهداً في الاستنجاد وطلب العون من أمراء المسلمين في شرق البلاد وغربها، ولكن الله سبق في علمه، وشاء لنا ما نراه، فقولوا لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

صاح الجنود كلهم: لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

قال ابن شداد: فاستعدوا لما هو قادم، وتزودوا لما سيأتي، لأن الله اختاركم من بين المسلمين كلهم لتردوا عن بلاد الإسلام الضيم والعسف، ولتبذلوا دماءكم لحماية الدين والعرض والأهل والولد، وجزاؤكم في ذلك الجنة، ولا شيء يعدل ذلك كما تعلمون.‏

عندئذٍ صاح مولاي صيحته المشهورة: ياللإسلام... ياللإسلام...‏

رددت صيحته كل التلال: ياللإسلام... ياللإسلام...‏

امتزج صياح الفرنجة بصياح المسلمين في ذلك المرج الفسيح الممتد مابين أسوار عكا وحتى تل العياضية، كان الجميع يصرخ في يوم الجمعة ذاك، نصراً وفرحاً، وأملاً وتشوقاً.‏

أما الفرنجة فقد انشغلوا بالسباق والمبارزة ومطاردة البغايا اللواتي كنا نسمع صراخهن من على التل الذي وجدنا فيه، أما نحن، فقد عاد الصمت والذهول يخيم على عسكرنا، كانت الهزيمة على وجه كل واحد فينا، رغم كل ما حاولنا أن نفعله.‏

استدعاني مولاي أبو بكر، الملك العادل، إلى خيمته، فذهبت أجر نفسي جراً، وجدته وقد أحاط به العديد من الأمراء المصريين والشاميين يتدارسون ما آلت إليه الأمور.‏

كان مولاي العادل هادئاً كعادته، بطيئاً في الكلام وبطيئاً في الحركة أيضاً. وما إن دخلت حتى أفسح لي مكاناً إلى جانبه قائلاً:‏

ـ أعتذر إليك يا قاضينا الفاضل، ولكن الأمر يستحق مشورتك ورأيك.‏

قلت: أنا رهن إشارتك يا مولاي.‏

قال: يرى بعض أمرائنا أن لا فائدة من مواجهة الأعداء بعد دخولهم عكا، فماذا ترى أنت:‏

قلت: يا مولاي، للهزيمة أثر سيء على النفس، وقد طال الحرب وملت النفوس،ووقع الشرط والاستسلام، فلا بأس من الانتظار.‏

هز الأمراء المصريون والشاميون رؤوسهم مؤمنين على كلامي، كان ما ينقله لي عمر الزين عن الأمراء وما يتفوهون به في مجالسهم الخاصة قيمة كبيرة في اتخاذ القرار.‏

قال مولاي العادل: إذاً، كما اقترح بعضكم أيها الأمراء لتتحرك الجيوش بعيداً عن ساحة المعركة.‏

قال الأمير علاء الدين صاحب الموصل: ما رأيك بالعودة إلى شفر عم، حيث الطريق هناك تتفتح على كل الشام.‏

قال الأمير: سنقر الداوادار أمير الجيش المصري: نعم الرأي، وحيث نكون أقرب إلى الماء والميرة والرجال والخيل.‏

قال مولاي العادل: اتفقنا إذاً.‏

خرج الجميع، فيما بقيت أنا ومولاي العادل وعمر الزين الذي كان مستتراً وراء حجاب في الخيمة الواسعة.‏

سلم علي عمر الزين وحاول تقبيل يدي فمنعته، عندما قابلني عمر أول مرة، حدثني عن نجار من بيسان علمه مهنة النجارة، ولكنه كان بكاء، ثم سألني فجأة هل كل أهل بيسان بكاؤون مثل ذاك النجار، فقلت لـه: نعم، حتى أنا الذي لم أكن في بيسان يوماً، تعلمت البكاء، ولهذا لم ينس الناس أن ينادوني بالبيساني، قلت لـه إن البيساني يحب أن ينسب إلى بلده مهما كان اسمه أو شرفه أو حسبه.‏

وعمر الزين من بيت فوريك، وقد عاش حياة مضطربة جداً جعلت منه رجلاً يستطيع أن يفعل كل شيء.‏

قال مولاي العادل: أبقيتك يا قاضينا الفاضل لأمر ندبره.‏

ونظر إلى عمر الزين.‏

قال: ما دام القتال قد توقف، ومادام الجيش سيتحرك إلى شفر عم بعيداً عن عكا، فإن من الممكن أن نبدأ حرباً أخرى من نوع مختلف.‏

قلت مندهشاً: حرب أخرى.‏

تدخل عمر الزين بلهجته التي تشبه لـهجتي، والتي أحبها لأنها تذكرني بالأحبة الذين مضوا: الحرب التي نقترحها يا سيدي هي أن نبعث بفداوية متخفين، يغيرون ليلاً أو نهاراً، يقتلون ويسرقون ويحرقون، ولا يريحون العدو أبداً.‏

قلت: وهل هذا سيغير من نتيجة المعركة؟‍!..‏

قال العادل: ليس من الضرورة أن يغير نتيجة المعركة، ولكن هذا أفضل من أن نندب حظنا، أو أن لا نفعل شيئاً.‏

قال عمر الزين : إن الفداوية...‏

قلت: يا عمر، إن ماتعلمته عند سنان لا ينفع هنا، إن اليزك يستطيع أن يهاجم أطراف المعسكر الإفرنجي.‏

قال عمر الزين بما يشبه الابتسامة: يا سيدي، إن اليزك هم مجموعة من الفرسان المدربين، الذين يحملون أرطالاً من الحديد. أنا أتحدث عن فداوي لا يحمل سوى خنجره أو سيفه، يمشي على قدميه، يستعمل الحيلة ويقدر المواقف. وقد يقتل اليزك إفرنجياً أو اثنين، أما الفداوي فسيفعل أكثر وأشد، كما إن الفداوية سيكونون من المتطوعة أهل البلاد، من القرى التي هي حول عكا.‏

قلت وأنا أقدر الموقف: وهل هناك من مخاطر؟!...‏

قال عمر: دائماً هناك مخاطر. متى لم تكن هناك مخاطر في بلادنا يا سيدي؟..‏

كان سؤاله حارقاً، نعم، متى عشنا حياة لا تهددها المخاطر، تذكرت حياتي في عسقلان وحصارها الذي دام خمسين سنة متواصلة.‏

قلت: فماذا تربحون من هذا؟!...‏

قال العادل: نربح الكثير، الفرنجة لا ترتاح في نصرها، والناس يقاتلون عن بلدهم، فيما نحن نستعيد من جديد.‏

قلت: بارك الله لكما وفيكما ذخراً للإسلام والمسلمين.‏

قال عمر الزين بما يشبه الضحك: ولا تقلق أيها القاضي، فإن الفداوية هم من بيسان وعسقلان أيضاً.‏

سألت وهل زرت عسقلان يا عمر؟!...‏

قال: وشربت من عين إبراهيم وشاهدت وادي نملة سيدنا سليمان وزرت القبر الذي يقال أن فيه رأس الحسين.‏

قال ضاحكاً رغماً عني: حتى هذا عرفته؟!...‏

قال العادل: وهل وصل إلى ما وصل إليه دون جدارة؟!...‏

سألت: وهل رأيت السور الواقي الذي بنته الفرنجة لتفصل بين غزة وعسقلان.‏

ضحك عمر هذه المرة بصوت عالٍ: رأيت بقاياه، فقد أخذ الأهالي حجارته ليربطوا بها دوابهم أو ليكملوا بها حيطانهم، ورأيت بعض الحجارة وقد تحولت إلى مثاقيل لوزن الخضار، والناس هناك ما تزال تسمي تلك الحجارة حجارة السور.‏

هبت روائح عسقلان في وجهي، من يعش هناك لا يمكن لـه أن ينسى ذلك العليل البحري الدسم والشفيف في آن معاً. أنا عسقلاني فلماذا لم ينس الناس أنني من بيسان، ما الذي بقي بيسانياً مني غير البكاء على الأحبة والوطن.‏

وفي طريقي إلى خيمتي، قابلني مغاربة بصحبتهم المحدث والفقيه أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير، وهو رجل طويل القامة، متجهم الوجه، على هيبة ووقار، وما إن رآني حتى أسرع إلي،ولم يستطع الكلام، فقد سبقته دمعته، قال من بين دموعه:‏

ـ بلاء الله عظيم... بلاء الله عظيم...‏

قلت وأنا أداري كمدي: مشيئة الله يا أبا الحسن.‏

قال: سأسافر إلى بلادي أيها القاضي... ولا أستطيع أن أودع مولانا السلطان، لا أريد أن أراه في هذه الحال.‏

قلت: على بركة الله يا أبا الحسن، إذا طلبت شيئاً أجبناك.‏

قال: أطلب لكم من الله النصر. بلادكم لا تشبه البلاد الأخرى، أعانكم الله وقواكم وثبتكم.‏

سألته: هل ستكتب عن سفرتك هذه المرة يا أبا الحسن؟...‏

قال بسرعة وفي صوته رائحة البكاء:‏

ـ زرت عكا قبل ست سنوات ورأيت الفرنجة فيها، وهاهم يعودون إليها، لا أحتمل ذلك مرتين. ألمي أوسع من الكتابة أيها القاضي.‏

انطلق مع المغاربة الآخرين بثيابهم التي لا تشبه ثياب أهل هذه البلاد، ذهب الفقيه ودموعه تبلل لحيته الكثة.‏

ذهبت إلى خيمتي، قلت لخادمي أن يستدعي إلي الكتبة المسجلين والمتدربين لأملي عليهم الكتب والسجلات الجديدة.‏

وفيما كنت أفعل، كان الجند يهدمون الخيام ويفككون آلات الحرب وينزعون الأخشاب والأوتاد والعرائش وأماكن الضرب ويهدمون السلاسل الحجرية ويطمرون الآبار ويضعون كل شيء على ظهور الجمال والبغال والحمير.‏

وما إن حل المساء حتى كان الجيش على ظهور الدواب، ومن ثم بدؤوا بالنزول عن تلك التلال التي شهدت ما شهدت خلال سنتين في حرب لم تكن من قبل أبداً. لم يحصل من قبل أن دامت حرب هذه المدة، وقد دفع كل طرف فيها آخر ما عنده من رجال ومال وسلاح وتدبير وصناعة حرب، وهاهم جند السلطان ينزلون عن تل العياضية والتلال المحيطة واللصيقة به، كانوا ينحدرون ببطء بما يشبه مشي النائم، لا صوت ولا حداء ولا غناء، كان من الأمور غير المعهودة أن يتحرك الجيش ليلاً، ولكن مولاي السلطان كان صمم في تلك الليلة أن يقابل العدو وحده، أي والله، فقد ظل على تل العياضة وليس حولـه سوى جريدة من الخيالة، تركه كل جنده واتجهوا إلى شفر عم في بهيم الليل أما هو فقد ظل هناك، على تل العياضة، يواجه عكا المحتلة وليس حوله سوى جريدة صغيرة من الخيالة.‏

قلت لـه مشفقاً: يا مولاي، ما الذي تفعله؟!...‏

قال وتحت صوته غيظ عظيم: لا حياة ترجى بعد ماكان، سأنتظر العدو فإن لم يأت سأذهب إليه أنا.‏

قال الأصفهاني: يا مولاي، نحن نفهم غضبك، ولكنك أكثر من مقاتل، إنك أكثر من ذلك، ولا ينفع أن ترمي بنفسك بين هؤلاء عندئذٍ تكون النكصة أشد وأعم ولا يقوم للإسلام بعدها قائمة.‏

قلت: أنت يا مولاي، تدافع عن عزة الإسلام كله، ولا تدافع عن عزتك الشخصية.‏

قال: اتركوني.‏

تركناه وحده، تدثر بعباءة من الصوف وجلس على حجر يحدق في عكا التي كانت تتوهج بالنار والأنغام الغريبة، كنا وحدنا في تلك اللحظة، لم تكن نتجاوز مئه شخص، وحدنا على تل العياضية، نحدق في عكا التي احتلت من جديد، سيدي ومولاي السلطان، بقي في مكانه لا يتحرك، أما نحن فقد جلسنا بعيدين عنه بعض الشيء، لم نستطع الكلام، نسيت مرضي ونسيت عظامي، جاءنا خادم ما بطعام لم نتناوله، فيما رفض سيدي ومولاي الأشربة التي قدمها لـه الطبيب لليبس الدائم في جوفه، تقدم الليل ونحن هناك، على التل، وحدنا، من بين كل المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، كان هناك مولاي، من أكراد العراق، والكاتب عماد الدين الأصفهاني من بلاد فارس، والقاضي ابن شداد من عرب الموصل، وأنا من فلسطين المحروسة، كنا نحدق في المدينة التي حررناها قبل أربع سنوات وها نحن نخسرها مرة أخرى، خسرنا مدينة ليست ككل المدن.‏

كنت أعرف أننا نغامر بكل شيء بمكوثنا وحدنا على التل، فلو أحس بنا العدو لفتك بنا،وكنت أعرف أن قرار مولاي بالبقاء هنا نوع من إحساسه العظيم بالذنب، وإنه يرغب بالموت للخسارة التي لحقت بنا جميعاً، مولاي العظيم عمل من أ جل النصر طيلة أيامه ولياليه، مولاي العظيم لا يعرف إلا العمل من أجل النصر، والهزيمة لا يفهمها ولا يعرفها، ولهذا فهو يرغب بالموت. سأكون مع مولاي.‏

كنت أعرف أننا لسنا مثل الآخرين الذين سبقونا، وكنت أعرف أننا رجال دولة لا نشبه من نعرفهم أو من سمعنا عنهم أو من عاصرناهم.‏

قبل حوالي أربعين عاماً، وعندما كان عمري لا يتجاوز العشرين سنة، سقطت عسقلان بيد الفرنجة بعد أن حاصروها خمسين عاماً متواصلة، أطول حصار سمعت به منذ أيام سيدنا آدم، خمسون عاماً وأهل عسقلان لا سبيل لديهم سوى البحر، ولا طعام يأتيهم إلا من الغلال التي يبعث بها الفاطميون بسفنهم إلى المدينة مرتين في السنة.‏

ولكن، وبدلاً من أن يتنسم أهل المدينة الحرية بعد خمسين عاماً من العذاب، إذا بها تسقط بيد الملك الفرنجي الداهية بلدوين، ونحن لا نشبه الآخرين، أنا عبد الرحمن البيساني العسقلاني، ابن بيسان وابن عسقلان، لا أشبه الآخرين ولا أريد أن أشبههم.‏

سقطت عسقلان بعد خمسين سنة من حصارها، والدي قاضيها، دافع عنها، وأنا دافعت عنها، كنت أجمع السهام المتساقطة وأقدمها للحدادين أو لأولئك المتعهدين الذين يجمعونها ليفصلوا الحديد عن الخشب، وكنت والصبية الآخرين نساعد الفعلة في بناء ما تهدم من الأسوار، وكنت أتسلل من خلف العدو لقطف ثمار أهل المدينة التي تنقص فيها، ولكنها سقطت، لم أكن فيها عندما سقطت، وكنت قد سافرت إلى مصر للتدريب على الكتابة، ولكنها سقطت.‏

والمدن لا تسقط من خارجها، المدن تسقط من داخلها، المدن كالثمار، إذا لم تغذى الجذور فإنها تجف وتسقط.‏

سقطت عسقلان، المدينة العروس، كما سماها نبينا عليه السلام، لأن قائد الجيش الفاطمي الذي يدعى بهذا الاسم الرنان كثير الحروف، ركن الدين المظفر أبو المنصور عباس بن تميم، ياله من اسم فخم لا يعني شيئاً، هذا الرجل الفاجر الداعر، وبعد أن خرج من القاهرة يريد عسقلان ليرد عنها كيد الفرنجة، وصل بلبيس، حيث تلتقي القوات البرية بالقوات البحرية، في ذلك البلد الذي تختلط فيه كل الوجوه واللهجات والمسكوكات، تذكر ذلك الفاجر ملذات القاهرة ونساءها ومجالس الشرق فيها، فكره أن يواصل السير للحرب، رغم أن يظل منكباً على ملذاته ولذائذه، فصار يتأوه ويتحسر، وكان معه الأمير، صديق الفرنجة وآكل طعامهم، أسامة بن منقذ، الذي لا تعرف لماذا يقاتل الفرنجة يوماً، ولماذا يصانعهم يوماً آخر، قال لـه هذا الرجل الداهية أن بإمكانه أن يعود إلى القاهرة وزيراً وليس مجرد قائد جيش، فاستغرب ركن الدين أبو المنصور عباس بن تميم، فقال لـه الأمير أسامة، صاحب الحيل ومخترع التدابير: إن ابنك ناصر الدين صديق حميم للخليفة، وهما في ذات العمر، لم يتجاوزا العشرين عاماً، ويسهران كل ليلة على الشرب والنساء والغلمان. فقل لابنك أن يقتل الوزير الذي أرسلك إلى هذه الحرب، ومن ثم يجعلك وزير مصر كلها.‏

ركن الدين، المظفر، أبو المنصور، عباس بن تميم ـ يا لـهذا الاسم الفخم ـ أعجبه التدبير، فأمر ابنه ناصر الدين ـ اسم فخم آخر ـ أن يدبر ذلك مع صديقه الخليفة الظافر، الذي أدمن الغلمان والندمان معاً، ولم يخيب الابن الأب، إذ قام ناصر الدين بقتل الوزير العظيم ذي الهمة ابن السلار في ليلة لا قمر فيها، واستدعى أباه، ركن الدين، المظفر، أبو المنصور، عباس بن تميم، ليعود إلى القاهرة، ولكن أباه كان قد عاد قبل أن تصله رسالة ابنه، فولاه الخليفة وزارة مصر وسقطت عسقلان لأن جيش ركن الدين هذا لم يصل إليها، ففي الوقت الذي كان فيه ابن السلار يقتل لأنه أراد إنقاذ عسقلان، كان الملك بلدوين ملك بيت المقدس يحاصر المدينة بنفسه، وهو نفسه من ألقى إلى أهل المدينة المحاصرة ببيان قال فيه لـهم بالحرف: "لقد قتل الوزير الذي تعتدون به، قتل الوزير العادل ابن السلار، وقد قتله ابن زوجته وقائد جيشه عباس بن تميم، فلمن تقاتلون؟!... ولماذا تقاتلون؟!".‏

كان هذا بلاغ الملك بلدوين إلى أهالي عسقلان قبل أن يحتلها بعد ذلك بقليل، نحن لا نشبه الآخرين، كان بلدوين صادقاً فيما قال، فمن قتل الوزير ابن السلار كان ابن زوجته الذي يحمل اسماً فخماً رناناً فيه مخارج كثيرة ويصك الأذن صكاً، المدن تسقط من داخلها، وبعد خمسين عاماً من الحصار تسقط عسقلان لأن ركن الدين رغب بالنساء والملك معاً.‏

وساق الله إلي الوزارة، أنا ابن المدن المدمرة والمحاصرة والمهانة، أنا ابن المقتولين والمهجرين والمحاصرين، أنا، الذي أحدق الآن مع مولاي السلطان بعكا التي احتلت من جديد، ساق الله إلي الوزارة، وأعطاني الله ما لم أكن أحلم به، مولاي السلطان يؤمنني على أولاده قبل دولته، وعلى أسراره قبل إخوته، وقد قلت لـه وقال لي بعد وقت طويل من التجربة:‏

ـ ماذا تريد يا عبد الرحيم؟!...‏

ـ أريد النصر للإسلام والمسلمين.‏

ـ وأنا أريد ذلك أيضاً.‏

ـ النية يا مولاي.‏

ـ النية يا عبد الرحيم.‏

فوضني في كل شيء، أنا الرجل القصير الدميم الأحدب، سلمني مولاي كل شيء في دولته، فأثار ذلك الحسد في قلوب الناس، اتهموني بكل شائنة، اتهموني بالغلمان والتجسس والسرقة والتكبر والانعزال. كان يمكنني قتل أعدائي جميعاً،كان يمكنني سجنهم أو اغتيالهم. لم أفعل ذلك سيدي، ومولاي كان رحيماً حتى بأعدائه، فلا يجدر إلا أن نشبه سلطاننا العظيم الذي كان قلبه واسعاً ورحيماً إلى درجة يحتار فيها المرء. وما كان صلب الشاعر عمارة اليمني إلا لأنه اتصل بالفرنجة وكاتبهم في غزو مصر واحتلالها، ولم يكن يسبب شتائمه ونمائمه. لك الله يا عمارة!... كان رجلاً لا يشبه الرجال، أعماه غضبه وحقده عن تبين الحق من الباطل، دفعه حقده وغيظه إلى الارتماء في أحضان الفرنجة حتى أنه اتصل بصاحب صقلية يطلب منه العون.‏

ابن عنين، شاعر دمشق، ومناصر البيت الزنكي، تناولني بالسب والشتم والغمز واللمز، لكني لم أقتله، قال قصائد موجعة ومؤذية ولكني لم أعتقله أبداً، كان يعرف أنني الرجل الثاني في دولة تمتد من الموصل إلى الاسكندرية ومن صنعاء إلى حلب، ولكنه قال عني:‏

وحين أبصرت دولة الأحدب‏

الفاضل أربت على علا الشهب‏

قلت للمفلسين ويحكم‏

تحادبوا فهي دولة الحدب‏

يومها، جاءني علي بن أحمد المشطوب، بوجهه المشطور وعينه الجامدة، كان هذا الرجل يحبني ويحترمني، كنا في دمشق، جاء بوجهه الذي كرمه الله بجرح لا يزول عنه، احتضنني بقوة على ضآلة حجمي وقصر قامتي. قال:‏

ـ مرني أيها القاضي الأجل، مرني لأقتله.‏

قلت: لا نفعل يا علي.‏

قال: ابتلاني الله وابتلاك بوجهين دميمين، فماذا نفعل؟!...‏

قلت: ولكن الله أكرمني وأكرمك بالسمعة والدفاع عن دينه.‏

فرح الرجل، اهتزت شفته التي يتحكم بها، ورمش بعينه السليمة، وقال:‏

ـ يالحكمة الله!!...‏

ثم التفت إلي بقوة وقال: لتعلم أيها القاضي الأجل إني أحبك لله، أحب وجهك، وأحب حدبتك، وأحب كل شيء فيك.‏

هذا هو المشطوب، محارب لا مثيل لـه في الميدان، وفي داخله طفل غر.‏

أثر بي كلامه، قلت لـه:‏

ـ نحن جند مولانا السلطان، وتحت لوائه نخدم هذه الأمة. لا تتعرض لابن عنين بسوء.‏

ولكن ابن عنين أهانني حقاً، قال عني مالم أغفره، تجرأ على القول:‏

كم ذا التبظرم وزائداً عن حده * * ماكان قبلك هكذا الحدبان‏

فحر أم ملك أنت مالك أمره * * من أنت يا هذا؟.. وما بيسان؟!‏

غضبت كما لم أغضب يوماً، لقد أهان بيسان!!...إنه لا يعرف بيسان!!... إنه يقلل من شأنها ويهون من مكانتها!!...‏

ابن عنين لا يعرف بيسان ولا مياهها ولا خضرتها ولا نخيلها ولا عائلاتها، ولا بكاء أهلها الطويل وحنينهم الذي لا ينتهي، يومها احتقرت الرجل احتقاراً كاملاً، وعلى الرغم من رغبتي في قتله إلا أنني حرمته من الاهتمام، حرمته من كل شيء حتى الرد عليه، إذا كان لا يعرف بيسان فأنا لا أعرفه ولم أسمع به.‏

كنت دائماً هدفاً للتندر والسخرية على مقامي وعملي وهيئتي، ركن الدين الوهراني من بلاد المغرب، المقيم في مصر، المتشيع والمغالي، وضع منامات ومقامات في التندر على حدبتي وقصري وسمتي ووجهي. لم أقتله أيضاً، مولاي لم يقتل وكان يستكثر القتل ويستعظمه، حتى شعراء تافهون من أمثال فتيان الشاغوري تجرأ علي بشعره الساقط واتهمني بكل شائنة.‏

عندما سمع مولاي السلطان ببعض هذا الشعر التافه، قبل حدبتي التي أخفيها عادة بما يفضل من العمامة، أزاح طرف العمامة وقبل حدبتي ثم توجه للحضور في مجلسه بدمشق العامرة وقال بصوت واضح وجلي وبطيء ليفهم الجميع:‏

ـ لا تظنوا أني فتحت البلاد بالسيوف، إنما فتحتها بقلم القاضي الفاضل.‏

كان ذلك فوق الوصف، وكان هذا القول ساحقاً وماحقاً لكل الأشعار التافهة وكل الشعراء والكتاب القاصرين. طار هذا القول حتى وصل بغداد شرقاً وفاس وغرناطة غرباً. البلاد تفتح بالأقلام لا بالسيوف، والحواضر تؤخذ بالتدبير والتدبر لا بالقوة والتجبر.‏

حمدت الله أن قيض لي مثل مولاي صلاح الدين، حاكماً يستمع إلى القول فيتبع أحسنه، وحمدت الله أن أعانني على قول ما يرضى عنه الله ورسوله.‏

سعى إلي الكاتب عماد الدين الأصفهاني، جاءني بأناقته ودقته وكلامه الذي تشعر معه أنه يستمتع بسماع صوته، قال لي:‏

ـ أبارك لك أيها القاضي الفاضل بما قاله مولانا السلطان، إن هذا يذكرني بما قاله السلطان نور الدين رحمه الله عني عندما كثرت الوشايات ضدي بأني فارسي لا أتقن العربية، فقد قال عندما استخف أحد عماله بي "إنك كاتبي وأميني وصاحبي، ولا تكتب إلا بأمري، فإن خالف كتابك إليه قلعت عينيه".‏

ثم قال:‏

ـ هل ترى أيها القاضي كيف اصطفانا مولانا السلطان صلاح الدين إليه واستخلصنا من بين الكتاب والوزراء.‏

قلت لـه: هذا من فضل الله علي وعليك أيها العماد.‏

عندما أتأمل في حياتي السابقة، فأشاهد نفسي طالباً فقيراً وحيداً في مدينة عامرة وضخمة مثل القاهرة، فيها العرب والأرمن والسودان، والأتراك يتقاتلون على كل شيء، وليس لي من الأمر شيء، ثم أحكم المدينة التي كنت لا أجد فيها طعاماً في بعض الأحيان، فإنني أعيد الفضل لصاحبه، الله سبحانه وتعالى، الذي أراد لـهذا القصير، الدميم، الأحدب، أن يحكم مدينة مثل هذه، ثم ليحكم باسم مولاه وسيده صلاح الدين دمشق وحلب وأن يفتح المدينة التي طرد منها جده، بيسان، ثم ليفتح المدينة التي طرد منها هو نفسه، عسقلان.‏

الأمر لصاحب الأمر، وليس لي في ذلك من شيء، مهما قيل عن ميزاتي وملكاتي، لا ميزات لي ولا ملكات.‏

قال لي المشطوب مرة إنه يشعر في بعض الأحيان بكراهية جسده عندما يقترب من امرأة.‏

قلت لـه: اقتصد في منكحك.‏

قال: لا أستطيع!!... فهل تفعل.‏

قلت: أنا أفعل، أريد من حياتي القليل.‏

كان الحوار بيني وبين المشطوب حميماً، ربما جمعنا الوجه الدميم والوحدة والفرق الهائل بين حجمينا، إلى درجة دفعت بعض الخبثاء إلى التندر عندما نجتمع، حتى أن المشطوب لم يحدثني بعدها واقفاً بل جالساً.‏

قال المشطوب : ماذا تريد يا سيدي عبد الرحيم.‏

قلت: أريد النصر.‏

كان كلامي يبهر المشطوب دائماً، فيسكت، يتأمل ما أقول.‏

قال: والملذات يا سيدي؟‍!...‏

ـ لا ملذات مع الذل والهزيمة.‏

قال: وأجسادنا؟!...‏

قلت: أجسادنا للمعارك.‏

قال: ماهذا قصدت.‏

قلت: فالاقتصاد. الاقتصاد!!‏

سيدي ومولاي السلطان، ما يزال متدثراً بعباءته يحدق في عكا التي تتوهج بالمشاعل والأنغام الغريبة المخنثة، اندفع قاضي العسكر ابن شداد إلى القول:‏

ـ تعالوا نصلي صلاة الليل.‏

قلت: نعم الرأي.‏

رفعت صوتي وقلت: يا مولاي، هلا صلينا بحضرتك صلاة الليل.‏

التفت إلي في الظلام، برقت عيناه الكريمتان، قال: نعم الرأي!!...‏

اتجهنا نحو القبلة، كان إمامنا الليل وعلى يسارنا عكا المحتلة، ذراع مولاي وسيدي تحتك بكتفي، شعرت به يهتز، كان يبكي بصمت وهدوء، فيما ابن شداد يقرأ:‏

(وعد الله الذي آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لـهم دينهم الذي ارتضى لـهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون، لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير(.‏

عندئذٍ ارتفع صوت مولاي بالبكاء، كان سلطان مصر والشام يبكي مدينته التي خسرها أمام هؤلاء المخذولين، فارتفع صوتنا جميعاً، حتى أن الخيالة الذين يحرسوننا اقتربوا يستطلعون. أسرع ابن شداد في صلاته.‏

لم نر ولم نشاهد ولم نسمع عن ملك أو سلطان بكى مدينته وأراد أن يموت بعدها إلا مولانا وسيدنا صلاح الدين.‏

عاد سيدي ومولاي إلى عباءته واقتعد الحجر إياه، محدقاً بعكا التي ما عادت في حوزة الإسلام.‏

فوجئت بعمر الزين يزحف من ورائي. قلت لـه: أين أنت يا رجل.‏

قال بوجهه الغامض وكلامه الهامس: كانت هذه الليلة ناجحة.‏

ـ كيف؟!...‏

ـ سكر الفرنجة كالبغال، وفعلت الفداوية بما تفعله جريدة كاملة من الخيالة.‏

ـ ماذا فعلوا؟..‏

ـ كل شيء والأهم من هذا، عرفوا أن الفرنجة قد اختلفوا فيما بينهم وأن ملك الإفرنسيس قد يغادر عكا وكذلك ملك الألمان.‏

ـ هل تعني...‏

ـ أعني أن من الممكن معاودة الحرب سريعاً.‏

ـ و ماذا عن الأسرى داخل المدينة.‏

ـ حشروا في اسطبلات الخيل تحت برج عين البقر. وهم يسامون سوء العذاب.‏

ـ وكبارنا وخاصتنا.‏

ـ كلهم يا سيدي، حتى سيدي بهاء الدين قراقوش وكذلك سيدي المشطوب.‏

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.‏

ـ أعانك الله يا عمر، استمر بما أنت فيه، بارك الله لك وفيك.‏

وقبل أن يذهب، قال عمر: لكن يا سيدي، أنتم ببقائكم هنا تخاطرون بالإسلام كله.‏

قال مستسلماً: مولانا السلطان مصر على البقاء، ينتظر الفرنجة.‏

قال عمر: بما يشبه صوت المؤامرة: ولكن هذا جنون، إن عرف الفرنجة بوجودكم وحدكم لـهاجموكم ولوقعت المصيبة.‏

قلت بالاستسلام ذاته: ليقضي الله أمراً كان مفعولا، مولانا يشعر إنه مقصر بحق المدينة.‏

قال عمر وهو يغيب في الظلمة: بعون الله، سأحميكم جيداً..‏

انطلق في العتمة كعادته. رجل فريد من نوعه، يتحدث لغات الفرنجة ويلبس مثلهم، ويعرف مداخلهم ومخارجهم كأنه واحد منهم. ولهجته تشبه لـهجتي، أحب هذا الرجل، بقي مولانا في جلسته تلك إلى صلاة الفجر، رفع ابن شداد الآذان فأيقظ كل شيء، حتى الخيول اهتزت، كنا وحدنا نصلي على أعتاب المدينة المنهكة.‏

اصطف الجميع للصلاة بما فيهم الفرسان، فقد تخلوا عن حذرهم وخوفهم، فالفرنجة لن يهاجموا في مثل هذه الساعة.‏

كانت صلاة عذبة، بالنسيم البارد واللطف الذي هب على قلوبنا، حتى مولاي استعاد مزاجه الذي يشبه الزجاج في تعكيره وانكساره. بعد الصلاة، جلس قاضي العسكر إلى مولاي يتذاكر وإياه كتاب ابن شداد عن الجهاد، ولما ارتفعت الشمس، جلست وإياه، ونقلت إليه كل ما وصلني من أخبار وكتب، فكان يشير علي بهذا وذاك ودماغه أصفى مايكون. فلما لاحظت أن مزاجه قد اعتدل، قلت لـه إن من الحكمة مغادرة هذا المكان لأن ضرره أكثر من نفعه، ولأن المعركة لم تنته وأن الله لـه من التدبير ما يحتاج إلى إيمان ثابت للصبر عليه. وافق سيدي ومولاي، فطلبت من الجميع الاستعداد للالتحاق بباقي العسكر في شفر عم.‏

وقبل أن نغادر تل العياضية، وقف مولاي على حصانه، اتجه إلى عكا، وقال بصوت مسموع:‏

ـ يشهد الله يا عكا أني فعلت ما بوسعي، وأرجو من الله العلي أن يهبني القدرة والقوة لاستعادتك، فإن لم أكن أنا، فلييسر لك الله رجلاً من رجاله الثقاة وسيفاً من سيوفه المصقولات يعيدك إلى حوزة الإسلام والمسلمين.‏

تحشرج صوته، أدار رأس حصانه ونزل عن التل ببطء وكأنه لا يريد المغادرة أو كأنه يعتذر عن المغادرة.‏

كان مولاي وسيدي يبدو غريباً بين الأمراء والحكام بهذا التصرف، فمن عرفنا منهم كان على استعداد لأن يصانع الفرنجة الذين في بلادنا أو الفرنجة الذين يأتون من جزائرهم وراء البحار.‏

وقد عملت مع وزراء أشبه بالصبية الصغار، يهدرون كرامة الأمة من أجل أمة أو بدرة مال أو قصر منيف، وقد كنت أخاف على حياتي دائماً مادمت في خدمتهم، ولقد عملت كاتباً لديوان الجيش في وزارة طلائع بن رزيك الأرمني، فقطع رأسه الوزير التافه شاور ووضعه في طست أمامه في مجلسه بدار السر، وقد رأيت الرأس المقطوع الذي كان يحكم مصر مغمض العينين ملوثاً بالدم والوحل، فجمد الدم في عروقي، وعملت كاتباً لديوان الجيش في وزارة شاور نفسه، للصداقة كانت تجمعني بابنه الكامل، الصديق الرائع الذي أحببته واحترمته حتى على هو مافيه من ميل إلى التكبر، ولكنه رجل لا مثيل لـه، عربياً أصيلاً ومسلماً وحقيقياً، لم يكن يشبه أباه ولا يخون وطنه وأمته وإسلامه مثل أبيه، شاور الذي كان يشبه الفقاعة غروراً وتجبراً وخيانة.‏

أنا، عبد الرحيم البيساني العسقلاني عملت في وزارة شاور الذي يشبه الفقاعة، لأنني القصير الدميم ذو الحدبة، ربما، لأنني الفقير الذي لا أهل لي ولا عشيرة، ربما، لأنني الطموح المتشوف للملك، ربما، لأنني الراغب في العودة إلى عسقلان، ربما، لأنني ابن المهجرين والمقتولين، ربما.‏

ولكني ـ رغم كل شيء ـ لم أفقد رأسي، ولم أفقد ما آمنت به وما علمني إياه أبي، لم أنس بكاء أهل بيسان، إنني بيساني عند كل الناس، رغم أني لم أولد هناك، إن بيسان ظلت معي طيلة الوقت.‏

عملت في وزارة شاور الأولى والثانية، وكنت شاهداً على خيانة الوزير وضعف الخليفة. لقد عرفت كل شيء حتى الثمالة، ثمالة كل شيء.‏

مولاي وسيدي صلاح الدين وهو ينتحب على عكا الآن، يدفعني إلى تذكر الوزير شاور وهو يسلم بلبيس بما فيها لجيش ملك الفرنجة أموري، بلبيس هذه كان فيها من بلدي الكثير، عساقلة أعرفهم ويعرفونني، ولكن شاور سلمها لأموري، فاستباح هذه المدينة، قتل الناس، الطفل والعجوز والشاب، وقطع الشجر وحرق الحجر، كانت مذبحة لا مثيل لـها، واضطر العساقلة للهجرة من جديد، لا يحملون سوى ثيابهم، حتى أصحاب الحمير والبغال استغلوهم فغالوا في سعر الركوبة لإيصالهم مدينة القاهرة.‏

ورأيت شاور مذلولاً وهو يذعن للفرنجة ويتعهد بدفع ألف ألف دينار لـهم حتى يفكوا الحصار عن القاهرة.‏

ورأيت شاور وسمعته وهو يحاور أموري من اليمين ويحاور السلطان نور الدين زنكي رحمه الله من اليسار، فيبعث هذا معه جيشاً يقوده عم مولانا السلطان، أسد الدين شيركوه، وسمعت شاور يقول لـه عن أهل مصر "يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا".‏

الوزير الفقاعة يصف من يحكمهم بأنهم كالذباب، أهل مصر الكرام الطيبون الماهرون أصحاب الصنائع وأهل البدائع، يصفهم هذا التافه بأنهم مجرد ذباب يتكالبون على الحلوى ويتفرقون لمجرد الهش باليد.‏

وقد كتبت ذات مرة لسيدي ومولاي صلاح الدين أن لا يصف مصر بما وصفها.‏

إن وزيراً مثل هذا لن يهتز إذا ذبحت بلبيس عن بكرة أبيها، ولن يهتم إذا رهن مصر كلها بيد الأجنبي، فلم يكن يهمه شيء سوى الحفاظ على ملكه.‏

سيدي ومولاي صلاح الدين لم يسكن قصراً حتى هذه اللحظة، سيدي ومولاي الناصر صلاح الدين قضى عمره المديد في الخيام وعلى ظهور الخيل معظم سني حياته، لا يأكل إلا الجبن والعسل على عكس الأكراد وحبهم للحم، سيدي ومولاي وعندما رأيته، كان يصغرني ببضع سنين، رأيته مع عمه أسد الدين بالقرب من القاهرة قبل عشرين عاماً تقريباً، استوقفته هيئتي بالتأكيد، استوقفته هذه الدمامة وهذه الحدبة وهذا القصر، واستوقفني منه هذه الهيبة، وهذا الهدوء، وهذا الانعزال، فقدكان على عكس كل من حوله من الأمراء والقواد الأكراد، لا يبدو منشغلاً بشيء ولا تهمه التفاصيل ولا حتى الأشخاص.‏

ولكن والده الذكي الأريب أيوب، حدثني وحدثته،سبر غوري وسبرت غوره، فقلت لـه مالم أقل لأحد، أطلعته على الخفايا والخبايا، وكان بيننا مالو عرف به شاور الفقاعة لصلبني على النخلة أمام داري.‏

في اللقاء الأول الذي جمعني به في خيمة والده، شاهدني أحادث والده، ورأى اهتمام أبيه بما أقول، ولكنه لم يتدخل، رمقني بنظرة أو نظرتين ثم التفت بعد ذلك.‏

كنت أعرف أيامها أن الدولة الفاطمية تتفسخ من الداخل، وأنها تتآكل بفعل افتراق المصالح وبفعل أنها صارت تطلب العون من غيرها. الدول لا يجوز لـها أن تطلب العون من الآخرين، والحاكم الذي يفعل ذلك يتورط لا محالة.‏

والخليفة ـ كل خليفة ـ يحمل في رقبته دم كل مسلم وعرضه وماله وأمنه وعلاجه ومأكله ومشربه ومسكنه، والخليفة ـ كل خليفة ـ إذا تخلى عن ذلك فإن الله يتخلى عنه، وقد كتبت للخليفة في بغداد عدداً من الكتب استنجد به في حربنا على الفرنجة حول عكا، فبعث إليها ما يبعث على السخرية.‏

أما جواسيسنا في حواضر الفرنجة، في جنوة والبندقية وفي بلرم بصقلية، فقد نقلوا إلينا أن البابا ـ بعد علمه بعودة بيت المقدس إلى حوزة الإسلام ـ قد كتب مواثيق على ملوك المسيحية أن لا يتقاتلوا مدة سبع سنوات، وأن يصوم الناس يومين من الأسبوع وأن يقدم كل واحد منهم ما يستطيع لإصلاح جيش يقاتل مولاي وسيدي صلاح الدين.‏

إن مولاي وسيدي صلاح الدين، الذي لم يرغب أن ينطلق إلى جهاد الكفار أو حتى مقاتلة أمراء البيت الزنكي دون إذن أو موافقة الخليفة العباسي، كان يعرف أدق المعرفة الفرق بين مصلحة الناس وشرع الله، لا مصلحة للناس إذا تعارضت مع شرع الله، ولا نجاح ولا فلاح لمصلحة الناس إذا تجاهلت شرع الله، والحاكم ـ كل حاكم ـ عليه أن يعرف كيف يجد السبيل إلى تحقيق شرع الله وتحقيق مصلحة الناس، والناس ـ إذا جرى الحديث عنهم ـ فإن أكثرهم لا يعقلون. الجموع لا تمتلك الحق لمجرد أنها جموع، وقد رأيت الحلبية والمواصلة وأهل الجزيرة يعترضون على مولاي ويقاتلونه ويتحالفون مع الأجنبي لقتاله.‏

اكتشف سيدي ومولاي فجأة أن عليه أن يحمل رأيه الحق عندما تخلى عنها الآخرون بما فيهم الخليفة الذي ليس لـه من الفضل سوى انتسابه إلى العترة الشريفة.‏

لا إسلام دون حاكم قوي، ولا نصر دون حاكم ذو همة، ومولاي السلطان اكتشف عندما ساق الله إليه ملك مصر مدى هزيمة الأمة وشرذمتها‏

وانكسارها.‏

إن علاقة الحاكم بالأمة كعلاقة الشجرة بالأرض التي تنبت فيها، التربة المهيئة تنبت نبتاً صالحاً، والتربة العقيمة تنبت شوكاً، وتهيئة الأمة لا تكون إلا بشرع الله، الحاكم هو خيار المرء ومن ثم خيار المجموع، وبهذا فإن الحاكم هو صورة الأمة عن ذاتها، الحاكم هو صورة أمته عندما تنظر إلى ذاتها.‏

سيدي ومولاي صلاح الدين كان خيار الناس المتطوعة الذين تابعوه وأسندوه، هم أولئك الشعراء الذين مدحوه، وأولئك الكتاب الذين زاروه وكتبوا عنه، وهم أولئك الفقهاء الذين خطبوا في المساجد باسمه، الشاعر البغدادي التعاويذي الذي لم يستطع أن يسافر من بغداد إلى دمشق بعث بقصيدته إلى مولاي بالبريد، يمدحه لانتصاراته وفتوحاته، ولما قرأها مولاي بكى بحرقة وقال: أنا لم أفعل شيئاً.‏

الناس الناس العاديون، وبعد فتح حطين، بدؤوا ينسجون حول مولاي قصصاً كالخيال، فمنهم من حلم به قبل سنين، ومنهم من رآه في القمر، ومنهم من ذكر أنه قال لوالدة سيدي ومولاي عندما حملت به أنها تحمل في بطنها سيفاً من سيوف الله، ويومها سألت عمر الزين فيما إذا كان هو ورجاله يقفون وراء هذه الحكايا فأنكر علاقته بها. هؤلاء هم الناس، إن حاكمهم هو أحلامهم وآمالهم ومطامحهم، فإذا خانها استحق الخلع، ودائماً عجبت كيف يتخلى الخليفة العباسي عن كل شيء رغم أنه يحكم ـ ولو اسمياً ـ كل أمة الإسلام؟!.. وعجبت كيف يقبل أن يرضى من الخلافة باسمها أو بما يعطيه من حق الاستمتاع بالجواري؟!... وعجبت دائماً كيف انحدرت الخلافة إلى هذا المنحدر؟!... مولاي السلطان حاول أن يبقي خيط الود والثقة مع الخليفة رغم ارتهانه لغير إرادته وبغير إرادته.‏

في اليوم التالي، وقبل أن ينتصف النهار، قدم إلى المعسكر المقيم غربي شفرعم، في ذلك السهل الرحيب المخضر باللوز والدراق والزيتون، قدم إلينا من عكا الكندهري اللعين، أخبث الفرنجة وأشدها عداء وحقداً، يصحبه مقدم آخر من مقدمي الفرنجة يعرف لساننا، ومعهم الحاجب قوشي صاحب الأمير بهاء الدين قراقوش، فاستقبلهم العادل في خيمته برفقة عدد من أمراء الجيش وكذلك عمر الزين.‏

وقد جاء هؤلاء لتثبيت شروط الصلح وطريقة تنفيذها، فقال هؤلاء إنهم يحتفظون بثلاثة آلاف أسير في عكا، وأنهم يطالبون بتنفيذ الاتفاق الذين أبرموه مع أهل عكا المحاصرين، مقابل إطلاق سراح الأسرى جميعاً.‏

وأول ما طلب الكندهري اللعين مشاهدة صليب الصلبوت ليتأكد من وجوده، فذكر لـه العادل أن الصليب في دمشق، فطلب اللعين أن يتأكد من أسرى الفرنجة، فقال لـه العادل أن الأسرى في دمشق أيضاً، عندئذٍ طلب الكندهري أن يشاهدهم أيضاً ويتأكد من سلامتهم وصحتهم. فطلب العادل أسماء الأسرى المعنيين والمجاهيل، فأنكر الكندهري علمه بالأسماء كلها، وإنه يحتاج إلى وقت لترتيب الأسماء.‏

فقال لـه العادل إنه على استعداد تام لأن يسمح لمن يريد من الفرنجة أن يذهب إلى دمشق للتأكد من وجود الصليب ووجود الأسرى. كان الشك وحموضة عدم الثقة هي المسيطرة على الحوار، فقد كان الكندهري يتحدث كشوكة، فيما كان العادل يتحدث بمرارة شديدة ظاهرة.‏

ولهذا، ولانعدام الثقة بين الطرفين، فقد تم الاتفاق على تنفيذ الشروط خلال ثلاثة أشهر، بحيث يتم تنفيذ كل شرط من الشروط بداية كل شهر. وافق الكندهري على ذلك بعد مداولات طويلة ومملة، وقد كادت المفاوضات أن تفشل عندما هدد الكندهري اللعين بأنه على استعداد لأن يقتل كل الأسرى، عندئذٍ غضب العادل وقال لـه إنه على استعداد أيضاً لأن يقتل كل الأسرى الفرنجة وأن يحرق صليب الصلبوت.‏

ولكن الأمر سوّي في النهاية، بعد أن همس مرافق الكندهري بإذنه بضع كلمات، فإذا به يلين ويفرد وجهه البغيض.‏

قضى الفرنجة تلك الليلة في معسكرنا، وبعد صلاة العشاء، جاءني عمر الزين قائلاً لي أن الخلاف قد اشتدَّ بين ملوك الغرب وخاصة بين ملك الانكتار وملك الافرنسيس وملك الألمان وأن هذين الأخيرين قد يرحلا عن عكا قريباً.‏

والأهم من كل هذا، قال عمر، أن الكندهري اللعين أسرَّ إليه برغبته في لقاء السلطان على انفراد. فوجئت بذلك تماماً، وقلت لـه أن هذا البغيض جاء ليفرض شروطه فماله والسلطان. قال عمر أن الكندهري يريد أن يقول للسلطان ما لا يريد لأحد أن يعرفه.‏

قلت لـه: هيا بنا إذاً إلى السلطان.‏

دخلت عليه في خيمته، سيدي ومولاي، بينما كان ابن شداد يعظه ويقرأ لـه من كتابه الذي صنفه في دمشق عن الجهاد.وما إن شاهداني حتى انتهيا من القراءة، رفع السلطان رأسه الكريم إلي فوجدت في عينيه بقايا دموع. قال: ما وراءك يا قاضينا الأجل.‏

قلت: أمر لا أدري كيف أصفه يا مولاي.‏

قال: قل. أنا أستمع إليك.‏

كان مزاج سيدي ومولاي رائقاً، وهو عندما يصفو يكون أرق من النسيم.‏

قلت: الكندهري يطلب التحدث إليك على انفراد.‏

قال وشبه ابتسامة على وجهه: وما حاجتي إلى رؤيته، لقد أنهيتم التفاوض معه، ولا أحب أن أرى هازمي.‏

قلت: إنه يريد أن يفضي إليك سراً.‏

فكر قليلاً : استدعوه، وأنت ابق معي أيها القاضي الفاضل.‏

جاء هذا يلبس عباءة يخفي فيها هويته، دخل علينا بمفرده،كان السلطان وأنا والعادل وعمر الزين، وما إن دخل حتى وقف يجيل البصر في المكان كالخائف، قال بصوت جاف: مساؤكم طيب.‏

قال العادل: قل ما عندك.‏

قال بصوته الجاف والكريه: سيغادر ملك فرنسا قريباً، ربما يغادر هذا الأسبوع، وسيتركني وحيداً أمام ملك إنكلترة، الذي ينكر حقي كملك، وينكر حقي كحاكم لصور، المدينة التي حاصرتني فيها أيها السلطان.‏

قال العادل: وما نحن وهذا؟!...‏

قال هذا وهو يقترب خطوة إلى الأمام: أريد من أن السلطان أن ينصرني في حربي مع ملك إنكلترة.‏

قال العادل: وماذا نستفيد من ذلك؟!..‏

قال هذا: أعينكم في إعادة عكا إليكم.‏

فوجئنا جميعاً بذلك، كان هذا لا يصدق ولا يفهم. فقد كان قبل قليل يشتط في مطالبه لتنفيذ شروط الصلح. سكت العادل، نظر إلى السلطان يستطلع رأيه ولكن مولاي لم يحرك ساكناً.‏

نظر إلي العادل ونظرت إليه. قلت:‏

ـ ألا تعتقد أن هذا سابقاً لأوانه.‏

قال: ليس سابقاً لأوانه، ربما تعرفون ولاشك أنني غادرت عكا قبل شهرين بعد أن هددني ملك إنكلترة بأخذ صور من يدي، واليوم يهددني بانتزاع حقي كملك.‏

قلت: لنا أسرى نريد إطلاق سراحهم، وملك الانكتار هو من نفاوض.‏

قال: أنا أعينكم على ذلك.‏

قلت: افعل ذلك، ولكن بشأن ما طلبت فسنبحث فيه بعد ذلك.‏

قال: لكم ذلك، ولكني أرجو أن يبقى هذا سراً فيما بيننا.‏

قال العادل: لك ذلك.‏

خرج من الخيمة متلفعاً بعباءته، وتركنا ونحن في أشد مانكون من الدهشة، صاح العادل:ما الذي يجري أيها السلطان.‏

قال مولاي: أعماه حب الملك عن كل شيء.‏

قلت: هل تصدقه يا مولاي...‏

قال مولاي ملخصاً المسألة: تابع الأمر أيها العادل، أنت أعرف منا بهؤلاء، أسبر غور هذا الرجل. إن اللؤم ينز من جلده. مولاي العادل كان يقود جيشاً كبيراً من العيون والجواسيس يعرف من خلاله أدق دقائق الفرنجة، وهو يتقن بعض ألسنتهم ويعرف الفروق فيما بينهم وله جلد على كلامهم.‏

الحاجب قوشي أخبرنا عن حال عكا وما آلت إليه من دمار وخراب، وحكى عن الأسرى وسوء حالهم، وسبقته العبرة وهو يحكي عن سيده بهاء الدين قراقوش، وذكر أن الفرنجة قيدت المشطوب بالسلاسل ورمته في مذود، أما باقي الأمراء فقد حشروا في زوايا الإسطبل تحت برج البقر، وقال إن الفرنجة يعذبون فاطمة خطيبة الراضي مقدم النفاطين ليجبروا الراضي على كشف أسرار ثلج الصين الذي استعمله أكثر من مرة لتدمير منجنيقاتهم ودباباتهم، وأن فاطمة قالت لخطيبها: اصمد، وإذا لم نتزوج في هذه الدنيا فسنتزوج بإذن الله في الجنة.‏

وجيء بصليب الصلبوت من دمشق خلال أيام، فزارنا وفد من رهبان الفرنجة ومقدميهم، فما إن رؤوا الصليب حتى ركعوا أمامه، ثم رموا أنفسهم على الأرض وعفروا وجوههم بالتراب، وخضعوا خضوعاً عظيماً لم أشاهد مثله من قبل، وأمضوا وقتاً طويلاً قبل أن يثوبوا إلى رشدهم، فذكروا للعادل الذي كان يفاوضهم عادة أن ملوك الغرب قد وافقوا على مهلة الأشهر الثلاثة لتنفيذ الاتفاق، رغم إغارات الفداوية المتكررة على معسكر الفرنجة، ورغم المواجهات الصغيرة التي تقع بين الحين والآخر بين اليزك وبعض جنود الفرنجة، كان عمر الزين قد رتب متطوعة تعمل في الليل ومتطوعة تعمل في النهار تلاحق جنود الفرنجة الذين يبتعدون عن معسكرهم لقطع الحشيش للدواب أو للاستستقاء، وكانت مثل هذه الأمور لا تجري على ما يرام دائماً.‏

سيدي ومولاي كان في تلك الأثناء يكثر من الإختلاء بقاضي العسكر ابن شداد يتذاكروإياه سيرة سيدنا محمد ( وسيرة خلفائه الراشدين؛ ولم يكن ابن شداد يقول شيئاً عما يدور بينهما من كلام.‏

أما أنا وعندما أدخل إليه وأحمل السجلات والدساتير والكتب ليقول رأيه فيها، أراه غارقاً في حالة من الهدوء أعجب لـها.‏

قلت لـه: ماذا تريد يا مولاي؟!...‏

قال سارحاً بعينيه: هل من الجند من الحرب يا قاضينا الأجل؟...‏

قلت متردداً: لا أحد يمل صحبتك يا مولاي...‏

ابتسم سيدي ومولاي ابتسامة بديعة: ولكن الحرب كريهة.‏

قلت: هي كذلك.‏

قال: فماذا نفعل إذاً؟!... يدعونا الواجب ويثبطنا الحال.‏

قلت مشفقاً: فوض أمرك لله!!...‏

قال: ونعم الوكيل.‏

حل موعد الاستحقاق الأول من شروط الصلح، فقدم وفد من الفرنجة إلى معسكر السلطان، حيث يقيم قريباً من شفرعم.‏

كان العادل قد أعد كل شيء، أحضر الأسرى من دمشق، كانوا ألفاً وخمسمائة، يبدون بحالة جيدة وقد لبسوا ثياب أهل دمشق، مسرحين شعورهم،حليقي الوجوه تبدو عليهم إمارات الفرح، وكان هناك أيضاً صليب الصلبوت الضخم الذي وضع على عربة يجرها بغل أبيض قوي، وما إن قدم وفد الفرنجة حتى جلسوا تحت عريش من الجريد. دققوا بين الأسماء التي بين أيديهم والأسرى الموجودين، فاطمأنوا، ثم سلمهم العادل مائة ألف دينار في عدة أكياس،وذكرهم بما عليهم من استحقاق في الشهر المقبل، فوعدوا بذلك.‏

انطلق الفرنجة بأسراهم وصليبهم، فيما كان المعسكر الإسلامي يغرق في صمت غير معهود.‏

ربما سمعت صوتاً أو جندياً يقول:‏

ـ لماذا لا نفعل بهم كما يفعلون بنا..‏

ـ لقد تركناهم يخرجون بكل شيء عندما دخلنا بيت المقدس.‏

ـ يجب أن نعاملهم بالمثل.‏

ـ إنهم لا يستحقون هذه المعاملة.‏

الهزيمة التي لحقت بمولاي وسيدي صلاح الدين، دفعت بأمراء كثيرين إلى الاجتراء عليه وطلب دساتير المغادرة منه، فكان يرد بعضهم بلطف والبعض الآخر بغلظة. واضطر مولاي غير مرة أن يقطع بعض الأمراء ليضمن بقاءه، وقد تعلل هؤلاء بطول الحرب وعدم جدواها وقلة النصير، وكان مولاي يذكرهم بما أمر الله.‏

أما ما أثار مولاي فهي تلك الخلافات الصغيرة الدائمة بين أبنائه وإخوته وأبناء عمومته حول الإقطاعيات والحواضر، وذات مرة، وبينما كنت وإياه على كتف وادٍ يشرف على شفر عم، زفر بقوة وقال:‏

ـ أشعر أنني فشلت يا قاضينا الأجل.‏

قلت: حاشا مولاي.‏

قال: لا أشعر أن أحداً أخذ عني ما أنا فيه وما نذرت نفسي لـه.‏

قلت: عملك في ميزان حسناتك، وماكان ربك نسيا.‏

قال: ولكن أولادي يحبون الدنيا، وكذلك إخوتي.‏

قلت: ولا تزر وازرة وزر أخرى.‏

قال: وهزيمتي في عكا أشعرتني بطعم الفشل مرتين. قل لي كيف يكون الحاكم حاكماً إذا احتلت بلده وأهين أهله، فهل تبقى لـه من كرامة؟!...‏

قلت: ولكن أبناءك يا مولاي لايخرجون عن طوعك.‏

قال: ما هذا قصدت!!...‏

قلت: الملك طاغ، ينسي المرء أشياء كثيرة.‏

قال: صدقت يا قاضينا الأجل، الملك ينسي كل شيء، إلا الطمع والحقد.‏

وجاءنا رسول من قبل الكندهري اللعين يحذرنا من خدعة يدبرها ملك الانكتار في استحقاق الشهر الثاني، إذ قال هذا الرسول إن ملك الانكتار أعلن بين خواصه أنه لن ينفذ الاتفاق كما هو، بل سيحصل على المال والأسرى والصليب ومن ثم لن يطلق سراح أسرى المسلمين في عكا، وينصحنا الكندهري على لسان رسوله أن نطلب رهائن من كبار الفرنجة لنضمن تنفيذ الاتفاق.‏

وقد كانت الرسالة خطيرة إلى أبعد الحدود، ولهذا فقد اجتمع بنا مولاي السلطان في خيمته نتدارس الأمر، فكان من رأي العادل أن الكندهري معني جداً بإساءة العلاقة بين مولاي السلطان وبين ملك الإنكتار. وإنه يرغب أن يقدم شيئاً مفيداً حتى يثبت صدقه في التعاون معه، مقابل حمايته من ملك الإنكتار، ولهذا قال العادل أنه لا يجب تصديق هذا الرجل، فقد أثبت في صور إنه قادر على بيع أبيه من أجل أطماعه وهو ما حصل فعلاً، وأضاف العادل أن سياسة مولاي السلطان القائمة على استمالة هؤلاء الأغراب هي سياسة ناجحة تؤتي أكلها فعلاً في أحيان كثيرة. فالهدية التي وصلت إلى ملك الفرنسيس في صور بعد أن غادر عكا جعلت من جيشه ينسحب إلى عرض البحر، كما أن العلاقة الودية التي أخذت في النماء بين مولاي وملك الإنكتار قد تؤدي إلى نتائج طيبة تجنب المسلمين وبلادهم ويلات الحرب، ولم يرغب العادل أن يشير صراحة إلى ما تردد من عروض بالزواج قدمها ملك الإنكتار إلى مولاي السلطان تقضي بزواج العادل من أخته الملكة جوانا، وكان عمر الزين قد عمل على تهيأة الأجواء بينهما إلىدرجة أن الملكة جوانا أطلقت خادمين لـها مسلمين كانت أتت بهما من صقلية، وذلك إكراماً للعادل، قال لي عمر الزين إنها امرأة ليست جميلة ولكنها تتحرق فعلاً للزواج من العادل. ولما عرضت الفكرة على سيدي ومولاي صلاح الدين لم يرفض بل رأى ذلك يندرج ضمن علاقة الحرب ذاتها، تلك العلاقة التي لا تراد لذاتها وإنما تراد لدفع الأذى ولنشر الإسلام، فإذا كان الزواج جزء من هذا الترتيب فلا بأس به، وربما رأى مولاي أن الزواج قد يحل مشكلات لا تحلها السيوف، وعلى العموم، فإن فكرة الزواج التي طرحها ملك الإنكتار، كانت جزء من تقاليد مرعية.‏

وفي نهاية حديثه طلب العادل من مولاي أن لا يعير كلام الكندهري أي اهتمام وأن ينفذ الاتفاق إلى نهايته، فلما جاء دوري قلت أن الكندهري وهو من نعرف لا يمكنه أن يغامر بإرسال مثل هذه الرسالة الخطيرة لولا أن لـها أساس، فهو ليس ساذجاً ولا غريراً بحيث يقامر بسمعته ومكانته في حالة انكشاف أمره، ولهذا فإن من الحذر تصديقه، خاصة وأن طلب الرهائن ليس أمراً منكراً في مثل هذه الحالات، ولن نخسرعلى كل الوجوه.‏

استمع ولوجهتي النظر، هز رأسه ثم التفت إلي: افعلوا كما قال قاضينا الأجل.‏

وفي اليوم التالي، وصل إلينا وفد الفرنجة يطالب بما عين لـهم من المال، استقبلهم العادل في خيمته، فقدم لـهم الماء المثلج والفاكهة التي تفيض بها جنبات شفر عم، ثم قال لـهم: نحن نفي بوعودنا واتفاقاتنا، كلمتنا هي كلمتنا، ولهذا نطلب إليكم أن تسلمونا أسرانا هذا اليوم لنسلمكم ما عين لكم هذا الشهر.‏

قال مقدمهم وكان يدعى جيرار: فإذا رفضنا.‏

قال العادل بهدوء: تعطوننا رهائن من عندكم لنطمئن إلى أن أسرانا سيطلقون في نهاية الشهر الثالث.‏

قال جيرار وهو كريه المنظر فظ الوجه: فإذا رفضنا.‏

قال العادل: بابتسامة: لا تتسلمون باقي المال.‏

قال جيرار بجرمه الكريه: لا نوافق على هذا، عليكم أن تسلمونا مالنا لـهذا الشهر، وتقنعوا بكلمتنا إننا سنسلم إليكم أسراكم في نهاية الشهر الثالث.‏

قال العادل: أي أنكم تطالبون بكل شيء حتى تسلمونا أسرانا... ما الذي يضمن.‏

قال جيرار بصوته المنكر: كلمتنا هي كلمتنا.‏

قال العادل: لا نوافق. أعطونا رهائن لنصدق.‏

قال جيرار: لا نعطيكم. وهذا كلام الملوك الأخير.‏

قال العادل: إذاً أنتم في نيتكم الغدر.‏

قال جيرار: وأنتم في نيتكم الغدر، وسأنقل ذلك إلى الملوك والأمراء الذين ينتظرونني.‏

قال ذلك وقام، فقام معه الآخرون، ركبوا خيولهم ثم انطلقوا في تلك السهول دون أن يطلبوا حماية لمرافقتهم.‏

رغب العادل أن يقول لمولاي أن وجهة نظره صائبة، وأننا قد نكون قد تعجلنا وأن من الممكن أن يكون الكندهري قد خدعنا، ولكن مولاي أمره بالسكوت قائلاً:‏

ـ الرجل لم يخدعنا على مافيه من خبث ومكر.‏

بعد ذلك بيوم واحد، وكان يوم الثلاثاء العشرين من آب من عام 1191، وبين صلاة الظهر وصلاة العصر، خرج ملك الإنكتار الذي يسمونه عندنا بالملك ريشار ويطلق عليه أهل ملته ريتشارد، خرج بمن معه من الخيالة والرجالة وضار بي الطبول والأبواق، يرافقه عدد كبير من الملوك والأمراء ومن معهم من الجند، خرجوا جميعاً من عكا، وقطعوا المسافة مابين تل المصلبين وبين تل كيسان، ثم وصلوا تل العياضية حيث كان مولاي يرابط في خيمته لمدة عامين متتالين، الملك ريشار ومن معه من الجند كانوا يجرون وراءهم ثلاثة آلاف أسير مسلم، قضوا سنتين من أعمارهم المباركة يدافعون عن عكا، كانوا يرسفون في أغلال من الليف والزرد.‏

وما إن وصل ريشار إلى تل العياضية، حتى اصطف العسكر صفوفاً صفوفاً، ثم وضعوا الأسرى أمامهم، ثم تحدث راهب ما، ثم انطلق جنودهم إلى الأسرى، كل جندي استفرد بأسير، اشتدت ضربات الطبول واشتد نعير الأبواق، وبإشارة واحدة من الملك ريشار، هوت السيوف على رقاب الأسرى، دفعة واحدة، ثلاثة آلاف رأس من على أكتافها إلى الأرض، دفعة واحدة، هوت الأجساد إلى التراب، ترتجف ارتجافاً عظيماً، صارت الأجساد التي بلا رؤوس تنتفض وتتقلص وكأنها تتشبث بآخر خيط من هواء عكا.‏

الدم الذي كان يشخب من الرقاب، غطى التراب، كان كثيفاً وقانياً وله لمعان، وفاحت في الجو رائحة تبعث على الدوار.‏

الملك ريشار، ملك الإنكتار، رفع يده فتوقفت الطبول والأبواق، نظر حواليه رأى الجند والأعلام والخيول والتلال ومدينة عكا يحضنا البحر، نظر إلى الدماء التي غطت تل العياضية، شد هواء عكا إلى صدره وقال:‏

ـ الآن أستطيع القول إننا انتصرنا!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!‏

* فالمتجددات هي عنوان المذكرات اليومية التي كان يكتبها القاضي الفاضل عن تجاربه ومشاهداته وسير حياته اليومية، في سلوك غير معهود لأهل زمانه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244