دماء وأحلام في بلاد الشام ـــ د.ناديا خوست

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لماذا يبدو لنا أننا سنبقى ثابتين إلى الأبد كما نحن في هذه اللحظة؟ لم يخطر لمنور التي تحملت كارثة المجاعة في بيروت خلال الحرب العامة، ووزعت أرغفة الخبز على الجائعين فأنقذت فتيات من الدعارة، أنها قد لاتبقى ذات يوم متماسكة وقوية. بل خيل إليها أنها تحملت مقتل زوجها وابنها في شجاعة. وستقول سعاد: كان ذلك صحيحا، حتى فتحت الانقلابات العسكرية جروحها! أنا التي عشت في فلسطين أيام الثورة ورأيت ظلم الاحتلال أعرف أن الإنسان ليس صخرة، واجبه أن يعطي للحزن حقّه! منور تكابر وياخوفي من أن تقع فجأة!

لم يخف على سعاد أن "مرض" منور يبدو في قلقها على ليلى. فكرت في أختها تلك الليلة وبحثت عن طريق إليها. ثم قررت أن تنبش ما تخفيه منور وتتركه يأكلها قطعة قطعة. قالت لها: اسمعي! راح بهاء فدى فلسطين مع من راح فدى لها. كسر ظهري غيابه، أنا أيضا! يوجعني أني لم ألتق به في المرة الأخيرة إلا وأنا آتية من فلسطين وهو ذاهب إليها. لم أسقه فنجان قهوة! لكن لنفهم أن ذلك قراره. كان يمكن أن يقتل في ثورة 36 يوم كان مع المتطوعين العرب! كسب أكثر من عشر سنوات من الحياة بعد تلك الثورة، شاركتِه أنتِ فيها! غضبت منور: يحسب علينا مانعيشه كأنه هبة، وكأن الموت هو الطبيعي في هذه البلاد؟! نستحق غير ذلك، ياسعاد خانم! هذه بلادنا، لم نسرقها من أحد ولم نأت إليها كالمستوطنين اليهود الغرباء عن بلادنا ولغتنا وعاداتنا! قتل بهاء في الجليل وهو في ذروة قوته ونضج عقله! أنا التي خسرته؟ خسرته بلاده! وخسرته ليلى! ولاتزال طفلة!‏

هل أخطأت سعاد، بالرغم مما صرفته من ليلة الأمس في التفكير، عندما سلكت هذه الطريق إلى منور؟ قررت أن تمشي إليها بخط مستقيم. قالت: إذا كنت تخافين على ليلى فابعدي الحزن عنك! لاتظني أن الأطفال لايلاحظون مافي قلوبنا! لكن افهمي أن حزن الأطفال ليس كحزننا. حزنهم حار لكن الدنيا التي أمامهم تشغلهم عنه. سيدخل أشخاص جدد إلى حياتهم وسيصبح المفقود ذكرى حلوة. نحن الذين لانستطيع أو لانريد أن نجدد المحبوبين، نظل ندور حولهم وننتشل التفاصيل التي لم ننتبه إليها فنجعلهم أحياء أكثر مما كانوا، فنزيد في حزننا عليهم ونصبح في غيابهم أكثر وحدة! هزّت منور رأسها! يريحها أن تطمئنها سعاد إلى أن ليلى سترى بهاء كذكرى حلوة، وستحفظه لكن أشخاصا آخرين سيأخذون المكان الواسع الذي تركه! يريحها أن تعترف سعاد بحزنها على بهاء وأن تفهم أن منور قررت أن تبقيه حيا أكثر من الأحياء وتعتّق حزنها عليه! ولكن لماذا بدا معتصم كأنه منسي؟ مع أن معتصما قطعة من روحها؟ ألأن الثكل عميق ومؤلم لذلك تتفادى سعاد أن تلمسه، ويتفادى ذلك الناس، وتحاول ليلى ألا تذكر معتصما بالرغم من أنه كان لها كالأب الحنون؟ أم لأن موته مؤلم أكثر من موت بهاء، لأنه مخجل، لأنه موت برصاص سوري بعد الاستقلال؟ كانت صورة بهاء تطل عليهما من الحائط، وبدا بابتسامته الرائقة كأنه يشارك سعاد كلامها إلى منور. رأت منور فيه روحا أخرى وهي تنظر إلى الصورة. لكنها انتبهت إلى غياب صورة معتصم من أي مكان في البيت. كيف حدث هذا الغياب؟ هل قصدته لتهرب من وجعها الأكبر؟ لايحزنون على الابن عندما يستعاض بآخر يعزيهم عنه. لكن من ينجبه راح معه! وياسواد ليلك يامنور!‏

فهمت سعاد أن قلق منور يبدو في خوفها على ليلى. كأنها تريد أن تجعل ليلى تكبر خارج الأحداث. بعيدا عن الحزن العام وحزن منور، بعيدا عن ضياع فلسطين ولجوء سعاد. يجب أن تعبّ ليلى كثيرا من الأفراح، وأن تعيش فتوتها كفراشة حتى تكبر، بعدئذ فلتختر ماتسمعه أو تسعى إليه من الهموم والأحزان! يامنور، كوني عاقلة! هل لديك مقص تقصين به ماتلصقينه حول ليلى وما تحذفينه؟ هذه حياة، اخترنا أن نعيش في وسطها. لم ننف أنفسنا إلى هامشها! تساءلي دائما لو كان بهاء حيا ماذا كان يفعل؟‏

في ذلك اليوم حملت منور صورة معتصم وقصدت محل "فمينا" قرب البارلمان، أفخم مخزن في طريق الصالحية. بحثت هناك عن إطار للصورة. تبينت لهجة البائعة الفلسطينية.‏

- من أين أنت؟‏

- من حيفا!‏

- من البلد التي ولدتُ فيه، إذن! أتيتِ مع اللاجئين؟‏

- رأيت الموت مع أهلي قبل أن أصل مع اللاجئين! هجم اليهود علينا بالرصاص والقنابل!‏

- مااسمك؟‏

- ميمي! أصلي يوناني!‏

تجد منور فلسطين أينما تلفتت. لو تستطيع أن تقول للغرباء الذين قرروا التقسيم في مجلس الأمن ووهبوا الغرباء أكثر من نصف فلسطين، لو تفهمون أنكم لم تحلوا المشكلة بل غرستم أساسا لها. فلسطين موجودة في عمرنا فكيف تقصونها منه؟ بالقوة والقتل؟ لابد إذن من القصاص واستعادة المدن المسروقة!‏

- ياميمي، هذه الصورة لابني الذي قتل هنا باسم فلسطين! انتقي لي أجمل إطار لها!‏

- هذا أبسط إطار ياخالتي! وهو أجمل إطار. تفسد الزخرفة جلال الموت!‏

- لذلك لم أكبّر الصورة. فلتسبح وسط هذا البياض!‏

- نعم ياخالتي، لاتحتاج التكبير!‏

بيدين ناعمتين رشيقتي الأصابع ثبتت ميمي الصورة في الإطار ولفتها بورق أزرق. وضعتها منور على الصندوق المصدف. فلاحظتها ليلى وأدهش منور أنها لمستها مبتسمة: معتصم! ماأحلى ابتسامته! هزّت منور رأسها. يبدو أن الحق مع سعاد! شاركت ليلى في تأمل الصورة: صحيح، وماأحلى أسنانه!‏

حدث ذلك قبيل انقلاب حسني الزعيم.‏

حضّرت منور الفطور، وضعت بيضة في صحن ليلى، سكبت حبة من المكدوس ووضعت الصحن في أفضل مكان بين صحون اللبنة والمربى. تحب ليلى في الصباح أن تشرب الشاي وتأكل معه المكدوس. تنظر إليها منور في متعة وهي تتذوقهما كل صباح. لاتغير العادة أبدا طربها بهما! لكن منور تدفع البيضة اليومية بين تلك الصحون كمن يؤمن بأن ليلى تكبر بها. هاهي ليلى ذات هوى وطباع: لاتقدم شيئا على فنجان الشاي والمكدوس في الصباح، وتترك كأس الحليب للمساء. الفطور جاهز، ستجده ليلى في انتظارها على الطاولة عندما تدخل إلى المطبخ. وستجلس مقابل عريشة البنفشا البيضاء التي نثر الهواء تويجات زهرها على الحارة أمس! تستطيع منور إذن أن تشعل الراديو لتسمع أخبار الصباح في هذه الدنيا التي لم تهدأ منذ حرب فلسطين!‏

سمعت موسيقى عسكرية! خفضت الراديو وانتظرت. نظرت إلى إبرة الراديو. نعم، الإبرة على إذاعة دمشق! ماذا جرى إذن؟ أنصتت وانتظرت. انقطعت الموسيقى. "بلاغ رقم واحد"! كادت تندفع إلى الطريق. هدأت نفسها. واستمعت إلى الصوت. كأنه يعلن انقطاع الحياة المألوفة! "مدفوعين بغيرتنا الوطنية ومتألمين مما آل إليه وضع البلد من جراء افتراءات وتعسف من يدّعون أنهم حكامنا المخلصون، لجأنا مضطرين إلى تسلم زمام الحكم موقتا في البلاد التي نحرص على المحافظة على استقلالها كل الحرص، وسنقوم بكل مايترتب علينا نحو وطننا العزيز غير طامحين إلى استلام الحكم، بل القصد من عملنا هو تهيئة حكم ديمقراطي صحيح.."‏

لاتهمها البقية! أسرعت إلى الروزنامة وانتزعت ورقة اليوم السابق منها. هذا زمن جديد، يبدأ في الثلاثين من آذار سنة 1949.‏

كانت ليلى قد خرجت من الحمام مغسولة الوجه، ممشطة الشعر، جاهزة للفطور. تجلس في السابعة والنصف تماما كل يوم لتستمتع بفنجان الشاي والمكدوس على مهل. تخرج بعد عشر دقائق من البيت. يكفيها مابقي من الوقت للوصول إلى مدرستها في طريق الصالحية! مدرستها التي كانت ذات يوم معهد الطب الأول، وكانت قبل ذلك قصر زيوار باشا. بناء من الحجر والقرميد تحيط به حديقة واسعة. قالت لها منور: كلي بهدوء! وابتسمت: كأنكِ في يوم عطلة! ماأحلى عيني ليلى الدهشتين!‏

- ستنتظرني رفيقتي قرب الباب!‏

- أدخليها عندما تأتي وادرسا هنا! المدرسة مغلقة ومصفحات الجيش في الشوارع.‏

كادت ليلى ترمي نفسها على أمها. جيش؟ أي جيش؟ الجيش الذي قتل أباها؟ أم الجيش الذي قتل أخاها؟ وطمأنها هدوء منور.‏

استعادت منور قصة فساد السمن التي تناقلها الناس. حكوا أن القوتلي زار مع خالد العظم معسكرات الجيش. ثم تفقد طعام الجنود. وطلب أن تقلى له بيضة فلم يستسغ رائحة السمن. اختار تنكة سمن من مخزن تموين الجيش فتحت له فأيقن أنها فاسدة. فاعتقل أنطون البستاني المسؤول عن تموين الجيش. بحث النواب في البارلمان فساد التموين. وجد فيصل العسلي نائب بلودان، رئيس الحزب الاشتراكي التعاوني، فرصة ليلقي خطابا يهاجم فيه قيادة الجيش. أذلك رد حسني الزعيم قائد الجيش، أم خلفه مسائل أخرى؟!‏

عندما وصلت سعاد إلى بيت منور كانت ماتزال غاضبة. نقلت مارواه عبد الرحيم عن الانقلاب. اجتمع حسني الزعيم بضباط الجيش في القنيطرة، تحدثوا عن الهجوم على الجيش في البارلمان، وكتبوا مذكرة إلى رئيس الجمهورية. حملها له حسني الزعيم. فقال له القوتلي: صار ضباط الجيش كالمخاتير يجمعون التوقيعات ويحملون العرائض؟ زار القوتلي ضباط آخرون بينوا له أن غضب الضباط حقيقي، يتجاوز كلمة العسلي في البارلمان. ويبدو أن خالد العظم، رئيس الوزارة زار القوتلي ليبحث معه المسألة نفسها. جرى الحديث عن ذلك حتى في نادي الصفا. اجتمع الزعيم بالضباط في القنيطرة وقرروا الانقلاب.‏

قالت سعاد: لكن يبدو أن اتفاقية التابلاين ومباحثات الهدنة هي السبب. تردد البارلمان في التوقيع عليها. وسيوقع عليها بهذا الانقلاب! اعتقلوا القوتلي والعظم ونقلوهما إلى سجن المزة! واستقر حسني الزعيم كالطاووس في مديرية الشرطة! ومعه من يامنور؟! احزري! معه ابراهيم الحسيني! قال لي عبد الرحيم اطلبي من منور خانم أن تزور الحسيني وتفهمه مكانة القوتلي! وتذكّره بأن هذا الرجل الوطني حمل فلسطين على كتفيه! فلتذكّره بأن القوتلي كان من جمعية الفتاة!‏

ابراهيم الحسيني الذي كنتُ أساعد أمه في غسله؟! ابراهيم الذي سألوني رأيي في زواج أخته أسماء من الحبوباتي؟! سأذهب إلى أهله! بل سأذهب إليه! لايستحق القوتلي أن يسجن في السجن الذي بناه غورو! ولايستحق ذلك خالد العظم الذي ينفق من ماله على السياسة! هل ننسى أن خالد العظم رفض أن يستقبل الفرنسيين الذين أتوا بعد فيشي، في أسفل الدرج كما طلبوا، بل انتظر أن يصعدوا هم إليه؟! هل تنسى منور أن خالد العظم، ابن سوقساروجا، ألجأ الحكومة إلى بيته يوم قصف دمشق في أيار؟! قالت منور مازحة في مرارة: لخالد العظم فضل علي.. يوم عبرت الحكومة البحصة لتلتجئ إلى بيته، قصف الفرنسيون سوقساروجا وامتلأ بيتي بالغبار ورائحة الحريق! نعم، للرجل فضل علي! كان يمكن أن تتناول سعاد سخرية منور وتمدّ منها حديثا بينهما، لولا غضبها من اعتقال القوتلي. هل تذكر لمنور أنه جلس إليها في أيام الثورة وطمأنها إلى أن السلاح سيرسل إلى الثوار؟ ولم تكن يومذاك تعرف أنها ستجلس على ذلك السلاح طول الطريق! قالت: يرى عبد الرحيم أن أكرم الحوراني هو الذي كتب البلاغ رقم واحد! يظن الحوراني أن الانقلاب العسكري سينهي الفساد ونفوذ التجار!‏

كانت ليلى واقفة قرب النافذة تربت على القطة التي تمد لها رقبتها كلما اقتربت يد ليلى منها كأنها تطلب: وهنا أيضا! التفتت سعاد إلى ليلى ثم التفتت عنها. هل تقول لمنور: تمنيتِ أن تبعدي ليلى عن مصائبنا؟ تفضلي! احبسيها في غرفة!‏

خلال الحديث بعد القهوة بدا لمنور وسعاد أنهما ما كانتا يجب أن تفاجآ بالانقلاب. فالغضب بعد حرب فلسطين لابد أن ينفجر بشكل ما! رمى الناس التقصير على خيانة السياسيين، وضعف العسكريين، وتآمر الدول العظمى. ورمى العسكريون التقصير على السياسيين. ورمى السياسيون التقصير على الجيش! اتهموا الشرباتي بأن زوجته يهودية ليتوانية. وقالوا ماذا ينتظر إذا كان غلوب هو القائد الأعلى للجيوش العربية؟ أليس هو الذي اقترح صيد الجيش المصري بطريق يعبرها في الانسحاب؟ نبشوا حتى للقوتلي أخطاءه. يبدو أن فيصل العسلي أشعل عود كبريت! لكن المجنون فقط يرى أن هدف الانقلاب إبعاد العائلات الغنية عن حكم البلاد!‏

نهضت سعاد: سأمر بعمتي نفيسة. وأنت يامنور، اذهبي إلى ابراهيم الحسيني، يرضى عليك!‏

ربطت منور منديلها الأسود على شعرها وخرجت من البيت. كانت قد أرجأت قرارها حتى اللحظة الأخيرة: هل تقصد ابراهيم الحسيني في مكتبه أم تقصد بيت أهله؟ بعد خطوات مشت في اتجاه الجامعة. مكتبه في مديرية الشرطة مقابل الجامعة.‏

كأنما كانت جدران البيت تحجب عنها هواء نيسان! رفّ طرف ثوبها عندما أغلقت الباب. وشعرت بأنه ظل يرفّ مع خطوتها. فتلفتت كمن يبحث عن البساتين التي لابد أن تكون في أول اخضرارها النضر. وكأنما تدفق عليها مع النسيم رضا لم تعرف سببه المفاجئ. وستعاني فيما بعد مثل تلك الموجات من الفرح التي يثيرها النسيم، تتبعها موجات من الأسى. مشت مستقيمة القامة كفتاة في العشرين. لايستطيع ثوب الحداد الأسود أن يدفع عنها سحر شهر نيسان في دمشق! في نيسان ترتعش ثلوج جبل الشيخ تحت الشمس، تبرق وتذوب متسربة إلى بردى. وعلى عرض طرقات بلودان يسيل الثلج الذي ذوبته الشمس، وتزهر أشجار اللوز. وفي دمشق تكتظ عرائش البنفشا بأزهارها البيضاء والصفراء وتفوح بعطرها الناعم، وتبدأ بواكير الفواكه، ويصل المشمش الهندي في السلال من لبنان، وتبدأ حبات الفريز بالاحمرار في الأحواض، ويأتي الفستق من حلب في سلال الفلاحين، ويفوح المنثور، وتظهر أحيانا بقايا باقات البنفسج المتأخر على فرش يحمله فلاح.‏

لو أغمضت منور عينيها عن إشارة الروزنامة إلى الشهر لخمّنت من خفقة النسيم أنه شهر نيسان! لايمكن أن تخطئه! فهل تحجب قلبها عنه من الحزن على بهاء ومعتصم، ومن الاضطراب الذي بدأ يجرف البلد بأول انقلاب؟ تنهدت واستسلمت لنيسان. وانسابت على فرح ناعم هادئ لايريد أن يشعر بالذنب أو بالندم. لن تحاسب الشباب المتدفق في قلبها وقوة الحياة في مشيتها وحركة ذراعيها وخطوتها، ولن تسأله هل لها الحق فيه بعد أن غاب الحبيب، ولو كانت في هذا العمر! للبهجة بالشباب أعمار موقوتة لايجوز أن يتجاوزها أحد؟ لاتبالي بأن تصحح ذلك الآن فتهتف: ليست لروح الإنسان أعمار!‏

انسابت في أفكارها كأنها تسري على نسيم نيسان. ووصلت إلى نفيسة. ماأعجب أن تستعيد عواطف بهاء نحو نفيسة الآن وهي تمشي إلى ابراهيم الحسيني! كأنها تريد أن تشاركه فيها متسللة إلى علاقته الخاصة بها. كان بهاء يحب نفيسة لأنها العزيزة على أبيه، والجزء الحي الباقي منه؟! أم كان يدهشه شبابها العصي على العمر؟ كأنها كانت بحيويتها تهشّم تقسيم الحياة إلى شباب وكهولة وشيخوخة، بين بقاء وفناء! فكان بهاء يتأملها كأنه يستقصي أسرار الخلود! تتذكر منور الآن أنها قالت له مرة وهي تتابع نظرته المعلقة بنفيسة: تكتشفها بعد كل هذا العمر؟ ابتسم يومذاك، وكأنها ترى ابتسامته الرائقة الآن. قال: وأكتشف روحي! أكتشف أنواع الحب التي يستطيعها إنسان! وربما أكتشف ماتستطيع المرأة أن تكونه لرجل! تعرفين أني تبيّنت وأنا أنظر إلى نفيسة سعادة أن تكون لي أم لاأحتاج أن تطعمني أو تعنى بملابسي ونومي، بل أن تكون فقط موجودة؟ قالت له منور يومذاك: يابهاء ألا تحاول أيضا أن تتسلل إلى عمتي نفيسة لتعرف الدروب التي قطعها أبوك خالد آغا إليها؟ ابتسم: ربما، وذلك أيضا! لكن مايذهلني أن تبقى نفيسة خانم شابة بالرغم مما رأته من الموت!‏

هل أعاد منور إلى نفيسة نسيم نيسان أم شعورها بقوة الشباب؟ تنهدت! أي شباب هذا وهي مصبوغة بلون الحداد، وبلدها على كف عفريت! لا، لعل ماتشعر به من القوة ليس قوتها كفرد، بل قوة الأرض والناس التي تستمر بالرغم من المصائب والهزائم! انتصر المحتلون عليها، قتلوا رجلها المحبوب، خطفوا مايمكن أن يكون سعادة تمتد على بقية عمرها، لكن ذلك ومضة في الزمن في هذه البلاد التي كانت قبلها وستستمر بعدها! هل تقبض الآن على سر هدوء نفيسة بالرغم من الموت الذي خطف خالد آغا؟ وخطف سعيدا ونوري؟ ربما تصل الآن إلى السر الذي تقصّاه بهاء في بحثه عن شبابها وهمّتها!‏

انحدرت منور في الطريق المرصوف بالحجر الأسود بعد التجهيز ومشت بين حديقتين تحبهما. التفتت إلى يسارها ورأت البحرات في الحديقة. أحسن رجال الاستقلال يوم رتبوها لتستحضرعلى حافة الطريق بحرات دمشق والأندلس! اجتازت أشجار الكينا على يمينها وعبرت طريق بيروت ثم عبرت الجسر فوق بردى. مرت بين التكية والمتحف الوطني. أصغت إلى مئات العصافير التي لاتزقزق عادة في هذا الوقت من النهار، لكنها تحتفي الآن بهذا الطقس الرخي المنعش. رفعت رأسها إلى أشجار الكينا تحاول أن تتبين تلك العصافير. وفاجأتها أيضا أسراب السنونو التي تملأ سماء دمشق كل مساء. نظرت إلى ساعتها. هل جنّت العصافير في هذا اليوم وضيّعت أوقات الطيران، أم تحتفي بطقس نيسان وعبق الزنزلخت؟ مقابلها مستشفى الغرباء، المستشفى الوطني الذي رأت فيه ابنها معتصما على سرير أبيض مغطى بشرشف عليه بقع الدم. كان زملاؤه يحيطون به. وكانوا في عمره، طلابا مثله، تظاهروا لأجل فلسطين وصرخوا في الشارع كي يطوي السياسيون العرب خلافاتهم، وكيلا يضيعوا وقت الدفاع عنها باجتماعاتهم وخطاباتهم! أحرقت حلقها الغصة وبدا لها أن هذا الألم الذي تخفيه عن نفسها أعمق من ألمها على بهاء. ردّدت لنفسها: نعم، نعم، قتل معتصم في أول العمر. لم يكن في يده حتى حجر! كأنها صارت تمشي في قوة وهي تصعد على ضفة النهر وتنعطف إلى مديرية الشرطة. وكأن الغضب اجتاح روحها الرائقة وأبعد نيسان.‏

رأت حشدا من الناس أمام مديرية الشرطة، رجالا ليست بينهم امرأة. ألذلك استطاعت أن تخترقهم كأنهم شقوا لها الطريق، أم تراهم لمحوا هيبتها أو غضبها؟ عندما رفع الشاب الجالس وراء مكتب الحسيني نظرته إليها قالت: قل له منور خانم! لم تذكر حتى اسم ابراهيم الحسيني! بقيت واقفة أمامه كأنه تطلب منه أن ينهض فورا. من هذه المرأة التي تأمره؟ من هذه التي تبدو خصلة شقراء على طرف جبينها يزيدها سواد المنديل شقرة؟ ردد لنفسه: ماشاء الله، ماشاء الله! سألها: للتهنئة، أم لترفع طلبا؟ أشارت له بإصبعها: قل له منور خانم! وكأنها عقدت مابين حاجبيها! فنهض ليخبر ابراهيم الحسيني عنها.‏

فتح الباب لها، ورأت ابراهيم الحسيني يمشي إليها. انحنى كأنه أراد أن يقبل يدها فسحبتها. أجلسها ثم جلس قربها. لايمكن أن تكون أتت لتهنئه! أتت لتطلب شيئا. قال: ياخالتي، أمرك؟ لاتخطئ ارتباكه. يوم قتل بهاء كان يطرق الباب ويسألها دون أن يدخل: ياخالتي، تحتاجين شيئا؟ ويوم صار يطرق الباب عليها بعد قتل معتصم مكررا السؤال نفسه بدا لها أنه كان يبدو كالمذنب. وكانت تجيبه بالإشارة فقط. تركها ليردّ على التلفون. وماكاد يجلس حتى طلبه تلفون آخر. سألته: سجنتم القوتلي وخالد العظم؟! قل لأصحابك باابني، كأنكم ضربتم الناس على وجوههم! قل لهم لاتصدقوا من يهنئكم اليوم، لأنه سيكسر الجرار وراءكم غدا! استمع إليها. وتذكرت وهي تراه في بذلته أنها حمته ذات يوم من أمه التي همت بأن تضربه. هل تذكر أنها غسلته في حمام بيت أهله؟ وقفت فوقف: ياخالتي لم تشربي قهوتي! ردّت: شربت كثيرا من قهوة أهلك! ونظرت إليه نظرة طويلة.‏

لماذا عادت وهي تشعر بالشفقة عليه؟ ألأن مثله سيحمل عبء الخطأ وسيواجه الناس والبلاد؟ ألأن الذين يمدون أيديهم إلى السلطة ليحكموا بلدا ينساقون بمشروعهم، وتستخفّهم أيام النجاح، ويغريهم المهنئون، ويتكاثر عليهم المنافقون، فلايفكرون في أيام الحساب التي لاتذكر فيها غير الأخطاء؟ أم لأنها وهي تراه في بذلته ومكتبه فهمت أن الصبي الذي عرفته انتهى، مات، طوي، وأنها لاتتصل ببقاياه إلا بذكرى بعيدة. لايغير ذلك الحرارة التي قابلها بها! أم لأنها فكرت أيضا بأن مثله يفقدون حياتهم نفسها، عندما يصبحون خدما في مشروع يهرولون فيه النهار والليل؟ أم لأنها شعرت بالحدّ الفاصل بين ذلك البناء والشوارع، بين الدولة والناس؟‏

كأنما لمست أشجار الكينا الباسقة كتفيها، وكأنما لم تر بردى وهي تعبره مع أنها توقفت بمقدار غمضة عين على الجسر فوقه. ولم تتذكر أنها تحب هذه المنطقة في دمشق بين التكية والمتحف، وتنقل نظرها بين الكينا والتكية والنهر والحدائق التي تطل من الجانب الآخر على النهر. لاتترك وراءها آخر لحظة رأت فيها معتصما على سريرالمستشفى الوطني، بل تترك وراءها الماضي الذي كانت فيه تزور أهل الحسيني وتحمي ابنهم وتسمع همومهم الصغيرة وتفكر معهم في زواج ابنتهم ودراسة ابنهم. هل تقولين لنفسك يامنور أن حياتنا تنتهي ونحن نعيشها، وأننا نفقدها في كل خطوة نستمتع بها، في كل خطوة يكبر بها أبناؤنا، كأن الحياة هذه الدنيا التي تعبرينها الآن، وتصبح خلفك وأنت تتقدمين فيها! لكن فضيلة الإنسان أنه يستطيع أن يستعيدها بالذكرى!‏

مرّ فوقها سرب من السنونو الصاخب وهي تعبر واجهة التجهيز. ألا تلتفتين يامنور إلى هذا البناء الذي درس فيه معتصم؟ إلى هنا وصل مع طلاب الجامعة ليرفده طلاب التجهيز في تلك المظاهرة القاتلة! رفعت رأسها: وراء تلك النافذة كان صفه! ذهب معتصم وبقي البناء، وكأن مهمته أن يستبقي أطياف حياة لاتفنى تجمع الكهول والشباب، وتجمع الأجيال، وبمقدار ماتجمعه من الذاكرة تصبح قطعة من الموزاييك الذي يرسم المدن والزمان.‏

لماذا لم يخطر لمنور أن تقصد التجهيز كمن يطلب أن يجالس معتصما! لماذا لم يخطر لها أن تتوقف معه بين الطلاب كأنه يخرج من المدرسة في تلك الفسحة التي تفصلها الحدائق عن بردى، يستمتع مع أصحابه بالكلام، يضحك ثم يمشي معهم على عرض الرصيف والشارع مبطئا في العودة إلى البيت!‏

طمأنها ابراهيم الحسيني: لن ندخل الأحلاف العسكرية الأجنبية! قالت له كيلا يشعر بأن ذلك منّة: مكتبك ليس بعيدا كثيرا عن ساحة المرجة التي تشهد ماقدمه الناس للاستقلال! من يخطر له أن يعيد الاحتلال بالأحلاف العسكرية سترده البلاد من أولها إلى آخرها! لكن منور تعود مثقلة القلب بتساؤل يحرقها: لماذا تذهب الحياة هكذا، ويضيع نيسان إثر آخر، وشتاء بعد آخر! لماذا قدّر لها أن تفقد زوجها وابنها؟ كانت تتنقل بين قمم سعادتها فلماذا نزلت تلك السكين وقطعتها بالطول وبالعرض؟ هل تمس الآن حزنها كامرأة ترتب بيتها، وتحب زوجها، وتربي أولادها شبرا شبرا؟ هل تمس حقها كامرأة في الحب والأسرة السعيدة؟ قالت لنفسها: ليت بهاء كان شرسا! ليتني كنت غاضبة منه يوم قتل! ليتنا لم نكن كالسمن والعسل! ضمت قبضتها إلى جنبها وهي تمشي. شعرت كأنها تمسك بيد بهاء. وتذكرت عودته من فلسطين يوم سمعت زفّة في عز النهار، وأصوات أهل سوقساروجا الذين حملوه حتى الباب. ميزت يومذاك حتى صوت قفزته على الأرض ووقع قلبها في غيبوبة. أيمكن أن يكون مفقودا، وقد يعود ذات يوم فجأة كما يعود المفقودون؟ وتكون مذكراته التي وصلتها كرسالة من جريح أنقذ.‏

شدت قبضتها. إياك يامنور أن تسقطي في الوهم! إياك أن تكوني مثل أم إحسان التي بدأت منذ ذلك اليوم مسارها الطويل بين الصليب الأحمر والأمل باحثة عن الضابط الذي حمل عنك ذات يوم ليلى المريضة على ذراعيه! هل يجب أن تكون حياة بهاء مجسدة بوجوده؟ ألا تشعرين به في غرفتك وبيتك؟ ألا تمدين في الليل ذراعك كأنك تمسكين به؟‏

استدارت منور عن المرض الذي ستعاني منه في السر ولن تكتشف سعاد على منور غير ظلاله. ولن تستطيع أن تشفى منه إلا بحوار طويل بينها وبين نفسها، يوم تفحصه فترفض المتعة بالوهم وتميزه من الذكرى. يوم تفهم أن الوعي يجب أن يرسم الحد بين حقها في استبقاء بهاء حيا كشهيد وكمحبوب، وبين موته الحقيقي الذي يفرض أنه ذكرى لاتملك الحق في أن تكون عودة محتملة إلى الحياة. كانت منور في ذلك اليوم في بداية ماستسميه فيما بعد مرضها السريّ.‏

رفض القوتلي والعظم الاستقالة. تمسكا بأنهما شرعيان والانقلاب غير شرعي! دلّلهما حسني الزعيم فنقلهما إلى المستشفى العسكري. وأرسل لهما الجرائد التي تمدحه، وجهاز راديو. أضحك عبد الرحيم أن القوتلي سأل عندما أدخل إلى المستشفى العسكري: أين العلم السوري؟ ظن أنه مايزال رئيس الجمهورية!‏

أخيرا قبل القوتلي والعظم الاستقالة. وطلب القوتلي الخروج من سورية. رحل إلى مصر. أثنت سعاد على غضبه: الحق معه! فليراقب من بُعد ماسيفعل هذا المجنون في البلاد! قالت لها منور ساخرة: رئيس جمهورية "يحرد"؟ قالت سعاد: هذا مافهمتِه من سفره؟ لكن ماأعجب هذه الدنيا! روى لي عبد الرحيم أن كبار رجال الدولة ودعوه رسميا في مطار المزة. تمنى عبد الرحيم له عودة سريعة فأجابه: لن أعود حتى تعود المؤسسات الدستورية، وماأبعد ذلك الآن!‏

ماأسرع ماصار الراديو ضرورة! في الثاني من نيسان أعلن حسني الزعيم للمرأة الحق في التصويت، وأعطى لنفسه السلطة التشريعية والتنفيذية. قالت سعاد ساخرة: قسمة عادلة! صار الخصم والحكم! فهل تصدقين يامنور خطابه عن العدالة الاجتماعية وتصميمه على التحقيق في الفساد؟! تفرجت منور على صوره المنشورة في الجرائد: يجلس في الصف الأول على كرسي خاص، والأوسمة على صدره. سألت أختها: متى استحق هذه الأوسمة؟ في حرب فلسطين التي انتصر فيها؟ لا، ياحبيبتي! في الجيش الفرنسي عندما كان فيه مع فيشي! وروت لمنور أنه أوصى على عصا الماريشالية في باريز! ويقال إنها مرصعة!‏

صار الزعيم موضوع الأحاديث. وضع على عينه المونوكل. نفخ صدره لتعبر ملامح وجهه عن العظمة. أخاف رجال الدين الذين زاروه بمشرحية فعدلوا عما نووا أن يطلبوه. يقال إنه سهر في فندق بلودان! لا، تلك الحفلة كانت في نادي الضباط! نقلت الحفلات التي تحتفي به بالراديو. وغنت فيها زكية حمدان أو ماري جبران. هذه أم كلثوم الشام! قالت منور: ياللصوت الحلو! لكن ماهذا الكلام؟ أهو عن الزعيم؟ "ياحلم.. بل ياأسمر.. ماخلق الله ولامثلك كان البشر"! هل يريد هؤلاء العقلاء له الجنون؟ اسمعي! يبدو أنه جُبل "من طينة فيها عنبر"! لكن منور صرخت بعد السخرية: لو أعرف من يكتب العرائض وقصائد الشعر والأغاني التي تصاغ له! كيف يغلب التزلف للحاكم حق الناس في مراقبته؟ كيف يشعر الناس بأنهم دونه، مع أنهم سنده والحَكَم عليه! ألأن الرغبة في الكسب تتقدم على ايمان الناس بحقوقهم؟‏

- يامنور لاتتعبي رأسي! اسمعي زكية حمدان أو ماري جبران، لاأميز بينهما! اسمعيها تقول: خلقتِ جميلة لتعذبينا!‏

- لاأضع أحدا فوق أم كلثوم. أتعرفين لماذا؟ لأنها لاتترك النهر لتغوص في الساقية!‏

- يامنور، يبدو أننا نحن الذين غصنا في الساقية. بعد انقلاب حسني الزعيم وصل نوري السعيد إلى دمشق، وطلب وحدة سورية والعراق. قال له السوريون: سورية مستقلة والعراق مرتبط بحلف أجنبي! الوحدة مع العراق الآن تعني تجريد سورية من استقلالها! يقال إن نوري السعيد رجع غاضبا. وماأدراك مانوري السعيد! يعرفه عبد الرحيم. في سنة 36 أتى من العراق واجتمع بالمعتقلين الفلسطينيين! بدا كرسول من العرب، لكنه كان رسول الإنكليز! يوم إعدام ضباط ثورة رشيد عالي الكيلاني حضر الإعدام ويقال إنه أمر بقصف رقبة فهمي سعيد الذي لم ينجز حبل المشنقة إعدامه! روى لي عبد الرحيم أن الجاسوسة الإنكليزية غرترود بل اعتبرته أهم شخصية قريبة من الإنكليز! لذلك يامنور، بدأت بعد عودته إلى العراق الحملة على سورية من العراق والأردن. فكري متى يحدث ذلك؟ الآن، بعد نكبة فلسطين! ولذلك سافر الزعيم إلى مصر واستقبله فاروق في المطار!‏

- طمأنني ابراهيم الحسيني. قال: لن نفرط باستقلالنا!‏

- صدقته؟‏

- لايكذب علي!‏

- صدقيه إذن!‏

- لاأصدق أحدا!‏

استعادت نفيسة مرات انقلاب حسني الزعيم الذي فاجأها ذات صباح. فقالت لها سعاد مداعبة: كأنك ياعمتي تحسبينه من أحداث حياتك! لم تسمح نفيسة بمثل تلك الدعابة فردّت مؤنبة: الأحداث العامة أحداث حياتنا الشخصية، ياسعاد خانم، قبل أن تولدي. ألم يكن شنق شهداء أيار، وسايكس بيكو، ومعركة ميسلون، والثورة السورية، من حياتنا الشخصية؟ هل تستطيعين ياسعاد أن تنفضي حياتنا كما ينفض السجاد، فتقع تلك الأحداث منها كأنها ليست من خيوطها؟!‏

كررت نفيسة أنه لم يخطر لها يوم قصدت منور في صباح انقلاب حسني الزعيم أن الأحداث ستتلاحق هكذا. ستقول إنها عرفت بالانقلاب قبل أن يذاع من الراديو. ففي الصباح خرجت مع مرجانة لتشتري سلة من الخضار والفواكه. لم تكن ترافق مرجانة إلى السوق إلا في شهر آب لتنتقي التين الطازج، والصبارة المزّاوية. لكنها في ذلك الصباح تساءلت لماذا تهمل الربيع، شهر المشمش الهندي والعقابية؟ فرافقت مرجانة مبكرة لتعودا قبل أن تشتد الشمس. عندما خرجت من سوقساروجا إلى بوابة الصالحية واجهتها المصفحات. هبّ قلبها. حدث أمر كبير يامرجانة، كي تأتي المصفحات إلى الأركان! استدارت: فلنقصد سوق العقيبة! لكنها رجعت إلى البيت وفتحت الراديو. في الساعة السابعة سمعت البلاغ رقم 1. فقصدت بعد ذلك بيت منور. قالت لها: جئت أشرب عندك فنجان قهوة وأطمئن عليك! أدهشت منور بزيارتها؟ ربما! فنفيسة ترسل عادة مرجانة لتعلن وقت زيارتها. لاتطلب الإذن، بل تبلّغ من تزوره بأنها قادمة. فتقول منور لسعاد: كأن عمتي رئيس جمهورية! وتدافع سعاد عن عمتها: مشغولة، لاتطلّ إلا كالبدر! في عمرها لاتزال تقرأ الفواتير وتفكر في التجارة، وتستشير ابن الكحال ويستشيرها! لم تتغير! يجد الواحد منا في هذه الدنيا من بقي كما تركه!‏

لذلك بدا لنفيسة أن زيارتها يومذاك أربكت منور، وبدا لها أن منور تنتظر أن تنقل إليها خبرا. قالت نفيسة: كأن الهرجاية فتحت عندك مبكرة! ياسمينتك حلوة، لكنها صارت كلها في المشرقة! اتركي عرقين تراهما العين في أرض الدار! تابعتها منور وهي تحوم بالمقدمات، وسكبت لها القهوة. الياسمينة ياعمتي تلحق الشمس! ماذا تريدين أن تقولي لي؟! يامنور، قبل الفجر سمعتُ رصاصا وعندما شقشق النهار خرجتُ من البيت فرأيت المصفحات في بوابة الصالحية عند الأركان. ثم عرفتُ القصة! يبدو أن حسني الزعيم يلعب بالنار وأخشى أن يحرقنا!‏

صار الانقلاب مناسبة للقاء نفيسة بابن الكحال وبمنور وسعاد. روت نفيسة أن منور كادت تقول لها فلنشكر الياسمينة التي فتحت لك الطريق لتبوحي بما في قلبك! لكن يبدو أنها سمعت البيان الأول من الراديو كما سمعته نفيسة! وتذكرت نفيسة دعاءها: يكسر أيديهم، أخذوا خالد العظم.. أخذوا هذا الرجل الذي يجب أن تفخر به بلاده، إلى سجن المزة! فهمت منور غضب نفيسة. رأت مالايراه في تلك اللحظة الذين فرحوا بسقوط الفساد. ألم يترك القوتلي الحبل على الغارب للتجار؟! يامنور لاتغشّنك الضجة بل افهمي الأمور في هدوء! في هذه المسألة القوتلي والعظم على حق! لم يكن القوتلي على حق في طيبته يوم قبل وساطة محسن البرازي فأعاد الزعيم إلى الجيش وأعطاه قيادة الشرطة، ثم قيادة الجيش!‏

استعادت نفيسة قصة السمن الفاسد. ذهب القوتلي مع العظم ليحضرا تجربة السلاح والذخائر التي اشتراها الجيش من التجار. أطلقت المدافع في سهل المزة، فلم تنطلق، وطاش ماانطلق منها عن أهدافه. يبدو أن القوتلي عرف أن الفساد ليس فقط في الأسلحة بل في تموين الجيش أيضا. فمال مع العظم إلى مستودعات الجيش في المزة. فحص الفوضى فيها وطلب أن تفتح تنكة سمن وخمّن أنها فاسدة. فطلب أن يقلى له بيض ليجرب طعم السمن! ففاحت رائحة بشعة. ومن منا يخطئ في تمييز رائحة السمن العربي من السمن المغشوش! أخذ تنكة سمنة ليحللها. وتسرب الخبر إلى الصحافة فكتبت عن ذلك وتعرفين أن مجلس النواب هاج وأن فيصل العسلي هاجم حسني الزعيم. لم يهاجم أحد الجيش، بل يثبت ماحدث الغيرة على سلاحه وتموينه. يبدو أن الزعيم يريد أن يستر أصحابه فقلب المشكلة وجعلها كأنها بين عسكريين ومدنيين. قالت منور: ياعمتي، المشكلة هي نكبة فلسطين! اتهم العسكريون المدنيين بأنهم لم يسلحوا الجيش، واتهم المدنيون الجيش بأنه لم يدافع كما يجب عن فلسطين! صحيح، يامنور! لابد أن يحدث زلزال بعد نكبة فلسطين! لكن الانقلاب على المجلس والحكومة باب مثل باب جهنم، يجب ألا يفتح.‏

ستروي نفيسة التفاصيل فيما بعد وستستعيد الأحداث. في 30 آذار اجتمع الزعيم بضباط القنيطرة وهيجهم ضد الحكومة، وأخذ توقيعاتهم على مذكرة وقدمها للقوتلي كأنه مدافع عن الجيش وكأن الحكومة ومجلس النواب ضد الجيش. ولم ينتظر نتائج التحقيق فنظم الانقلاب! لم يحزم القوتلي أمره فيسرح الزعيم في اللحظة المناسبة. هكذا حدث الانقلاب وحل الزعيم المجلس النيابي وسجن رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بدلا من محاسبة المتهمين في المحاكم! تنهدت نفيسة في تلك الجلسات التي لم يشغلها فيها غير الانقلاب: طار الدستور وطارت الجمهورية!‏

انتبهت منور منذ صباح الانقلاب إلى ماالتقطته نفيسة. وكادت تقول لها مرة أخرى: ياعمتي، يناسبك أن تكوني قائدة حزب! وكتمت ابتسامتها. هل هذا طيف من الأيام الحلوة التي كانت تجمع نفيسة ببهاء ومنور تراقبهما؟ كم تهرب منا الأيام مسرعة! في اللحظة التي نستمتع بها تبتعد! لكن أليس من حظ الإنسان قدرته على استعادتها!‏

بقيت نفيسة تراقب الأحداث كمن ينتظر نهايتها. وعندما كانت تعلن لابن الكحال غضبها على الزعيم ثم على الحناوي الذي قد تسلم سورية بيديه للعراق، ثم على الشيشكلي يوم جنح في مغامرته، لم تكن الشروخ تلمس روحها. وردّدت: مشاريعهم ضعيفة، ولن يصحّ إلا الصحيح! وصارت السخرية طريقتها في انتظار نهاية الانقلابات العسكرية.‏

في تلك الأمسيات نبّه ابن الكحال نفيسة إلى الحوراني. فهم هذا الرجل أن عنصري القوة ضباط الجيش الوطنيون، والمثقفون، يسندهم الفلاحون. يرى الحوراني أن تحالفهم يستطيع أن يقرر مسار سورية. ماذا يريد؟ حقوق الفلاحين والعدالة الاجتماعية. رفعت نفيسة حاجبيها. كلام جديد! قال لها ابن الكحال: الحوراني قوة في حماة. له تاريخ. في سنة 1945 هاجم مع الضابطين صلاح وأديب الشيشكلي وبعض القوميين السوريين قلعة حماة وطردوا منها الحامية الفرنسية. في تلك السنة أسس الحوراني الحزب العربي الاشتراكي. كي تفهمي علاقته بالضباط تذكري أنه اشترك في حرب فلسطين مع أصحابه كمتطوعين مع القاوقجي. بقي على صلة بالضباط. وتذكري أنه تطوع مع بعض الضباط للدفاع عن حكومة رشيد عالي الكيلاني في سنة 41. وانتخب في تلك السنة نائبا في البارلمان. يقال إن بهيج وخليل كلاس وضباط الكلية العسكرية أصحابه. ولهؤلاء يد في انقلاب الزعيم والانقلابات بعده. ويقال إنه هو الذي صاغ بيانات الزعيم ثم بيانات الشيشكلي. المشكلة أنه ليس صاحب القرار الحاسم فيها. تلتقي جماعته بمشاريع مجموعات أخرى وأفراد فرضوا فيما بعد اتجاه الانقلابات! خطّط بهيج كلاس وأديب الشيشكلي والحوراني انقلاب الزعيم. وقاد الشيشكلي المدرعات من قطنا في 30 آذار. فاحتلت محطة الإذاعة والقصر ومديرية الشرطة واعتقلت رئيس الوزراء وفيصل العسلي.‏

هل كان ابن الكحال ينبّه نفيسة إلى سياسيين جدد سيؤثرون في المستقبل، ويؤكد لها ماتبيّنته: أن جماعة القوتلي عجزت عن الخروج من زمنها؟! كان يؤمّن لنفيسة المعلومات التي تؤكد حدسها ويسند بالحقائق نبوءتها. لتثق بأنه رفيقها وحارس روحها ويقظتها! يقول لنفسه: نعم، يانفّوس! نحرس روح المحبوب كي نبرهن على حبنا؟ بل نستقوي بثقته في قواه التي تتجاوز رؤية الظاهر وتعتد باستشفاف مالاتراه العيون! نستنهض روحه لتعرف قدراتها الاستثنائية كي نسند أنفسنا به! تنظر إليه نفيسة كأنها تسمعه. وتقول لنفسها: ماأطيبه! كان يشعر بمسؤوليته عن روح نفيسة في المعبر بين زمن وآخر وقت تغيم النظرة ويضعف الناس، فينساقون مع المنتصرين أو يسقطون مع المهزومين. لايريد أبدا أن تشعر نفيسة بأنها تطوى مع عصر يطوى! يريدها في واجهة اللحظة الحاضرة والمقبلة، محمّلة بثمار عمرها. وكان يشغل بذلك روحه ويملأها، ويوسع حياته. وكأنه بنفيسة يجتاز البوابة بين عالم تجارته المحدود بأسواق وفواتير وعلاقات مقتضبة، وعالم نفيسة المبهر بآفاقه الملونة.‏

في تلك الأيام وضعت نفيسة أمام منور كومة جرائد جمعتها طوال الأسبوع. تفرجي! قلبتها منور منتبهة إلى الأريكة الوثيرة التي يجلس عليها الزعيم، والأوسمة التي يزخرف بها صدره، والأبهة التي يحب أن يتظاهر بها وهو ينفخ وجهه وذقنه. رأته في بعض الصور بالمونوكل. سمعت عن عصا المارشالية التي رصعت بالمجوهرات في باريز ودفعت سورية ثمنها بالفرنكات الفرنسية. قالت ساخرة: جنون العظمة! لكن قولي لي ياعمتي، كيف يقبل ناس محترمون أن يجلسوا على كراس عادية خلفه كأنهم دونه؟ ردت نفيسة: لاتستخفي بهم! لولاهم لحدثت كارثة! لكن ياخوفي من أن يقلده من بعده! فضيلته حتى اليوم أنه لم يسقط في مشروع الوحدة مع العراق! لكن هل هذه رغبة أجنبية، أم حرص على الاستقلال؟ الله أعلم!‏

استمعت نفيسة يومذاك إلى حفلات زكية حمدان وماري جبران التي نقلتها الإذاعة. وقالت منور: تفترض الأبهة هذه الحفلات! لكن الزعيم نظم مزادا على قلمه في حفلة في فندق بلودان الكبير! آه، كأن اليهود الغرباء غير موجودين، ياعمتي! رحم الله اليوم الذي اجتمع فيه رجال العرب في فندق بلودان ليعلنوا أن فلسطين قضية قومية لايملك أحد المساومة فيها! يومذاك أتى عبد الرحيم من فلسطين ليحضر المؤتمر وأتت معه سعاد!‏

هل تنبأت سعاد بسقوط الزعيم؟ ذكّرت سعاد نفيسة بأنه سلم أنطون سعادة للبنان فرتبت الحكومة اللبنانية لسعادة محاكمة سرية في يوم واحد حكمت عليه بالإعدام ونفذ الحكم. توهم أنطون سعادة بأنه سيسقط الحكومة بالهجوم على بعض المخافر اللبنانية، ثم هرب إلى سورية. لم يفهم أنه ضعيف كلاجئ ويمكن أن يكون موضوع صفقة! قالت نفيسة: سقط الزعيم لأنه سلم من التجأ إليه! ولم يأتنا بعد ذلك السقوط بلبن العصفور! حشد أعداءه وفقد حلفاءه ونظم من سيقتله!‏

رفعت منور نظرها إلى سعاد، كأنها خرجت من "غطيطة" في جبل لبنان: يوقفنا الحاكم الفرد لنتأمل أعداءه وأصدقاءه، فشله ونجاحه! وهذا كله وقت ضائع! كفى! لم أعد أريد أن أسمع اسمه! لاأريد أن نضيع الوقت في الكلام عنه! لكنها اضطرت أن تسمع اسمه يوم قتل مع محسن البرازي. وقالت عندئذ: هذا القتل يفتح باب الانتقام!‏

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244