على قيد الخوف رسالة إليك ـــ ميسون جنّيّات

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول

لستُ أدري أمن الحكمة أن ألتجئ إلى قلم أترجم به أحاسيسي، في وقت لا يُدينك فيه سوى قلمك. فاقتراف الكتابة، مثل تعاطي الأخبار، لن يضيف إليك سوى تبعثرٍ على تبعثرٍ، فتجد نفسك أكثر فوضى وشتاتاً.‏

ما سأرويه، يصلحُ لأن يكون لكلّ زمن، ومسرحه كلّ بقعة من أرضنا المفرنجة، وشخصياته أنا وأنت، هو وهي، وإن سألت من أنا..؟!‏

أنا جزء منك ومنه ومنها... أنا ما لم تستطع أن تقوله زمن الكلام وما تقوله دائماً زمن الصمت.‏

صدّقني أنا لا أدّعي الحكمة ولستُ تابعة لأي مدرسة فلسفيّة. أنا قصة من هذه الحياة اليوميّة.‏

إنني أكثر من عادية، أبحث عن الحبِّ المطلق، أزرع شتلاته أينما رحلت، وأحيا على أمل صمودها في وجه أعاصير الأيام.‏

وفي كثير من الأحيان، أشعر أنه لا وجود له سوى في قلبي، وأحياناً كثيرة أجد له ملامح في كل مكان..‏

كلنا يسأل لماذا خلقنا، وكلنا يظنّ أنه وجد الجواب. و الحقيقة أننا لم نصل حتى إلى سفحه. فالجواب أعلى من أن يطال، ودائماً لا تصلكَ سوى أنصاف الحقائق مهما بالغت في الإلحاح عن إجابةٍ لها.‏

ودائماً هناك دوافع مخفيّة لا نبوح بها، تبقى هي الحقيقة الغامضة التي نتلذذ بإخفائها.‏

ما سأقوله أيضاً له أكثر من دافع، ستفهم أنت ما توده، وتدعي أن لغتي لم تصلك لتفهم النصف الذي لا تودّه..‏

ما يربطنا هو فقط ما يتقاطع من لغتي مع حسك، ومن حزني مع خيبتك، ومن أنوثتي مع شهوتك، ومن غبائي في البوح مع ذكائك في الفضول، ما ستسمعه قد يكون ضرباً من الجنون أو من الصحوة أو لعله هذيان أحزان.. فعندما تحزن تثبت للإنسانية أنك جدير بالبكاء. وعندما تفرح تضحك عليك الإنسانية.‏

فمن أيّ نافذة تطلّ على الفرح، لتجد نفسك في مكيدة للبكاء أيضاً...‏

أنتَ تصلح للتهكم ولمقايضة الدنيا بدموع ساخنة، خاصة عندما تعي أنك سليل عائلة عاش أمواتها زمن الخوف والجوع والاستبداد.‏

أي ابتسامة زارتْ وجهكَ وأنت تقفُ على هاوية الأمل الكاذب كحد الجرح آن يتماثل للنزف، وكحد الوقت آنَ يشفى بالنسيان.‏

انظر إلى أكف البساتين المتعبة، ترى أنها تقيم الصلاة على خرابها وتبكي بثمر لا يطؤها إلا سراب من مطر حزين، فكيف تضحك على صدورها سنابل أو أشجار أو رجال؟!‏

لا يسعني وأنا أرى خرابة بكل هذا التأذّي إلا أن أسخر من تفاؤل أجدادي بالآتي وأجدادي شديدو الإخلاص لأجدادهم، فتخيّل كم عاهة يحتمل هذا البلد.‏

ـ بلدتي قرية كبيرة، توارثت عن أجدادها حنكة النميمة.‏

زارتها الحضارة مؤخراً بأشرطة الفيديو وأجهزة التلفاز، لكنها ظلت محتفظة بكل عاداتها، أقصد بكل أمراضها فتلك الأجهزة لم تزدهم سوى ساعات ماجنة، يبقون طوال الليل يتأملون أجساد الغرباء، وطوال النهار يلعنونهم، وكأن تلك الأجهزة لم تُخترع إلا للفساد ولإضافة سلبيات أخرى على رداءة أخلاقهم.‏

لماذا لا يفطن أحد لوجود الله إلا في معرض الحديث، لماذا لا يكون شيوخنا قدوة تحملنا من مستنقع يائس إلى هضبة نائية أو تحمينا من شياطين لا تسكن إلا في خرافاتنا ومنازلنا المعتمة..‏

ولماذا يرتجف صوت المؤذن ظهراً أو يقطر دماً عند الفجر، ولماذا لا يجرؤ أحدنا على الصرّاخ إلا في منزله وعلى من يستحق المؤازرة؟‍!‏

زمن أغبر من سابقه وأحزن من تاليه، لأننا فيه لا نجيد سوى البكاء وترتيب الأحلام حسب صراخ الأب والزوج.. والمختار.‏

بلد قايض بمفكريه أسلحةً لدمار الباقي.‏

واشترى ما يلهي الأغبياء، اشترى صوراً لنساء الغرب يتباهين بأثدائهن أمام شهوة الكبار والصغار، المذبوحة على رائحة الأحلام.‏

بلد توأد فيه الأنثى لو عرفت أنَّ لعَرقِها رائحة الدّعوة. ويداس فيه الرجل لو سمح لقلبه أن يقوده إلى أنثاه.‏

بلد يستسلم للعرّافين كي يَقْبَل الزوج بقرته وكي تَقْبَل الزوجة بغلها..‏

ولدتُ في صفصافة على خد ساقية خلف رابية عجوز، عرفت فيه نغم الترقرق وصراخ الرق. وعرفت فيه أنني لو أردت الحياة فيجب أن أبقى الأعلى ولو على تلة الجثث التي نأكل لحمها كل يوم.‏

قرية خلف إحدى الروابي وعائلة خلف جدار الجهل، كيف يهرب والدي من نظرة الشفقة في عيون الجوار فبيته لا يحوي إلا النساء، أمي وأختي ميس وأنا، رولى وهو الديك الوحيد فوق هذه المزبلة.‏

أدرك والدي أنه في ورطة طالما أنَّ خلفته بنات، وعرف حجم الكارثة لو أن أثداءهن تشامخن إلى حدّ النهوض بالقميص إلى أحلام الشباب، ووالدي بحكم تجارته يعرف الثمين من الرخيص فقرر الرحيلَ بكل مخاوفه إلى بلد لا يعرفُ عن ثرائه سوانا أنا وأختي.‏

وكعادته حمل في ذاكرته كل شوائب البلد وتدثّر بنسيمه ذات صباح وغادره باكياً.‏

سافرنا إلى بلد ضاع فيه والدي (بيروت) فلو بقي بسرواله لصار أضحوكة الشارع. ولو خلعه لبقي طوال عمره يبكي على نفسه، وكأنَّه خان كل من تركهم خلفه. ظل والدي ستة أشهر يشعر بالبرد أو بالخوف.. لست أدري لكنّ صوت نحيبه في الليل كان يقول أنه يشعر بالضياع..‏

لم تكن أمي مثله وكأنَّ النساء أقدر على التلاؤم مع المحيط، أو لعلهن أكثر نسياناً، ومع مرور الوقت كان أبي يستسلم لقرار البحر.‏

صعب على من عاش موارباً خلف الهضاب أن ينفتح مباشرة على المدى. والبحر!! أستاذ يعلمكَ كل يوم حكمة من أسراره تفاجأ أنه قد لا يكررها ثانية.‏

بيروت تلك المؤهّلة لأن تكون جنة الله على الأرض تخشى من عبادها غير المؤهّلين للإقامة فيها.‏

وتخشى من رائحة الجهل القابعة تحت رؤوسنا.‏

ومن رائحة الجبن العفنة التي تسكن عباءة والدي، ويرفض أن يرميها وكأنها التاريخ الذي يربطه بكلّ البقر هنا.‏

كي يهرب من ذاته أكثر فاجأ أمي بالرحيل إلى البرازيل على ظهر سفينة يعمل عليها بأجرة نقله إلى هناك. ولم يحدد موعد العودة وكأنه يخيّرها بين العودة إلى قريتنا وبين العمل لتأمين حياتنا.‏

فهمتْ أمي لغز التحدّي لكنها فضّلت الصمت ككل نساء الشرق على مواجهة الخوف القابع في عينيه، وعلى هروبه من المسؤولية، ومن نحيب ابتعد أخيراً مع بوقٍ قاسي النبرة، كركاب السفينة.‏

نسيتُ شكل أبي مع الأيام وبقيتْ أمي تحفر صورتها في مخيلتي. كيف تشتري حاجات نساء المبنى، كيف تحمل أكياس القمامة، وكيف تشطف الأدراج، وكيف تحوك الثياب، وكيف.. وكيف.. كبرنا على حساب تعبها. وأبتْ تعليمنا إلاّ في مدارس أجنبية. تضحك أمي من لكْنَتِنا لكنّها تضّمنا دائماً كمن يحتفي بجائزة عالمية. ومن حظّنا كان الجمال يتوّجنا كل يوم في أعين العابرين والمقيمين في مبنانا، لدرجة جعلت أمي لا تغادرنا لحظة، خاصة أختي ميس التي تصغرني بثلاث سنوات.‏

ميس الغندورة، هكذا كان لقبها، يندى الورد لو مرت ميس قربه. إنها قصيدة تمشي على قدمين. وكي تحافظ أمي عليها أكثر أدخلتها معهداً لتعليم رياضة (الكراتيه) مما جعل كل فتيان وفتيات الحي ينتسبون إليه.‏

وأمي التي تسأل البحر كل يومٍ عن سفينة ينعقُ فيها بوم الغياب وتأخذُ الأمواج دموعها لتضفي على البحر ملوحة الحزن، ثم ترمي بصوتها إلى صخور اليأس، ويعود الزبد حاملاً معه هلام الذكرى.‏

أمي ما كنتُ أظنُ بعد هذه السنين أنكِ أقوى من النسيان.‏

يكفي نداء عليه وإن عاد فماذا سيضيف لنا سوى نميمته المتأصّلة.‏

يذهب إلى الغرب ويعود حاملاً قصصاً لا تعني أحداً منا سوى تمضية ساعات من الزمن يتثاءب القمر فيها على سرد حكاياته.‏

ـ بيروت ونيسان عاشقان منذ طفحتْ خدود شواطئها بحمرة الشمس بيروت ونيسان لوحة لا تقاوم مشاهدتها كل صباح ومساء.‏

يتململ فيك الحزن حتى ترميه وتهرع إلى مصاحبتها بحثاً عن مضاجعة وقت لا يملّك.‏

في منتصف التأمّل، وأمي ترتّب بكاءها على شباب مضى، يعلن التلفاز عن وصول سفينة من البرازيل بعد خمسة عشر عاماً.‏

ينزل والدي سلّم السفينة مرتدياً بدلة بيضاء ويحمل حقيبة دبلوماسية سوداء وفي يده الأخرى قبعة تقول: إنه رمى تاريخه في عَرض البحر قبل أنْ يغادر.‏

صرختْ أمي: إنه هو والدكم. تسمّرتْ أمام التلفاز الذي يعرض كبار المستقبلين وتعليق المذيع عن تاجر البن الكبير العربي الأصل الذي يزور بيروت بعد غياب طويل.. والذي سيدعم الاقتصاد المحليّ بمشاريع كبيرة.‏

انهارت أمي على أريكتها الصّبورة لا تدري ما تفعل..‏

هل تبكي أم تضحك، كل ما فيها يهذي، إلى أن حالفها الإغماء واسترخت. نظرتُ إلى ميس، كانتْ تقيسُ بشغب مقدار الشوق في حركات أمي وتُلقي بعض التعليقات بدهشة حيناً، وبفضول أحياناً.‏

وكانت تراودني دموع ثم تختفي دون إرادة مني، فأنا لا أقوى على ترجمة مشاعري إلا بالهروب.‏

مسكينة أمي.. فقياس المسافة بينها وبين والدي بات صعباً. ولكن ليس بقدر صعوبة أن يرانا بهذا الشكل.‏

فاته الكثير من تفاصيلنا ولم نكُ ننوي قبل اليوم أن نعرف شيئاً عن تفاصيله إنه ببساطة نذر نفسه للغربة.‏

الآن عرفت لماذا لم تغيّر أمي مسكننا كل هذا الوقت، ليدخل علينا حاملاً شوقه وآماله وأمنياته ويرمي لنا بما يحمل من متاع متّسخ وببعض الهدايا التي يظن أنها تسدُّ جوعنا إلى الأبوّة، وكأنّ الأب هديّة بعد طول هروب. رششتُ على أمي ماء الزهر لتصحو وأمي لا ترش إلا بماء الورد والزهر. تماثلت إلى اليقظة وتساءلت:‏

هل حضر والدكما؟.‏

ليس بعد.. ما زالت تعاند دقات قلبها، إلى أن سمعنا صوت الجرس، هرولت ميس لتفتح الباب، تسمّرت أمي في مكانها، إلى أن دخل بكامل شوقه وبعنفوان رجولته، يختصر الزمان بكلمات بسيطة! ويقول:‏

ها أنذا قد عدت كيف حالكم؟!‏

أول من ركض إلى احتضانِهِ أمي، فما كان منه إلا أن قال: (عيب البنات هنا). وقعت أمي أرضاً تلملم خيبتها، وتخلع له حذاءه؟!‏

وتقول: تعالين يا بنات قبلن والدكما.‏

تعالت أصوات ضحكاتنا المدوّية مع شهقات أمي اليائسة ونحن نقول أوه "نو" "إمبُوسِبل".‏

صعب عليك أن تصف حزنك بالمقتضبِ من الدموع وصعب عليك أنْ ترسم ابتسامة على شفاه القهر.‏

إن يخذلك القدر، فتلك صفعة لم تكُ تتوقعها لكنك لا بد ستستسلم لحزنها رضيت أم أبيت.‏

أما أن يخذلك من تحبّ تاركاً ظهرك لكل طعنات الغدر فلا بد يوماً سيستفزك جرح وتغلي في شرايينك كل الطعنات دفعة واحدة.‏

وهذا ما جعل أمي تستذئب فجأة خاصة بعد أن رأت مجلّدات الصور وعشرات الفاتنات يقفن قرب والدي كاشفات الرأس، عاريات الصدور والأفخاذ.‏

يأتي إلى هنا متأبطاً مجلّداته ليقول: (عيب البنات هنا)!!‏

كيف تقبل أمي كلّ هذه التنازلات دفعة واحدة، وهي من ركنت أنوثتها خمسة عشر عاماً على الرف لتعمل كآلة مبرمجة من الصباح وحتى يهدّها التعب كيف؟! وهي من مزّقتْ من عمرها أروع الصفحات.‏

صفحات الشباب ورمت بها في موقد الغياب يتناثر رمادها يوماً فيوم.‏

أظن أن أمي ما عادت تعرف كيف تمسك مشطاً، أو تضع في عينيها كحلاً أو حتى ترتدي ثوباً مغرياً. صارت تخجل من نفسها لو فعلت ذلك.‏

وأظن أن أمي على طول الهجر عادت عذراء. فهل تراه الآن سيعود إليها. ينقر على ثدييها طالباً جرعة حنان أو شهوة، وأمي وزّعت حنانها علينا صارتْ تحلم لو أنها تضع رأسها على صدر يفهم بالفطرة عودة الأنثى إليه. إلى السند.. إلى الحائط الذي يحمي انهيارها. لكنّ المشكلة أن أمي كان تسند جداراً من الوهم تخاف في كلّ لحظة أن يخفي ظلها تحت الرفات.‏

وأبي يُكْبر أمي فينا كلما رآنا نتفتل في حُجرات البيت. كانتْ دموعه تحكي.. لكننا لم نعتد أن نرى رجلاً في بيتنا، كنا نتصرّف بحرية أكثر لا نحسب حساب عُرينا. نخرج من الحمّام بعد أن نوْدع أصوات غنائنا هناك. و لكن بعد قدومه صارت المسجلة مبحوحة الصوت، والتلفاز غائرَ النظرة، ولا يسمح لنا إلا بالأخبار.. صرنا أكثر تحفظاً من ذي قبل. حرّمت علينا أشياء كثيرة مثل (الإنترنت) ومحادثة الأصدقاء والدخول على مواقع محظورة.‏

حتّى الكتب التي كنت أعشقها وأسبح معها في عوالم أخرى صارت تخضع للمراقبة. يسمح لي بقراءة الكتب الدينية والجغرافية والتاريخية. أما الكتب التي تتحدث عن الفلسفة والحب والحياة وقصص المغامرات والقصص البوليسية. فهي حسب اعتقاده صارت خارج المنزل. الحمد لله أنه لا يدري بما يحويه صندوق سريري من ممنوعات رائعة عن نزار وعن الروايات العالمية والعاطفية لو كان يدري على ماذا أنام، لكان اعتبر نومي فعلاً أشنع من الزِّنا.‏

آه يا أبي لو أنك تتعلم لغة (الإنترنت) لكنت أكثر سعادة مع أمي وأنت يا أمي كم ينقصك من الجرأة لتقتربي من جهاز الكمبيوتر تخافين منه وكأنه أحد أبطال الروايات الخرافيّة في قريتكم.‏

متى تخرجون من القمقم متى تتحرًّرون من الآخر فيكم، وترمون خوفكم في سلة الماضي متى يتحوّل الآخر إلى سند لا إلى قيد.‏

خلعتَ يا أبي سروالك الخارجي، يبقى أن تخلعَ سروالك الداخلي، وتخرج من عقدة القطيع.‏

كيف أقولُ لك بكل صراحة إنني إنسان يعشق ويحب ويرغب. ولست مضطرة إلى كبت كل ما أحبّ لأنه لا يوافق اعتقاداتك وأنا منذ أتيتَ أحتال على الظروف لرؤية وليد، أضعته مني برفضك الجائر له. أرجوك أن تفهم أنني اخترت وليداً حبيباً وزوجاً وأتمنى أن تبارك ارتباطنا لا أن تهدم بلحظة ما بنيناه سنين.‏

حتى ميس حطّمتَ قلبها. كَسَرْتَه مئة شظيّة فأنت لا تدري كم تحب فؤاداً. ففؤاد كان الدّم الذي يسري في عروقها كان الهواء والسّماء. قتلتَ أجمل حلم داخلها..‏

كيف تقبلُ أن تحطّم قلبين، وتبيع الحبّ بأرخص ثمن، أو بلا ثمن وتقبل بزواجها من ذلك التّاجر وترسلها إلى بلد آخر. كم يكوينا الجهل بجمر العناد.‏

زوجتها لمن تراه أنت أهلاً لها مالاً ومركزاً. لكنها ليستْ سعيدة. كم يرهقنا ويقتل مشاعرنا عقل من عقول التجار؟! كلما حاورتك أشعر أنني أدق بإزميلٍ على صخر من صوّان.. العناد غباء ولكنك تبدو أكثر غباء لو حاورتَ عنيداً.‏

استسلمنا لقرار والدي بزواج ميس من ذاك التاجر الذي لم نعرف عنه سوى مظاهر الثراء وتلك الأموال التي يرشّها على أختي ليسحب منها ابتسامة.‏

غادرت أختي إلى دبي بلاد الذهب الأسود. لم تقطعنا أبداً من رسائلها واتصالاتها ولهفتها. ولم تشهد أيضاً ذاك الحادث المشؤوم لوالديّ.. تركتني أعاني هول المصيبة وحيدة.‏

كان والدي حديث التعلم على قيادة السيارة، وعندما قرر أن يقوم برحلة بين الجبال، تدخّلت أمي لتحسم قدرها. لأول مرة أرى أمي بهذا الإصرار، وبهذه الرغبة، علماً أنني حاولت إغراءها بمسرحية رائعة للرحابنة أو بحضور مهجران شعريِّ أو حتى فيلمٍ في إحدى دور (السينما) أبتْ كل ذلك. أظنّها كانت تودّ أن تعيد ذكرياتها الأولى مع والدي. ما كنت أظن أنّ حتفها على كتف طريق في الجبال.. انفجرتْ السيارة وتفحّمت الجثتان.‏

لم أستطع النظر إليهما عندما بلّغتني الشرّطة. تعرفت فقط على رقم السيّارة وعلى حقيبة أمي الجلديّة التي سلمت من الحريق.‏

ولم أستطع أن أخبر أختي ميس إلا بعد مراسم الدفن وبعد أن استطاع لساني أن يعيد ذاكرة الكلام..‏

وليتني ما فعلت. فشهقتها فجّرت في كياني كلَّ الأحزان وصوت ارتطامها على الأرض جعلني أصرخ وأنادي. ولكنّني لم أعرف عنها شيئاً سوى بعد يومين حيث حادثتني من المشفى وهي أكثر انهياراً مني.‏

تعلّمنا بعض المحن أن نكون أقوى، هكذا نظن، وهي في الحقيقة تكون قد صلَّبتْ جزءاً كبيراً من أحاسيسنا. حتى نموت ونحن واقفون، نمشي كالأشباح لا نرى شمساً ولا شجراً ولا حياة. من يشغله عالمه الداخلي لا يرى خارجه، ومن يشغله ما هو حوله لا يفطن في بعض الأحيان إن كان سعيداً أو حزيناً، جائعاً أو متخماً، وهكذا مع مرور الوقت تحوّلتُ إلى تمثالٍ أو آلة، أستيقظُ بنظام. أذهب إلى عملي، أعود لأنام. أدخل مرحلة الإفراغ. أنام لأشحن من جديد.‏

وأنا في غمرة أحزاني في زاوية منسيّة تحت ركام الأيام، انتشلني رنين جرس الباب من ضياعي. كنت أقلّب صوراً ورسائل وأنبش في الماضي بحثاً عن إحساس يؤنس وجعي، عاود الرنين إصراره. أحقاً مازال جرسنا يعمل؟!‏

أسعدني سماع صوته حتى لو كان لعابر سبيل.‏

قمت أتمطّى من سبات الحزن، أنتعل ومضة حسٍ عابرة، وإذا بأختي ميس بعد غياب سنة ونصف، بقامتها، بلهفتها، بدموعها. بذراعيها، أشهد أن الوطن كان ذراعي ميس وحضن ميس.‏

مازلت لا أصدق عيني..حملتْ حقائبها. رمتْها في زاوية ميّتة ثم خلعتْ حذاءها ومعطفها. وبدأتْ تنادي أمي.. أبي ها أنذا قد عدت. كانت جدران البيت تهتز. كما كانت أعصابي قد أصيبت بنوبة زلزالٍ فجأة. ثم أخذتْ تتحدث بصوتٍ عالٍ ليسمع الأموات.‏

قالت: كيف يجرؤ الموت على أن يأخذ أعزّ من لدينا ويتركنا هكذا للفراغ؟! وكيف تستطيعين العيش هنا مع كل هذه الوحشة؟! مع هذا القبر؟! لا يسمى البيت بيتاً إلا بأهله. صار قبراً لكلّ ضحكاتنا. لكل ذكرياتنا!!‏

أشمّ رائحة أمي في زوايا المكان.. لكنني لا أرى سوى غبار غيابها وانطفاء الموت!!‏

رمت بنفسها على سرير أمي وأجهشت بالبكاء، وأنا ما زلت أفك عقدة لساني ودهشتي وأعيد إلى ذاكرتي تلك الأبجدية، وأحاول النطق لعلّ لساني فقد صلاحيّة الكلام.‏

ـ ميس أنا هنا أشتاقك جداً. أحتاجك جداً.. يكفي، وحاولي أن تستجمعي قواك. سأُعِدُ فنجاني قهوة بينما تخلعين ثيابك، فردّتْ : فنجانا قهوة فقط اثنان يا رولى؟!!‏

تجاهلتُ قصدها وهرعتُ إلى المطبخ، وبعد أن عدتُ وجدتها نائمة وشاحبة.. جلستُ أتأمّلها، كم كانتْ رائعة!! حتى بحزنها رائعة.. سبحان الخلاق!!‏

في الصباح أيقظتني برائحة قهوتها، وبرائحة صابونها وعطرها، وبرائحة الأرض التي تسللتْ من نافذة خجولة تردٌّ لنا عبق الأموات.‏

تحادثنا طويلاً وفهمتُ أنها أتت لتقيم معي بعد أن أنهتْ علاقتها الزوجية بسلامٍ وتراضٍ، وأنها لن تعود أبداً إلى تلك البلاد المحمومة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244