أسـرار التخييل الروائي ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2005

Updated: Monday, January 30, 2006 02:31 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مقدمة

ذهب أرسطو إلى أن السرد التخييلي أوفر فلسفة وعلمية من التاريخ، لتعلقه بالحقائق العامة. ولأن السرد التخييلي، بحسب أرسطو، يُعنى بما يحدث، وليس بما حدث، فلا تكفي معه القوانين العامة. وفي ذلك الأمس البعيد ذهب أفلاطون إلى أن التخييل أبو الكذب. أما في يومنا فقد ذهب مارتن والاس إلى أن التخييل ابن الكذب، فيما رآه سيرل أكبر تعقيداً من الكذب.‏

بتحديد السرد التخييلي بالرواية تطلع ـ مما تقدم ـ الأسئلة عما بين الرواية والتاريخ (ما حدث) وراهن الكاتب والكتابة (ما يحدث)، وعن اللغة والمخيلة و.. وبذا تمضي الأسئلة إلى أسرار التخييل الروائي ـ وبعبارة بعضهم منذ أرسطو: القوانين الخاصة بهذا السرد ـ مما يتعلق بتفاعل صدقه وكذبه، تزييفه وحقائقه، مرجعيته ولذته ولعبه و.. على طريق قيامته.‏

من أسرار التخييل الروائي، ومع كل رواية وقراءة، ينهض أو يتقوض أو يغمض أو يتعقد أو ينجلي أو يتبسّط سرٌّ أو أكثر من أسرار التخييل الروائي، وذلك ما يحاول هذا الكتاب أن يتقراه عبر أكثر من ستين رواية عربية، جلّها ما صدر إبان رحيل القرن العشرين وقدوم القرن الحادي والعشرين، حيث يتواصل الدفق الروائي العربي، وتتكاثر الأصوات الجديدة. ولأن الرواية العربية قد بلغت ما بلغت، آثرتُ أن يبدأ الكتاب بالسؤال عن صبوتها الكونية والعالمية، وعن شأنها مع شرك العالمية ـ الخصوصية، حيث قد يكون مجمع الأسرار، أو واحد من مجامعها الكبرى على الأقل.‏

من بعد، ومن فصل إلى فصل، تدافعت الأسئلة: لماذا أخفى بهاء طاهر وعبد الجبار العش مدينتيهما الروائيتين، الأول في رواية (الحب في المنفى) والثاني في رواية (وقائع المدينة الغريبة)؟ ما الذي حققته روايات غازي القصيبي (العصفورية) وهاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) وأبو بكر العيادي (آخر الرعية) وواسيني الأعرج (المخطوطة الشرقية) ومؤنس الرزاز (سلطان النوم زرقاء اليمامة) من التكنية بعربستان أو عربانيا أو أندروميدا أو نفيطية أو بمدينة الضاد أو بمدينة الزيت؟ إلى أين أفضت مغامرة التجريب في بناء رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) وفي معنى الصداقة والموت؟ إلى أين أفضت تلك المغامرة في التفاعل مع الأنترنيت في رواية محمد سناجلة (ظلال الواحد) أو في رواية خليل صويلح (بريد عاجل)؟ وماذا عن بلوغ تلك المغامرة حدّ بناء رواية (قمر بحر) لعلم الدين عبد اللطيف بالتفاعل مع شخصية من رواية كاتب آخر؟ كيف حضر الكاتب أو الكاتبة في روايات (الكرنفال) لمحمد الباردي و(مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان) لعبده جبير و(الوفاة الثانية لرجل الساعات) لنورا أمين؟ وهل للأنوثة وشمها في روايات عفاف البطاينة (خارج الجسد) ولطيفة الدليمي (حديقة الحياة) وهيفاء بيطار (امرأة من هذا العصر) ورجاء عالم (موقد الطير) وآمال بشيري (فتنة الماء)..؟‏

من الأسئلة السابقة ومن سواها في بقية فصول الكتاب، يبدو أن أسرار التخييل الروائي تتشظى وتنبهم وتلتبس، كما يبدو أنها تزداد غواية أو سذاجة أو فجاجة أو.. ومن ذلك ما يتعلق في الفصول التالية بالعبودية (يوسف المحيميد: فخاخ الرائحة) والبداوة (ميرال الطحاوي: نقرات الظباء ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور) والشيخوخة (الحبيب السالمي: عشاق بيّه ـ جميل إبراهيم عطية: المسألة الهمجية) والصراع العربي الإسرائيلي (ناديا خوست: أعاصير في بلاد الشام) والصراع الداخلي (منهل السراج: كما ينبغي لنهر) وحرب الخليج الثانية (غالية قباني: صباح امرأة) ووعي الآخر الأمريكي والرحلة (صنع الله إبراهيم: أمريكانلي ـ أنيسة عبود: باب الحيرة ـ ماري رشو: أول حب آخر حب) وتخييل اليهودي سواء في الأندلس (فوزية شويش السالم: حجر على حجر) أو على أبواب قيام إسرائيل أو بعده (فيصل خرتش: حمام النسوان ـ كمال الخمليشي: حارث النسيان ـ يوسف فاضل: ملك اليهود ـ ممدوح عدوان: أعدائي ـ الحبيب السالمي: تماسخت). وكذلك هو الأمر حين تتعلق أسئلة وأسرار التخييل الروائي بالحفر في التاريخ (خيري الذهبي: فخ الأسماء ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف..) أو بتفاعل زمن الكتابة مع زمن الكاتب أو بِسَوْقِ الزمن الروائي عشرات السنين إلى المستقبل.‏

إنه غمار من الأسئلة كما هو غمار من الأسرار، يقترح هذا الكتاب صيغة بعضها كما يقترح صياغة بعض الأجوبة، ولكن مع التشديد على أن ليس من جواب قاطع ولا من سؤال أخير. ومع التشديد أيضاً على أن تقوم محاولة فض الأسرار كمحاولة صياغة الأسئلة والأجوبة ـ في حضور النصّ، وهذا ما ضاعف الحرص على عرض النصّ. ولعله من فضل القول أن تبويب النصوص تحت عنوانات الفصول، لا يعني أن ليس في مدونة فصل ما يتصل بسواه، وإنما هي الغلبة قد مالت بنص إلى فصل. كما حرصت القراءة على ألا يحرمها التبويب من تناول أمر ما في نصٍ ما، لا يؤطره الفصل. وكل ذلك إنما يشير إلى جماع القراءة في نهاية الكتاب، إذ تتجدد الأسئلة والأسرار، ولكن بعدما انعجنت بالنصوص، كما انعجنت النصوص بها.‏

نبيل سليمان‏

اللاذقية /2005‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244