|
||||||
| Updated: Saturday, July 09, 2005 10:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس مدّ الصَّباحُ أنامله. أزاح ستائر الليلة الماضية بصمت. ابتسمتْ الشمس في غرفة ما كنت أظنها ستستجيب يوماً لأيّ ابتسامة. أشرقتْ بنور مبهر وسرى في شرايينها دفء الربيع. كلُّ ما حولي يستفزني للنهوض. فتحتُ الباب المطلّ على الشرفة. كانت هناك قطة نائمة على الأرجوحة تستظلّ من أشعة الشمس وتتمطى وكأنها في استعراض للفراء، ثم أخذت تلعق أطرافها الأربعة، وتغمز لي بعينين مازال النعاس أو الاستعطاف يداعب جفنيها، كانت الشرفة مغبّرة جداً، وحتى أوراق النَّباتات تسألني عن سبب قدوم الخريف في وقت الربيع. لا شيء سوى الإهمال يقدّمك إلى الموت كوجبة سريعة. نعم أنا مهملة جداً. تذكّرتُ أنني لم أفطن إلى تنظيف وترتيب المنزل منذ رحيل ميس. حتى أكوام الثياب المتسخة كانت تصدر روائح صارخة. لكن أعضائي مترامية مثل ثياب عُلّقت على الحبل يلعب بها الهواء كيفما شاء اتجاه الهبوب. ذهبتُ أغسل وجهي بعد أن وضعت القهوة على النار. كان الحمّام يستغيث من حالته المزريّة، وغرف النوم يأكلها الغبار فلا لمعة جمال على ذاك الأثاث الفاخر. شعرتُ للحظة بالإشمئزاز، وقررتُ تطهير المكان بكل المنظّفات العالمية وتمنيت لو أنّ هناك منظّفات مادّية تغسل الدماغ والقلوب والأرواح من شوائب الآلام والأوهام والأدران العالقة على جدرانها قفزتْ إلى ذهني فيروز لعلّها البداية الصباحيّة الجيّدة لغسل النفوس. أدرت إبرة المذياع على المحطة التي تصدح فيها فيروز على حنجرة الوقت. أخذ صوتها يتسلل إلى أذني كفعل مخدر عام قبل عملية صعبة. جلستُ على كرسي من القش. ووضعتُ الفنجان على حافّة الشرفة. مددت رجليّ على كرسي آخر وأسندت رأسي، وسبحت مع صوت سماويّ إلى أقاصي الشعور. عندما تحتسي فيروز صباحاً مع لسعة الربيع المعبأة برائحة الأرض تشعر أن قطرات الندى تنضحُ من مسام روحك، حتى تسيل دموعاً تغسل بها أدران الماضي العالقة على جدار الذكريات. وكنت أسمع الفنجان وهو يحاور الصحن عن لمسة يدٍ متعبة لا تحترم لحظة السكون. بعد أن تمادت الشمس في تحرشها، أجبرتني على الاعتدال وفتح جفني نظرت إلى المدى إلى السماء. حاولتُ أن أنظر إلى الكون بطريقة فؤاد. راقبتُ زوجين من العصافير وهما يطيران ويزقزقان ثم يحطان على شجرة يتعالى فيها نداء الجوع لفراخ صغيرة. ثم تبعت فراشة بيضاء تهمس لوردة جوريّة بما لا يعنيني على الإطلاق. رشفتُ قهوتي، ثم حرّكت ثفلها وقلبت الفنجان وتركته حتى ينهي بكاءه فلا يمكن أن أفهم حديثه وهو يبكي. مسحت آخر دمعة له على طرف الصحن، ثم نظرت إلى داخله. وجدت وجه أمي الضاحك يقفز من أسفله، ووجه ميس ووجه أبي وبينهما طريق مسدود، وطائر ينقل بشرى، وخاتماً، وأوراقاً متعددة، والكثير الكثير من الخرافات. ضحكت هازئة من ذاتي. ها إنني أفعل في لحظة يأس ما كان يفعله الجهّال أمثالي. ثم مددت أصبعي لأمسح داخل الفنجان وأقول أيمكن لمثلي أن تعود إلى أبجديّة البدائية لتفسير المجهول مع أنه مهما حاولنا فلن يتكشف لنا أمرٌ ما لم ينتهِ القدر من رسم مخططه؟! أراحتني هذه الفكرة وبدأت بالعمل. لابدّ أن أنظّم وقتي لأنهي واجباتي بسرعة. كان النشاط قد بدأ يعقد اتفاقيّة مؤقّتة مع أعضائي بعد جرعة رائعة من فيروز التي تسيل الآن على جدران أعصابي. انتهيت ودخلت الحمّام لأستحم بماء بارد يشدُّ جلدي وعضلاتي ويشدُّ من صدري ألف شهقة كنت أدّخرها لزمن الخوف القادم لكن لا بأس خرجت. ارتديت ملابسي وبعض الهدوء وتمددت على السرير الذي سحب مني تنهيدة طويلة وأخذت أسترجع الماضي وأحادث نفسي. دائماً تباغتنا الأقدار بما لا نتوقع، وننسفُ بلحظة واحدة ما بنيناه سنينَ. وما عشنا طوال دهر نخطط لمداراته أو معايشته أو الهروب منه. لكنّ الموت هو الحقيقة الثابتة المذهلة المرعبة في آن. يفتح عليك نافذة الذهول على المجهول. تحدق في العدم وكأنك أمام وحش سيأخذك على حين غفلة ـ تحاول أن تتخيّل شكله. تحاول أن تحتمي منه. تحاول أن تخلّد نفسك. فلا تجد وسيلة للهروب منه سوى النسيان لو كنت دائم التفكير فيه لَما استطعتَ الحياة دقيقة واحدة. لأن الرعب سيشلّ حركة الأيام. ولكنّ المشكلة ليست فينا. فهل تراه سينسانا إنه ببساطة يمهلنا ضاحكاً وكأنه يقول: يشغلني عنك مَنْ هو أهم منك وسأعود لاحقاً.. فأنا حتفك!! لم تكن فاجعتي بموت أبي قدْرَ فاجعتي بموت أمي. تعوّدت على موته سابقاً بالبُعد. لم تجمعني به ذكريات كثيرة. كان مثل الطيف الذي يزورني كلما ذكرته أمي. لكن أن تموت أمي فتلك هي الكارثة لأنها وضعتني بكل عُريي أمام أعاصير الخوف. كان ذراعاها شالاً من الدفء حريريّ الملمس وكانت عيناها نافذة المدى. وعاد الموت أخيراً ليخطف ما لم أتوقعه، ليخطف عكازي على الحياة. إنه يتبعني بكل خطوة. إنه حولي، داخلي لكن لماذا أظن أنه مخيف؟! هل لأنه المجهول الذي يترك لك كامل الجسد، ولكن لا حياة فيك. لستُ أدري. أرجو أن يكون الموت صديق أحبابي وراحتهم الأبدية. ولكن ما أدريه أنني مذهولة وأن ملايين الأسئلة تتزاحم في عقلي تريد الإجابة عليها دفعة واحدة. لعل الهروب من التفكير أسلم طريقة للهروب من الخوف. بسرعة أمسكت سماعة الهاتف لأحادث المكتب الذي أعمل فيه. ردّ لؤي بتثاقل: ألو نعم! ـ مرحباً لؤي. ـ رولى؟!! وأخيراً خرجت من ذاتك. ـ كيف حالك لؤي؟! ـ تمام.. بأحسن حال وأنتِ؟! ـ في غاية الملل. ـ أما آن موعد العودة للعمل يا رولى؟! ـ ليس بعد. ـ فات أكثر من شهر الآن. ـ نعم أدري لكنني بحاجة إلى تمديد إجازتي فأرجو أن تقدم لي شهراً آخر بلا أجر. ـ رولى ألست صديقك؟! ـ نعم ـ لؤي!! ـ ألا تسمعين نصيحة صديق؟! ـ طبعاً. ـ إذاً لا جدوى من تمديد الإجازة. العمل حالة ديناميكية تخرجك من جو الروتين لتجدي نفسك على طريق النسيان. ـ لؤي. مللت الخروج من الروتين إلى الروتين ولكن مع هذا كلامك على ما يبدو صحيح. ـ إذاً ستأتين غداً. ـ لست أدري. ـ رولى لن أمدد لك الإجازة حتى الغد. ـ حسنٌ لؤي.. أشكرك. ـ رولى لحظة. ـ ماذا لؤي؟! ـ تقوم الدائرة برحلة إلى الجبال. فما رأيك بالذهاب معنا؟ ـ الجبال؟! لا.. أبداً.. أبداً. ـ كما تشائين أنا آسف على ما يبدو أنت حقاً تحتاجين إلى تمديد الإجازة مع السلامة رولى. ـ مع السلامة. أعدت السماعة بعصبيّة.. ترى كيف أهرب؟! هل أغيّر كل هذا البلد لأرتاح؟! وأين أذهب؟! هل أعود للبحث عن عائلة لي في تلك القرية التي أقفلنا عليها حتى الذاكرة؟! ومن سيتعرّف عليّ؟! وهل سأقبل تلك البيئة التي سيغمى عليها لو شمّت رائحة العطر المنبعثة من شال على كتفي؟!! أم سيغمى عليّ لو شممت رائحة الأرض التي اختلط بها روث الحيوانات فأخصبتْ رغماً عنها وإلا فعقابها روثٌ أكثر؟! ولماذا لم أكوّن لي صداقات يا ترى؟! لماذا أتسألين؟! كيف كانت أمك تضعك في صندوق من العاج وتضعك على الرف الزجاجي كي لا تعبر أسماعك كلمة نابية أو خبر فاضح، ثم أكمل والدك المهمّة فلا يسمح للتلفاز حتى بالعمل إلا بعد رقابة قانونيّة عليه وكأنه الشرطي الذي لا يسمح للغريب بالعبور إلا بجواز سفر. ثم انتبهت كيف أحادث نفسي بصيغة المفرد. وقبل ذلك كنت أتحدث مع ميس بصيغة المثنى. أفكار عصفت بدماغي فقررت أن أرتدي ثيابي وأذهب إلى شاطئ البحر. اشتريت طعاماً جاهزاً وشراباً مثلجاً كان الوقت بعد العصر والشمس رائعة في طريق ذهابها إلى الغروب. فوجئتُ أن الشاطئ مكتظ بأناس يمرحون ويلعبون ويعرّضون أجسادهم لجرأة الأبصار، ولجرأة أشعة تترك مكان قبلتها احمراراً رائعاً. كانت النسمات تداعبني بلطف. جلستُ على طاولة نائية أنظر إلى أمواج تسرّح الشاطئ بكل نعومة، فيبدو مثل صدر عاشق مفتوح لكل الاحتمالات. كانت الأقدام العابرة تترك أثرها على صدر رحب فتغوص داخله حتى يغطيّها الرمل، وتنسحب للخطوة التالية وكانت الأمواج تهزأ دائماً من كل عابر. سيتعب الكون ولن تتعب تلك الأمواج ولن تترك أثراً لعابر على شطها!! على بعد عائلتين. جلس شاب جلستي ذاتها وعلى وجهه تجاعيد هَمٍّ. كان ينفث دخان سجائره كمن يرمي بكتلة أيام ثقيلة عن صدره. نعم شعرت به. لا يشعر بالأسى إلا من ذاقه. أتراه مثلي فقد أسرته أمْ ماله أم؟!! أجابني على أسئلتي حضور فتاة شقراء ترتدي ثوباً أزرق يكشف عن مفاتنها. فما كان منه إلا أن قفز والفرح يتوّج حركاته.. تخاصراً ومضياً إلى الغياب. كلُّ ما حولي يعرف وجهته ويملك وسيلة الوصول إليها إلا أنا ما أقسى الضياع!!. ما أصعب الشلل!! كنت أظن أن مبادرة الخروج من المنزل ستخرجني من ذاتي، لكنني مثل الثور المربوط إلى الطاحون، أدور، أدور مغمضة العينين. أدور لأفتت أعصابي إلى طحين ذكرى. فلا هو يصبح خبزاً يسدُّ جوع معرفتي ولا الريح تتركني ألّمّ ما تبقى لأبقى. حملتني قدماي إلى طريق العودة. العشاق في زواياهم الواهمة، الباعة على أرصفة الاستهلاك، والسّيارات في عرس الضوضاء، وخيوط الأرواح في كف الله. كان يجرُّ بخيطي إلى الطريق، التي لا يعرف نهايتها إلاّ هو. عدتُ إلى المنزل لأرى رقم فهد على الكاشف. أعدتُ الاتصال به. ـ مساء الخير يا فهد. ـ أهلاً رولى مساء النور. ـ اتصلتَ بي. كنتًُ خارج المنزل. ـ نعم رولى لأطمئنّ عليكِ. ـ أنا بخير. هل من أخبار لديك؟! ـ لا. لا أخبار حتى الآن. ضحكتُ هازئة. شعرَ بالسخرية في ضحكتي فقال: ما بالك؟! ـ فهد سأحكي لك عن قصة قديمة حدثت معي في أيام الطفولة. ـ حسنٌ.. احكي. ـ عندما كنت صغيرة.. صغيرة جداً. كنت أرى والدي عندما يقطع عهداً لأحد يضع يده على شاربه.. وكنت أضحك من حركته لدرجة جعلتني أدخل غرفتي وأرسم شارباً كي أقلّده. وعرفت أنني لا أستطيع إمساكه لأنه شارب وهمي. فأتساءل: لو كنت أريد قطع عهدٍ فماذا أفعل. فجاءت حركة أمي الضاحكة أيضاً بأنها ستقصّ سالفها لو لم يحدث كذا وكذا. لكنني نسيت يا فهد نعم نسيت أنه لا شارب لك. ولست فقط وحدك. فهذا زمان لا يعترف بالشوارب. صارت موضةً قديمة. ـ شكراً لك يا رولى على هذه الإهانة بمعنى أن زمن الشوارب هو زمن الالتزام. ـ على ما يبدو. ـ ومعنى ذلك أنني لست مسؤولاً عن كلامي. ـ على ما يبدو. أيضاً. ـ المشكلة أنني أقدّر حزنكِ وألمكِ ولن أغضب منك. ـ لتغضب ما عاد يهمني أي شيء. ـ اهدئي رولى، وحاولي أن تتفهمي. ـ ماذا أفهم وأنت أتيت لتوهمني حباً وصدقاً ثم تسرقني وتهرب مدّعياً مساعدتي؟! ـ أنا سرقتكِ؟! ـ لا بل سرقت ذاتك، سرقت زوجك الراحلة، سرقت ميراثي يا فهد. ـ أنا؟! ـ طبعاً أنت!! ـ ألم تنم في غرفتها؟! ألم تفتح حقائبها؟! أريد القلم والشريط. ـ أي قلم وأي شريط؟ ـ القلم الذي يضيء وشريط الأمل لأم كلثوم!! ـ أنا لا أعرف شيئاً مما تتحدثين. ولكن إذا كانت المشكلة قلماً وشريطاً فغداً أحضر لك ألف قلم والمجموعة الكاملة لأم كلثوم. ـ فهد لا تتغابَ، ولا تشكّك بذكائي. ـ رولى. أنت غير طبيعية. اعرضي نفسك على طبيب عصبي أرجوك. ـ نعم تفعلون ما يطيبُ لكم، ثم تتهموننا بالجنون. سأعترف لكَ أنا وصلت حافة الجنون. ولكن كل جنوني سأصبّه عليك ما لم تُعِدْ ما طلبته منك. ـ رولى أنا ما أخذت شيئاً من منزلكم ويكفي إهانات لي. أغلقتُ السماعة بعصبية، ثم ارتميتُ على السرير، وضعت الوسادة على فمي وبدأت بالصراخ. ثم حالفني سيل من الدموع أخمد الحرائق المشتعلة داخلي. إلى أن تراميت بكل ما فيّ مستسلمة لموتٍ مؤقت. في تمام الساعة الثامنة شاهدت أنني أطير بثوب أزرق. أحلّق على مهدٍ رائع مثل بساط الريح. نزلت على كومة قطن ناصعة البياض. أقفز وأقفز. تذكرت أرجوحتي القديمة على غصن شجرة ضخمة تتحدى الريح. كان والدي قد صنعها من حبالٍ ثخينة. أتأرجح قليلاً وأطير لأقفز قليلاً. فجأة سمعت صدى عالياً في السماء. كان صوت أختي ميس، وهي في مهدها تلتف بلّفة بيضاء وتبكي. نزلت إليها. وضعت زجاجة الحليب في فمها. ضحكتْ وأكلتْ ثم نامتْ. حاولتُ العودة إلى تلك الغيمة البيضاء. فوجدتُ وجهها مكفهراً، وأخذتْ تذبل وتذوب مثل قطعة ثلج تعرضت للحرارة، وكان مصدرها قلبي. نزلتْ أمطار عنيفة غزيرة. فركضتُ إلى أرجوحتي تحت شجرة صارت جرداء إلا مني، وصوت الرعد يزلزل أركان السماء، ونور البرق مخيف يصعق عيني ـ صرخت وفتحت عينيّ فإذا برقاص الساعة ما يزال يتأرجح بي على سخط الزمن، وصوت الجرس المتتابع يدفعني إلى النهوض، فنظرت إلى معصمي كانت الساعة الثامنة تماماً. من يا ترى؟ وقمت مسرعة أفتح الباب. نظرتُ من العدسة المكّبرة لم أشاهد شيئاً فقلت: ـ من الطارق؟! ـ من الطارق؟! عيني ما تزال على العدسة وإذا بوردة تسدُّ مدى نظري. فتحتُ الباب فإذا بفؤاد يتقدّم منّي وكأنّه يهمُّ بتقبيلي. في تلك اللحظة. قُرع جرس الهاتف. كان بمثابة المنقذ. ذهبت لأردّ عليه وأنا أقول: ـ تفضل فؤاد. أدخل. سآتي حالاً. ـ نعم.. نعم. ـ مرحباً صباح الخير رولى. ـ صباح النور لؤي. ـ تقدمتُ بطلب إجازتك للمدير فرفضها ماذا أفعل الآن؟! ـ لا بأس لؤي غداً سآتي لأحسمَ الأمر إما أن أستقيل أو نتفاهم. ـ ماذا؟!! أوصلتْ حدّ الاستقالة دعيني إذاً لأحاول معه مرة أخرى. ـ أشكرك لؤي كلّفتك فوق طاقتك. ـ عفواً رولى.. اعتني بنفسك. ـ لا بأس إلى اللقاء. ـ التفتُ خلفي لأرى فؤاداً متكئاً على الباب وهو يتأمّلني بثوب النوم الذي يشف بعض الشيء، والذي يظهر تمرد صدري ويتأمّل شعري الغجري ـ قال: ما أروعك ببساطة هذه الثياب. ـ لماذا تتعمد إحراجي؟! ـ والله أنا صادق. ـ عن إذنك لأغيرّ ملابسي. ـ بالنسبة لي أنا أفضّلك هكذا. ـ لم أردّ عليه فأنا عندما لا أشرب القهوة تكون جاهزيتي للعراك ناقصة. دخلت غرفة نومي فجاء صوته من المطبخ. سأعدّ القهوة. ـ حسنٌ!! حزمت شعري بربطة قاسية لأقهر جموحه إلى الحرية، وارتديت بنطالاً من الجينز وقميصاً قطنياً، ثم قليلاً من العطر وخرجت مسرعة. كان قد أخذ القهوة إلى الشرفة. فاجأني أنه يحمل تلك القطة المغرورة بين يديه، ويملّس ظهرها بكل حنان. خرجتْ مني شهقة. أرجوك، دعها لشأنها. ـ هي من تتمسحُ بي. ـ لكنها بين أحضانك. ألا تنجو منك حتى القطط. ـ ماذا أفعل إذا كانت قطتي الغجرية لا تقبل حتى بقبلة كتحية فكان لابد من التعويض. ـ وقطتك المنزلية ألا تتمسح بك. ـ لا يا حبيبتي فأنا أحب القطط الشرسة. ـ فؤاد اشرب قهوتك قبل أن تبرد. ـ نعم أحبها لاهبة مثل النار. ـ إذاً اشربها بسرعة. لا تكون كذلك إلا إذا كانت ممزوجة بنكهة الشهد من شفتيكِ. ـ ألا تشعر أنك أكثر من جريء. ـ قوليها.. قولي أنني وقح. ـ ها إنك فهمتها وحدك. ـ هل حقاً أزعجك؟! ـ ألم تشعر بذلك حتى الآن؟! ـ كنت أظن العكس. ـ لكل وقت آذان. ـ آوه.. تعنين أنك الآن منزعجة. حسنٌ نؤجّل القبل حتى نشرب القهوة. ضحكتُ بصوت عالٍ وأنا أقول: ما أبعد مدة التأجيل. ـ نعم هكذا. دعيني أرَ جمالك وأسمع ضحكتك ـ يا الله يا رولى لها رنةٌ يرقصُ القلب عليها وكم يزداد جمالك. تختلفين جذرياً. ـ هل كنت قبيحة طوال حزني؟! ـ لا طبعاً ـ هو الفرق بين الربيع والشتاء ولكلّ فصلٍ جماله. ـ ها إنني أكتشف فيك ميزة جديدة. ـ ما هي؟ ـ الرومانسيّة ـ الشاعريّة. ـ نعم رولى.. الألم يصنع الشاعريّة على قدر ألمي على قدر حسي. ـ لكنه لا يفعل معي ذلك إنه يثير غضبي ومقتي حتى لأنه ينسيني ذاتي. ـ لأنك جديدة العهد به. أما أنا فقد تربيت على ثديه. رضعته بدل ثدي أمي. شربت القهر وعصرت الخذلان وأكلت وجبات ساخنة من ظلم يزداد مراراً يوماً بعد يوم. ـ ألا تحادثني قليلاً عن أمك وأخوتك ولديّ فضول أن أعرف الكثير عن زوجتك. ـ رولى.. ألا نؤجل هذا الحديث لوقت آخر؟ ـ لا.. أنت دائم الهروب. ـ لأنني أريد أن أنسى. لا أن أتذكّر. ـ تنسى ماذا. ـ تنهّد بعمق. شعرتُ بأنه سيضربني لو سألتُ سؤالاً آخر. ـ حسنٌ فؤاد. لنغيّر الحديث، واقلب الصفحة.. ثم سألته فجأة ـ فؤاد ـ نعم ـ أتراني أظلم فهداً؟!! ـ بماذا تظلمينه؟! ـ هناك شريط (كاسيت) وقلم سُرقا من حقيبة أختي وعندما واجهته بذلك أنكر وسخر منّي. كانت لهجته تقول أنه صادق ولكنْ.. من سرق القلم والشريط من حقيبة أختي؟ ـ كلُّ هذا الهمّ من أجل شريط وقلم؟! هل فقدتِ شيئاَ آخر؟! ـ لا ـ إذاً لا تكبّري المشكلة. ـ فؤاد. لولا أهمية الشريط والقلم لما سرقا. ـ رولى. ما بالك تحققين مثل رجال الشرطة. ـ طبعاً يجب أن أكون كذلك، خاصة وأنا أبحث عن مجهول عن حقيقة. ـ الحقيقة دفنت تحت التراب فلا تبحثي عنها وتأملي. هناك أشياء رائعة فوقه. ـ دائماً. تسخّف ما أفكر به. ـ رولى أنا أحاول أن أحميك من أفكارك. ـ ساعدني يا فؤاد لأصل إلى الحقيقة. أرجوك. ـ لو كانت الحقيقة رجلاً. وحشاً. لقتلته وحملته لك كهدّية. لكنها مثل عطر. نشمّه ولا نراه. ـ حسنٌ إذاً. فهذا اعتراف منك أنه موجود مثل الهواء تماماً. لا نراه لكننا لا نستطيع أن نحيا إلا به. ـ حسناً رولى، سأسألك سؤالاً واحداً فأجيبي بكل صراحة هل أنت خائفة من الموت؟! ـ لا بل أتمنّاه في كثير من الأحيان. أنا خائفة من الخوف ذاته، من الألم ذاته. من الوحدة من المجهول. من الشك في كلّ ما حولي. أريد فقط أن أعرف الحقيقة مهما كانت قاسية. اكتشاف الخطر أسهل من الشك في وجوده. في تلك اللحظة. سمعت رنة خفيفة بالكاد أن تسمع. كانت تلك الرنة قادمة من جيب فؤاد سألت: ما هذا الصوت؟! ـ أي صوت؟! ـ صوت رنة خفيفة. ـ لعلها قادمة من بيوت أحد الجيران دعينا منها. عاود الرنين الضعيف صوته. نظرت في عينيه مباشرة ولم أنطق بحرف فما كان منه إلا أن وقف وركض نحو الباب وغادر مسرعاً. هرب دون أي إجابة، وأنا أكاد أن أجن. ليس صوت هاتف خليوي. ليس صوت آلة حاسبة ولا مفاتيح. ما هذا الصوت الصادر؟! ولماذا ركض كالمجنون؟!.. لست أدري.. ولكن بحقّ كلّ هذا الضياع الذي أحياه سأعرف وعمّا قريب. سأعرف كل شيء. أعدك يا فؤاد.. أعدك يا فهد. سأصل إلى الحقيقة حتّى لو كانت روحي هي الثمن. آه من الحزن.. ما هو الحزن؟! هو أن تفقد كلّ الأشياء حولك ألوانها وأن تنفذ أنت من خلال الأقنعة والستائر إلى كوامن الأشياء. ليتكشّف لك سوء ظنك وبدائيّة قرون الاستشعار التي يملكها حسّك، فترتمي بكل خذلان أمام نفسك وتبدأ بالبكاء. إذاً البكاء هو وسيلة الحزن على التعبير وأداته البدائية. أو هو تلك اللحظة الحاسمة التي تدرك فيها حجمك تماماً. فإما أن تفقد كلّ أبعادك دفعة واحدة وتستسلم لليأس. وإما أن تتضخمّ ذاتك أمام ضآلة الكون وتهرع بكل حنكة إلى نسيان ما اكتشفت. هذا ما كنت أفكر وأشعر به وأنا أزيح غطاء الحزن عن قلق الليلة الفائتة. وقررت أن أستجمع كل قواي وأهذّب قرون استشعاري وأمضي. فلدي أعمال سأقوم بها. دخلتُ مكتبي لأرى عشرات الموظفين والموظّفات يهرعون إلى استقبالي ومواساتي.. حادثتهم.. شكرت لهفتهم.. دخلت غرفة المدير. وقف ذاك المربع يحمل كرشه كامرأة متعبة في شهرها التاسع. ـ أهلاً.. أهلاً بعودتك يا ابنتي. ـ أهلاً بك أستاذ.. لكني ما جئتُ إلا لأذهب.. فأرجو توقيعك على إجازة سنوية. لو سمحت. ـ سنة يا رولى.. لماذا؟! البارحة كانت شهراً. ـ لأنني أريد أن أسافر. ـ إلى أين؟!! ـ أستاذ.. هذا شأني. ـ رولى لماذا تحادثينني بهذا النفور؟! أنا قلق عليك يا ابنتي. الوحدة قاتلة والعمل يحتاج مهندّسة نشيطة مثلك. صَمَتُّ فجأة. نسيتُ أنني مهندسة تماماً، لكنّ فكرة السفر أخذت تزيد التماعاً في ذهني. كانت حجة للإجازة. لكنني الآن حقاً سأسافر وسأفاجئ فهداً بقدومي المباغت. وإذا بصوت المدير يعلو تدريجياً. ـ آنسة رولى.. آنسة رولى.. أين كنتِ؟! ـ عفواً أستاذ.. أرجوك أن توقع هنا!! ـ لا بأس.. إذا كانت هذه رغبتك. شكرته وانصرفت وأنا لا أرى أمامي سوى حقائب وتذاكر وطائرة تطير بي نحو غيمة تبكي، وطفلة تبكي، وأرجوحة مبللة تحت وطأة مطر لا يرحم، تذكّرت المنام الذي استيقظتُ عليه وهاهو الآن يلمع فكرة في ذهني أو قدراً في ذهن الله. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |