|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:22 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني بعودتها عاد إلى جفوني الكرى, وعاد إلى دمي دفقه, وعاد إلى حسي بعض الدفء. شعرتُ بأنني المسؤولة عنها. ألستُ الكبرى؟ لا شعورياً صرتُ أقوم بدور أمي. وبعد فترة لاحظت ميس أنني أشبهها بجميع حركاتي وسكناتي, بحناني وتفانيّ المطلق. لكنها لا تدري أنها السبب الأعظم لوجودي. هي من أعطتني هذا الدافع لأحيا, ومن أعادتْ البسمة إلى وجهٍ كان قد حنّطه اليأس. أحاديثها المشوّقة أعادت إليّ الانفعال, وحزنها في بعض الأحيان كان يحفّزني, فأقوم بأعمالٍ ما كنت أظنّ أنني قادرة عليها. فمثلاً اليوم طلبتُ من لؤي زميلي في العمل محادثتها على الهاتف. ولؤي يحبها حقاً وكان قد طلب مني يدها لكنها لا تراه.. لا ترى إلا فؤاداً. البارحة كانت ميس متوعكة, وطلبتْ مني اصطحابها إلى الطبيب. وبعد أن خرجتْ من غرفة المعاينة تشاغلت عن سؤاله ودسّت دمعة في جيب منديل متعب ومضتْ دون إجابة. ما زالت ميس رغم طلاقها غاية الرجال ومحطّ الأنظار. ترشقها النساء بنظرات الحسد, ويرشقها الرجال بنظرات الإعجاب, حادة الذكاء وحادة الطباع. فعندما سألتها ما قال الطبيب قالت: كلام تافه مثله تماماً, ومثل هذه الدنيا أيضاً. بعد نزولنا حاولتُ استنطاقها ولم أُفلح لم تنطق سوى بضع كلمات: أسرعي قليلاً سيارتكِ مثل سلحفاة عجوز. دخلتْ مسرعة فرنين الهاتف عجّل من خطوتها. رفعت سماعة لاهثة وقالت: آلو نعم. ـ أحبّك.. بُهتتْ.. صمتٌ اغتال أسلاك الهاتف. ـ تابع أحبّك ميس.. أشتاق إليكِ أحتاجك قربي أرجوك قولي نعم. ـ أهلاً سيد لؤي.. ـ سيد لؤي ياه أشكرك على هذا الاحترام أقول أحبك لتقولي سيد لؤي. ـ عفواً أرجوك لو كان لديك ما تقوله قل ويكفي تجريحاً. أنا من أجرّح.. لا ليس لدي أكثر مما قلتْ. ـ حسناً إذاً رافقتك السلامة. أعادت سمّاعة مذبوحة إلى مكانها, وانهارت فجأة على كرسي اعترض على ثقل جلستها بإصدار بعض الطقطقات الخفيفة, ثمّ قالت: كيف أُفهم من حولي أنّ الجليد بركان يغلي وأنني حرّة في اختياري هذه المرّة. ومتى يفهم فؤاد أيضاً أنني لا أقبل المساومة على كرامتي, وأنّني لستُ رقماً في سجلّ مفكرته, أو صفحة يكتب عليها ذكرياته كلما أحبَّ المتعة. سأكون تاريخه يا رولى وغداً ستعلمين كيف يكون الحبّ تاريخاً. هل تُراني أعاقبه بإهمالي له بعض الشيء أم أعاقب نفسي؟! فقلت لها: اتركي له فسحة من التفكير يا ميس. ردّت الكارثة تكمن في الحريّة وغياب الرقيب. لست أدري تتقاذفني الأفكار كريشة منهكة من إعصار. ـ سياط الزمن قويّة. ـ الأقوى حِبال اللاءات يا رولى. ـ اعتذرتْ لتغيّر ملابسها. بدأتْ تفكّ أزرار القميص. أظن أنّها الآن تبكي لفراق جسدها, وأن الحاجات بدأت تترامى لتحظى بملامسة جسدها. فاتنة أنت مثل الربيع ومثل حوريات النعيم. في الصّباح أيقظها المنبّه. أخرستْ رنينه بإصبع متعب واستجابت فوراً لليقظة فالطّبيب طلب منها تحليلاً سريعاً للدّم. ارتدت قناع الحزم وأغلقت خلفها كل الأفكار وغادرتْ إلى مصيرها وبدأتْ تحادث نفسها. لن أيأس ويجب أن أُشفى. ففؤاد يحتاجني قويّة جميلة وإن كان زوجي طلّقني لظنّه أنّني لا أنجب. فغداً سأنجب من حبيبي ما يشتهي يجب أن أبقى بذات الألق. نتيجة التحليل قد تأخذ راحة بالي عدّة أيام ولكن لا بدّ من مواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية. بعد التحليل خرجتْ متثاقلة, وفجأة لمعتُ في ذهنها فكرة أن تشرب معه القهوة.. دخلت ممراً طويلاً وهي تقول: إنه هنا. رائحته تصلني. عطره ينعش رئتي مثل نسيم الشوق, وهذه الأغنية هي ما يجب سماعها حال وجودنا سويّة. ـ دخلتْ كاللص لتسرقَ لهفته, لكنّ ما حصل سرق عقلها. ـ مُنى؟!! أنت هنا. قالتها بذهول ثمّ أضافت أين فؤاد؟!! ـ إنه في الحمّام. ـ نظرتْ ميس إلى فنجانين من القوة مشروب نصفاهما وتساءلت في نفسها أيكون ارتشاف الشفاه أدعى للصحوة أم للسكر؟! فما كان منها إلاّ أن تركتْ المكان وهي تتمتم بألفاظ سيئة وشياطين العالم تتقافز أمام عينيها, وتحادث نفسها بلوم شديد: ـ غبيّة.. أنتِ غبيّة يا ميس جئت لتفاجئيه ففاجأك القدر. تركتِ لأجله مالاً ومركزاً وجاهاً. تركتِ من يحبّك ليعاقبك القدر على عذابه بذات الطريقة. نزلتْ على سلمٍ هوى بها من قمّة اللهفة إلى قارعة الجنون, مع قمّة الشوق إلى وحل الواقع. كانت دموعها تركض قبل قدميها, ورائحة المكان تنذر بالنتانة.. كيف تنقلب الأمور فجأة دون إشارة أو إنذار؟!! دخلت بيتها منهوكة الدمع, مقهورة الخطوة إلى سريرٍ ما زال يحلم باحتضانها إلى الأبد. لم أكُ أدري ما بها. تجاهلتْ وجودي, أو لعلّها لم تحسّ به أصلاً. كنت أراقب اختلاجاتها وشهقاتها. أنا أعلم مَنْ وراءها, لكن لا أعلم السبب المباشر لها, وأعلم أيضاً أنّ أحلامها وهم. لكنني أشفقت على النعجة المذبوحة من السلخ. كان بإمكاني قول أشياء كثيرة عن فؤاد أثناء غيابها. لم أكن أنقل لها سوى ما تحبّ سماعه في الغربة عن أحباء تركتهم. كيف.. أقول لها إنه أكثر من مرّة حاول مغازلتي وملاطفتي وأشياء أخرى؟! كيف أقول لها إنه مدمن نساء, وصيّاد متعة, وهي ذاك النوع الخاص جداً الذي يسكره؟!! كيف أقول لها إن ما تعتبره عشقاً هو بمنتهى البساطة قمّة الرذيلة؟! كلما مرّ قربي أشعر بأنه يستنشقني ويعلّق ببساطة (أنتِ من ريحة الحبايب). بعد أن امتلكتْ زمام نفسها قالت ببساطة: ـ رولى: هل أنا غبيّة أم غبيّة؟! ـ فقلتُ ضاحكة: الأولى. فردتْ بل غبيّة. ـ لا خلاف في ذلك. المهم السبب في قولكِ هذا؟! تردّدتْ قليلاً ثمّ حكت لي عن ظنونها في تلك الجلسة المشبوهة, وكيف جن جنونها وتركت المكان ورحلت. فقلت لها: ـ لا.. أنتِ حقاً غبيّة لأنّك اكتشفتِ هذا مؤخراً جداً. ففؤاد يا عزيزتي بكلّ بساطة تخرّج من كليّة العشق فنان مداعبة. ـ وما أدراكِ أنتِ ـ أنا أنثى يا ميس وأدرك بحدسي أشياء قد لا أجرؤ على قولها. ـ ها.. وماذا أيضاً؟! ـ إنه رجل يدّعي الأخلاق, كما يدّعي بعض رجال الدين لحاهم. وهو أستاذ, ويشهد له أنه قادر على كسب أي امرأة.. لسانه حصانه. ـ وهل كسِبَكِ أيضاً؟! ـ كان ممكناً, لولا معرفتي بإعجابك به. ـ ليس إعجاباً يا رولى. إنه حبّي الوحيد. ـ نعم أدري لكنكِ لستِ كذلك. ـ هل تعلمين شيئاً لا أعلمه؟! ـ لا.. لكنّه متزوج وليس مستعداً لأن يتنازل عن زوجته رغم ادّعائه بحبّك. ـ لا يستطيع يا رولى. إنها من العائلة وهناك روابط عائلية تمنعه من تركها وعندهم أولاد واحتملت معه حياة قاسية. ـ ها.. إذاً المفروض أن يقدّرها لا أن يعشق عليها. ـ العشرة من قاربت بينهما وليس العشق. ـ ولماذا لم تقرّب العشرة بينك وبين زوجك. ـ رولى أنت تعلمين تماماً كيف تزوجت, وأنا لا أكره زوجي بل كنت أشفق عليه, ومع هذا لم أستطع يوماً أن أخونه حتّى بالكلام واتفقت معه على الانفصال.. لأنني ما أحببته يوماً, ومع هذا تركني حزيناً, وطلب مني العودة حال اقتناعي فيه.. القناعة شيء والحب شيء آخر.. زوجي الأنسب لي وهذه قناعة. لكنّ قلبي أرّقني كثيراً. لو تعلمين مقدار حبي لفؤاد.. رولى ببساطة, لا يخفق قلبي إلا معه. ولا أشعر بأنني أثنى إلا معه. وخوفي من خيانته دفعني لمصارحته.. في البداية كان الموضوع كارثة عليه, ولكن بعد مدة شكرني, وأكبر فيّ صراحتي وطلقني. ـ رولى أنا بالأساس لم أستشرْ بزواجي. كان زواجي صفقة تجارية بين والدك وبينه. ـ حسنٌ يا ميس.. إنسي.. إنسي الماضي, ولكن افتحي عينيك كما قلبك.. ليس سهلاً عليك تجربة جديدة. ـ رولى أتسمين فؤاداً تجربة؟! إنه كل حياتي. هوائي مائي سمائي وأرضي, الدم الذي يجري في عروقي. ـ هيْ.. فهمتْ.. فهمتْ.. أنتِ حرّة. ـ نعم حرّة ولن أدعه مرة أخرى. ـ إذاً لماذا هربتِ؟! ـ لست أدري. أخاف أن ينهار هذا العملاق أمامي. لتخذلني كلّ الدنيا إلاّ هو. ـ عملاق؟! إنه ببساطة إنسان عادي وأقلّ من عادي. ـ أنت لا تعرفينه.. لو كان عاديّاً لما تهافتت عليه كل النساء. ـ أي نساء يا ميس. إنهن ببساطة عوانس آخر زمان. يسعدهن بألفاظٍ لم يسمعنها مطلقاً. ـ وهل أنا عانس يا رولى. ـ لا أنت مطلّقة يا ميس. صمتتْ فجأة وأطرقتْ طويلاً ثمّ قالت: وما يعني هذا يا رولى. ـ أربكتْني وشعرتُ بالأسف لكنني تابعتُ: أنتِ بالنسبة له فريسة سهلة, خاصة أنه يعرف بأنكِ تحبينه. ـ هكذا ترين الدنيا يا رولى. ـ أي دنيا يا ميس؟! أنا لا أرى شيئاً, بل اسمع قصصاً تقشعرّ لها الأبدان. ـ مسكينة أنت يا رولى!! ـ كلنا مساكين يا ميس.. كلنا مساكين. اختارت زاوية واخترتُ أخرى. جلست أفكر بما قالت وأعلم أنها تفعل الشيء ذاتهُ. بعد حوالي نصف الساعة نظرنا في عيون بعضنا بعضاً ثمّ أطلقنا في وجه الأيام ضحكة يائسة. وجمعنا سرير واحد إلى صباح الغد. جلستُ طوال الليل أحادثها دون صوت. هاأنذا يا ميس مهندسة في شركة كبيرة. لي بيت وسيارة ورصيد يكبر يوميّاً في البنوك, وينقص يومياً من عمري, يأخذني الواجب بعيداً عن نفسي, يسرق مني شباباً ما عرفت قيمته إلا بعد أن رسم الحزن خطوطاً ناعمة تحت عينيّ, فعندما رفض والدي زواجي من وليد لاعتبارات اجتماعيّة في زعمه. رفضتُ الزواج من غيره إلى أن كواني القدر بوحدة أبديّة, ومع هذا لم يفعل ما فعلت. كواني أيضاً بزواجه من غيري, وأنا لا ألومه, فأنا من نذرتُ نفسي للهلاك. للأيام تركض على ملامحي ركض العابث المستهتر. لعلّه فكّر جيّداً. وهاأنت أيضاً يا ميس تدفعين ثمن حبّكِ طلاقاً وضياعاً. يجب أن نتحوّل. فالماضي ذكريات تالفة, والحاضر تعاسة مخيفة. بقي أمامنا المستقبل. لا بدّ من المستقبل. إنه النافذة الوحيدة على الحياة, والأمل مفتاحها, ولم يفت الأوان بعد. سأقهر كلّ أفكار اليأس وأمضي إلى الأمام. نظرتُ في وجهها. لم أجد فيه سوى علامات السخرية وكأنها تجيبني بالتهكّم ذاته. في الصباح رميتُ الغطاء عنّي كمن يرمي الماضي كلّه في حاوية. قمتُ رشيقة جداً. تناولت جرعة أخبار, وحبة أمل, وأخرى للنسيان, وتقدمتُ من ميس. ـ هل تذهبين معي إلى السوق فأنا اليوم في إجازة؟! ـ لا.. أنا متعبة. اذهبي وتمتّعي بوقتك. ـ هل تودين أي شيء من السوق؟! ـ أرجوك أحضري لي مسكناً قويّاً أو منوّماً. ـ أتشكين من ألم ما؟! ـ لا. أريد النوم فقط. فأفكاري تؤلمني. ـ أفكارك؟!.. حسنٌ دخلنا في الفلسفة.. ردّت: ـ بل شعري وأظافري. ـ حسنٌ إلى اللقاء. ـ أغلقتُ الباب لأرى جارنا أبا فادي وأبادره السلام: صباح الخير. ردّ مندهشاً: صباح النور. جارنا أبو فادي كزوجه من هواة الثرثرة. لم أنتظر منه أي سؤال. تابعت النزول, وما زال يتبعني بالاندهاش ذاته. والحق معه فهو لم يَرَ ابتسامتي منذ وفاة والديّ ولا حتّى رشاقتي. وكذلك الأرض كانت تشتكي ثقل خطوتي. أشعر الآن أنني برشاقة ريشة. يا إلهي كم تغيّرنا الأفكار. استقبلتني واجهات المحلات بالتأهيل. اخترتُ كل الألوان التي لم أكن أرتديها. اخترت القصير والضيق والشفاف. موضة العام. اشتريت أدوات تجميل فاخرة, وعطوراً وأحذية لامعة, وحقائب غريبة, ولفافات للشعر, وأدوات زينة منزليّة أيضاً لتحسين الديكور. اكتظت سيارتي بالحاجات. خسرتُ مالاً لم أصرفه طوال حياتي على نفسي. لكن لا بدّ أن أربح ذاتي وأخرج من ذاك القمقم. شعرتُ أنني بحاجة ماسّة لفنجان قهوة وسيجارة, دخلت مقهى كنت أخشاه, لست أدري لماذا. وكأنّ دخوله الآن بمثابة دخول بوابة التحدي مع ذاتي. وكم كنت سعيدة لأنني اقتحمت مكاناً كنت أخشاه. كان المكان هادئاً. أصوات الموسيقا تدعو للاسترخاء. لكنّ الوجه الذي أمامي سحب مني تلك الفرصة. وجه حلمتُ كثيراً أن أراه. أيكون هو؟! بدأ قلبي يعدّل من نبضاته وازدادت سرعته لمجرّد التخمين. نعم يشبهه كثير اً. تسع سنوات كافية لتغيّر قليلاً من هذه الملامح. نعم إنه هو, قلبي يحدّثني بذلك. ركّزت في وجهه مباشرة. لن أترك للتردد فرصة اللعب مع أعصابي, تقدمتُ منه كان يقرأ جريدة. ثمّ انحنيتُ بلطف قائلة: ـ عفواً يا سيدي ألست وليداً!!. ـ رفع رأسه بعفويّة وقال: من رولى؟! ـ نعم بلحمها وشحمها. ـ بل قولي بعظمها وجلدها. أهلاً رولى تفضلي بالجلوس. ودون تفكير استجبت لدعوته. ـ كم أنا سعيد. ـ كم أنا محظوظة. ـ أخبريني عن أحوالك. ـ لا أريد سوى سماع صوتكَ. ـ هيْ رولى.. نحن في مكان عام. صوتك عالِ لم أَرَكِ بهذا الاندفاع سابقاً. ـ وليد هيا.. احكِ لي عن أخبارك. هل أنت سعيد بزواجك؟! هل لديك أولاد؟! ـ سعيد؟ هذه كلمة غريبة على مسامعي كيف أكون سعيداً وأنتِ بعيدة عني؟!! ـ هل تعني أنك كنتَ تذكرني. ـ ومتى نسيتك يا رولى؟! إنك هنا في القلب. لم تغادريه لحظة. ـ وليد: أشعر بدفق غريب. بنبض جديد. كدتُ أنسى أنني أنثى. ـ رولى أنا لا أصدّق ما اسمع. هل أنا في حلم أم في علم؟! ـ هات يدك لأقرصك!! وتلاقت الأيدي بحركة عفوية. قلبت موازين الدنيا كلّها. ساد صمت غريب, واشتعال بركان قلبي مرة واحدة. ـ رولى أين كنتِ كلّ هذه السنين؟! ـ في زوايا النسيان. ـ وأنتَ؟! ـ في زوايا الذكريات. رولى هل تكونين لي؟! ـ إذا أردت أن تكون لي أيضاً. ـ أنا مرتبط ولديّ أولاد! ـ أعرف والشرع حلّل زوجات أربعاً. ـ لا أستطيع يا عمري. إنها ابنة عمي وتربطني من هنا من عنقي.. هذا عدا عن أحوالي المادية السيئة. ـ يكفيني قلبكَ ونتزوج سراً. ـ لا أرضى لكِ هذا. ـ إذاً ماذا تريد؟! ـ أريدكِ جسداً وعقلاً وقلباً. ـ كيف بدون ارتباط..؟! وماذا تعني لكِ هذه الورقة إنها مجرّد ورقة. ـ صك الزواج مجرّد ورقة. إنه من يبيح شرعيّة علاقتي بكَ. من يحميني من ذاتي. منك. من المجتمع. لا يا وليد ليس مجرّد ورقة. ـ لكني مقيّد ولا أجرؤ على ما تقولين. ـ لك الخيار في أن تضيّعني ثانية. ـ رولى أرجوك. قولي نعم. ـ على ماذا يا سيد وليد, على صك عبوديتي لك؟! عن تنازلي عن كرامتي؟! بما تختلف أنت عن أي عاهر يشتري المتعة بالعواطف. لن أقبل بهذه المهانة. وداعاً وأنسى أنك قابلتني. ركضتُ. ما عدت أسمع حتّى نداءه. ركبتُ سيارتي مذهولة وأنا أتساءل, هل من المعقول أنني كنت أحيا وهماً طوال حياتي. لمَ أظن أن الرجال أقوى من الظروف؟!! ولَم أظن أن النساء يمثلن الضعف. ها إنَّني خرجت من ذاتي وقلت ما يجب أن يقال رغم أنّني كنت أرتجف. نعم كرامي أغلى حتّى منّك يا وليد.. دخلت وأنا أحمل ما يزيد عن وزني بضعفين وفطنتُ إلى أوجاع ميس. أيكون الرجال سبب كل وجع. ربما. هيا إلى الحمام واغسلي أدران اليوم واخرجي إلى الدنيا بثوبك الجديد. ثوب امرأة العصر. هيا يا رولى هكذا كانت مرآتي تقول: كان الماء منعشاً ينساب على جسدي فيدغدغني. أشعر به اليوم عشيقاً جريئاً فأضحك من أفكاري. خرجتُ وأنا ألتف بمنشفة ناعمة. وقفتُ أمام المرأة معصوبة الرأس بمنشفة أخرى. تراخت يداي عمّا يلتف حول جسدي. وقفت أتأمّله. لأول مرة أرى نفسي بهذه الروعة. لماذا لم أنتبه إلى هذا الجسد الممتلئ نضجاً. ما أروع ملمسه, وما أرقى استدارته. كنز مدفون تحت الحزن. ياه كم أنا غبيّة. سأكون يا مرآتي كما تشتهينني أن أكون. ساعة من الزمن فقط وأكون جاهزة. نعم أنا الآن أروع رولى في تاريخ البشريّة إضافة عطريّة وتكتمل اللوحة, شكلاً ومعنى.. ما أغباكَ يا وليد. لا تستحق سوى حموضة عرقها اللاذعة وعفونة أيامك الذابلة. سأجعلك تتمنّى لو أنّك تنسى اسمك كلما رأيتني بهذا الألق. كنتُ أنادي على ميس وأنا أدخلُ غرفتها ففؤجئتُ بسرير فارغ إلا من رائحتها الزكيّة. يا لله يا ميس أين ذهبت؟! كان بودي أن أفاجئك برولى الجديدة. خاب قصدي. جلستُ على سريرها, ثمّ ارتميتُ مستلقية لأرى الأحلام الورديّة مرسومة هناك على السقف, وأبتسم للأيام التي تنتظرني. اعتدلتُ بعد مدة, فوجدت ورقة قد أسندت إلى منبّه فوق صندوق أشيائها الخاصة. قرأت.. (رولى حبيبتي. اضطررت للذهاب مع بعض أصدقائي في رحلة قد تطول بعض الشيء. قبلتُ بها لأخرج من قلقي وكي لا أستسلم للألم). قبلاتي ميس. ـ رحلة؟! أهذا وقت الرحلات يا ميس. فوّتِ عليّ فرصة المفاجأة. ولكن لا بأس. الأيام قادمة. فقررتُ أنا الأخرى الخروج. فكل هذا الجمال للجدران.. لا.. نزلتُ سلّم المبنى لأركب سيّارتي. فالتقيتُ بالثنائي الثرثار أبي فادي وزوجه, وكم كنت سعيدة عندما رأيتُ العيون تنفتحُ بدهشة, وشهقة بتوقيت واحد تدخل رئتيهما. ابتسمتُ وألقيت التحيّة فما كان من أبي فادي إلا أن قال: ماذا يحصل هنا. صرت أحسدُ نفسي لأنني أقيمُ في هذا المبنى. انتفضتْ أم فادي وأزاحت ْوجه زوجها نحوها وهي تقول: ألا تخجل من شيبتك؟! إنها بعمر ابنتك. وبدأت تشده من يده ليدخل المنزل وأنا أضحك ملء أشداقي على كوميديا العلاقة الزوجية. ركبتُ السيارة لأرى أبا فادي على الشرفة يومئ لي بكل إشراق. هززتُ رأسي ساخرة وانطلقت بعد أن وضعت شريطاً في مسجّل السيارة كله إيقاع لرقصاتٍ شرقية. لم تمض دقائق إلا وعشرات السيارات تتبعني فضحكت في سري. ما كنت أظن أنّ الموضوع بهذه البساطة. نعم فقط عليك أن تكشف الحلوى لترى حشود الحشرات عليها. ثمّ انتبهتُ.. رولى لا يناسبكِ هذا التشبيه أبداً. نزلتُ الشاطئ أتناول عصيراً مثلجاً. كم ضحكت وكم أسعدني أنني في ساعة واحدة تلقيت ثلاثة عروض للزواج. أمضيت قرابة الساعتين ثمّ عدتُ أنثرُ عبير أنوثتي في كل مكان. دخلتُ البيت. غريبٌ تأخرها. قلت في نفسي. أشعلت التلفاز شاهدتُ محطات عديدة, ثمّ تذكرتُ أنني اشتريت كتاباً جديداً لاسم يلمع الآن في سماء الأدب والفن. كم راقني هذا الشعر الحديث, وكم استمتعتُ بكل معنى وبكل كلمة, سبحتُ في عالم من الأحلام. وكم تمنّيت حقاً أن أكون تلك المرأة التي يتغزّل فيها هذا العاشق. شعرت بأنني في عالم من الحس غريب بعض الشيء عن الماديّات التي تربطنا مع الواقع بقيود أعنف من قيود السجناء. بصراحة كان هذا الكتاب عرساً, مهرجاناً, من التألق في سماء الحس أغلقت الكتاب ونظرت إلى الساعة. يا الله يا ميس أين أنتِ أريد محادثتك عن مجريات اليوم لا بأس سأنام الآن وغداً أفاجئها. استيقظتُ في الساعة السابعة نشيطة متفائلة لأقوم ببعض الحركات الرياضيّة. لكن يجب عليّ أن ألقي التحيّة أولاً. ما هذا؟ السرير فارغ. هل أمضت ليلتها خارج المنزل. لم تذكر أنها ستتأخر. أمسكت الورقة. أعدتُ قراءتها. لا بل قالت قد تطول لعلّها تعود مساء. ذهبت إلى عملي, يومٌ رائع من صرخات وشهقات شعرت أنني حقاً صنعت نصراً أو فتحاً. لكن شيئاً داخلي بدأ يخفت. نعم ليَعْوِ صوت القلق الذي بدأ يطرق بابي. عدتُ إلى البيت مسرعة. ومباشرة إلى غرفة ميس يا الله لم تعد بعد. قرأت بعض المجلات. حللت بعض الكلمات المتقاطعة. يمضي الوقت بطيئاً هذا اليوم. في السادسة مساءً بدأ شعورٌ آخر ينتابني شيء من فعل الشيطان. لم أعد أرى أمامي سوى حادث والديّ. كيف سأطرد هذه الأفكار؟! أمسكت الهاتف واتصلت ليردّ فؤاد: ـ مرحباً فؤاد هل التقيت بميس اليوم؟! ـ لا. كان صوته صارماً. ـ هل تعرف أين يمكن أن أجدها؟!! ـ لا.. لم تخبرني عنها أي شيء. ولكن رولى إذا سمعتِ ما يريحكِ اتصلي بي؟! لقد أقلقتني فأين يمكن أن تكون؟! ـ لست أدري. كانت طريقة كلامه مختصرة مما جعلني أعتذر وأغلق السماعة. ـ قمت أشغل نفسي بترتيب المنزل وبطهو الطعام علّني أنسى غيابها بعضَ الوقت. ولكنني قررت أنني صباحاً سأخبر الشرطة في حالِ عدم قدومها. وبالفعل طوال الليل وأنا أنتظر, أقرض أظفاري حتّى سيلان الدم. وما إن أشرقت الشمس حتّى تهيأت. ارتديت ملابسي وإلى أول قسم للشرطة فاجأني ذاك المسؤول وهو يقول. ـ أهي طفلة صغيرة؟! ـ لا.. لكنها غائبة منذ يومين. ـ حسنٌ. بعد أربع وعشرين ساعة من الآن نقوم بالبحث عنها اتركي أوصافها. كنت أحمل معي صورتها فناولته إياها. وعندما نظر إلى جمالها قال مبتسماً: من يجد هذا الجمال لا أظنّه سيعيده. ـ نعم أستاذ!! ـ ضحك وقال: كنت أمزح. لكنها حقاً فاتنة وهذا يجعلني أتحرك بصورة أسرع. ـ بعد حوالي عدة أيام وأنا أغرق في اضطرابي جاءني هاتف مرعب. ـ آنسة رولى؟! ـ نعم. ـ أنا ضابط الأمن المسؤول. ـ أهلاً أستاذ. أهناك أخبار عنها؟! ـ لا أعرف. لكن هل تعرفين أنت ماذا كانت ترتدي عند خروجها. ـ لا يا سيدي خرجتْ قبل عودتي. ـ أفهم أنها خرجت من المنزل أثناء غيابك؟! ـ نعم.. نعم. ـ هل تسمحين بالحضور إلينا!! ـ لماذا؟! ـ ستعرفين حال حضورك. أكلتُ الشوارع بسيارتي. عشر دقائق وكنت أقف قبالته استقبلني بكل احترام وبكل جديّة ثمّ قال: ـ لست أدري كيف أدخل في الموضوع. ـ بسرعة قل من حيث شئت. ـ هناك حادث غريب جرى في بلادنا منذ ثلاثة أيام. سُرق مبنى سفارةٍ لدولة أجنبية. ثمّ تفجّر قسم من المبنى وذهب ضحيَّته عشرات الأفراد ونحن الآن نحمل الأنقاض وما لدينا سوى أجزاء من جثث لعلّ أختك بينها. صرخت بخوفٍ فظيع.. لا.. أرجوك لا. أختي ذهبت في رحلةٍ مع أصدقائها فما الذي سيأخذها إلى مبنى السفارة. لا.. لا شيء معقول في كلامك سيدي. ـ إنه مجرد تخمين وأرجو أن لا يصدق ظني. ودّعته مذهولة, ثمّ عدت إلى المنزل وأنا على حافة الانهيار. لماذا يعاكسني القدر دائماً؟! لماذا لا نتفق؟! لماذا يسرق مني ابتسامتي وأغلى ما عندي؟! فما كان مني إلا أن أخذتُ أضرب بكلتا يدي على رأسي ووجهي, أبعثر شعري, وأمحو رسم الدمية, وأختار زيّاً آخر جديداً, زيّ مومياء خرجت من تحت الأنقاض والهموم والقلق. أخبرت فؤاداً بما حصل. كاد أن يجن لكنه مثلي تماماً يسدّ باب الخوف ويفتح باب الأمل. فلا يمكن أن نصدّق بهذه السهولة أن احتمال غيابها لا رجعة فيه. كيف نصدّق أن يدفن الشباب والجمال. وكيف أصدّق بأنني سأبقى وحيدة, لا دمعة تسعفني, ولا حتّى صراخ. سكون حلَّ في المكان وكأن القيامة على بعد أمنية. ذهول يسكن الأشياء. كل شيء يفتقدها. مشط الشعر. أساورها المنبوذة. خزانتها. صور الفنانين على الجدار سُرقت منها البسمة. بعد لحظة كنت أرى نفسي أمام نكتة مجسّمة. دميّة تخرج من عرس التألّق. فراشة تخرج من شرنقتها ليقصّ القدر أجنحة التحليق وأقع في عجز الموقف وشلل المحنة. من يردّ الباب عليّ ويغلقني إلى الأبد؟!! وقف هناك في زاوية الباب مرتدياً خذلانة العاري من كل أمل. كان مثل قطرة مطر تأبى الغيمة الحبلى أن تجهضها وقال: أرجو أن يكذّب الخبر, فلا حقيقة ثابتة حتّى الآن. أنا معك رولى. أنا معك لا تخشي شيئاً. فقلتُ: اطمئن يا فؤاد. ما عاد هناك ما أخشى عليه ـ ما عاد هناك ما أخشى عليه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |