على قيد الخوف رسالة إليك ـــ ميسون جنّيّات

رواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2005

Updated: Saturday, July 09, 2005 10:23 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس

اليوم موعد السفر. لم أخبر فؤاداً بذلك، ولن أخبره فتصرّفه وضع حوله ألف إشارة استفهام وتعجّب. وما علاقته بي..؟! أيكون زوجي أو حبيبي أو..؟! إنه لا يعنيني على الإطلاق. نعم سأخرس نداء لهفتي وأشواقي. وأسمع فقط نداء الخوف الكامن خلف واجبي.‏

سيفاجأ فهد عندما يراني أمامه والحمد لله أنني مازلت محتفظة برسائل أختي لآخذ العنوان منها.‏

وجوه كثيرة وجنسيّات غريبة تذهلني في المطار.. نداء المضيفة على الرحلة رقم (751) الذاهبة من بيروت إلى دبي جعلني أكثر تحفزاً ومراقبة. حملت حقيبة اليد بعد أن وزنت حقائبي. ممرات لا تنتهي وتفتيش يدهشني. أكلُّ هذا ونحن في رحلة من بلد عربي إلى آخر شقيق؟! كيف سيكون التفتيش لو أننا دخلنا بلاد (؟!) ومع ذلك أشعر بالراحة فذلك يدعو للشعور بالأمن بعد كل الخوف الذي أقلقني.‏

استقبلتني مضيفة غاية في اللطف. لتوصلني إلى مقعدٍ محجوز لبطاقتي. هدأتُ واسترخيتُ حتى شبع بطن الطائرة بوجبة مختلفة الأصناف فاستعدت للتحليق. ليس أروع من مشهد صعود الطائرة سوى مشهد هبوطها. في تلك اللحظة ينتابك شعور بالرهبة ممزوج مع لذّة المغامرة، وأنت تبتعد عن كرة كنت منذ قليل ذرّة على أرضها. وينتابك أيضاً شعور بالزّهوِ وأنت ترتقي كل عالٍ على سطح الأرض. تحاول ضبط أعصابك، وإيهام نفسك أنك لست خائفاً، فأنت تستحق هذه المكانة. وعند أي مطب هوائي تهبط إلى حد الالتصاق بنفسك لتعمل حواسك بآليّة أجهزتها. وأنا في تلك اللحظة اهتزّتْ الطائرة قليلاً بفعل ذاك المطب الهوائي فارتجفت كلّ أوصالي، وشددت مسند الكرسي بكلتا يدي ثم ضحكت من تقاطع الحقائق مع هذيان الأفكار. شعرتُ أنني جزء من جسد واحد مع ركّاب الطائرة. ذات النظرة في العيون وذات البسمة البلهاء المرسومة على الوجوه.‏

أغمضتُ عينيّ واسترخيت.. لو أنّ فؤاداًَ لم يهرب، لكنتُ طلبت منه السفر معي. أظن أن السفر ممتعٌ، فهو يحبّ تأمّل هذه المشاهد، يحب المغامرة أيضاً، ويبدو أن النوم غلبني بعد تلك الوجبة الرائعة والاسترخاء المترف. لم أصحُ إلا ويدُ المضيفة تربّت بلطف.. تدعوني لوضع حزام الأمان فنحن في حالة هبوط. شعرت بصداع خفيف وبشدٍ عصبي لكن البرّ أمان. نعم. اشتقت أن أدوس الأرض وأستمتع بنعمة الوقوف عليها. على أرض ثابتة. حقاً يا فؤاد. هناك نَعمٌ لا ندرك معناها إلا بفقدها، ويا هول عددها.‏

استلمت حقائبي. ركبتُ سيّارة أجرة وأسلمتُ العنوان لسائق التكسي ففوجئت أنه لا يعرف القراءة بلغتنا وأن له لغة خاصة مدموجة بين العربيّة المكسّرة والإنكليزيّة المبعثرة والهنديّة الممثلة بإيماءات وحركات ضحكت في سري، وتحادثنا طويلاً بالحركات ولكنه أوصلني إلى غايتي أخيراً وهذا هو المهم.‏

وقفت ألتقط أنفاسي قبل أن أقرع الجرس. لكنها تلاحقت فجأة. فُتح الباب بسرعة جنونية، وخرج رجل لم أشاهد ملامح وجهه إلا بعد أن صدمني وكاد أن يوقعني أرضاً. في ذات اللحظة نطقنا من هول المفاجأة صرخ رولى؟!.. صرخت فؤاد؟!‏

كان الشاهد الوحيد على هذا الموقف التاجر صاحب أبي وزوج أختي السابق. نظرت إلى الاثنين لم أنطقْ بكلمة واحدة ولم ينطقا. تركت للأرض متعة احتضاني أو حتى تكسير أضلاعي لست أدري. شعرت فجأة أن السماء تدور والأرض تدور وعصافير كثيرة تزقزق هازئة وتدور حول وجبة دسمة لأفكار يائسة تتبخر الآن من رأسي دفعة واحدة.‏

لست أدري كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحالة. مغميٌّ عليّ. كنت ممدّدة على سرير في أحد الغرف. وكان سمعي أول حاسة صحتْ في جسدي، ثم جلدي وبصري. لم أحرّك ساكناً أصوات تمرّ بالقرب من الغرفة، وأصوات تأتي من الغرفة المقابلة لغرفتي أميزّ بوضوح الآن صوت فؤاد وفهد فيها تحرّكت ببطء واقتربت حدّ الالتصاق بالحقائق، بدأ فؤاد حديثه.‏

ـ يجب أن نخترع أي قصة تبدو معقولة.‏

ـ لا يمكن يا فؤاد. كانت تشك بي وتستثنيك من الشكوك. الآن نحن في دائرة الشك معاً وليس هذا ما تريده ميس.‏

ـ وليس هذا هدفنا أيضاً. نحن نوّد أن نحميها. بمجرد معرفتها الحقيقة ستزج أنفها بيننا ولن تتركنا.‏

ـ إنها بعناد ميس.‏

ـ بل أكثر يا فهد، بل أكثر. وأنا خائف عليها.‏

ـ سنوهمها بمصادفة التقائنا.‏

ـ لا تكن غبياً. أظنها جاءت لتعرف حقيقة الشريط والقلم، فكيف ستصدّق نكتة كهذه؟!‏

ـ إذا لابد من مصارحتها بالحقيقة.‏

ـ هل جننت؟!‏

ـ بل هي من سيجُن ما لم تعرفها.‏

ـ هل أتلفتَ الشريط وكسرت القلم كما أوصيتك؟!‏

ـ بالطبع. وهل أستطيع مخالفة الأوامر.‏

ـ إذاً خذ حمّالات المفاتيح أيضاً وارمها في أي مكان في البحر إنها جنيّة ولن تستسلم حتى تورّطنا وتورّط نفسها.‏

ـ سيدي لسنا بمجرمين، وستفهم ذلك حتى لو أن الضحايا أهلها.‏

ـ ليس فقط أهلها. كلنا ضحايا ـ وأنا لم أفرض على أيّ منهم اختيار ما اختار. لكن المشاعر أحياناً هي التي تحدد مصيرنا.‏

كنت أسمع بكثير من الدقة وأحلل الكلام علّني أصل إلى الحقيقة إلى أن قال فؤاد: حاولت يا فهد. حاولت كثيراً تعويضها عن حنان فقدته. حاولت إشعال حرائق داخلها ولم أفلح. إنها ببساطة مسيّرة وفق خطة تفكير آسرة. توقعتُ كل شيء إلا أن أرى تهورها يقودها إلى هنا!! إذاً كل تصرف معي كان مدروساً.. أكمل فهد:‏

ـ لكن تهورها فيه ذكاء فطري فالوارثة عامل خطير. كان والدها غاية في الدهاء. لكن الرجل غير الأنثى إنه قادر على كبح جماح مشاعره واحتمال البعاد عمن يحب. ردّ فؤاد.‏

لأن غايته كانت أسمى. أنت تدري يا فهد مقدار حبي لميس. آسف على صراحتي. ولكن من الاستحالة بمكان أن أكشف نفسي أمام أي مخلوق. لولا أنها غافلتني مرة وفتشتْ في ثيابي. طبعاً من باب الحب. وكم تفاجأتْ عندما وجدتْ تلك الميدالية وقارنتها بميدالية والدها. حفظتْ ذلك في ذاكرتها وكانت الفاجعة أنها رأت مثيلتها في بيتك.‏

ـ آه يا سيدي كم لاحقتني بالسؤال عن الميداليّة ـ حتى اضطررتُ أن أشرح لها أنها رمز منظّمتنا. تخيّل، تركت كل المجوهرات والأموال مقابل أن تواجهكَ بها. وعذرها بأخذها أنني أشترك معكَ بأول حرف.‏

ـ لو تدري يا سيدي كم أصرّتْ حتى رضختُ لرغبتها إنها حقاً رمز للبطولة.‏

لو كان والدها على قيد الحياة لما سمح لها القيام بتلك العملية ولا سمح لكَ بالموافقة عليها.‏

ـ القدر يلعب بورق مكشوف أحياناً.‏

ـ وماذا سنفعل الآن مع رولى؟! أخاف أن تكون نسخة طبق الأصل عن أختها.‏

ـ احتمال كبير ومع هذا لا يمكن أن نتركها للانهيار يا فهد..‏

ـ ولا يمكن أن نقول لها الحقيقة أيضاً.‏

ـ لست أدري إذا كانت تحتمل سماعها. إنها أرق من نسمة.‏

ـ لكن داخلها قلعة. فلو لم تكن كذلك لما احتملت أعاصير المحن التي مرت عليها.‏

ـ نعم يا فهد. فعلت معها فعل النار في الزجاج صهرتها وبعد أن أتت عليها رياح الموت جعلت الزجاج شفافاً إلى درجة عدم رؤيته.‏

ـ ألا تظن أن نقراً عليه سيجعله شظايا ناعمة.‏

ـ فما كان مني إلاّ أن خرجت من خلف الجدار وحضرت حضور الصاعقة عليهما لأقول أعيدا صهري وضعاني في القالب الذي تريدان. انتفضا بخوف وتقدّما منّي بلهفة قال فهد: رولى كيف حالك الآن. متى نهضتِ؟! الطبيب قال لن تستيقظي قبل الصباح.‏

إنني أقوى من أي وقتٍ مضى يا فهد، وليس أمامكما سوى تفصيل الحقيقة حدثاً حدثاً.‏

تقدم فهد ليقول: رولى هذا فؤاد، العقل المفكّر والمسؤول عن إصدار الأوامر في المنظّمة وما علينا إلا التنفيذ.‏

تدورت عيناي وتقدّمتُ منه لأقول: أشهد أنه لعقل حقاً. فلو لم يكن كذلك لما استطاع التخطيط بكل هذه الدقة. يدفع الناس لموت ويبقى هو سليماً معافى. يتّمني. وضيّع أختي ليعود هو إلى حضن زوجه وأطفاله.‏

رولى أرجوك، احسبي حساب كل حرفٍ تلفظينه.‏

كانت عينيّ تحدقان بفؤاد كمن لا يصدّقُ ما يسمع. ارتدى فؤاد كلّ اتزانه وكل صرامته. جلس بهدوء قاتل كعادته وطلب مني الجلوس وبعد أن أخذ نفساً عميقاً قال:‏

ـ هل أنت مستعدّة لسماع الحقيقة؟!‏

جلست متحفزّة أسمع بكل مساماتي طبعاً هات ما عندك.‏

ـ سأبدأ من النهاية.‏

ـ ابدأ من حيث شئت المهم هو الحقيقة.‏

ـ أولاً يا رولى: أنا لستُ متزوجاً وليس لدي أولاد، ولا يسمح لمثلي أن يتزوج، لأن حياتنا على كف عفريت. وإن سمحوا لنا فكيف أقبل أن أنجب طفلاً وأتركه لكل هذا الرعب الذي كنت أحيا فيه؟!‏

أنا الوحيد الذي نجا من عائلتي يا رولى. ماتت أمي في تلك الغارة على جنوب لبنان. ماتت مع أربعة أخوة لي. كلهم أعضاء مفصولة عن أجسادهم، لن أنسى جدران البيت والدماء تغسلها. لن أنسى أبداً.‏

ـ ثانياً: والدك كان مبعوثنا السريّ إلى مختلف دول العالم وبأسماء مختلفة وجوازات مختلفة أيضاً.‏

ـ ثالثاً: أنا أعرف ميس منذ كنت أتدرب معها على رياضة الكراتيه في ذاك المعهد. يومها عشقتها بصمت لكنّها كانت من درّبت قلبي على فنون الحياة والتعلّق بها حدّ الجنون.‏

رابعاً: من يخسر كل ما يملك يا رولى دفعة واحدة، أهله ـ بيته ـ عرضه ـ ماله. ويُرمى به على قارعة التشرد يمكن أن يفعل أي شيء لأنه في تلك اللحظة يملك حقداً وعقلاً يعادل قوى الشر جميعها. لأنه صاحب حق.‏

بدأت الحكاية بانضمامي إلى تلك المنظّمة التي تدافع عن حقوقنا في الحياة، وتدافع عن أرضنا ضد الغزاة. تسلّمت بعد وفاة قائدها مهمة المراسلات اللاسلكية مع عملائنا في الخارج. وعندما استقرت أحوال البلاد سمحنا لوالدك بالمجيء إلى بيروت تحت اسم (تاجر بنّ) وهو في الأصل لا يعرف من البن سوى مذاقه. وكذلك فهد سُمح له بالعودة إلى بلاده لكنّه فضّل العمل هنا في الإمارات لأنها أقرب إلى مزاجه. وعندما تزوج فهد من ميس كانت كارثة عليّ. وكانت أيضاً حالة استثنائية وكأنها مكافأة من والدك على عمله الدؤوب لحمايته هناك، خاصة بعد استقرار الأوضاع قليلاً، ولأنني لا أريد حرمان ميس من ممارسة حياتها الطبيعية. لكنّنا بوفاة والدك عرفنا أننا مراقبون وأن الثأر طال أحد عملائنا.‏

عرفتْ ميس عن طريق المصادفة البحتة علاقة فهد بنا. وعندما وجدتْ ذاك القلم وهو جهاز إرسال. ولأنها تعرف صوتي كانت مفاجأتها عظيمة. فهي من ردّت عليّ أثناء الإشارة. ووضعتْ فهداً في وضع لا يحسد عليه. ووضعتني في زاوية ضيقة جداً. لكنها أخذت قرارها بالانفصال عن فهد وقالت له: إن من تحبّه ومن تركته لأجله هو رئيسه فؤاد. وإنها الآن ارتاحت وليست مضطرة للحياة مع فهد بعد ذلك اليوم.‏

عادت إلى بيروت وطلبت مني الزواج. رفضتُ. وككل أنثى ظنّتْ أنني أتهرّب منّها لأمور ساذجة، مثل علاقتي بامرأة أخرى، أو ما شابه ذلك!! يوم دخلت ميس إلى مكتبي الوهمي، لم تسمع والحمد له حديثي مع منى. كنا نخطط لعملية هجومية على إحدى السفارات، وسرقة بعض الملفات الهامة منها. طبعاً أرسلت لها رسالة أعتذر عن علاقة غير صحيحة مع منى. لكن منى شعرتْ بظلمها لي وأحبتْ أن تطلعها على كل شيء. بعد أن أحسّت بمدى ألمي. ذهبتْ منى إليها، وأدلت بكامل دلوها، فما كان منها إلا أن أخذت جهاز إرسال منى، وقالت بكل حزم لست أفضل مني سأقوم بدلاً عنك بالمهمة. حان وقت انتقامي لوالديّ. رفضتُ. لكنها أتت مندفعة بعاطفتها أولاً، وبإحساسها بظلمي ثانياً، أتت لتعيد قولها وإصرارها، وتذكرني بأنها قد تدرّبت عند فهد بما يكفي. رجوتها بالعدول عما تودّ فعله. ولكن لا جدوى لأنها كانت ممتلئة حتّى الثمالة حقداً على قتلة والديها. وممتلئة حدَّ الثمالة عشقاً بي، ويائسة من حياتي معها. ولكن بعد أن هدأت قالت: لن تجد هذه المنظّمة عقلاً كعقلك يا فؤاد. لكن أمثالي قد يتكررون. كنت أنتظر عودتها بفارغ الصبر سليمة لأطمئن عليها. كان الأوان قد فات وأصيبت في ذلك الحادث، وتركت لي مهمة الحفاظ عليك، ومع هذا كان ضميري يؤنبني كلما رأيتك بهذا الحزن. فكتبت لك تلك الرسالة لتعرفي أن أختك بطلة ولتأخذي كامل حقوقك من البنوك طبعاً بعد اتفاقي مع فروعها في الدول الأخرى بصرف هذا المبلغ لكِ وأنا من وضع ذاك المحامي للعائلة أو بالأصح من نصح ميس به على فكرة اسمه ياسر الغريب.‏

كنت مذهولة لا أصدق. سألته وكم هو رصيدك الآن يا فؤاد؟! مؤكد أنه أضعاف رصيدي.‏

رصيدي في الحياة هو أنت يا رولى. صدقيني أنت كل رصيدي أحبّك رولى كما كنت أحبّ ميس ووالدك أحبّك حقاً.‏

كان فهد يبكي بصمت على فؤاد وعلى نفسه، وعليّ. أما أنا فقد نشفت دموعي تماماً. تحوّل قلبي إلى ورقة نشاف امتصت كل دموع إحساسي.‏

لماذا البكاء الآن طالما أن الوضع بهذا الرقي وبهذه الرفعة؟!‏

أنا فخورة بأبي وأمي وأختي ميس. وفخورة بكما أيضاً ومنذ الآن أنا معكم. جُنَ فؤاد فجأة وقال: لا يا رولى أنت في قلبنا، ولا يمكن أن تكوني معنا كمنظّمة أبداً. ميس كانت أقدرُ منك جسداً، ومع هذا خسرناها. أنت ناعمة جداً وهذا العمل يتطلب جهداً مضاعفاً وسرعة في الحركة وتدريباً طويلاً.‏

ـ أنا مستعدة لأي شيء فأنا في إجازة سنويّة.‏

ـ لا يمكنني قبول طلبك مهما كان، فلن أخسر كلّ من أحبّ يكفي ميس لن أضيّعك مثلما ضاعت. لو أنها نفّذت كل إرشاداتي لعادت سليمة لكنّ نقص التدريب واللياقة جعل منها ضحية ولذلك فأنا أرفض وبكل إصرار انتسابك إلينا كمنظّمة. لكننا المسؤولون عنك شئت أم أبيت كأشخاص وكمنظّمة. هذا صهركم السّابق وكم كنت أتمنى أن أكون صهر عائلة مثلكم ومع هذا يكفيني فخراً أنني عرفتكم!!‏

ـ واعذريني. سأغادر اليوم إلى بيروت هناك أعمال كثيرة في انتظاري.‏

ـ خذني معك. سأسافر اليوم أنا أيضاً.‏

ـ لا يمكن رولى ابقي لمدة أطول كي تستريحي وسأنتظرك هناك.‏

انحنى، قبّل يدي بكل احترام ثم مضى مسرعاً. ودّعته وودّعه فهد وعاد، وقبل أن يجلس فاجأته بسؤالي.‏

ـ هيْ.. فهد، أرجو أن تجيبني بكل أمانة.‏

ـ عن أي شيء؟!!‏

ـ ماذا كان يوجد في الشريط؟!‏

ـ هل ستصدِّقينني لو قلت أنني حقاً لا أعرف.‏

ـ معقول؟!‏

نعم رولى. فالشريط كان مختوماً وطلب مني أن أحضره، ولو سمعته سيعرف فؤاد بذلك ويحرمني من متابعة العمل معه لأنني لست أهلاً للأمانة. قد يكون معلومات أخذتها ميس عن أحدهم، قد تكون رسالة لك أو لفؤاد، قد يكون أي شيء آخر. ولكن من المؤكد طبعاً أنه مهم. ومع هذا لنقل أنه شريط الأمل حقاً. فلماذا لا يبقى كذلك. دعينا الآن من كل هذه الأمور واستريحي يكفيك توتراً وأهلاً بك في منزل أخيكِ.‏

استرخيت في السري. تحوّل تفكيري فجأة نحو اتجاه آخر. إذاً لست وحدي قيد الخوف. كلنا نحيا قيد الخوف. لولا وجود الوحوش حولنا لما تحوّلنا إلى أجساد مفخخة في وجههم. لماذا لم أفطن إلى ضرورة العمل والوقوف معهم في خط المواجهة؟! لماذا أخذت تلك الإجازة الطويلة سنة وأنا هكذا مثل أي جدار أنتظر المطر ليغسل غباري؟!.‏

فجأة قررتُ الرحيل. وقفت واتجهت إلى الخزانة، ملأتُ ثيابي، لقمة لقمة في جوف حقيبة أتخمتْ حتى الثمالة. نزلتُ السّلّم واتجهتُ إلى فهد مباشرة كان ينظر إليّ بكل استغراب ويقول:‏

رولى إلى أين؟!‏

ـ إلى حيث يجب أن أكون.‏

ـ لن أدعك تذهبين اليوم.‏

ـ فهد.. أشكرك من كل قلبي. أشعر أن فؤادي سينفطر لو لم أعد اليوم إلى بيروت.‏

حسنٌ. تمهّلي قليلاً سأوصلك إلى المطار. وطبعاً لولا فهد لما كنت سأستطيع العودة كما قررت. سهّل لي الكثير من الأعمال من حجز وحمولة وأشياء أخرى. قبّلته على وجنتيه. ففي هذه اللحظة فقط شعرت أنه أخي وزوج أختي السابق.‏

وكم أستغرب هذه المرة بأنني لم أشعر بالخوف عند صعود الطائرة أو عند الهبوط، بل كنت أشعر بالخوف لو لم أصل.‏

ركبت سيارة أجرة وطلبتُ من السائق التّوجّه إلى منزلي وبعد أن وصل نصف الطريق طلبت منه التوجّه إلى عنوان فؤاد في المكتب الذي كانت تزوره فيه ميس. دفعت الحساب ونزلت مع حقيبتي وما إن وضعت قدمي على الرصيف حتى ترامى إلى سمعي أغنية عذبة بعذوبة الصوت المخملي الذي يغنيها وهي تنطق (الأمل) نظرتُ حولي فوجدت الشوارع والأطفال والمحلات والنساء وكل شيء في هذا البلد بعذوبة ذات الأغنية.‏

تابعت السير حتى وصلت المكتب. كان يجلس خلف طاولته وكانت الساعة حوالي العاشرة صباحاً شعر بقدوم أحدهم فرفع رأسه الثقيل ككرتنا الأرضية، ثم وقف مذهولاً. وتقدم نحوي. أمسك كلتا يديّ. لم ينطق بحرف واحد. وأخذ يدور بي ببطء. أجلسني على كرسي وجلس أمامي على آخر ـ تلاقت النظرات واختلط بها العتاب مع العشق. دعيني أوصلك إلى المنزل. طاوعته. حمل حقيبتي وزجّها في مؤخرة سيارته، ولم ينطق بحرف. ما كان في تلك اللحظة محتاجاً للكلام. كلّ ما فيه كان يحكي، وكلّ ما في كان يستمع، ومع هذا كنا في منتهى الصراع. ثم صعدنا المنزل فتحت باب الشقّة وقلت تفضّل ـ استدار لينزل. ناديته: فؤاد. ادخل ـ أريد أن نتكلّم.‏

لم ينطق أيضاً. نظر إليّ بعين تترقرق فيها أصدق دمعة في العالم، ونزل السلّم ثم التفت نحوي ليقول: رولى‏

ـ نعم.‏

ـ أحبّك!!‏

ـ وأنا أحبّك فؤاد.‏

ثم ركض نازلاً الدرج بأسرع من الخيال.‏

مضى وقلبي خلفه ـ دخلت المنزل وأوّل ما صنعته هو أنني استمعت إلى الرسائل الصوتية على الهاتف.‏

رسالة من لؤي ليطمئنّ عليّ.‏

رسالة من عابث يبحث عن فريسة وحيدة.‏

رسالة من ذاك الشرطي الظريف تقول رسالته: آنسة رولى نحن حقاً في غاية الأسف، ونعتذر عن عدم إمكانية الوصول إلى تلك الفاتنة، اتصلتُ بك عدة مرات والحقيقة لا توجد لدينا سوى احتمالات لا نستطيع إثباتها، ولقد أقفلنا المحضر على أن غيابها مجهول، فنرجو مرة أخرى المعذرة.‏

ضحكت كثيراً وأنا أخلع ملابسي. حقاً إنه لشيء مؤسف أن تكون بلادنا بهذه الفوضى. كم نحتاج إلى عقول وأجهزة للوصول إلى الحقائق. متى يتصلب قالبنا الهلامي هذا أيكون إنشاء تلك المنظمّة سبُبه كل هذا الاستهتار؟! وكم نحتاج أيضاً إلى مثيلتها داخلياً. فكم من امرأة فقدت أولادها، وكم من المآسي خلف غياب أبنائنا؟!! ولكن لم أعرف حتى الآن ما اسم هذه المنظّمة الحقيقي وما عدد أفرادها وأين يقع باقي فروعها.. لابدّ سأعرف لأنني لا أهدأ عن البحث ومع هذا سأشكر صديقي، على كل جهد بذله من أجل هذه النتيجة القيّمة، ولن أخبره بما توصّلت إليه. حقاً لا يستحق أن يعرف ما عرفت. لأنني دفعت ثمن معرفتي كل هذا الألم والخوف والضياع.‏

في صباح اليوم التالي شكرت طبعاً الشرطي وذهبت إلى عملي لأقطع تلك الإجازة، وبعد عدة أيام سحبت رصيدي كاملاً من البنوك لأقوم بمشاريع تعود على كل متشرد بالفائدة والراحة، فهذه الأموال من حق الأرض التي فدتها ميس.‏

أخذت طريقاً جديداً في مسيرة حياتي وكان العمل يأخذني لدرجة أنني أنسى فيها ذاتي. لكن أشياء ثلاثة لا أنساها فؤاد ذلك الحب المستحيل والرمز الأكبر في حياتي، والذي هو عنوان الصمود في صحوتي وعنوان الورود فوق وسادتي.‏

وجرعة الأخبار اليوميّة التي تشحنُ عزيمتي على الحركة الدائمة والعمل المستمر في سبيل أطفال مازالوا يحيون قيد الخوف.‏

وأغنية صارتْ تمشي في عروقي كلما تابعتُ السير في عروق البلاد، وكلما زرعتُ ابتسامة على خدِّ طفل وطبعتُ قبلة على وجه الأرض.‏

فؤاد. دع نبضك فيّ حتى لو رحلت كي أستمر في طريق الأمل وأتابع لأقطع حاجز الخوف الذي مازلت أحاول أن أتخطاه.‏

فهل تراني نجحت أيها القلم عندما التجأت إليك؟!!‏

وهل تراها وصلت إليك مخاوفي؟!!‏

ومع هذا فكل ما أرجوه سيدي هو أن تصلك رسالتي هذه وأنت على قيد ال ح ي ا ة!!‏

ـ تمت ـ‏

ميسون جنيات في 29/10/2003‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244