|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
بان يومذاك أن الزعيم لم يستغل وظيفته، وأنه دون بيت، دون مال، تحتاج أسرته راتبه التقاعدي! لم يكسب غير الأبهة والمنفخة! بعد موته ستسرد نفيسة أعماله الحسنة، كأنها تؤكد "لاتجوز على الميت غير الرحمة" مع أنها لن تنسى سيئاته! ساوى بين المرأة والرجل في حق الانتخاب، لكنه ابتكر لنا الاستفتاء بدلا من الانتخابات! فك الأوقاف الذرية! منع جرّ المرأة إلى بيت الطاعة! أخطأ المسكين في حلمه بأن يوحد اللباس مثل أتاتورك! في أيامه القصيرة أنجز احتفالات غنائية وراقصة في نادي الضباط ودور السينما. ورقصت النساء الرقص الغربي، وغنت زكية حمدان وماري جبران، وأقيم مزاد على قلم الزعيم فاشترته التابلاين، كما يقال، وحمل عصى الماريشالية التي أوصى عليها في فرنسا مع أن صياغنا أكثر مهارة في الصياغة! وحرر أرملة فوزي الغزي. سألتها سعاد: هل قصته معها صحيحة؟ يقال ياسعاد إنه التقى بها وكل منهما سجين، هي لأنها اشتركت مع حبيبها في قتل زوجها. وهو لأنه متهم بمال أخذه من دانتز ولم ينفقه على تنظيم مقاومة فرنسة الحرة. وعدها بأنه سيطلق سراحها يوم يحكم سورية. وأطلق سراحها! رأيتها بعيني تزور ابنتها! طويلة ملفوفة بملاءة سوداء لاتكشف حتى وجهها! سألتها منور: ياعمتي، عاد خطر الوحدة مع العراق؟! سيقرر الوفد السوري الذي يزور بغداد الوحدة، فيضيع الاستقلال؟ بدت متألمة وغاضبة. وتمنت: ليت بهاء كان موجودا! نظرت إليها نفيسة وكادت تقول لها: وماذا يستطيع أن يفعل؟ أنعيده ليعيش مصائب أخرى؟ يكفيه ماعاشه منها! قال ابن الكحال لنفيسة مداعبا وقت تحدثت عن سيئات الزعيم: نفيسة خانم، وقعت البقرة فكثرت السكاكين؟ كمد وجهها. ردت: تلك تفاصيل ياابن الكحال! لكن الرغبة باللقاء بإسرائيليين قتلوا أهلنا واحتلوا بلادنا وحرمونا من يافا وعكا وطبرية، جريمة لاتمحوها حسنات! حرموني من زيارة قبر أخي يوسف في حيفا، ومن زيارة قبر فاطمة وقدري في طبرية! قتلوا العرب في سنة 48 فقط؟ بل ظلوا يقتلونهم منذ استقووا بالانتداب. نسينا أنهم قتلوا قدري؟ أراد ابن الكحال أن يضع حتى تلك الجريمة في مكانها الواسع. كي يبرئ الضابط المقتول من الصلة بإسرائيل؟ قال: قطف الزعيم ثمرة أخطاء الزمن. عجز السياسيين، وعجز الجيش غير المؤهل لحربٍ بعد الاستقلال، وانحياز الغرب لإسرائيل وفرضها على العرب كقوة عسكرية محتلة. لكنه كوم أخطاء كبيرة في عمره القصير. أتى باسم مجموعة وتجاوزها. وقع اتفاقيات تمهل المجلس النيابي والسياسيون في توقيعها. وسقط في غرور الحاكم الفرد. قرّب البرازي ورمى الحوراني. جمع أعداءه وفقد حلفاءه. ألغى الأحزاب وسجن السياسيين من البعثيين إلى حزب الشعب. عادى الدروز والقوميين السوريين والاشتراكيين. ولم يفهم أن العراق اتصل ببعض الضباط والسياسيين ومنهم الحناوي وصهره أسعد طلس. كان كمن وضع يده في عش الدبابير عندما سرح صديقيّ الحوراني في الجيش، أديب الشيشكلي وبهيج كلاس. فنبه الحوراني، كسياسي مطّلع، العسكريين إلى ضرورة العمل وإلا ضاعت الفرصة. نقل الحناوي الآليات المتجهة إلى جبل الدروز إلى قطنا لإصلاحها. ومن هناك حولّها إلى الانقلاب. وكان الانقلاب على الزعيم سهلا. اجتماع في مكتب أمين أبو عساف لبعض الضباط. نظموا اعتقال الزعيم من بيته، واعتقال ابراهيم الحسيني آمر الشرطة العسكرية، ورئيس الوزراء محسن البرازي، واحتلال الأركان والإذاعة. قاد مريود وأبو منصور الزعيم والبرازي إلى الأركان، ثم أخذاهما إلى المزة، وأعدماهما. دفنا في أم الشراطيط على طريق القنيطرة. ونقلهما أقرباؤهما فيما بعد إلى مقبرة أخرى. سدد الزعيم والبرازي حسابات كثيرة! سألته نفيسة: بالموت؟ يبدو أن الحياة لاتتسع أحيانا لصبر الغاضبين! منذ انقلاب حسني الزعيم تركت نفيسة صوت الراديو منخفضا من الصباح إلى المساء. تسمعه ولاتسمعه. وكانت حكيمة. فمنه سمعت بلاغات انقلاب الحناوي والشيشكلي العسكرية. قالت منور: لم تنزل قطرة دم في انقلاب حسني الزعيم. لكن الدم سال في هذا الانقلاب! سألتها نفيسة: ماذا تريدين؟ لم يعجبك الزعيم فأزحناه لك! تنهدت منور. ولاحظت نفيسة أن منور صارت تكثر من التنهد. لكنها لم تستنتج أنها فقدت الشعور بالأمان. قالت منور: كأن بلادنا في المزاد! شمر العرب عن زنودهم وشمر الأجانب عنها! اولئك يريدونها عرشا، وهؤلاء يريدون عودة الانتداب! هذا معنى رفض القوتلي والعظم الاستقالة في البداية، وعندما استقالا صاغا استقالته موجهة للشعب السوري. دافع الرجلان عن الدستور. ودافع عنه من رفض الاجتماع من النواب. ففشل الزعيم في الاستعانة بالسياسيين. كانت البلاد تواجه لأول مرة الخروج على الحياة الدستورية التي دفعت الدماء في سبيلها. فحل الزعيم المجلس واندفع في جمع السلطة في قبضته. ولم يتميز بصبر السياسيين. يامنور، كثرت عليه الضغوط. تذكري! وصل في 16 نيسان نوري السعيد وحدثه، كأنه قوة عظمى، عن أحلاف تضم دول الشرق الأوسط، فكذب الزعيم وقال إنه تسلم أسلحة وسيكون القوة الثانية بعد تركيا! رجع نوري السعيد في اليوم التالي إلى بغداد وفي ذلك اليوم وصل عزام باشا الذي تكرهه بغداد ليجرف الزعيم بعيدا عن العراق. وفي 21 زار الزعيم الملك فاروق في مصر. وفي 26 نيسان أطربنا الزعيم بجنونه فقال: "اعتقد سادة بغداد وعمان أني سأقدم لهم تاج سورية على طبق من فضة ولكن خاب فألهم فالجمهورية السورية لاتريد سورية كبرى ولاهلالا خصيبا.. قررنا تقديم الأشخاص الذين يجرون اتصالات بالحكومة الأردنية أو يسافرون إلى ذلك البلد إلى محكمة عسكرية". وقال إنه لايخشى التهديد لأن بريطانيا مع الوضع الراهن وكذلك فرنسا وأمريكا. بعد الظهر في يوم انقلاب الحناوي أعلنت من الراديو سبعة بلاغات. أهمها أن البلاد يقودها مجلس عسكري فيه بهيج كلاس وأمين أبو عساف.. ريثما تشكل حكومة دستورية. وأن المجلس الحربي برئاسة سامي الحناوي القائد العام للجيش حاكم الزعيم والبرازي وحكم عليهما بالإعدام بالرصاص. والوعد بتسليم الحكم للمدنيين. لكن على هامان يافرعون؟ أعدم الحناوي والزعيم قبل قرار المجلس الحربي! وصل الخبر أن فضل الله أبو منصور صفع الزعيم ولامه لأنه سلم أنطون سعادة للبنانيين. من سيفرض ذات يوم كرامة المتهمين والمحكومين بالموت؟ سيبصق على عبد الكريم قاسم جندي من الجنود الذين زاد رواتبهم، وسيعرض التلفزيون رجلا شد شعره وهو مقتول! وسيعرف الباحثون أن سياسيين أشرفوا على تعذيب منافسيهم، وأن قائدا سياسيا طلب الماء قبيل موته تحت التعذيب فشتمه جلاده! وربما سيذكّر ذلك القتل بقتل لومومبا. وسيكون ذلك من الجرائم التي ستسجل في أنحاء الأرض! رفع الحناوي الحظر عن الأحزاب. وأعلن مرسوم أن هاشم الأتاسي رئيس للوزراء مع صلاحيات رئيس جمهورية وسلطات تنفيذية وتشريعية، ريثما تعود الحياة النيابية. وضعت الحكومة قانونا جديدا للانتخابات أعطى الرجال والنساء حق الانتخاب. عينت الانتخابات في 15 تشرين الثاني سنة 949. ظهر رجال حزب الشعب وعادت الدعاية للاتحاد بالعراق. أعلن الحزب الوطني ببيان في 29 أيلول أنه مع الوحدة مع العراق. هل حملته الموجة العامة؟ زار الوصي دمشق في 5 تشرين الأول. تفوق حزب الشعب في الانتخابات وقاطعها الحزب الوطني. برزت مشكلة قَسَم رئيس الجمهورية بعد انتخابه: الولاء للجمهورية أم العمل على تحقيق الوحدة العربية.. يعني مع العراق! في 17 كانون الأول أقرت الجمعية التأسيسية القَسَم لتحقيق الوحدة العربية. وحدد يوم 19 كانون الأول لأداء رئيس الجمهورية القَسَم. فبدت البلاد مرة أخرى كأنها في عشية انقلاب. اقتُرح على الحناوي اعتقال الضباط المعارضين لحزب الشعب، والاتحاد فورا مع العراق. فدعا خمسة من كبارهم إليه ليعتقلهم، فخمّنوا نيته. فرتب تنقلات منها نقل أمين أبو عساف ومحمود بنيان. اتصل أكرم الحوراني بأمين أبو عساف في المدرعات، وأفهمه الخطر. وكان أكرم ينقل رأي الشيشكلي. في 19 كانون الأول قاد الشيشكلي الانقلاب ودعمه البعث وآخرون. سجن الحناوي ثم رحل إلى بيروت حيث سيقتله قريب محسن البرازي، محمد حرشو البرازي، في 30 تشرين الأول سنة 1950 في حي المزرعة ببيروت وهو ينتظر الترامواي. لو سأل طبيب منور: متى شعرت أول مرة بالقرف الذي دفعك إلى قوقعة كقوقعة السلحفاة، لقالت يوم 20 تموز! لكنها لن تكون صادقة. فالروح لاتُظلم دون مقدمات المساء. كانت متماسكة يوم قابلت ابراهيم الحسيني. دافعت عن القوتلي لأن سعاد طلبت منها ذلك؟ بل لأن المصفحات في الشوارع أجفلتها. لم تر سابقا خيلاء القوة العسكرية إلا في أيام الانتداب الفرنسي. عرفت كيف اعتقل خالد العظم: كسروا قفل بيته برصاصة، وأخذوه من غرفة نومه بالبيجاما حافيا وساقوه إلى سجن المزة. رجل وطني، أنقذ بنفوذه وحكمته دمشق من القصف والخراب يوم انسحب الفيشيون ودخل الديغوليون! ألجأ الحكومة إلى بيته في سوقساروجا عندما قصف الجيش الفرنسي دمشق! رئيس وزراء يعامل بهذه الفظاظة؟! صار السلاح أقوى من الدستور والبارلمان والجمهورية! نشر اعتقال العظم والقوتلي الوجوم في حي سوقساروجا، ووخز روح منور. مرة أخرى يعامل سوري سوريا آخر كما كان يعامله المحتلون! نعم، لعل مرض منور بدأ يومذاك! لكن مقاومتها كانت يومذاك قوية! ثم أضافت تفاصيل 137 يوما الذهول والقرف والغضب والأسى والسخرية فأصبحت شعورا بالغربة. وصارت منور تتابع الأحداث من خلال غمامة. الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية! لكن السوريين يمكنوا أن يصححوا ذلك! أما اتفاقية الهدنة فمن يصححها؟ كان يوم 20 تموز يوما فاصلا. فقصدت منور نفيسة كمن يطلب نجدة. وبعد ذلك غاصت في نفسها. كانت الانتقادات على القوتلي كثيرة: تزوير الانتخابات، وتعديل الدستور لتجديد رئاسته، ونهب التجار. وخلف ذلك كانت الاضطرابات قد هزّت البلاد في تشرين الثاني سنة 48 بعد نكبة فلسطين، فقابلت حكومة جميل مردم المظاهرات بالرصاص، فقتل شباب منهم ابن منور، وأعلنت حالة الطوارئ. واستقال مردم وشكل خالد العظم الوزارة. كانت أمام وزارته مباحثات الهدنة مع إسرائيل، والاتفاقيات مع شركات النفط الأمريكية والإنكليزية: التابلاين والآي بي سي. وقع مردم الاتفاقيتين بالأحرف الاولى واستقال. وكان العظم قد تحفظ عليها كوزير للاقتصاد في وزارة سعد الله الجابري. حدثت عندئذ فضيحة الصفقات التي يديرها مسؤول التموين في الجيش. بعد الانقلاب أنجز الزعيم التوقيع على الاتفاقيتين، ووقّعت الهدنة. هل تحدث الزعيم حقا عن رغبته بمقابلة بن غوريون، لكن هذا رأى اللقاء بين وزير خارجيته شاريت ووزير الخارجية السوري؟ عرض الزعيم في مجلس الوزراء في أيار سنة 49 إمكانية أن يأتي شاريت إلى القنيطرة، فرفض عادل أرسلان ذلك وحرّم على أي موظف في الخارجية اللقاء بإسرائيلي. عين الوفد إلى مباحثات الهدنة من فوزي سلو ومحمد ناصر وعفيف البزرة، وصلاح الطرزي مستشارا قانونيا. قيل إن الحسيني نقل شاريت في سيارة عسكرية بملابس ضابط سوري من جسر بنات يعقوب إلى بلودان ليلتقي بالزعيم. وإن شيخ الخالصة، الذي قتلته فيما بعد دورية سورية في الأراضي اللبنانية، توسط لذلك اللقاء. عقدت الهدنة وأصبحت الأرض التي يحتلها الجيش السوري أرضا منزوعة السلاح بإشراف دولي! لمن تشكو منور هذه المصيبة التي لاتستطيع ردّها؟ قالت لنفيسة: ياعمتي، خسرت سورية ماحررته من فلسطين! ووقعت اتفاقية التابلاين التي كسبت منها الشركات البريطانية، مع أن بريطانيا كسرت ظهرنا في فلسطين! كأن الانقلاب حدث كي ينجز هذه المصائب! من منا لم يكن يحلم بتحرير فلسطين من المستوطنين الغرباء؟! وهانحن نعترف بهم بالهدنة! ردّت نفيسة: يامنور، هذه ليست رغبتي ورغبتك، هذا أمر مفروض علينا! خلال تلك الأحداث بدأت منور تغرق في الصمت. حتى بدا لنفيسة أن منور لم تعد تشعر بما حولها. تابعتها نفيسة بهدوء طبيب يفحص مريضة لكنه لايستطيع شفاءها. كانت منور تستعيد مقابلتها ابراهيم الحسيني، ذلك الشاب الذي عرفته طفلا. وتواجه الأسئلة التي لابت في نفسها يومذاك وشغلها عنها الاستقبال الذي خصّها به، والاحترام الذي عبر به عن إخلاصه للماضي. تذكرت طرف وجهه المتجهم الذي لاقى به همسة حاجبه، والناس الذين ينتظرون حظهم في دخول مكتبه، والمرافقين، السكرتير، أجهزة الهاتف على مكتبه. أمعقول أن يبتعد الحاكم إلى هذا الحد عن شعبه؟ ومن هؤلاء المسلحون المنصوبون على بابه؟ هل تبعتها نفيسة في الممرات التي تاهت فيها؟ أرادت أن تقول لها: يامنور، قبل انقلاب حسني الزعيم كنا نرى رجال الحكومة منا، لنا عليهم حق التقويم. كانوا من الرجال الذين ألفناهم في أيام مقاومة الاحتلال، ومنهم من سجن. لذلك كان أي رجل يشعر بأن من حقه أن يقصد بيت القوتلي أو العسلي أو أن يلتقي بسعد الله الجابري في فندق "الاوريان بالاس" ويستطيع أن يدخل الهافانا أو البرازيل ويقول رأيه للحوراني أو الأتاسي أو للصحفيين. انقلاب حسني الزعيم أنهى ذلك الزمن. ابتعد الحوراني وصار الزعيم سلطة تشريعية وتنفيذية. قابل الزعيم رجال السفارات ورجال المخابرات الإنكليز والأمريكيين، وخصّ السفير الفرنسي بمعاملة متميزة. وأحيانا استقبل رجال الدين الذين لم يجسروا على الاعتراض على مالمسه في قانون الأحوال الشخصية، بعد تمثيليته أمامهم. الزعيم ضعيف لأنه أتى بانقلاب. طلب السند في اتفاقية مع العراق لكنه فهم أن لنوري السعيد موّاله، وللوصي عبد الإله حلمه بعرش سورية فطلب السند من مصر. قالت لها: اسمعي، يامنور! أنا وأنت في زمن حائر. تجرفه موجة من نوري السعيد وطموح الوصي إلى عرش. وموجة من طموح عبد الله في سورية. وموجة من مصر والسعودية اللتين تعارضان الهاشميين. نحن بين أحلام أمريكية وأحلام إنكليزية! أحلام دول تتداخل فيها أحلام الطامعين بعروش. هل تظنين أن حزب الشعب بعيد عن هذه الحيرة؟ يردد حزب الشعب حقيقة أعرفها من السوق: مصلحة سوق حلب في الموصل والعراق! لكن رجال هذا الحزب يفهمون كره السوريين نوري السعيد والوصي! ولابد أنهم يذكرون تطوع السوريين في ثورة الكيلاني سنة 41. ليس سياسيو حزب الشعب أغبياء! لكن لعل بعضهم يظن أنه سيأكل الطعم وينجو من السنارة! استمعت منور إليها جامدة. وأقلق نفيسة أن البريق باهت في عيني منور. أسدلت منور نظرتها إلى حضنها. قالت: ياعمتي، يقلقني الناس! انقلبوا إلى مطبلين ومزمرين! كأني كنت أعيش في بلد آخر ووصلت الآن من السفر! غضبت نفيسة من خيبة منور: اسمعي، عشتُ أكثر منك وأعرف أكثر مما تعرفين من الدنيا! وجد غورو من يسرج نفسه له ويجر عربته بدلا من الخيل. كان يراد بتلك المسخرة أن يقال إن دمشق استقبلته ورحبت به وإن رجال ميسلون كقطاع الطرق! شجعه الأذلاء على زيارة ضريح صلاح الدين ليقول له هاقد عدنا! لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ أطلق الرصاص على غورو، ولوّعت الثورة المحتلين! تنهدت نفيسة كأنها تعود إلى زمن الثورة: قلتم إني كنت أجمع بيانات الثورة كأني قائد عسكري! ربما جمعتها لأني أردت أن أؤكد لنفسي أن بلادي لاتستكين! سرحت نفيسة. وغمرها الأسى. ليتها امرأة ضعيفة كي تطلق دموعها فتستريح! تنهدت. فتلك الأيام أيام شبابها، أيضا. أيام حبها خالد آغا الذي أعلنته لنفسها بعد مقتله في ميسلون. شفيت من حزنها؟ لايشفى الإنسان أبدا من فقد المحبوب! لكنه يستعيد نفسه. وقد استعادت نفسها بعد سنة طويلة، يوم جلست في الأموي وتأملت الفسيفساء واستمعت إلى العصور الطويلة وشعرت بأنها عابرة من العابرين الذين حزنوا مثلها. وأمسكت بالروح التي تصوغ منهم مايشبه ذلك الموزاييك. لكن نفيسة كانت محظوظة بابن الكحال الذي حرسها من قرب. منور وحيدة، وحيدة! دون رجل كابن الكحال يراقب حزنها ويهبّ إليها عندما يتجاوز الأسى الحدّ الذي يرهق الروح ويمتنع الشفاء منه. كادت تقول لها اكتشافها: الحزن ضرورة للروح، ينقّيها ويغسلها بدموعه، يجعلها مؤهلة للقرب من الآخرين، وينزلها من مرتفع الانتصارات المغرورة، ويمنعها من وهم الأقوياء الذين يتصورون أنفسهم عصاة على القهر طول العمر! لكن لكل عاطفة حدودا يجب ألا تتجاوزها. هناك قدرنا ومهارتنا، الانسياق في عواطفنا ولجمها! هل تستطيع أن توصل إلى منور اكتشافها المتأخر الذي مارسته طول عمرها لكنها لم تفكر به في جملة تضعها أمامها؟ كم مرة قالت منور لنفيسة قبل أن تسقط في الصمت: سأسجل ياعمتي يوم العشرين من تموز سنة 1949 كيوم حزين! تراجعنا فيه عما ربحناه بدم متطوعينا وضباطنا وجنودنا! ياعمتي، كبسنا الملح على الجرح وقلنا تقدم السوريون خطوة في أرض فلسطين، ولو خسرنا مدنها العربية! ذاق إحسان كم ألماظ القهر في صفد يوم استلمها ساري الفنيش فتنبأ إحسان بسقوطها. ثم ضاع إحسان في سمخ. وبقي بهاء في الجليل. ثمن تلك الخطوة إذن دم أعزائنا فكيف يتركها حسني الزعيم للصهيونيين؟ اتفاقية الهدنة خيانة! فحصت نفيسة منور بنظرة طويلة. لماذا تحمّل روحها هذا المقدار الكبير من الهمّ؟ لكن هل تستطيع أن تلومها؟ سلّم الزعيم لليهود مستعمرة مشمارهايردن. فماذا أخذ السوريون مقابل الأرض التي سلمها؟ ياعمتي، هذا يعني الاعتراف بإسرائيل التي احتلت بلادنا! فكرت نفيسة في السوريين الذين وقعوها: العقيد فوزي سلو، المقدم محمد ناصر، النقيب عفيف البزرة، الحقوقي صلاح الطرزي. هل تتهمهم بالخيانة؟ لا! أجبرتهم الدول على الهدنة! لكنها تأملت أمرا آخر. فالقرار الذي قد يكون حكمة قد يكون خيانة. ينفذه موظفون أو ضباط. فأين الحدود بين الأوامر وبين الموقف الذي يرفضها؟ أين الحدود بين حق مجموعة أو دول في أن تفرض واقعا على أجيال قادمة تمتنع العودة عنه؟ وحق المجموعة، الناس، الشعب، في أن يرفضها؟ هل تفكر لأول مرة في أن التوقيع اعتراف خطر! يتمهل من يوقع عقد بيع وشراء، أفلا يتمهل من يوقع اتفاقية مع عدو، ألا يستشير شعبه؟ ينتخب الناس المجلس والحكومة ليديرا الحياة، لكن القرارات الكبرى تحتاج العودة إلى الشعب! فمن عاد إلينا؟ قالت نفيسة في سخرية: انتظري ياحبيبتي! قبل الاستقلال كان السياسيون يحتاجون الشعب. أما بعده فهل سألنا جميل مردم رأينا؟ ألم يأت حسني الزعيم لأن التجار بلعوا أقوات الناس وسكتت على ذلك الحكومات الوطنية؟ أية دروب عبرتها منور لتقف مقابل هذا الجرح؟ يامنور، كل شيء موقوت بزمنه! لايوجد قفل للزمن! إذا حرسنا روحنا من التصدع عشنا حتى أيام الرد! وياحزن من يموت قبله! لكن الاتفاق مع شركات النفط الإنكليزية ومرور أنابيب النفط في سورية دون مكسب لنا خطأ كبير من أخطاء حسني الزعيم! لم يحترم الزعيم اقتراحات فتحي الصقال التي تضبط الاتفاقية مع التابلاين! لا، ياعمتي! هذه اتفاقات تلغى ذات يوم! لكن الإشاعات عن لقاء الزعيم بإسرائيليين عار لايمحوه غير رد في مستواه. وأين ذلك الرد والزعيم محاط بالمتزلفين والمداحين! ربما كانت نفيسة تتفادى أن تلمس أمام منور مارأته نكبة كبرى. أن يجسر ضابط سوري على الحلم بلقاء مسوؤلين إسرائيليين. مثل هذا الأمر لايخفى على الناس. تهامسوا في مقهى سوقساروجا: قال الزعيم في مجلس وزرائه يريد اليهود مفاوضتنا مباشرة، ويمكن أن يرتب اجتماع بيني وبين بن غوريون. وقال لوزير الخارجية لامناص من الاجتماع بشاريت! لم يفهم هذا المجنون أن بن غوريون لايلتقي بعربي دون أن تكون التنازلات التي لايملك الزعيم مثلها جاهزة! هذا ليس نوري السعيد تطلب منه اتفاقية على الورق! هذا مستوطن خبيث ذو مشروع في فلسطين كلها! يقال إن عادل أرسلان حرّم على موظفيه اللقاء بأي إسرائيلي، لكن ابراهيم الحسيني نقل شاريت بملابس ضابط سوري في سيارة عسكرية سورية إلى بلودان حيث التقى به الزعيم بحضور الحسيني وسعيد حبي وصلاح طرزي! وبعد ذلك عقدت الهدنة في خيمة بين مشمارهايردن والجاعونة في 20 تموز! يقال لولا صمود فوزي سلو ومن معه لوقعت الاتفاقية كما أرادها الإسرائيليون! قد تغطى الخيانة بعد موتنا بصيغ أخرى. لكن لنعلن في حياتنا أن الاتصال بإسرائيل التي طردت الفلسطينيين من أراضيهم وذبحتهم في دير ياسين وسعسع خيانة! رطّب قلب نفيسة مانقله لها ابن الكحال: لاحق الملازم أكرم طبارة وثلاثة جنود سوريين الجاسوس كامل حسين شيخ الخالصة الذي يقال إنه توسط بين حسني الزعيم والإسرائيليين. خلال الملاحقة قتلوه في أرض تتداخل فيها بلاد الشام، سورية ولبنان وفلسطين. بدت خطوة في أرض لبنانية فسبب ذلك مشكلة. اعتقلوا وأغلقت الحدود اللبنانية. انتعشت نفيسة. قالت له: هذا هو الجيش السوري، وليس الزعيم! لكن ابن الكحال هز رأسه: تساءلي معي لماذا أراد الزعيم معاهدة دفاع مشترك مع العراق قبل مباحثات الهدنة؟ ليقوي موقفه أمام الإسرائيليين! قد ينفي عنه هذا تهمة أنه تمنى الاستسلام لإسرائيل! هل سيكون ابن الكحال حيا يوم يكتب الحوراني في مذكراته عن امرأة أوصلها إليه كمال جنبلاط، والحوراني مختف في بيروت في بيت سري؟ قالت له المرأة إنها زوجة كامل حسين، واقترحت عليه أن يلتقي بإسرائيليين. سألها الحوراني: كيف عبرت الحدود؟ فروت له أن رجال الحدود على الجانبين يعرفون من هي ويسهلون مرورها. عندئذ خطر للحوراني أن يتصل بالشيشكلي، مع أنه هارب منه، لينبهه إلى خرق إسرائيلي يحدث في الأرض العربية! لم تكن اتفاقية الهدنة صدمة لمنور فقط. ومع ذلك لم تكن كما تصورتها. وسط النكبة التي نزلت بفلسطين استطاع السوريون بالبطولة لابالتفوق في السلاح، أن يحتفظوا بقطعة من أرض فلسطين، جنوب الحولة، التي اتفق العرب على تحريرها للشعب الفلسطيني. بدأت مباحثات الهدنة في 12 نيسان، وأصر الوفد السوري على الاحتفاظ بتلك الأرض العربية التي وضعها قرار التقسيم في الدولة اليهودية. فاقترح الوسيط الدولي أن تصبح منزوعة السلاح مع جزء مما احتله الإسرائيليون. وهكذا أصبحت في اتفاقية الهدنة منطقة منزوعة السلاح، وربط احتلالها بإعلان الحرب! لذلك قالت نفيسة يوم قتل الزعيم: سبب قتله لقاؤه بالإسرائيليين! فردّ ابن الكحال: وهناك سبب آخر! نفذ القوميون السوريون قتله انتقاما لقائدهم! وأرادته جماعة العراق! أتى الزعيم بانقلاب. وربما لم يكن سهلا أن يصمد في اللقاءات بسفراء دول عظمى يفهمون أنه دون غطاء شرعي. تناول منهم رغبتهم في "إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي" وجعل ذلك هدفه. لم يتذكر أن العرب لم يخترعوا ذلك الصراع بل اخترعه من احتل أرضهم وطردهم منها! حضرت سعاد بعض لقاءات ابن الكحال بنفيسة ومنور. ولاحظت أن منور تسرح كأنها تصغي إلى نفسها أكثر مما تصغي إلى من حولها. لكنها تظهر أنها كالمرأة الشامية التي أكملت عمل النهار واستسلمت للمساء. تعرف سعاد أن المرأة الشامية تزوّق نفسها في المساء لتستقبل الزوار. تغسل عنها بماء الصيف البارد روائح الطعام وتعب المطبخ. تختار ملابسها وتتأمل نفسها في المرآة. تمشط شعرها الطويل وتغرس فيه وردة حمراء قطفتها من أرض الدار، وتمشي بقبقابها المصدّف على رسوم الحجارة البيضاء والسوداء حول بركة الماء. تدفع إلى صدرها حفنة من الياسمين، وتجلس قرب البحرة مكشوفة لنسيم المساء ولسماء تتلون بالأزرق المخضر في مكان وبالنيلي في مكان. وتستمع إلى رعشة الدوالي وفوح الفل. فيجدها زوارها نضرة كشجرة بعد المطر! ولكن هل أنتِ مثلها اليوم يامنور؟! لن تغشيني! أتت سعاد في الصباح، لتفحص أختها منور دون تزويق المساء. فوجئت بها منور. فقدمت سعاد حجتها: كنت مارة قرب بيتك فقلت لنفسي أطل عليك. ماعندي غير دقائق! كانت منور في تلك الأيام تقاوم هواجسها بالطبخ. فوجدتها سعاد مشغولة بمطبخها ورائحة ورق العنب تفوح في البيت. لمن هذا الطعام؟ عندك مدعوون إلى العشاء أو الغداء؟ كان يمكن أن أساعدك! ردت منور: جئتِ في وقتك! خذي هذا الصحن من فتة المكدوس! هذا طعام لن تطبخي مثله! ليلى لاتحب الباذنجان! وخذي هذا الصحن من البُرك! لن أعطيك غير صحن صغير من ورق العنب لأن ليلى تحبه! نقلت سعاد نظرها بين أنواع الأطعمة. كانت صغيرة يوم علّمت أمها حواء المهجّرة من طرابلس الغرب الطبخ! وقهرت به حواء حزنها على أهلها وبلادها. فهل تلتمس منور هذا الدواء بعد عقود من السنوات؟ ماأعجب الدنيا! سألتها: من سيأكل هذا الطعام الطيب؟ ردت منور: في الشام عادة "مساكبة" الجيران! تظن منور أني لاأعرف هذه العادة؟! آه أيتها الكاذبة! في الشام تقدم كل جارة صحنا من طعامها للجارة المشغولة بالغسيل فتجتمع عندها أنواع من الطعام! ماعملتِه غير ذلك يامنور! عملتِ وليمة لن تذوقي منها لقمة! دفعت سعاد إلى هذه الزيارة في الصباح إشارات منها كلمات ليلى: تجلس منور معي إلى طاولة الأكل لكنها لاتأكل! ليلى صادقة! أين حمرة خدي منور، وأين بشرتها المعافاة؟ تحت عينيها زرقة توحي بليالي الأرق! لكن كيف تعبر سعاد هذه المسافات الرمادية وهذه الصحاري التي تحصّن منور بها نفسها وتبعد بها من يقترب منها، فتذيقه العطش والجوع قبل أن يستطيع أن يقول لها كلمة! قالت منور وهي تلفّ صحن البرك بكيس من الورق الأبيض: في طريقك ناولي هذا الصحن لعمتي نفيسة. تحب البُرك! فهمت سعاد إشارة منور: انصرفي! نهضت. لم العتب؟ ألم تقل لمنور إنها لن تبقى غير دقائق؟ انصرفت سعاد وبقيت منور بين صحونها. كان بهاء يحب أن تكون الطاولة غنية بصحون المقبلات والمعجنات والخضروات بالزيت. يحب البُرك بالجبن، البُرك الرقيقة المنفوخة المذهّبة. كان يثني على كل لقمة يذوقها كأنه يعبّر لمنور عن حبه دون حرج. فتفهمه وتكتم ابتسامتها. كان يقول لنفيسة: منور كنز، منور كاملة تجمع الجمال والذوق. يعبق كل ماتلمسه، الشراشف معطرة بالطيب في خزائنها، الفلّ والياسمين يفوح من ملابسها! ويخيل إليه أن للنظافة رائحة عطرة تهفّ عليه كلما فتح الباب ليعبر الممر إلى أرض الدار. تواجهه الأرطاسيا بألوانها الزرقاء والصفراء والزهر حيث يجلس في المساء. فيلتفت إلى منور في امتنان: فكرتِ يانوّارة حتى في مرمى النظرة؟! لكن لمن هذا الطعام الذي أعدته؟ للغائب الذي لن يعود؟ عبرت روحها في هذا الصباح بحار الضوء وبحار الظلمات. اندفعت في الطبخ وسددت المهارة التي تعلمتها في طرابلس وبيروت وحيفا وطبرية ودمشق، والتي تعلمتها من الأتراك الذين تركوا طعامهم في بلاد الشام. وأضافت إليها ذوقها واجتهادها. اندفعت مشغولة بعملها. ثم رتبت الصحون على طاولة المطبخ وجلست على كرسي مقابلها. وضعت كأسا صغيرا مقابل المكان الذي كان يجلس فيه بهاء. لمن الكأس؟ لمن لن يشرب منه؟ كثيرا ماكان يخيل إليها في هذه الأشهر أن بهاء حي فتخاطبه. تتحدث إليه وتسمعه. وتجد نفسها أحيانا تبتسم، وأحيانا تكتم ضحكتها. سألته: لماذا كاد يغضب ابن الكحال منها، على قلة غضبه؟ رد: ألم تنتبهي إلى ماقلتِه له؟ كان يتحدث عن رجل شهد بالزور. فتدخلتِ أنتِ وقلت: لكن هذا الرجل مستقيم وطيب. فارتعش ابن الكحال: يعني أنا كاذب أم أني لاأفهم؟ آه لم تنتبه إلى ذلك. ضحكت، وأخفت ضحكتها بكفها: لم أقصد ذلك يابهاء! يانوارة، كأنك قلت لابن الكحال أنت لاتفهم، مع أنه يعرف الرجل الذي ذكره أكثر مما تعرفينه! في تلك الأيام كان هيجان من الفرح يجتاح منور أحيانا. تهمد بعده كأنها استنفدت فيه قوتها. طبخت بسرعة وهوى في ذلك الصباح وأنجزت وليمة فاخرة. فتنتها أنواع الطعام وكأنها قالت لبهاء: تفرج! كأننا في بيروت وقد دعوتَ أصحابك! ثم تركت الصحون على طاولة المطبخ، والكأس الصغير الذي كان بهاء يحب أن يشرب به وانسحبت إلى غرفتها. وجدتها ليلى جالسة على السرير تحدق في يديها، غارقة في نفسها. لم تنتبه منور إلى ليلى التي فتحت الباب بمفتاحها. ولم تنتبه إليها وهي تمشي في البيت باحثة عنها. رأت ليلى أنواع صحون الطعام لكنها لم تجد على الطاولة صحنين لها ولأمها. حدث ذلك لأول مرة في حياتها. كانت منور تتلقاها عادة من الباب وتنتظرها حتى تغسل يديها، وتتابع الدقائق التي تخرج فيها من الحمام لتجلس إلى الغداء معها. فماذا جرى اليوم؟ مشت إلى أمها بخطوات هادئة. كأن منور لم تنتبه إلى ليلى حتى عندما اقتربت منها. فوجئت بها فارتعشت وهبّت واقفة: أتيتِ؟ في المطبخ تبينت منور أنها لم تضع صحنين على الطاولة المزينة بأنواع الطعام! فساعدتها ليلى كأنها لم تنتبه إلى غياب منور عنها. لاحظت ليلى أن أمها لا تأكل إلا لقيمات. فصارت تراقبها. وصارت في المساء تقاوم نعاسها فتنهض من سريرها بخفة وتحاول أن تلتقط صوتا من هدوء البيت. تراقب باب منور المفتوح على الظلمة. لاصوت! فتعود إلى فراشها وتغرق في نومها. كانت منور في تلك الأيام تشعر بثقل جفنيها فتنهض إلى فراشها. تظن أنها ستغفو مذ تضع رأسها على الوسادة. لكنها تنتفض صاحية. وتبدأ صراع الليل. تحاول أن تستعيد النعاس. تحاول ألا تتحرك كأنها نائمة. ثم تتقلب في فراشها كمن لايطيق الحر. تضبط حركتها وتهدئ نفسها، وتنشغل بالسياحة في ماضيها. وتعود منه فتتذكر التفاصيل التي لم تنتبه إليها، فترتب طرف الخزانة الذي نسيته، وترتق الستارة، وتتذكر أنها لم تكمل للفران في الحارة ثمن الخبز التنوري. لكنها خلال أرقها لاتشعل الضوء. تستسلم لاضطرابها فتتقلب من جانب إلى آخر كأنها تبتعد عن شوكة في فراشها. ثم تحاول أن تتصور أزهارا لتعدها. ثم تسخر من هذه الطريقة في إبعاد الأرق. تقول لنفسها لماذا يجب أن أتظاهر بأني لاأعاني من الأرق؟ فلأنهض! لكنها تتذكر ليلى فتقول لنفسها: لا، حرام! وتعود إلى الدوران حول أرقها. ثم تنتفض غاضبة: لست حرة حتى في الأرق! وتحس بثقل ابنتها المحبوبة. لكن تلك الأيام لم تكن متماثلة. في البداية كانت تستحضر بهاء. بل كان يحضر بنفسه! تمد ذراعها فيخيل إليها أنه يمسك بها وتلمس الشعر على سلاميات أصابعه. تتذكر كلامه ويخيل إليها أنها تسمعه. يهبّ قلبها وهو يلمسها. فترفع رأسها وتضعه على ذراعه. تتذكر التفاصيل التي عاشتها معه. كيس الفلّ الذي حمله لها في بيروت! الجوارب الحريرية التي اشتراها لها بخمس ليرات ذهبية! لوعته في أيام هجرها! تستقدم حتى يوم رأته وهي واقفة على السلم قرب عريشة العنب في حيفا، صاعدا الكرمل إلى بيت أبيها. تتذكره في البيت الذي يقع على سور طبرية ويطل على البحرة. يتأملها وهي مرتبكة وماء البحرة ينسفح من الشرفة ويبلل السجاد. تتذكر اليوم الذي طبخت فيه أول طعام في بيتها، وأول حلوى. أضافت السميد إلى الحليب فكان المزيج جامدا فأضافت الحليب، فماع، فأضافت السميد. فشلت فجلست وبكت. وجدها بهاء حزينة. قالت له: أريد أن أعود الليلة إلى بيت أبي في حيفا! ماذا جرى؟ خمّن السبب عندما مر بالمطبخ. قال: أشتهي يامنور لبنة وخيارا وبندورة! مارأيك في أن نأكل طعاما خفيفا؟ لم تتذكر مااتهمته به في أيام هجرها، حتى جاءت أيام الغضب عليه. من يستطيع أن يلحقها في تلك الدروب السرية التي تقطعها في الليل! لاتستطيع هي نفسها أن تعود على الطرقات التي تتقاطع هنا وهناك، فبعضها كالأزقة المسدودة في دمشق! كان الصباح يعلن عنها أحيانا بنوبة فرح لم تألفها ليلى في أمها. أو بحزن تبدو منور غارقة في أعماقه المظلمة. بقيت إشارة وحيدة إلى صحة منور في تلك الأيام هي أنها تحضّر الحليب والشاي وصحون اللبنة والجبنة والبيض والمربى والمكدوس فتجدها ليلى جاهزة على طاولة الفطور في الصباح. فتلتقط ليلى تلك الإشارة وتطمئن على أمها. لكن ليلى وجدت نفسها كالتائهة يوم عادت من المدرسة فوجدت أمها جالسة على الفراش جامدة. كأنها في منعطف لاطريق بعده. اجتاح ليلى شعور بالخطر. وقتذاك وعت أنها فقدت أباها وأخاها وقد تفقد أمها وتصبح وحيدة في الدنيا. لاحظت المعلمة أسى ليلى في ذلك اليوم بعد عودتها إلى المدرسة بعد الظهر، فاستبقتها: ليلى أريدك أن تساعديني بعد الانصراف! بدت هذه العناية من المعلمة سندا لليلى أمام زميلاتها. ارتفعت الأصابع: وأنا مستعدة لمساعدتك! لا، أريد ليلى اليوم! دوركن في الأسابيع التالية! سنعمل الكاتو معا! كانت غرفة التدبير المنزلي في ذلك البيت العربي في طرف أرض الدار المزروعة بشجرة وارفة من اليوسف أفندي، وبشجرة ليمون. هناك تحتفل التلميذات بتحضير الكاتو والبسكوت. وهناك كانت تصفّ اللوحات التي تعرض أحيانا في الدروس. لوحات من الكرتون عليها رسوم أسماك مدهشة الألوان سجلت أسماؤها باللغة الفرنسية. عليها رسوم جسم الإنسان ومافيه من شرايين وأعضاء مدهشة. عليها أزهار غريبة وأزهار معروفة. أو طيور سجلت أسماؤها أيضا باللغة الفرنسية. لكن المعلمة لم تذهب مع ليلى إلى تلك الغرفة في طرف أرض الدار. بل أجلستها مقابلها: ليلى مابك؟ ابتلعت ليلى ريقها وهربت بنظرتها. تذكرت زيارة معلمات المدرسة لبيتها بعد استشهاد أبيها في فلسطين. لم تعانقها معلمتها يومذاك بل شدت يدها بقوة: ياليلى، تعرفين لماذا أضع على صدري وردة سوداء؟ قتل أخي في العراق سنة 1941. كان مع المتطوعين الذين هرعوا إلى بغداد ليدافعوا عن ثورة رشيد عالي الكيلاني والضباط الأربعة. لذلك كنت الاولى في دار المعلمات! أنت ياليلى ابنة شهيد من شهداء فلسطين! بعد اليوم لايمكنك أن تكوني إلا الاولى في الصف! فهمتِ؟ هزت ليلى رأسها يومذاك! سألتها المعلمة: ياليلى، نسيتِ اتفاقنا؟ ذكرنا يومذاك الدروس فقط، لكن المقصود كل شيء، كل شيء! رفعت ليلى نظرتها إلى المعلمة. وتذكرت النشيد الذي تعلمته منها في الصف: "حققوا آمال غازي، وحدة تحيي الأمل، حققوها بالمواضي، وانجزوها بالعمل"! من هو غازي؟ ملك قتلوه في العراق لأنه كشف في إذاعته من قصر الزهور أن الإنكليز يغرسون الصهيونيين في فلسطين! فلسطين التي تصف منور بحرها ومدنها! فلسطين التي طردت منها خالتها وأخذ بيتها يهود غرباء، بولونيون أو تشيك أو روس! فلسطين التي ترك بهاء لأجلها ليلى، رغم حبه لها حبا لايقاس به شيء، وبقي هناك! هزّت ليلى رأسها. عانقتها المعلمة: ليلى، أنا مثل أمك. إذا احتجت شيئا تذكري أني موجودة! بيتي مقابل المدرسة. تعرفينه. زرتني مع التلميذات يوم كنتُ مريضة! في ذلك المساء تأخرت ليلى عن وقت العودة إلى البيت. لو حدث ذلك في يوم آخر لرأت أمها واقفة في النافذة في انتظارها! ولكانت "العصرونية" جاهزة على الطاولة! فواكه أو عروسة لبنة فيها ورق النعنع، طيبة، طيبة! لكن ليلى وجدت منور جالسة على طرف فراشها تحدق في يديها. وضعت ليلى محفظتها في غرفتها، وخلعت صدريتها. تنهدت ومشت إليها. وقفت أمامها وحدقت فيها. انتفضت منور: أتيتِ؟ بقيت ليلى واقفة مقابلها. وخيل إليها أنها ترى نقطة ميتة في عيني منور. نعم، هناك موت لم يكتمل في عينيها بعد، غياب، نأي، بدأ يقتحم العينين الحيتين الزرقاوين الرماديتين. توغلت ليلى في العينين، كأنها تريد أن تمسك بتلك النقطة الميتة وتقبض عليها وترميها. في أية لحظة صرخت ليلى باكية: يامنور، لاتموتي! لاتموتي! ضربت بكفيها كتفي منور كأنها توقظها من موت يقهرها، أو من غياب يجرّها إلى ظلماته. هزّتها: يامنور، لاتموتي! وصل صوت ليلى إلى منور عبر تلك الظلمات، وشعرت بكفين صغيرتين تهزانها. تنفست كمن يطلب هواء لايجد منه حاجته، وتنهدت مرات كمن ظل يبكي حتى شحّ الهواء في رئتيه. ثم شعرت بقلب ليلى يخفق على صدرها بسرعة، بسرعة. فوصلها هول الرعب الذي تشعر به، الرعب الذي لابد أن تكون كتمته عن أمها زمنا طويلا. هل شدّتها دقات قلب ليلى، بقوة خيط رفيع من الحرير، فبدأت تعود من الطرقات التي تشردت فيها أياما طويلة، وبدأت تخرج من الظلمات التي غرقت فيها، وتعود من الغياب الذي بدأ بإغراء استعادة حبيبها المقتول في الجليل، ثم أغرقها في بحر الظلمات ففقدت أطياف الحبيب البعيد وفقدت الحقيقة الموجودة أمامها: ابنتها؟! عانقتها ليلى بقوة كأنها تريد أن تحتفظ بها، كأنها تريد أن تبعد عنها الموت الذي رأته في مكان صغير من عينيها. ستتذكر منور مرات كثيرة حرارة عناق ليلى وقوة ذراعيها! وستظل تسمع دقات قلب ليلى على صدرها، الدقات الخائفة التي استعادتها من صحراء التيه الكبرى وسرابها! اطمأنت ليلى عندما بدأت منور تلمس شعرها وتربّت عليه كما كانت تربّت عليه في الأيام البعيدة. وعندما شعرت بأن عناق منور ليس أقل من عناقها لها. عندئذ تركتها وجلست قربها. ثم رأتها تهتز إلى الأمام والخلف مرات. ياليلى، يبدو أن الروح تمرض أيضا! ربما كانت روحي مريضة طوال هذه الأيام، وربما نسيتك فيها! ربما فهمتُ أني مريضة لكني لم أستطع منع نفسي من المرض! سأشفى ياليلى! ليس المرض حقا لكل إنسان! نحن دون هذا الحق ياليلى! قدرنا أن نبقى من أول العمر إلى آخره أصحاء! لذلك اقفلي على ماجرى الباب واتركيه بيننا! لاتقولي حتى لسعاد أو نفيسة عنه كلمة! لاتخافي علي! سأشفى بهدوء. تحمليني بعض الوقت! نظرت ليلى إلى عيني منور كأن المرض والصحة هناك. نظرت إليها كطبيب يفحص مريضه، أو كأم تفحص ابنتها. لمست بكفها خد منور. نعم، يبدو أن نقطة الموت بدأت تزوغ مبتعدة. هزّت ليلى رأسها كمن يقول لمنور: سأنتظر عودتك! سألتها: ماما، هل أحضّر لك عصرونية؟ لمحت ليلى طيف ابتسامة على وجه منور. تذكّرها بالعصرونية التي أهملتها؟ نهضت معها: سأشرب ملّيسة وتحضّرين لنفسك العصرونية! لم يخفَ على سعاد أن منور تغلق روحها دونها. زارت نفيسة وتحدثت معها عن منور. استمعت إليها نفيسة وفكرت في قدر بلاد الشام. ماأحلى هذه البلاد، ماأطيب هواء الأمسيات بعد أيام الحر! ماكان أحلى الليالي التي قضتها مع خالد آغا وابن الكحال في الليوان! مع ذلك حكم عليها بفقد خالد آغا المقتول في ميسلون. ياسعاد، بماذا يصيب الروح قتل الحبيب؟ يمزقها؟ يوجعها؟ يشردها؟ ينزع عنها الأمان! يفقد البيت أنسه، ويعذبنا بالمكان الذي بقي لنا من المحبوب، بملابسه التي نحفظها كأنه سيعود ويلبسها، بالهواء الذي تركه لنا ولم يعد يشاركنا فيه! تبدو الحياة فراغا بعد فقده، فلانرغب بشيء! نفقد بعده حتى الرغبة بالحياة! كأن لم يعد لدينا ماننتظره، ولم يعد لدينا مانتذوقه، ومانفاجأ به! لايموت الحبيب فقط، بل يموت بعضنا معه! ثم نبدأ بالشفاء! فنبحث عن سبب للحياة. تمر أشهر وربما سنوات ونحن نعيش الحياة كواجب، وكضرورة لمن بقي لنا من الأحياء. لم تجتز منور بعد هذه المضائق المظلمة. ماتزال تصارع أعاصيرها! هل نستطيع أن نساعدها؟ يجب أن تشعر بأننا حولها، وبأننا ننتظرها. هذه امرأة لا تشفى إلا بقرارها. ستجد دواءها بنفسها. تعرف منور كل كلمة يمكن أن نواسيها بها! وإذا لم تجده ياعمتي؟ نتركها تضيع منا؟ ياسعاد، ذات يوم فقدتُ صديقة عزيزة علي، ضاع عقلها، ضاعت ذاكرتها. ومن كانت؟ امرأة شجاعة هرّبتُ معها السلاح للثوار! لذلك يقول الناس: اللهم أحسنْ آخرتنا! ياعمتي، تلمحين إلى أن منور ستضيع؟ ياسعاد، منور قوية، لكن دعيها تستنفد حزنها وعتبها. لم تولول عندما وصلها خبر موت بهاء! لم تولول يوم قتل معتصم! وطوال أربعين يوما بعد المأتم لم تبك! وبعد الأربعين لم تبك! تحتاج قوة خارقة كي تهمل حق الندب والبكاء الذي تركه إرث طويل تفيد منه الثاكلات والأرامل! اتركيها الآن تؤدي واجب الحزن على الموتى! سنبقى حولها كمن لايعرف بصراعها مع أشباحها. إياك أن تلمسي جرحها! اسمعي كلامي ولاتتمني فقد الأحبة حتى لعدوك! ستشفى منور لأن ليلى معها. لاتتركي ليلى، لكن لاتتجسسي على منور بليلى، وإلا فقدتهما معا. أمس أرسلت مرجانة إلى منور لتأتي بليلى كي تذوق زنود الست التي تحبها. وقبل ذلك طلبت ليلى لتذوق المهلبية. أخذتها مرة إلى الأسواق معي، وجلسنا عند بكداش في سوق الحميدية وأكلنا كشك الفقراء وكعكا. ليلى أمانة بهاء وطريقنا إلى منور! مارأيك في أن تطلبي من منور أن تذهب معك إلى سوق الحميدية لتنتقي قماش ثوب لابنتك؟ إذا رضيتْ سأذهب معكما! تذهبين معنا؟ هل ذلك قليل ياعمتي؟ من خلال رقائق شفافة كضباب جبال لبنان لمحت منور انتباه سعاد إليها، وزيارات ليلى إلى نفيسة. والتقطت نظرات سعاد الفاحصة. لكن ذلك مر كما تمر الأطياف من تول الناموسية في ليلة مقمرة. تلمحه كظلال بعيدة عنها، وتقول لنفسها: فيما بعد سأفكر فيه، فيما بعد سأفحصه، أما الآن فيجب ألا يمنعها عن الانصراف إلى الذهاب والإياب على طرقاتها المعتمة. تساءلت منور فيما بعد متى حدث ذلك. وقدرت أن مرضها واكب الانقلابات في سورية. لا، لاتستطيع أن تحدد البداية بالمسطرة! فيوم ذهبت إلى ابراهيم الحسيني كانت تبدو صحيحة وقوية، لكن ألم تنسلّ الدودة السوداء إلى روحها قبل ذلك؟ خلال الصراع بين الاستسلام لفقد عزيزين، وبين مقاومة الحزن كواجب نحو حبيبتها الباقية ليلى؟ قالت دهشة: يالعالم الروح الواسع والجاف كالصحراء، النديّ المتشابك بالظلال والخضرة كغوطة دمشق! كأن كل مافي الكون في الروح، تحتوي عناصره بمقدار ماتتسع، فتستقدم العواصف والزهور والمروج والمياه والجبال الجرداء! ستقول لليلى يوم تصبح شابة: حتى شجرة التين وشجرة الزيتون موجودة في روح الإنسان! حتى العبق والروائح ونافورة الماء موجودة فيها! لكن أكانت قادرة على معرفة ذلك وهي غارقة في سراديب ضيقة تعصر روحها؟ مع ذلك أرّخت منور، فيما بعد، مرضها بالانقلابات العسكرية في سورية! ألأنها كالبلاد، فقدت الأمان؟ كانت تسمع مايتناقله الناس عن لعب وزراء القوتلي بالإعاشة وترك الحبل على الغارب للتجار. وتعرف أن صاحب مقهى سوقساروجا صار يسمع رواده من أهل الحي "كوانات" سلامة الأغواني، فيضحك الجالسون ويرددون: الله، الله، يسلم فمك ياأغواني! فيؤكد لهم صاحب المقهى: لاتلائم زمن الحرب فقط، بل زمن مابعد الاستقلال! فوق ذلك من يستطيع ألا يسمع هدير نكبة فلسطين في روح الناس؟ بدا اللاجئون الذين كانوا أصحاب أراض وحواكير وبيوت كمشردين في خيام نصبت في حديقة المنشية خلف نصب الشهيد المجهول! طردوا بالثياب التي عليهم. تركوا وراءهم صورهم، وأوراق الطابو، ووثائق الزواج والشهادات. ووضعوا في المدارس والجوامع في دمشق وحلب وحمص. قال بهاء لنفيسة يومذاك: احتلال فلسطين وإعلان إسرائيل على أرض عربية نكبة للعرب كلهم! جرح سيبقى مشتعلا طوال القرن إذا لم نوقف هذا الظلم العلني! ستدور أحداث القرن كله يانفيسة خانم هناك، كي يتسع الاحتلال ويبلع مابقي من فلسطين، وكي يعترف العرب بأن تلك الجريمة شرعية، إذا لم نضع حدا للاحتلال الآن! فهل كشف بهاء لمنور نبوءته كما كشفها لنفيسة؟ ففهمت أن اتفاقية الهدنة التي وقعت في زمن انقلاب حسني الزعيم مع إسرائيل تعني أن هذا البلد المخترع المفروض على العرب بالقوة وبخيمة الاتفاقيات بين الدول العظمى، سيعمق أسسه حتى تتحقق نبوءة بهاء؟ ألم يجرحها، كزوجة مقاتل استشهد في الجليل أن يتنازل حسني الزعيم عن أرض فلسطينية حررها السوريون؟ تذكرت نفيسة أن منور قالت لها في آخر زياراتها: لو انتصروا في فلسطين كنا تحملنا الفساد وسرقات التجار! أما أن نتحمل الهزيمة هناك والهزيمة هنا، ويبقى كل شيء كما كان فلا! وألف لا! هز انقلاب حسني الزعيم البلاد. وكان يفترض أن ترحب به منور لأنه أنهى الحكومات التي سددت إحداها الرصاص على الطلاب المتظاهرين فقتلت ابنها! لكنها لم تحتفل بانقلاب حسني الزعيم. ولم يغشها أنه جمع سياسيين معروفين، وأعلن بالراديو بيانات حلوة! وأن مرافقه هيثم كيلاني ومعاونه بهيج كلاس، ووزير الخارجية عادل أرسلان. سمعت القصيدة التي ألقاها أبو ريشة في الثامن من أيار في سينما دمشق في عيد جلوس الملك فاروق على العرش وحضره الزعيم. وحارت بين أولها وآخرها! قال في مطلعها: ولاح قائدها المأمول فالتفتت إليه وانطلقت بالشعب تأتزر وقال في نهايتها: ياللرئاسات كم غرت مفاتنها وكم كبار على إغرائها صغروا ناموا على بهرج الدنيا وماعلموا أن الفراش على المصباح ينتحر لكن منور منذ رأت الدبابات في الشوارع، نفرت : مكانها ليس في وسط البلد! هل كانت تدين الزعيم الذي استند إلى قوة من القنيطرة وحرض الضباط في الجبهة؟ أكانت تتوقع أن تنزل قوات من الجبهة فيما بعد أيضا في انقلاب آخر! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |