|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث مازلتُ في أسبوعي الثالث من الإجازة. أعاند الحزن ويعاندني. أبكي كنبعٍ فاض بعد ذوبان الثلوج عن الأوهام. وما كان ينقصني سوى تلك الرسالة المرميّة تحت عقب الباب. أمسكتها بيد مرتجفة صرتُ أخاف المجهول قرأت بهدوء: الآنسة رولى الخطيب تحية عربية أما بعد نحن معك لأنك سليلة عائلة عريقة نتقدم بأحرّ التعازي بأختنا البطلة ميس. إنها أغلى شهيدة ضحّت في سبيل الوطن بكل عزمٍ وإصرار. إنها رمز البطولة والفداء. أوصتنا بالاهتمام بك إن لم تعد من تلك العملية. وهاهي قد فارقتنا إلى مكان يليق بها تماماً. بعد إصابتها بشظيّة جرّاء الانفجار. فلا يسعنا أن نقول سوى تعازينا القلبيّة. ملاحظة: رصيدك أصبح ثمانية ملايين دولار في بنك سويسرا. التوقيع: الشهيد القادم قرأت الورقة عدّة مرات. كانت أوصالي ترتعد خوفاً. أطوي الورقة ثم أعود إلى قراءتها. صرت أشكّ باستيعابي.. أختي بطلة وشهيدة وقامت بعملية مقاومة. ضد من تقاوم؟! ومع من تقاوم؟! ومنذ متّى هي منظّمة؟! وإلى من تابعة؟! وكم أنا غبيّة إلى متى سأحيا على دوامة الآتي من المجهول. أنا لم أعد أعرف أي شيء.. فؤاد هل فؤاد كاذب أم صادق؟! وهل يعمل معها أم لا يدري عن نشاطها شيئاً؟! وهل ما أخبرتني به عن لقائه الغرامي صحيح أم لا؟! هل آخذ هذه الورقة إلى الشرطة أم لا؟! لست أدري ارتميت على السرير وعادت بي ذاكرتي إلى الطفولة إلى أيام الخوف خلف التلال. أرى الآن ميس وهي تلعب مع الأولاد (عسكر وحراميّة) لا تأخذ سوى دور العسكر. وأبي كيف كان يضحك ملء أشداقه كلما رآها تمسك طفلاً وتشبعه لطماً وضرباً ورفساً يصفّق لها ويقول: أنت أفضل من كل الصبية. صرت أتساءل الآن عن موت أبي وأمي في حادث واحد بسيارتنا القديمة وأيضاً رفض والدي لوليد. كان يقول دائماً: لا أقبل لك برجل والده انهزامي وتؤكد أمي ذلك بإصرار. نعم يا والدي. لست أدري ما كنت تقصد بمعنى انهزامي ذاك الوقت، لكنني اليوم أؤكد لك أن الموضوع بالوراثة. وذاك التاجر زوج أختي ميس ما نوع تجارته يا ترى؟! أسلحة؟! مخدرات؟! مجوهرات؟! وهل علم بموت ميس؟! يا إلهي أشعر أنني أكاد أن أجن كلما تخيلت منظر الجثث أو بقاياها. هل من المعقول أن ميس بينهم؟! قمت من مكاني كمن لسعه عقرب دخلت غرفة أختي. فتحت الأدراج والخزائن. فتَّشتُ حتى الملابس. لا يوجد حقاً ما يلفت النظر. كتب عاديّة حقائب عاديّة. فتحت الحقائب واحدة واحدة لا يوجد ما يلفت النظر حقاً. أحمر شفاه. فواتير ـ تحليل للدم دفتر هواتف أعرف بعض الأرقام فيه وأجهل الكثير. قلم غريب بعض الشيء لكنه جميل ـ شريط (كاسيت) مكتوب عليه أغنية الأمل لأم كلثوم. أوه ميس أصبحت تسمع لأم كلثوم. لعل العشق أوصلها إلى ذلك!! أعدتُ كل شيء إلى مكانه. فتحتُ كتاباً كانت تقرؤه فإذا بورقة مطويّة داخله تقول: ميس يا أرق نسمة عبرت مخيّلتي لا تحزني يا حبّي الأوّل والأخير ظلمتني وظلمتِ منى. نعم كانت عندي لأسباب بعيدة كل البعد عن العشق. كانت تحت وطأة اضطراب عصبي لعلاقتها السيّئة مع زوجها. وأنا صديقها. لجأت إليّ كما يمكن أن تلجأ لكِ أنتِ نحن أصدقاء منذ أكثر من عشرة أعوام فلماذا ذهب بك التفكير إلى حالة عشق. نعم كنت في الحمّام في ذلك اليوم وكنت أعاني من تلبّك معوي وزادت القهوة من مفعولها معي. اعتذرتُ لأدخل الحمّام، ففوجئت أنك حضرتِ وذهبتِ بعد كلامٍ قاسٍ واتهامات لا أصدق أنها تخرج منك بالذات. سامحك الله ومع هذا فأنا أشعر بالغبطة والسعادة. فرح جداً جداً. فلا يعني تصرفك إلا أنّك مازلت تعشقينني وتغارين عليّ أحبك إلى الأبد. "فؤادك" لماذا يا ميس لماذا كل هذا التحفظ والسريّة؟! قلتِ لي عن رؤيتك لفؤاد ومنى ولم تذكري شيئاً عن هذه الرسالة. إذاً فؤاد مظلوم. والآن لماذا طلبتْ مني المهدئ أو المنوم. ألتوهمني أنها متعبة أم أنها متعبة حقاً من هذه الرسالة؟! لعلّها لم تصدق فؤاداً أو لعلّها صدقته وشعرتْ بالندم لأنها ظلمته. ولو لم أخرج للتسوق أكنت أبقيتها في البيت وحافظت على حياتها؟! لا أعرف. أفكر بلغز عصيب. من أنت يا ميس؟! من أنت يا فؤاد؟! ليكلمني أحد. أكاد أن أموت من الوحدة حقاً أفكاري تؤلمني. قالت أيضاً ميس هذه الجملة قبل مغادرتي ماذا كانت تعني؟! ليتني قرأت أفكارها. شعرتُ للحظة أنني محتاجة لمن يحاورني. يجب أن أكلم أحداً مَنْ؟! .. نعم فؤاد. سأتصل به. إنه يحبُّ ميس وهي القاسم المشترك لأحزاننا. اتصلت به دون تردّد. ـ آلو فؤاد.. أرجوك أنا أحتاج إلى أن أكلمك.. تعال حالاً؟! ـ رولى ما بك؟! هل هناك أي شيء؟! ـ لا، الوحدة تقتلني. هل ستأتي؟! ـ نعم.. حالاً. أغلقتُ سماعة الهاتف، وبحركة عفوية اتجهت نحو المرآة لأغيّر من ملامح يأسي بعض الشيء. رتّبت شعري وغسلت وجهي وارتديتُ ثياباً أكثر جودة. سمعت جرس الباب. بهدوء اتجهت نحوه. ـ تفضل فؤاد أهلاً بك. ـ هل تحتسين القهوة؟! ـ لا بل. انتظرتُ لتأتي. ـ هل تسمحين لي بتحضيرها؟! ـ أنتْ؟! ـ ولم لا!! ـ حسنٌ تفضّل إلى المطبخ. هاك الأدوات. جلست أراقبه. لأول مرة أتمعّن في حركاته. في ملامحه في تقاسيم جسده. ليس جميلاً كفاية. لكنه قريب من القلب بسرعة قال لي: ـ ها.. لم أعجبك حتماً. ـ أربكتني معرفته بما أفكر فانتفضت وقلت: بل تعجب الملك. ـ حقاً.. هذه مبالغة. أنا أعرف أنني لست جميلاً بالقدر الذي يلفت النظر، لكنني أعرف تماماً أن لي أثراً لا يمحى في عقول وقلوب النساء، لأنني أحسن استخدام المفاتيح. ـ ماذا.. مفاتيح.. ماذا؟! ـ ابتسم وقال: مفاتيح القلوب والنفوس. ـ وهلْ رميت مفتاح قلب ميس بعد رحيلها؟! كان يسكب القهوة فأخذتْ يده ترتجف، ثم ببساطة جلس على الكرسي الذي يقابلني وقال: الوحيدة التي كانت تُمسك مفتاح قلبي هي ميس. ذهبت والمفتاح معها، ومازال قلبي مغلقاً على اسمها. ـ هل حقاً كنت تحبها؟! ـ ميس تملك من التناقض ما يحيّر العقول ناعمة مثل نسمة ربيع. قاسية مباشرة مثل طلقة مسدس. عقل مدهش وحس أكثر دهشة روح بجمال الجسد المشع نوراً أنا لم أكن أحبها بل أعبدها.. أعشقها ـ أموتُ بها.. لا تسأليني أنا فقط. اسألي الشوارع التي كانت تعبرها اسألي نظرات الدهشة التي تلاحقها يقفز القلب لو مرّت ميس قربه كانت بجمال مرعب . ـ ومنى؟!! ـ وما أدراك أنتِ بقصة منى؟! ـ ميس.. وهذه الورقة. ـ ميس كانت غاضبة، لا تدري ما تقول. وهذه الورقة لتوضح لميس صورة الحقيقة. ـ صورة الحقيقة أم لتضمن بها عودة ميس إليك.. أي لعبة من ألاعيبك سيد فؤاد!! ـ رولى ماذا تقولين؟! ـ ما سمعت. أنت تدري ما أعرفه عنكَ من قصص مسليّة. ـ إنها نزوات شباب. ـ ومحاولاتك الجادة كي تكسبني أيام غيابها؟! ـ رولى دعينا من الماضي وتعالي نقلب صفحته. لماذا اتصلتِ بي؟! ـ لا أعرف.. أنا متعبة جداً. ـ ممَّ؟!! ـ من كل شيء. من الغموض. من الوحدة. من المجهول. أنا خائفة.. أشعر أنني لا أجرؤ على أن أخرج من هذا المكان. وبالوقت ذاته خائفة وأنا فيه. أشباح كثيرة تلاحقني من الماضي والحاضر. صور. ذكريات. خوف يشل أعضائي. ـ لن تصلي إلى أي شيء وأنتِ بهذه الصورة. ـ ماذا أفعل؟! ـ اخلعي الماضي. ارميه خلف ظهركِ. ـ إن أنا رميت الماضي فلا حاضر ولا مستقبل لي. لأنني أرمي كل من أحببت، كل تاريخي. أتساءل ماذا سيحصل لي. أي هدف أحيا لأجله. لا أمل يدفعني. لا حبّ.أشعر أنني مشلولة حقاً، وبالوقت ذاته أنا أحيا متاهة. أمي، أبي، أختي جثث تحت التراب. من يردّ على أسئلتي من يقول لي الحقيقة؟ وهل لوفاتهم قصص ما؟! أم أنّ الوهم يأكل رأسي؟! كأني ما عرفتهم يوماً. وكأنّ تاريخي كذبة ما عدت أثق بشيء على الإطلاق. ـ لماذا يا رولى كل هذا العذاب؟. ترددت في أن أقول لـه، ثم ذهبت إلى غرفة النوم وأحضرت الرسالة ليقرأها. ـ أمسك بالرسالة بهدوء. قرأها بهدوء. ناولني إياها بهدوء وقال بهدوء قاتل: أهذا ما يقلقك؟! لعلّها مزحة من أحدهم؟! ـ مزحة؟! فكّرتُ بكلّ شيء إلاّ أن تكون مزحة. نعم أنا أجهل كل السُّبل لإثبات أن هذه الورقة حقيقة. لكنني أشعر أنها حقيقة. لماذا تُرسل لي هذه الرسالة بعد وفاتها بثلاثة أسابيع؟! أقصد بعد غيابها!! لماذا يدّعون أنها شهيدة، مع العلم أنني ما كنت أدري عن نشاطها أي شيء لماذا يا فؤاد.. قُلْ لي ؟! ـ يمكنك التأكد فقط بطريقة واحدة. ـ كيف. ـ حسابها في بنك سويسرا. أقصد حسابك. هل تعرفين رقم حسابها؟! ـ لا.. لا أعرف عن أموالها أي شيء. ـ ألم يكن لديها أي أوراق في خزانتها؟! في أدراجها؟! ـ فتّشت كل شيء.. نعم تذكرتُ صندوق أمي.. لكنه بأرقام سريّة. ـ ما هو رمزها يا رولى؟! ـ لستُ أدري. كانت ميس تستخدمه. ـ أحضريه .. لأراه. أحضرتُ الصندوق. أخذ يحاول فتحه، ثم وضع أذنه على قفل الصندوق وأخذ يحرك بهدوء شديد مثل رجال العصابات وخمس دقائق وبعدها فُتح الصندوق.. أوراق كثيرة داخله عقد المنزل ملكية السيارة ـ ملكية أراضٍ ـ مجوهرات قديمة وحديثة وأخيراً دفتر شيكاتها وأوراق البنك. قمت إلى الهاتف وأجريت اتصالاتي حتى ردّت عليّ مسؤولة البنك. حادثتها بالإنكليزية واستفسرت عن رصيد أختي بعد إعطائها الرقم السري للحساب ورقم هويتي فقالت: إنها نقلتْ كافة رصيدها إلى أختها رولى الخطيب منذ شهر. والرصيد الحالي لرولى الآن هو ثمانية ملايين دولار. أوْدِعتْ في حسابها عن طريق محامٍ بالوكالة منذ أسبوع. وقعت السماعة من يدي. اقترب فؤاد بهدوء وأغلق السماعة ثم وضع رأسي على وسادة حانية. مددني على الأريكة خلع لي حذائي، وذهب إلى المطبخ وعاد بكأس من عصير الليمون وأنا أنظر في العدم. الذهول عقد لساني.. وعقلي يقول ثمانية ملايين دولار وأملاك كثيرة وأراضٍ.. إذاً أنا أملك الكثير الكثير ولي أيضاً قصة غامضة لا أعرف لها تفاصيل. ثم نطقت أخيراً: ـ فؤاد أرجوك قُلْ لي: أأنا في حلم أم في علم؟! ـ على ما يبدو في علم!! ـ هل تعرف عن نشاطها أي شيء؟! ـ أنا مثلك تماماً شيء يدعو للدهشة حقاً. ـ إذاً ميس بطلة وشهيدة. فؤاد هل يمكن أنّ ميس كانت تعاني من مرض ما جعلها تنهي حياتها بطريقتها!؟ ـ رولى لا تقلّلي ممّا فعلته ميس. الحياة غالية. ونظلّ نقاوم أمراضنا حتى آخر ثانية. ما تقولينه يعني أنها انتحرت. في الوقت الذي كانت فيه شديدة التعلّق بالحياة والحب. ميس أصبحت رمزاً. لقد كبرت الآن في نفسي ملايين المرات وأشعر بحسرة شديدة لأنني لم أرها قبل موتها. ـ أكاد أجن!! ـ وأنا أيضاً!! ـ فؤاد فاتني أن أسال عن اسم المحامي. ـ اسألي لاحقاً. جلس فؤاد. ووضع رأسه بين يديه. شعرتُ أنّ دموعاً سقطتْ على يدي. رفعتُ رأسه. فؤاد أنت تبكي؟ وانفجرتُ أنا أيضاً بالبكاء!! ارتمى عليَّ وحضنني بقوة وهو يجهش بالمرارة وقال: آه يا رولى فقلت: آه يا فؤاد.. نصف الوقت بكاء، وربع الوقت حسرة، وثمن الوقت نوم، والباقي ندم. لو أنني أستطيع الموت لفعلت. ـ لو أنني أستطيع الصراخ لفعلت. ـ رولى يجب أن نصمد. أصمدي وساعديني كي أصمد. ـ حسنٌ فؤاد. كن معي لأكون معك. تعانقنا دون تفكير. جمعتنا الأحزان، فهل تراه سيفرّقنا الفرح، وهل سأعرف له طعماً بعد كلّ هذا الضياع؟! غادر فؤاد وهو يثبّت خطاه على وهم الطريق. يترنّح على سكر الألم. وتركني أهذي وحيدة. ترك لي طيفاً تعلّقتُ بأذياله كي أبقى على قيد الخوف.. ترك لي صوتاً دافئاً مثل أحضانه، وترك لي وهماً سهل التصديق. فما زلتُ ألتحف به كل ليلة. نعم لأحضانه دفء الشمس حين تداعب خدود وردة وتترك عليها ألق الألوان. ولأنفاسه بصمة عطر فريدة لا يمكن أن تتكرر. آه كم أتعذب. كم تأكل رأسي التناقضات. أحب أختي وأبحث عن لغز رحيلها. وليس أمامي سوى ذلك الحبيب لآخذ منه وجبة معلومات تدلني على الطريق الصحيحة. فلماذا انحرفتُ بمشاعري نحو الاتجاه المعاكس. لماذا انهرت إلى حدّ الاستسلام إلى تلميحات جسدي إنني أنثى. لماذا هذا الانجراف نحو الدفء؟ لماذا نسيت سبب دعوته. وانطبع بذاكرتي فقط ذاك العناق العفوي؟! كيف أحترم نفسي الآن وأنا الباحثة عن الحقيقة. أن أكون أداة جرم لجريمة أخرى. لخيانة ذكرى. كيف أستسلم لعشيق أختي وأنا من كنت أبعدها عن ذاك الرجل الخطير، عن زير النساء، عن نبع الشهوة؟! هل كنت أظلمه وأغار من أختي دون أن أدري. أم أنني كنت لا أعترف بأنوثتي أصلاً؟! أم أشعر بالدونية تجاه أي رجل؟! كم كان ينقصني من الثقة لأقف أمام رجل دون أن أرتجف وأشيح بأنوثتي عن دعوى رجولته؟! وأين أسير الآن؟! هل أنا في الطريق الصحيحة؟! أم أنا في متاهة الأحلام؟! يجب أن أكون منصفة ومع وجود هذه المشاعر حتماً. سأتيه. سيضللني فؤاد رغم مساعدته لي بالوصول إلى حقيقة الرصيد. يجب أن أتجه نحو شخص آخر.. ه لماذا لا أتصل بفهد زوج أختي السابق وصديق والدي أيضاً؟!! هرعتُ إلى الهاتف طلبتُ الرقم.. مرَّ دهر إلى أن ردّ عليّ صوت لا يعرف من العربية سوى.. نعم.. نعم. فاضطررت للتّحدث بالإنكليزية وطلبت فهداً.. وبعد دهرٍ آخر جاءني صوت رزين جداً. ـ أهلاً .. أهلاً من المتكلّم؟! ـ أنا رولى يا سيد فهد. ـ رولى!.. فات زمن طويل على سماعي هذا الاسم. ـ أرجوك يا سيد فهد هناك أخبار سيّئة جداً وأريد مساعدتك. ـ خيراً إن شاء الله؟! ـ ميس. ـ ما بها. ـ آه عفواً.. أنت لم تدرِ بعد أي شيء. ـ عمّ تتحدثين؟!! ـ ميس انتقلت إلى رحمة الله. (صمتٌ طويل). ـ لا.. أرجوك قولي شيئاً آخر. ـ هذه هي الحقيقة. ـ منذ متى؟!! ـ منذ حوالي ثلاثة أسابيع. أشعر أن كل قطعة من جسده كانت ترتجف، وصمته يقطر دماً ودمعاً ثم قال: البقيّة في حياتك رولى!! ـ البقيّة في حياتك أنت أيضاً. لكنني أودّ أن أطلب منكَ الحضور وبوقت سريع. ـ سأحضر على أوَّل طائرة. ـ سيد فهد لو كان لميس أي شيء عندك هل تعدني بأن تحضره مهما كان في نظرك صغيراً؟!! ـ نعم رولى أعدك!! ـ ابحث في أشيائها المتبقية ولو حتى على ورقة. ـ حسنٌ رولى.:. لا بأس سأفعل.. هل من شيء آخر أستطيع فعله؟! ـ لا شكراً. حاول أن تأتي سريعاً. ـ إلى اللقاء. ـ أغلقت السماعة وأنا أقول ـ فهد فؤاد. نفس الحرف الأول من الاسمين هل هذه مصادفة؟! ربما ـ آه يا ميس لماذا تركتِ هذا الإنسان المحبّ؟! إنه حزين بالفعل. ما كنتُ أظن أنْ يكون وقع الخبر عليه بهذا الحزن.. ما أغباني حقاً كيف لا، أو ليستْ زوجه. من يعاشرْ قطة يحزن فقدها، فكيف بمن عاشر زوجه؟! بعد تفكير طويل هدّني الإعياء. فاستسلمت لنوم غافلني وأنا مازلت جالسة على الأريكة. وفي الصباح تسللتْ أشعة الشمس من خلال زجاج النافذة لتعاكسني وتجبرني على اليقظة. كانت رقبتي تؤلمني جداً. أشعر أنني متيّبسة مثل قطعة خشب ناشفة وأطرافي باردة كالموت. ـ هممتُ بالقيام إلى سريري، لكنّ جرس الباب غيّر وجهتي ذهبتُ وفتحتُ الباب وأنا أجرّ قامتي على لوحين من خشب. وإذا بي أمام رجل طويل القامة يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق سوداء وإذا بي أمام فهد شخصياً. ـ فهد. أهلاً وسهلاً. هل حضرتَ بصاروخ؟ ـ ألم تطلبي الحضور بأسرع وقت؟ ـ لكنّك في بدل يبعد ثلاث ساعات بالطائرة تقريباً. ـ نعم وها قد فاتت حوالي عشر ساعات على هاتفكِ!! ـ أهلاً بك على كل حال. انتشل فهد كل آلامي دفعة واحدة وعندما نزع النظارة عن عينيه عرفت أنه كان يبكي طوال كلّ هذه المدّة. وعشر ساعات من البكاء كافية لتهدّ جبلاً. لكنه يقف بكلّ ثبات. بكلّ عنفوان يكابر ويحمل حقيبة صغيرة أظنّها أشياء لميس بعد أن تناولنا القهوة طلب مني التحدّث عن ميس، وعن طريقة موتها، وعن كل تفاصيلها. كنتُ أتحدث، وكان يصغي بكل صمت، وكأنه قطعة إسفنج. كان يتشرب كلامي ليغذي روحه. تحدثت طويلاً وأصغى بكل اهتمام، ثم طلبتُ منه أن يحادثني عن ميس وعن تفاصيل دقيقة أيضاً في علاقتيهما. بعد أن أخذ نفساً عميقاً نظر إلى البعيد وكأنه يشاهد فيلماً. ثم قال: بصوت يقطر دماً وينضح حزناً: بدأت القصة هناك في البرازيل، عندما التقيتُ والدك في أحد شوارع (سان باولو) كان قد اشترى طعاماً شعبياً ليتذكر وطنه في وجبة دافئة. وعندما بسمَلَ عرفتُ من لكْنَتِهِ أنه عربي. وفي بلاد الغربة تصبح آذاننا كالرادار تلتقط أي لفظة عربية. فقلت له وأنا أجلس قربه أتناول وجبة مشابهة بالهناء والشفاء.. التفت نحوي وقال: تفضّل، شكرتُه وجلسنا. بعد تناول الطعام أخذنا نتبادل الذكريات. كان والدك يكبرني بخمسة عشر عاماً. طلب مني مشاركته السكن. بعد مدة انتقلت إلى مكان سكنه. كان غريب الأطوار. كثير الصَّمت، لكنه كان كريماً جداً. ومخلصاً جداً. ما كان يستطيع النوم ليلة قبل أن يتأمل صورتكم ويقبّلها، ثم يضعها تحت الوسادة وينام، وكأنها ستدخل في أحلامه، فقط إذا كانت تحت رأسه. مرة أخذت الصورة لأشاهدها، فقد كان يثير فضولي كلما أطال النظر فيها، وحقاً وجدت أنها تستحق كل هذا التأمَّل، وخاصة ابتسامة ميس، تلك الطفلة التي تشبه برعم زهرة في أول الربيع، وكم جن جنونه عندما لم يجد الصورة تحت الوسادة، لكنّها كانت تنام في جيبي قرب نبضي فتجعلني أكثر سعادة وتفاؤلاً: أعطيته إيّاها بعد أن قطع لي عهداً بأن يزوجني ميس إن كانت ما تزال حرة. طبعاً كانت أحلاماً تؤنس ليالي الغربة، ولكن بعد ثلاثة أشهر ورؤية ميس شخصياً، تفاقم الموضوع. فطلبتُ يدها منه وذكرته بوعده لي. كانت ميس طبعاً لا تعرفني. لكنّ والدك يعرف أدق تفاصيل دماغي وحياتي. عرف قلبي. حبي. كرمي. عفواً أنا لا أقصد التفاخر، أقصد إظهار سبب والدك وإصراره على زواجي من ميس لأنه يعرف أيضاً مقدار ثروتي وطريقة الحصول عليها. وكم مرّة تعرضت للسرقة وللقتل من وراء هذه الثروة وهو يدري أيضاً أنها لا تساوي عندي ابتسامة من ثغر ميس. وللأسف حاولت كثيراً الاحتفاظ بميس حاولت أن أزرع حبي داخل قلبها. لكنه كان ممتلئاً حتى الثّمالة. هي من اعترفت لي بذلك. في البداية جن جنوني. كدت أن أقتلها. لكن بعد تفكير عميق وجدت أن لها قلباً بل حديقة تشتعل بشتى ألوان الحب. ولكن لا مكان لي فيها. كنتُ خارج السور ولا يحق لي سوى النظر من خارجها وبكل حسرة. قدّرت عواطفها لأنني أعرف أنّ المحبّ الحقيقي لا يستطيع السيطرة على خلجاته، ولأنني أحبّها حقاً تركت لها الخيار، وأطلقت يدها تماماً في أن تأخذ ما تشاء، والعودة أيضاً وقت تشاء، لتجدني في انتظارها على الدوام. طبعتْ قبلة على خدي وأخرى على يدي، وألقتْ نظرة وداع أخيرة على قصرٍ كان يهتز لفراقها. تركت مفاتيح القصر والسيارة واحتفظت فقط بتلك الميدالية الفضية التي تحمل أول حرف من اسمه وغادرت. كنت طوال الوقت سعيداً لأنها تحمل ميدالية تبدأ بحرف من اسمي ثم اكتشفت عند مغادرتها أننا نتشابه بالحرف الأول من اسمينا فقط. تخيّلي مدى خيبتي عندما عرفت ذلك. وأنا من جعلَ أثاث البيت كله مدوراً كاستدارة حرف الميم. أنا لا ألومها لأنني أفعل فعلها. كان كلانا يحبّ بصدق، ولذلك فكلانا يتعذب. لكنّنا نحن الرجال لا نشعر بانهيار ذكورتنا إلا عندما تتحدانا امرأة وتثبت على ما تريد. كنت أموتُ كل يوم ألف مرة. كيفما التفتُ أراها، في المطبخِ. في الحمّامِ. في السرير. في غرف المنزل. على الشرفة. في المسبح. لكن كرامتي كانت ذاك الحائط المنيع الذي يجابهني كلما هممتُ بالاتصال بها. سافرت بلاداً كثيرة كي أنساها. ولكن هيهات. تشرّبت حبّها كالأرض العطشى. وهل تردَّ الأرض ماء شربته؟! وإن فعلتْ فإنها لا تنضح إلا بالحياة وبالينابيع وبالخضرة. هكذا كان حبها في قلبي فتخيلي مقدار الألم الذي انتابني عندما علمتُ.. وصَمَتَ. وحكتْ دمعتان أكثر مما قال. ثم سألني لماذا يا رولي لم تخبريني إلا بعد هذه المدّة؟! ـ بصراحة وأنا آسفة حقاً أن أقول: أنني ما كنت أنوي إخبارك لولا بعض الظروف التي تغيّرتْ وغيّرتْ مجرى تفكيري ولم أجد سبيلاً يوصلني إلى الحقيقة إلا أنت. ـ أنا؟! ـ نعم.. وقد لا تستطيع أيضاً. ولكن عليّ أن أحاول. لو سمحت اقرأ هذه الرسالة وناولته إياها. بدأ القراءة. بيد مرتجفة كان يمسك الورقة. وبعيون تنفتح تدريجياً كان يعبّر عن دهشته فيما يقرأ. وضع الرسالة جانباً، وأخرج منديلاً مسح به دموعاً غزيرة، ثم وضع رأسه في يدين ضعيفتين وراح في ذهول عميق. بقي على هذه الحالة خمس دقائق وأنا أتضوَّرُ فضولاً، ومع ذلك تركتُ له حرية التأمّل والتصديق أو عدمه ثم قال: ـ رولى. ـ نعم!! ـ هل تسمحين لي بالمبيت هنا. ما عادت قدماي تحملاني؟! ـ لا بأس.. ولكن. ـ أرجوكِ هذه أمنية. أرجو أن تدعيني أنام في غرفتها في سريرها. ـ لك ما تريد لكنني مازلت أنتظر جواباً أو تعليقاً يسدُّ جوعي لمعرفة أي شيء. ـ هل تسمحين أيضاً بتأجيل الحديث إلى يوم غد: أشعر أنني سأنهار في أي لحظة. رغم فضولي الشديد شعرت أنه أكثر حاجة مني إلى الراحة الآن. فقلتُ ببساطة: هذه غرفتها. هذا سريرها. هذا عالمها الخاص. ولك حريّة التصرف. تصبح على خير. آلمني كثيراً هذا المشهد. مشهد الفجيعة. حيث يقف كلّ واحد منّا على حافة الهاوية. ويتمنّى من الحافّة أن تتصرف وتلقي به في أحد الاتجاهين، ومع هذا جلست أعيد شريط كلامه ببطء. بداية تعرفه بوالدي. سكنه معه. تعلّقه بصورة طفلة، وكيفية تكوين الثروة. هناك غموض، خاصة عندما قال إنه تعرّض للسرقة والقتل، لم يذكر سبب ذهابه إلى هناك. لم يذكر شيئاً عن عائلته ولا عن موضوعية علاقته بوالدي رغم أنه يكبره بكثير، حرف الفاء المشترك بين الاسمين. ـ قمت إلى غرفة الجلوس تذكرتُ أنه وضع حمّالة مفاتيحه على المنضَّدة، اقتربتُ بهدوء. أمسكتُ الحمّالة ثم أعدتُها مرعوبة. إنها ذات حمّالة ميس. فكيف يقول أنها أخذتها هل يحملان ذات الحمّالة؟! ربما أو لعله اشترى حمّالة مشابهة ليتذكر ميس، لكن كان يجب عليه عند ذاك أن يشتري حمّالة تحوي أول حرف من اسمها. حرف الميم. انتبهت فجأة إلى حركة في غرفة ميس. قال إنه متعب جداً وسينهار فلماذا لا ينام؟! هل تراه يبحث عن شيء؟ وإن كان يفعل فعمَّ يبحث؟! ـ ماذا كان يعمل مع والدي، ولماذا كنّا نظنّ أن والدي بلا قلب، وأنه نسينا تماماً؟! آه يا إلهي أفتح عقلي كلّه على مجهول لا يمكن أن أعرفه، فلا حيٌّ يجيبني والحقيقة دفنت مع أجسادٍ مهترئة. هل أكفُّ عن البحث وألتفت لحياتي؟! ألا يكفي عذاباً؟. دخلت غرفة والدي، شعرتُ بقشعريرة تنتابني من أسفل قدمي حتى أخمص رأسي. أخذت أفتش في جيوب والدي وإذا بيدي ترتطم بشيء معدني.. رفعته فإذا بميداليّة هي ذات ميداليّة ميس وفهد. ميداليّة مصنوعة من الفضة وعليه حرف الفاء أيضاً. يا إلهي أتكون هذه ميدالية ميس؟! وإذا كانت كذلك فلماذا أجدها هنا؟! ووجدت أيضاً ورقة صغيرة كتب عليها (السيد فارس كفاك غربة. نحن نشكر جهودك. حان وقت العودة. لا مانع لدينا من ترويج بضاعتك هنا. تجارتك ستلقى كل عناية فأهلاً وسهلاً بك). أعدت قراءة الرسالة. لا يوجد عليها اسم المرسل. ورقة بحبر شفاف جداً بالكاد تقرأ. تساءلت لماذا يحتفظ والدي بهذه الرسالة. حتى بعد عودته وإقامته بيننا؟! إذاً والدي عاد إلى البلد بقرار، أبي.. أبي ماذا يا رولى.. لا أعرف. فارس ـ فؤاد ـ فهد ـ ثلاثة أسماء تبدأ بحرف الفاء ثلاثة ميداليّات فضيّة ـ تحمل ذات الشكل وذات الحرف. لكن واحدة منها كانت مع ميس فلماذا يا ترى؟! غير معقول بلحظة واحدة تتشابك كل الخيوط كلما حاولت أن أفكّ لغزاً ينعقد أكثر. أكاد أن أجن ولا سبيل إلى النوم. وكيف أنام في منزل فيه رجل لا أعرف عنه إلا ما قيل لي. أتراه سيهديني إلى الحقيقة أم سيضللني مثلما فعل فؤاد؟! لعلي كثيرة الظن. نعم صرت أشكّ في كلّ مَنْ حولي وكيف لا وموتهم هدم حاجز الثقة بيني وبين العالم. أساكنُ عائلتي طوال عمري لأكتشف أنني لا أعرف عنهم إلا ما يودّون مني أن أعرفه. وقفتُ أمام المرآة لأقول: نصف الحقيقة أمامك ونصفها الآخر أين؟! كيف يمكنني الآن أن أقف أمام باب خُلع من ريح هوجاء تعصف بالمجهول؟! أريد أن أنام. أن أستريح.. آه آه يا فؤاد ليتك لم تعشق أختي لكنت ملاذي الوحيد الآن، أحتاج إلى صدر أضع عليه رأسي وأبكي صدر يسع كل صراخي وخوفي واضطرابي وفضولي. صدر ينسيني الدنيا فيكون وحده ذاك السرير الوثير الذي أهرب إلى دفئه ليتك يا فؤاد حبيبي. لم أشعر كيف سهوت وسرقني النوم وكم فوجئتُ عندما استيقظت أن وسادة وُضعت تحت رأسي، وأخرى بين يدي، وغطاء رمي علي، ورائحة تطير بي خلفها نحو اليقظة. فأفتح عيني لأرى فهداً جالساً قربي يتأمّل وجهي ويحتسي القهوة ويدخّن قلبه.. صباح الخير. قلتُ لم يخرج من صمته سريعاً، بل ظلَّ يتأملني لدرجة أشعرني فيها بالحرج. هممتُ بالنهوض لكنه أمسك يدي وقال: أرجوك عودي كما كنتِ فقلتُ: لا.. لا يكفي نوماً. أريد التحدث معك. ـ يا إلهي يا رولى كم تشبهينها وأنت نائمة. ذات الطريقة في النوم. يدٌ تحت الوسادة والأخرى فوقها وتنامين على الطرف الأيمن ورجلك فوق الوسادة الأخرى. غير معقول أبداً هذا التشابه. ـ أنكون أختين؟! ـ ابتسم وقال: والدك أيضاً ينام بذات الطريقة. ـ حقاً؟!! ـ نعم ـ آمنت الآن بعامل الوراثة. ـ ألم تكن تؤمن به من قبل؟! ـ ليس إلى هذا الحد. ـ سأحضر فنجان قهوة. ـ أحضرتُ لكِ واحداً. ـ إذاً سأغسلُ وجهي وأعود لنشرب القهوة على الشرفة. ـ حسنٌ يا رولى. وأنا أغسل وجهي، كنتُ أرتّب الأسئلة التي سأقولها وسأفاجئهُ بها. ما إن عدت حتى ناولني لفافة تبغ فاخرة وفنجان قهوة وبدأ الحديث مباشرة. ـ سأريحك قليلاً وسأجيب بما أستطيع البوح به. كنتُ مبعوث منظمة سرية لحماية والدك ومراسلاً أيضاً لتلك المنظمة. ـ ممن تحميه يا ترى؟! ـ والدك كان مراقباً في الفترة الأخيرة. ـ ولماذا يراقب (تاجر بنّ)؟! ـ هذا العمل واجهة له أمام المجتمع يا رولى. ـ وما هو عمله الأصلي إذاً؟! ـ عنصر أساسي وهام في المنظّمة. لنقل مثل عنصر مخابرات دولي!! ـ والدي كذلك؟!! هذا مستحيل. ـ وأنا كذلك أيضاً. فجمّدني الذهول لحظة من الزمن. ثم عدت لأسأل: علاقتنا مع تلك البلاد ممتازة. فلماذا أمضى خمسة عشر عاماً هناك. ـ تلك البلاد كانت فقط مقرنا البعيد لما حولها من البلاد. ـ لكن جنسيّتك غير جنسيّته فكيف تحميه؟! ـ منظمتنا دولية ولا تعترف بحدود للبلاد العربية ولها مكتب سريّ أيضاً في كافة البلاد العربية. ـ هي منظّمة سريّة إذاً.. وأين مقرها الأساسي؟!! ـ ضحك بسخرية وقال: ألا تقولين أنها سرّية فكيف أفضح. أنا ما هو سري للغاية؟ ـ هل كنت تتقاضى أجراً عالياً؟! ـ طبعاً. ـ أهذا هو مصدر ثروتك؟! ـ جزء من المصدر. ـ معنى هذا أن والدي لم يمت بحادث سيارة. ـ طبعاً لا. ـ وذهبت أمي ضحيّة. ـ هذا قدرها. ـ وهل للرسالة التي وصلتني علاقة بمنظّمتكم؟! ـ لا أعرف.. لكنّي أرجّح ذلك. ـ هل كانت ميس تعرف عمل والدي؟! ـ ليس قبل أن يموت. ـ متى إذاً؟! ـ بعد اغتياله. وبعد أن وصلتني إشارة صوتية بذلك. وقمتِ أنتِ أيضاً بواجبكِ كاملاً وأخبرتها بتلك الفاجعة. مما أوصلها إلى حافة الانهيار، وظلت في المشفى قرابة يومين، حلفتُ لها بأنني سأنتقم فقالت: ـ ممن؟!.. شعرتُ أنني تورطت. فأخذت تلاحقني بالأسئلة وتقول: أشعر أنك تخفي أمراً. إلحاحها المتواصل جعلني أضطر لمصارحتها، كما أفعل الآن معك. لكنها قالت: هذا واجبي دع هؤلاء الأوغاد لي ومن مسؤوليتي أنا راحة الانتقام. سأنتقم. انضمت إلى المنظّمة بعد مراسلاتي ورجائي لهم وتعهّدي الكامل بتدريبها ولكنّها اكتشفت مفاجأة ثانية لا أستطيع البوح بها الآن وهي من حتّمت موضوع انفصالنا وعودتها إلى هنا. ـ ما الذي اكتشفته؟! ـ لا أستطيع البوح بأكثر مما قلت. ـ أرجوك فهد. أريد أن أعرف رأسي من قدمي أريد الحقيقة. ـ واجبي يدفعني الآن إلى الانسحاب. ـ واجبك يطلب منك أن تتركني إلى الضياع والخوف والجنون. ـ اهدئي. ما حصل قد حصل ولا فائدة من فتح ملفات مغلقة. ـ عائلتي كلها ملفات مغلقة. أشباحهم تلاحقني كيفما مِلت: أريد جواباً سريعاً والآن. ـ رولى.. لا أستطيع وإلا اعتبرت خائناً. ـ إذاً خذني معك. ـ رولى الموضوع ليس بهذه السهولة. ـ أريد أن أفكّ سرّ الغموض. ـ كلَّما حاولتِ فتح باب تجدين عشرة أبواب نهاية كل واحد منها الجحيم. ـ الجحيم أم الجنة. ـ في الدنيا جحيم وفي الآخرة الجنة. ـ أتكون من جماعة الأخوان المسلمين. ـ ضحك بصوت عالٍ جداً وقال: هذه منظّمة مكشوفة يا رولى ونحن أكثر سرّية ونختلف بطريقة معالجة الأمور وبالانفتاح. ـ ليس مهماً ما عدت أريد الدنيا. أريد أهلي. ـ ومن قال لك أننا لا نريد الدنيا. إننا نحارب لكي نحيا بهذه الدنيا بكل سلام. ونطال حقوقنا بأي طريقة حتى لو كانت القوة هي السبيل الوحيد علماً أننا لا نوّد ذلك. لكنّ الواقع الذي نحياه يدفعنا لامتلاك القوة كي نجابه القوة فلا يمكن أن ندفع عنا دبابة بنظرة رجاء. ولا طائرة أو صاروخاً بكلمة أو بحجر. ـ فهد خذني معك أرجوك. ـ رولى يكفي عذاباً واهدئي سنتدارس الموضوع وأخبرك لاحقاً. ـ مع مَنْ؟! ـ لست أدري. أنا فقط مراسل ولا علاقة لي برؤية الشخصيات. ـ هل تعدني يا فهد. ـ نعم أعدك. ـ أواثق أنت مما تقول؟! ـ حتى الآن في هذه اللحظة أنا واثق. سأكمل قهوتي وأسافر هكذا جاءت الإشارة. نظرتُ إلى قلمٍ كان يضيء في جيبه. ولم أشعره بذلك قام فهد وودّعني. عدّل قليلاً من مظهره ومضى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |