|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:31 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني كنائية المدينة الروائية في الفصل الرابع (رواية المدينة ومدينة الرواية) من كتابه (الرواية في القرن العشرين) (1) يرى جان إيف تادييه أن المدينة الروائية هي قبل كل شيء عالم من الكلام، سواء كانت انعكاساً أو انزياحاً. وهي في ذلك قريبة من شخصية الرواية، وتنبغي معالجتها كفضاء أبدعته الكلمات. ومن المدن الروائية التي يُعنى بها تادييه مدينة هيليوبوليس التي عنونت رواية جنجر، والتي لا تشترك مع طيبة المصرية في شيء، وتفلت من المعايير الواقعية فيما هي تملي بنيتها. ويضيف تأدييه أنموذجاً آخر للمدينة الروائية، كالذي تبدى في رواية كافكا (المحاكمة) حيث تتلامح معالم براغ، وإن كانت الرواية لا تسمّيها. تلك هي إذاً المدينة الروائية التي تتعين باسم مدينة بعينها، دون أن تحمل منها غير الاسم، وتلك هي أيضاً المدينة الروائية التي لا تتعين، وإن تكن تحمل من مدينة ما يعيّنها. وإلى هذه وتلك، ثمة المدينة الروائية التي تتعين في مدينة واقعية ـ قاهرة نجيب محفوظ مثلاً ـ وهي الأكثر حضوراً في الرواية بعامة. في أي من هاته المدن الروائية الثلاث ينبغي التشديد على ما سماه ميشيل بوتور بالإحالة التخييلية بين الفضاء الواقعي والفضاء الروائي (2)، أو على ما سماه صلاح صالح بمثنوية الاتصال والانفصال بين المكان الخيالي والمكان الواقعي(3). أما غاية هذا التشديد فهي تقوم ـ مثل أسّه ـ في كنائية الفضاء المديني الروائي، حيث تشتغل استراتيجية اللاتعيين، فيكون للمعنى الجمالي نظامه أو أنظمته. وسيكون تشغيل هذه الاستراتيجية، وجلاء تلك الكنائية وهذا المعنى، مناط دراستنا للرواية العربية التي لا تعيّن زمانها ولا مكانها، أو تكتفي من التعيين بالزمان، ذلك أن هذه (اللعبة) التي تواترت في التجربة الحداثية الروائية العربية منذ أكثر من عقدين، تواتراً لافتاً، باتت ظاهرة تذخر بالأسئلة. وربما كانت خماسية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) المثال الأكبر لها، حيث قامت (حران) و(موران) كمدينتين روائيتين، وبدّل المكان ـ غالباً ـ داخل الجزيرة العربية مرجعيته، وإن تكن المطابقة بين الروائي والمرجعي ظلت يسيرة، بينما حافظ المكان خارج الجزيرة العربية على مرجعيته، وهو ما يعلله صلاح صالح بحرص الكاتب "على تعميم صورة هذه المدن المؤقتة المرتجلة وصلاحية عدها أنموذجاً، أو حالة نمطية لجميع المدن الأخرى المماثلة التي أنشأتها حضارة البترول وسياسات النهب الاستعماري أينما كانت" (4). ويذهب صلاح صالح إلى أن تبديل المكان لاسمه في (مدن الملح) لا يبدو محملاً بقيمة فكرية أو فنية صريحة، ويرجّح أن ذلك نابع "من حرص الكاتب على نسبة عمله الضخم إلى فن الرواية الخالص، ومنعه من الانضمام إلى التاريخ أو التوثيق التاريخي، إضافة إلى شيء من الرغبة في تأكيد افتراق روايته عن الرواية التاريخية التي تضع همها الأساسي في سرد الوقائع والأحداث كما جرت بالضبط (5). من ذلك العهد (المبكر) لاستراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية، تأتي أيضاً ثلاثية إسماعيل فهد إسماعيل (المستنقعات الضوئية ـ الحبل ـ الضفاف الأخرى) حيث تومئ المدينة الروائية إلى بغداد. وكذلك تأتي رواية حنان الشيخ (مسك الغزال) ورواية هاني الراهب (التلال) ورواية عبد الله خليفة (أغنية الماء والنار) ورواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، ورواية هشام القروي (ن) ورواية حميدة نعنع (الوطن في العينين) ورواية جيلالي خلاص (حمائم الشفق). لكن نشاط استراتيجية اللاتعيين في المدينة الروائية سيدفق (دفقاً) من بعد، فيكتب عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا رواية (عالم بلا خرائط)، وهاشم غرايبة رواية (المقامة الرملية)، وسالم بن حميش (فتنة الرؤوس والنسوان)، وعزت القمحاوي (مدينة اللذة)، وعبد السلام العمري (اهبطوا مصر) ويوسف المحيميد (فخاخ الرائحة)، ورجاء عالم (حبّى).. ومن هذا (الدفق) ستركز هذه الدراسة قولها في الروايات التالية: 1 ـ بهاء طاهر: الحب في المنفى تتسمّى المدينة الروائية في رواية بهاء طاهر (الحب في المنفى) (6) بحرف (ن). وإذا كانت الرواية ترمي بما ينسب مدينتها (ن) إلى الفضاء الأوروبي (الشمال ـ الغربة التي طردت القاهرة إليه راوي الرواية وبطلها)، فبالتعويل على ما هو معلوم من سيرة الكاتب، وعلى بعض أحداث الرواية، بالمقارنة مع رواية غادة السمان (ليلة المليار ـ 1985)؛ بذلك يُمكن للمرء أن يشخص للرواية الفضاء السويسري، فأية مدينة سويسرية هي إذاً مدينة (ن)؟ في هذه المدينة تعقد لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان مؤتمراً صحفياً حول انتهاكات حقوق الإنسان في شيلي، يشارك فيه الدكتور مولر الذي تهمه مدينة (ن) لأنها (ملتقى دولي). كما يشارك في المؤتمر: الراوي، وإبراهيم المحلاوي القادم من بيروت، والصحفي المناصر للقضية العربية: برنار، والذي سيكتب في جريدته (التقدم) عن مجازر صبرا وشاتيلا، كما يكتب عن بلده: "أصاب بلدنا الحر مرض غريب هذه الأيام. أصابه الخرس فلم ينطق شيئاً عن الجرائم ضد حقوق الإنسان ما دامت تأتي من الدولة العبرية". على إيقاع حرب 1982 في لبنان تعري الرواية الذات في وطن الآخر، وفي حضوره، سواء في علاقة بريجيت النسماوية بإبراهيم والراوي، أم في علاقة الشاب المصري يوسف والراوي بالأمير حامد. ويبدو أن المرجعية تصل بين الرواية، فيما يخص العلاقة الأخيرة، وبين رواية غادة السمان (ليلة المليار). فمقابل مشروع رغيد الزهران إصدار مجلة لتدجين المثقفين في هذه الرواية، يحاول الأمير حامد في رواية (الحب في المنفى) استقطاب الراوي ـ ليصدر جريدة لصفوة الأقلام القومية التقدمية ـ عن طريق يوسف مرة، وعن طريق بريجيت مرة، كما تكتب الروايتان عن المظاهرة التي تندد بجرائم الحرب الإسرائيلية في لبنان، وبمجازر صبرا وشاتيلا. بخلاف رواية بهاء طاهر، تعيّن راوية غادة السمان فضاءها السويسري، وسنرى الراوي في رواية طاهر لا يفرق بين يمين ويسار في مدينة (ن). كما سنراه يحكم بأن الناس فيها لا يحبون الأجانب ولا يختلطون بهم. لكن صديقه المحلاوي الحالم الماركسي المبعد من مصر إلى بيروت، يرى أن مكتب الحزب الشيوعي في مدينة (ن) هو أوروبا الحقيقية، وأوروبا الحقيقة هي، رغم كل شيء، الأمل. ولا يعني المحلاوي العلم أو الحضارة، بل الإنسانية، ومع هذه الإشارات إلى الفضاء الروائي وإلى المدينة الروائية في رواية (الحب في المنفى)، تأتي طوبوغرافيتها باقتصاد، ليظل السؤال قائماً عن علّة اللاتعيين فيها، إلا أن تكون التقية التي استدعتها السيرية. لكن علة التقية خارج ـ نصيّة، ما يدفع بالسؤال عن جدوى اشتغال استراتيجية اللاتعيين في هذه الرواية. 2 ـ مؤنس الرزاز: سلطان النوم وزرقاء اليمامة تتسمّى المدينة الروائية في رواية مؤنس الرزاز (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) (7) بـ (شبه مدينة الضاد) ويرد الاسم أحياناً: مدينة الضاد. ومعظم سكان هذه المدينة ـ أو عالم الضاد، بحسب بعضهم، كما تذكر الرواية ـ هم أشخاص غير عاديين. وحول هذا العالم أو هذه المدينة تقوم الصحارى وبحر الظلمات، وإليه (إليها) لجأ السياسي السوري صلاح البيطار ـ اغتيل منذ سنوات ـ والشاعر العراقي سعدي يوسف والروائي الأردني غالب هلسا.. أي إن شخصيات واقعية ـ حقيقية قضت جزءاً من حياتها في مدينة الضاد. وبرسم ما يحيط عالم الضاد جغرافياً كما تقدم، وبما سيلي ما تكتب الرواية من أحداثه والعلاقات، سينجلي عالم الضاد عن العالم العربي، ويتلخص في تلك المدينة الروائية التي ينادي اسمها واسم ذلك العالم اللغة العربية: لغة الضاد. منذ البداية تنص الرواية على أن عالم الضاد ليس الخريطة، لكنه عالم منطقي وعقلاني وواقعي ولا يشبه عالم كافكا. وبمثل هذا اللعب ترمح المخيلة وهي تدفع إلى المدينة الروائية، بلا طوبوغرافيا تذكر، بعلاء الدين ومارده وبروميو وجولييت والروائي ميم ـ الحرف الأول من اسم مؤنس الرزاز ـ وبزرقاء اليمامة والمخرج الهوليودي وتلك الشخصية المرموقة في المدينة: بئر الأسرار.. والمخيلة الرامحة تطمح إلى أن تكتب ألف رواية ورواية في حكاية، كما تنصّ (سلطان النوم..) منذ البداية، وهي تسلم الحديث إلى سلطان النوم الذي يتواتر حضوره في روايات أخرى لمؤنس الرزاز. ففي رواية (حين تستيقظ الأحلام ـ 1997)، وبحضور قوي للملمح الكافكاوي في تسمية الشخصيات بالحروف، تقوم (سلطنة المنام) وعلى رأسها (سلطان المنام). وقبل ذلك، وفي رواية (فاصلة في آخر السطر ـ 1995) ينهض (سلطان النوم) كأقوى ضروب السلطة سطوة، والراوي يمارس سلطة ضحية سلطان النوم. وفي هاتين الروايتين، كما في رواية (سلطان النوم وزرقاء اليمامة)، وفي سائر روايات مؤنس الرزاز، لا ينقطع النفخ في الصُّوْر نذيراً بالكارثة المحتومة، التي تتسمّى في رواية (سلطان النوم..) بعاصفة العجاج، وإعصار العجاج. لكن أحداً من نزلاء عالم الضاد الخارقين لا يصغي إلى النذير. وبالقرائن الروائية ـ وأقلها مراسلو السي. إن. إن ـ تتعيّن عاصفة ـ إعصار ـ العجاج بعاصفة الصحراء /حرب الخليج الثانية، فيتعين الزمن الروائي، الذي تعوض محمولاته افتقاد المدينة الروائية للطوبوغرافيا. من الإنذار بالكارثة المحتومة إلى وقوع الكارثة، تمضي رواية (سلطان النوم...) إلى المستقبل، في نبوءة بئر الأسرار إذ يخاطب زرقاء اليمامة: "انظري: هذا ما سوف يكون في مدينة الضاد. كان المشهد مرعباً. شبه مدينة الضاد تحت هيمنة التصحر الكامل. لا ورقة خضراء، ولا عين ماء، وأشباح تسكن المقابر". من سلطان النوم تتزوج زرقاء اليمامة. وعندما يضرب الناس عن النوم تقترح تبديل (السياسة المنامية) ومصادرة الحلم من النوم، دفعاً للناس إلى مواجهة العالم الواقعي. لكن الناس ينقلون مناماتهم إلى العلن، فتشهد المدينة أعظم أيامها نكراً، وتطلب زرقاء اليمامة نفيها من سلطنة النوم إلى شبه مدينة الضاد، والسلطنة إذاً هي غير شبه المدينة أو المدينة. لكن ذلك التفريق لا يختلف عن التوحيد في اللعبة الروائية. إبان النفي من سلطنة النوم، ترسل زرقاء اليمامة نبوءتها: "كل نصف قرن يعصف العجاج بمدينة الضاد فيعيث فساداً ويقترف المجازر. لكن، ما إن ينحسر إعصار العجاج، حتى يخرج من تبقى حياً، ويهرع الناس إلى إعادة ترميم شبه المدينة وتشييدها من جديد". إلا أن النبوءة فيما يبدو لن تصدق هذه المرة، فبعد وقوع الكارثة، تبدو المدينة ـ شبه المدينة" قد تحولت في معظمها إلى أطلال وأنقاض. وهال زرقاء اليمامة أن ترى المخرج الأمريكي نفسه يصور هو وفريقه السينمائي مشهد المدينة بعد انحسار هجمة العجاج. وحدثتها نفسها بأنه "يغطي أخبارُ العاصفة لصالح شبكة تلفزيون دولية متخصصة في متابعة أخبار الحروب والانقلابات والكوارث". تلك هي المدينة الروائية التي تشيدها رواية (سلطان النوم..) وتنقضها في آن. وهذه التشظية التي لا توفر مكاناً ولا زماناً ولا شخصية ولا جماعة، ترمي بشظايا دلالاتها يومنا وغدنا: الكارثة. 3 ـ غازي القصيبي: العصفورية يتطوح بشار الغول ـ راوية وبطل رواية غازي القصيبي (العصفورية)(8) في الفضاء الخارجي، وفي الفضاء المترامي بين أمريكا وبريطانيا وسويسرا واليابان والبرازيل.. لكن تطوحه الأكبر هو في الفضاء العربي الذي لا يعيّن منه إلا لبنان. وإذا كان المضيّ سهلاً من خليج عربستان في الفضاء الروائي إلى الخليج العربي، فكلٌ من البلاد ـ المدن الروائية الأخرى يخاطب أكثر من عاصمة عربية، ولاسيما: العواصم المشرقية. واللافت هنا أولاً هو أن تحمل المدينة الروائية الاسم الروائي للبلد أو الدولة: عربستان 48، عربستان 49، عربستان 50، عربستان 60. واللافت ـ ثانياً ـ هو تمايز المدن الروائية بالزمن الذي توقّع له نكبة فلسطين عام 1948 والانقلابات العسكرية (الانقلاب السوري الأول عام 1949) وحربا الخليج الأولى والثانية. وبالتالي، فالزمن الروائي هو النصف الثاني من القرن العشرين، وبتسمية الراوي بشار الغول للمدن ـ البلاد الروائية، يبدو أنه أغنى عن الطوبوغرافيا، فاكتفت الرواية بالقليل منها، لتغدو المدينة الروائية حاملاً لمحمولات الزمن، ملوّحة بذلك لمدينة شبه الضاد في رواية مؤنس الرزاز. ففي عربستان 48، حيث موّل بشار الغول الانقلاب الأول الذي قاده الرائد صلاح الدين المنصور، سرعان ما سيحمل شارع المطار وكل الفنادق اسم الديكتاتور الثوري. وسرعان ما ستغدو للمنصور استراحة صحراوية هي قصور في هيئة خيام، وفيها قاعة الشعب العظمى. وعربستان 48 باتت تضيق بقصور الديكتاتور، وبالمعتقلات، وبمؤسسة المنصور الإنسانية، وعلى حدودها حشود لجارتيها: عربستان 49 وعربستان 50. في الأولى (عربستان 49) يموّل بشار الغول ثورة حزب الانطلاقة بقيادة برهان سرور، حيث سرعان ما سيتصدر تمثاله كل قاعة من قاعات المطار وأبهاء الفنادق، كما ستملأ الجداريات بصوره شوارع المدينة، وإن ظل في بيته القديم الصغير، بينما يحتل حراسه المنازل المجاورة. إلى هذين الأنموذجين من الديكتاتورية، يأتي في رواية (العصفورية) أنموذج الديكتاتورية الإسلامية في عربستان 50 بقيادة ضياء الدين المهتدي وحزب النور. ثم يأتي الأنموذج الديمقراطي في عربستان 60، والذي سرعان ما ينهار، فيما موشيه بن نمرود بن عادياء ـ رئيس الموساد السابق ـ يقهقه، لأنه لا يخشى الديكتاتورية، بل الديمقراطية، ولئن كانت المدينة الروائية عربستان 50، مثل تاليتها، بالكاد يقوم لها ملمح روائي، فلعل تشغيل استراتيجية اللاتعيين فيهما قد أغناهما عما افتقدناه، شأنه في المدينتين الأخريين: عربستان 48 وعربستان 49، عبر نشاط محموم للمخيلة، ومعجون بالسخرية. 4 ـ هاني الراهب: رسمت خطاً في الرمال تمضي رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) (9). إلى أبعد مدى في التشظية التي وسمت المدينة الروائية في رواية مؤنس الرزاز. كما تمضي رواية الراهب إلى أبعد مدى من استعاضة مدينتها ـ مدنها الروائية بمحمولات الزمن عن الطوبوغرافيا، مما وسم روايتي الرزاز والقصيبي. فمدن رواية الراهب هي مدينة (ماذا) و(متى) و(كيف) وهي مدن ـ دول النفيطيات: نفيطية ألف ـ نفيطية باء ـ نفيطية دال... وكل ذلك هو الفضاء الروائي ـ الفضاء العربي الذي شكلّه الجنرال فيكس منذ قرن، حين رسم خطاً في الرمال، والذي يلوّح لرواية مؤنس الرزاز (متاهة الأعراب في ناطحات السراب)، حين رسم الضابط العثماني دائرة في الهواء، وخاطب الراوي: "لا تخرج من محيطها.. ألف عام وعام، مداها البسيطة كلها من القطب إلى القطب. من قابيل إلى جعفر النميري، من ديترويت إلى عدن" (10). ولهذه الرواية، كما لرواية الرزاز (سلطان النوم وزرقاء اليمامة) ولرواية القصيبي (العصفورية)، تلوّح رواية الراهب، وهي تطوي أزمنة صلاح الدين الأيوبي والحجاج وعاصفة الصحراء، متوسلة التقمص والعجائبي، عبر نشاط محموم للمخيلة، ومعجون بالسخرية، مثل تلك الروايات. على أنه من الأهمية بمكان أن يلاحظ المرء أن ما تلوح به المدن ـ البلاد الروائية في رواية القصيبي، لأصنائها في رواية الراهب، يظل يمايز بينها في الرواية الأولى، فلا تغني واحدة منها عن الأخرى، على العكس من رواية الراهب. والأمر كذلك، حسبنا أن نرى من هذه الرواية مدينة (ماذا) التي نُقل إليها من شردتهم إسرائيل من خيامهم، حيث شاهد محمد عربي محمدين الحجاج لأول مرة، ووصف المدينة قائلاً: "مدينة أعين متربصة متفحصة، تبحث عن شيء خفي غامض كي تظفر به وتقتنصه. عيون قلقة خائفة، أجفانها أمشاط رصاص، تلتقط صوراً وترسلها إلى ذاكرة إلكترونية، وهناك في ذلك المعمل الضخم ذي الفروع التسعة داخل المدينة، كان تحميض الصور يقرر حجم ولائي للسلطة". يتكلبن عربي ـ هكذا يغلب ورود اسمه في الرواية ـ إذ يرى الحجاج. وسكان مدينة ماذا ـ على ذمة عربي ـ يعشقون لبط الكلاب، وينتشون بتعفيرها، وبخاصة في مناسبة مرور المواكب. ولأنه موكب الحجاج، تصدح في مآذن هذه المدينة مجهرات الصوت بتلاوات مستمرة من آيات الذكر الحكيم، وكاميرات التلفزيون ترافق الموكب المهيب، وأصوات المذيعين الشجية تتناوب في إبداع وصف بليغ للمناسبة الإيمائية العظيمة. وفي الصلاة ينحني عربي الذي عاد من الكلبنة بشراً، لكنه الآن يتخنزر، والمصلون ينحنون، فلا يبقى منتصب لله غير الحجاج. لكن الحجاج يتحيون هو الآخر من على المنبر، فلعبة التحوين الديكتاتورية الروائية تصيب الديكتاتور أيضاً. لمدينة روائية أخرى مما رسمت رواية هاني الراهب تحضر شهرزاد من ألف ليلة وليلة، سجينةً في قصر شهريار. وفيما يخاطب حرب الخليج الثانية وعاصفة الصحراء، يجتاح الحجاج هذه المدينة ـ الدولة ـ الأمارة التي قد تكون نفيطية باء أو دال أو ألف أو أية نفيطية في الفضاء العربي السعيد. لكن الجنرال فيكس وملوك القرن العشرين طراً يهبون لنجدة ملك الزمان ـ ديكتاتور المدينة المجتاحة: دهريار آل نفيطيان. بعيون أخرى سوى عيون محمد عربي محمدين وشهرزاد، ترسم رواية هاني الراهب أيضاً المدينة ـ المدن ـ البلاد الروائية، إذ يطلع عيسى بن هشام من مقامات بديع الزمان، أستاذاً في جامعة نفيطية ما، كما تهوي بلقيس من عرش مأرب على قاع الـ بدون، أي قاع من لا جنسية لهم في نفيطية ما. وكذلك يأتي أبو الفتح الاسكندري باسم فتحائيل إلى حضرة دهريار آل نفيطيان الذي يطبق الكتاب (القرآن) ويفتح كتاب النفط، مديراً ظهره للقرن السابع، ومسرعاً إلى القرن العشرين: "يثب عن ظهر الهجين ويجلس وراء مقعد الليموزين، عيناه تقرّان بصفوف المطوعين وأسراب العذارى، وهو وحده لديه التكنولوجيا والحرسلوجيا". لفتحائيل كما لعربي تحولاته. وليسترد منها بشريته، يشترط دهريار عليه أن يقول لـه كيف يجعل تنابله ـ رعيته ـ شعباً من العاملين، لأنهم ـ بتشخيصه ـ لا رابطة لهم إلا رابطة البترودولار، وإن لم يأت بالأجانب لخدمتهم، انهارت الدولة على رؤوسهم. ولو تحررت عقولهم من حرفية النص، وخرجت خارج متاهة اللغة العربية، فسيطالبون في اليوم التالي بالديمقراطية، لذلك يبلو المدينة ـ الدولة ـ الإمارة الروائية بالبلبلة زمناً ومكاناً وبشراً، ويستوي أن تكون مدينة ماذا أو متى أو نفيطية سين، كما يستوي أن يكون المبلبل الجنرال فيكس أو دهريار أو الحجاج أو أي ديكتاتور تومئ إليه الرواية إبان عاصفة الصحراء، لا فرق بين عربي وأعجمي. 5 ـ عبد الجبار العش: وقائع المدينة الغريبة لا اسم للمدينة الروائية في رواية عبد الجبار العش (وقائع المدينة الغريبة)(11)، فقد أغنتها الصفة (الغريبة) عن الاسم، وهي التي تقتل منذ البداية ـ صراحة أو مواربة ـ مثقفيها، فيما عرض التلفزيون مشهد انتحار أربعة موسيقيين وخمسة شعراء وثلاثة رسامين وخمسة فلاسفة ومخرجين وثلاثة قصاصين، والمجموع هو اثنان وعشرون، بثت الإذاعة أنهم انتحروا جراء تعاطيهم الهيروئين، وزعم نذير الحالمي ـ الراوي ـ أنهم انتحروا جراء تأثرهم بنظرية الموت قبل فوات الأوان. هكذا تبدأ وقائع هذه المدينة. وبعد يومين من (كارثة) المثقفين، يلتصق الكرسي المثبت على أرض المقهى بقفا صالح العوادجي (الموسيقي)، وتعجز الدولة عن العجيبة الجديدة، وينبثق الدم من الحفرة التي حفرت حول الكرسي، مطابقاً لفصيلة دم صالح، حتى إذا فُصل جلد قدمي الرجل عن الأرض، راحت تنزف، وراح صالح يشخب حتى الموت، لتتوالى من بعد وقائع المدينة الروائية الغريبة، إذ يفشو زمن العولمة، ويُقتلع تمثال الشاعر من ساحة الشعراء، ويحل محله تمثال عملاق لرجل حديدي، رمزاً للتكنولوجيا: "ومنذ ذلك اليوم توالى تدشين المعالم الغريبة والتماثيل العجيبة، فمن الساعة الحائطية المرسومة على قطعة نقدية ضخمة، في إشارة خفيفة إلى أن الوقت يسلب المال، إلى الدولار الذهبي العملاق والذي يعكس أشعة الشمس". بدخول المدينة الروائية زمن العولمة، يتسمى مواليدها الجدد بـ: مليار، مليون، طيارة.. وتتزين الفتيات بالأعلام الأمريكية، ويشيع التبرك بالآلة والخيال البنكي والعدسات الملونة، وتتظاهر المومسات مطالبات وزارة التقدم والمجمع العلمي بحذف كلمات (بغي، مومس، داعرة)، وترفض مظاهرة أخرى أمام وزارة الثقافة وكرة القدم إجبار الثيران على إهراق لقاحها في أنابيب، و.. ويظهر شْتلْ. وشتل صعلوك عاشق للصعلوكة نوويرة، وساخر من التماثيل. وفيما يلحق العاشقان بملجأ المجانين، تتفشى في المدينة ظاهرة صالح العوادجي: التصاق الكراسي بمؤخرات الناس، وما يتأتى جراء ذلك من أمر المراحيض والإشكالات القضائية الطارئة كالخدمات الطارئة.. ويتتوج ذلك باستثمارات المؤسسة التي تقدم القروض للناس مقابل رهن أعمارهم. رداً على زمن العولمة، تقوم الجبهة الدينية بالانقلاب العسكري، ويقيم المتطرفون في المدينة الروائية مهرجاناً لتكسير قوارير الخمر وإزالة الأنصاب، وتكون عجيبة أخرى من عجائب المدينة: أقفال الحوانيت ـ كأقفال الدوائر الحكومية ـ ترفض الانفتاح. يحرق المتطرفون الكتب ـ فرج فوده وحسين مروة وزوربا ومحمد شكري ومحمود المسعدي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان و.. ـ ويقيمون كرنفالهم: أسبوع الكرامات والإيمان في مواجهة أعوان الشيطان، حيث يوم الجمعة لصلاة الجمعة والاستحمام، ويوم الخميس للكي بالنار، ويوم الأربعاء لزيارة الأضرحة، ويوم الثلاثاء للقرابين.. هذه الغلواء تدفع بالناس إلى اختراق الشوارع ومواجهة المتطرفين، في نزوع انتحاري، فيما تحلم نوويرة التي حملت من شتل وهربت معه صبيحة الانقلاب الديني، بأن تلد ولداً أو بنتاً بقامة منتصبة، لكنها تموت عمن ولدت، مخلفة المدينة لخرائب ـ غرائب زمن العولمة والتطرف الديني. تلك هي المدينة الروائية ـ الفانتازيا حد الرعب، حتى في سخريتها الجارحة، كما كتبها عبد الجبار العش، نذيراً بكارثة يومنا وغدنا، فحق لما كتب أن يكون (ملحمة السرد الخرافي) كما عبر خالد الغريبي في تقديمه لديوان عبد الجبار العش (جلنار). 6 ـ أبو بكر العيادي: آخر الرعية يصدّر أبو بكر العيادي روايته (آخر الرعية) (12) بما يؤكد أن عربانيا بلد منفلت من الجغرافيا "فمن زعم أن عربانيا بلد بنصّه وفصّه، وأن الكبير حاكم بعينه، هو مدع وكاذب". وعربانيا هي الدولة ذات الولايات العشرين التي تحمل أسماء أصنام العرب: جهار وسُواع واللات والعزى وهُبل ونائلة وأساف ويغوث والمحرق.. لكن عربانيا أيضاً هي تلك المدينة الروائية ـ العاصمة التي تجري فيها أغلب أحداث الرواية. وكما في الروايات السابقة، وفي رواية واسيني الأعرج التالية، ليس للطبوغرافيا شأن يذكر، والسخرية علامة فارقة للرواية، والزمن الروائي تعيّنه السي. إن يان ومونيكا وحرب عربانيا مع جيرانها التي ستأتي عليها، مما ينادي حرب الخليج الثانية. من كل ما يتعلق بديكتاتورها (الكبير) شيدت رواية العيادي مدينتها ـ دولتها. ومن ذلك يوم تقليد (الكبير) للباشكاتب الوسام الذهبي، حين صوّب للمراسلين الأجانب والسفراء نظرات كأنها اللهب قائلاً: "ليس لدينا دروس نتلقاها من أحد "فغشيت البلاد غاشية، وأغلقت الدور والمحلات والمؤسسات والمدارس والمعاهد والجامعات، وانتشر الناس في الشوارع كالجراد يرفعون رايات التأييد لسياسات الكبير، ويصرخون بلاءات الرفض: لا للتدخل الأجنبي، لا للهيمنة الإمبريالية.. وهو ذا أيضاً الاحتفال في إحدى قاعات قصر الكبير بإزاحة الستار عن اللوحة التي رسمها له فنان البورتريه الفرنسي، وما تلا من إنشاء صندوق لدعم تعميم صور الكبير التي يفرخها الفنان على المدن والقرى، فبات وصل التبرع دليلاً على الوطنية الصادقة، وفاضت الأموال عن الحاجة، فحول الفائض إلى خزينة الأشغال لتشييد منتجع يليق بمقام الكبير. وهو ذا أيضاً الاحتفال بعيدي ميلاد الكبير، بحسب التقويم الهجري وبحسب التقويم الميلادي. ولقد أطلق الكبير في إحدى عكاظيات مولده النشيد الوطني من شعره، فتداوله الإعلاميون ورؤساء الأقسام الثقافية والمحللون السياسيون، ورجال المسرح والمعلقون الرياضيون وعلماء النفس والمدرسون. لكن كلمات كتبت على حائط بيت بحيّ بائس في حزام المدينة، نغّص الفرحة شيوعها على الألسن قبل أن تتداركها دوريات الميليشيا والفرق التي شكلت لطلي الجدران. توالي أطراف المدينة تنغيصها، من المرأة التي تبيع الكتب التراثية على قارعة الطريق، إلى شاعر من مدينة هميلات في ولاية هبل، سلق الكبير في واحدة من عكاظيات مولده سلقاً، فأقال الكبير الحكومة، وأبيدت مدينة الشاعر، ورشت بالملح حتى لا تقوم لها قائمة من بعد، كما أمر الكبير بإقامة مراحيض عامة في كل المدن تحمل اسم الشاعر، تحقيراً له. هذه المدينة التي تُجَنُّ في يوم البيعة الكبير، وتترنح تحت صراعات أركانها، ستترنح تحت ضربات المعارضين المتجمعين في بلد مجاور، والمدعومين من الغرب المنادي بحقوق الإنسان والديمقراطية، على الرغم من أن من هذا الغرب من يدعم الديكتاتور. وإذ تضرب عربانيا الجار الذي يتسلل من حدوده المعارضون، يستجير الجار بالغرب، فتقع على عربانيا الضربة القاضية، وتتشقق ولاياتها، وتغدو ـ بوصف الكبير ـ رمماً ليس فيها سائر يسير ولا طائر يطير، قد غادرتها الرعية، ولم يبق فيها إلا (الكبير) وألسنة النار خلف مناعف المباني المقوضة. وفي نهاية القسم الذي يتولاه (الكبير) من الرواية، كما في بداية القسم الذي يتولاه المهدي بن جابر، بعد الحرب، يأتي المجلى الكبير لطوبوغرافيا المدينة الروائية. لكأن الرواية شيدت مدينتها على عهد الكبير من الأفعال، فلما بددتها الحرب، غدت "كأنها بيوت من ورق مقوى داستها أرجل عابثة، وزادت الحفر الهائلة والجسور المهدمة والسيارات المحروقة في تعميق المشهد الأعم، وقد نمت على الأرصفة نتف من حشيش مصفر، وعمَّ الفضاء سكون كسكون المقابر المنسية، لا يقطعه بين الحين والحين غير نعيق غربان ونباح كلاب وأصوات بعيدة كابية". بوصف المهدي، يبدو وسط المدينة وشوارعها الشهيرة ومراكزها التجارية التي كانت تنبض بالحياة، وحزامها الذي كانت أحياؤه موارة، يبدو كل ذلك قد آل إلى أنابيب غاز مثقوبة وألواح خرسانية ضخمة متداعية وعصابات مجرمين وأوبئة: إنها المدينة المشؤومة كما تنعتها شامة إذْ تلتقي بالمهدي، فيفران من الخراب إلى البرية التي سيصادفان فيها الكبير هائماً، وقد زاده دثور عربانيا عطشاً إلى السلطة. لقد أتت الديكتاتورية، بالحرب والقمع والفساد، على المدينة الروائية. وليت الأمر كان كذلك وحسب، وليته يظل كذلك وحسب، فلا تتعيّن المدينة الروائية، لا من قريب ولا من بعيد، بل تبقى مدينة من كلمات، ولكن. 7 ـ واسيني الأعرج: المخطوطة الشرقية ينصّ واسيني الأعرج في مستهلّ رواية (المخطوطة الشرقية) (13) على أنها استمرار لليلة روايته السابقة (رمل الماية: فاجعه الليلة السابعة". وهكذا أحضر المدينة الروائية (نوميدا ـ أمدوكال) من الرواية السابقة إلى رواية (المخطوطة الشرقية)، وقد أتت الحرب عليها، في الألف الثالثة من الزمن الميت، ليبدأ زمن بلا عيون ولا ذاكرة، يرمح بنا إلى المستقبل خمسين سنة، كما يرمح بنا خلفاً إلى أزمنة الأندلس وعاصفة الصحراء. لقد حكمت رواية مؤنس الرزاز بالكارثة، وحكمت رواية أبو بكر العيادي بالدثور، وبتقاسيم الكارثة والدثور حكمت روايات هاني الراهب وغازي القصيبي وعبد الجبار العش. لكن رواية واسيني الأعرج ستمضي خمسين سنة إلى ما بعد الكارثة والدثور، وهي التي بدأت بفعل زمن ألف ليلة وليلة فيها ـ كفعله في روايات الراهب والرزاز ـ فجاءت بشهريار بن المقتدر ليشيد في المدينة ـ الدولة الروائية نظامه الجملكي من الجمهورية والملكية. بعد عهد شهريار يأتي عهد نوح الشاعر الذي يعيد النظام الجمهوري بعضد من الملياني. لكن الملياني سينقلب على نوح الشاعر ليعيد الجملكية مرفوعة إلى الأسّ العاشر أو المائة، فيكون لـه يوم البيعة كالكبير في رواية (آخر الرعية)، وتكون لـه مستشفى الملياني الأعظم التي تتاجر بالأعضاء البشرية، وتكون له كتائب الظلام ومحرقة الكتب، وهو يشيد المآذن الأندلسية في مرحلة تأسلمه وتبوئه الإمامة. وستملأ صور وتماثيل الملياني المدينة كما في رواية (العصفورية)، ويعتدي على جيرانه في مدينة الزيت ـ هل هي المعادل الروائي للكويت؟ ـ فيما الحلفاء يحرضونها عليه ويحرضونه عليها، إلى أن تهب عاصفة الصحراء، وتتدمر المدينة، وتتشقق الدولة، وينجو الأمريكان بنوح الصغير ولد الملياني، ويهيئونه هم واليهود من أجل المستقبل القادم بعد خمسين سنة. لاندثار نوميدا ـ أمدوكال أوقفت الرواية قسمها الأول. وفيه، كما سترجّع الأقسام التالية من الرواية، تبدو المدينة الروائية واحدة من مدن النحاس التي غرقت، وواحدة من مدن الملح التي ذابت ـ والرواية ستذكر عبد الرحمن منيف وروايته ( مدن الملح ) مراراً ـ فلا نفط ولا غاز من بعد، والبشرية باتت تمشي على أربع، وعصر التوحش يزحف، والبلاد تدخل "حافية عارية إلى عصر الانقراض الأول". وإلى نوميدا ـ أمدوكال ترسم رواية (المخطوطة الشرقية) مدينة الزيت ـ أين هي نفيطيات رواية هاني الراهب؟ ـ محوطة بالأسلاك الشائكة المكهربة وبطائرات الأواكس التي يوفرها الحلفاء، إلى أن تأتي الحرب بالدثور، بفضل الحلفاء. لقد تقهقرت المدينة الروائية على عهد الملياني بدار التبريج ودار الأمارة ودار الرقاد المزركشة ودار الهدى ودار الجحيم ـ في رواية العيادي يتسمى السجن بدار الفناء ـ وعاشت المدينة ـ الدولة الرخاء الوهمي النفطي الذي لم يطل، كما لم تتأخر عاصفة الصحراء، فدك حلفاء الأمس المدينة ـ الدولة دكاً، إلا قصر الملياني. وهاهو العراب الأمريكي أوسكار، والعرابة اليهودية سارة، بعد خمسين سنة من الدثور، يطلعان بابن الملياني ليشيد مدينة ـ دولة جديدة تتسمى بمشيخة أمادور الإسلامية، فترث مدينة ـ دولة روائية ما كان، وليت الأمر يكون كذلك وحسب، فلا تتعين المدينة ـ الدولة الروائية، بل تبقى كلمات كالكلمات. في روايتها (الوطن في العينين ـ 1979) سمت حميدة نعنع مدينة روائية باسم حران ـ قبل حران مدن الملح ـ وسمت مدينة أخرى باسم عينتاب. وفي روايته (ن) سمّى هشام القروي مدينته الروائية بالحرف (ن) قبل أن يسمي بهاء طاهر مدينته الروائية بالحرف نفسه. وخصّ القروي مدينته بصفة (الغريبة) قبل عبد الجبار العش. وسواء أعنى السبق أمراً أم لا، فالمهم هنا هو اشتغال استراتيجية اللاتعيين في أمير الدوال، في اسم العلم الروائي إذ يتعلق بالمدينة. وقد بدا كيف أن هذا التشغيل ألحّ على الإشارة إلى البرازخ العربية المدينية الدولتية المعاصرة، من مدينة الضاد إلى عربانيا إلى عربستان 48 إلى .. باشتغال استراتيجية اللاتعيين في أمير الدوال ابتدأت كنائية المدينة الروائية في المدونة التي حاولنا درسها، وحيث بدت درجات متفاوتة من الانعكاس أو الانزياح، كما بدت بدرجات متفاوتة بينهما، وبخاصة في روايات القصيبي والراهب والعيادي والأعرج. وبذلك التفاوت توالى اشتغال استراتيجية اللاتعيين، ليقوم المعنى الجمالي، مستثمراً السخرية والتشظية والتناص، وممعناً في الحفر فيما نحن والعالم عليه اليوم وغداً، بقدر الإمعان في التجريب وإطلاق المخيلة من قمقمها، وبذا ألحت كنائية المدينة الروائية العربية على هتك الديكتاتورية والحرب، وعلى تعرية الذات والآخر، وعلى النذير بالكارثة كما على التأبين. وإذا كان ذلك ليس وفقاً على المدونة التي حاولنا درسها، فلعله كان كافياً لاختيارها، فالإحاطة لم تكن هدفاً، بل كان تلك الجراح الفاغرة التي تفتق فيها الجمالية الروائية المدماة. (1) ترجمة وتقديم محمد خير البقاعي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة 1998. (2)انظر: ميشيل بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد انطونيوس، دار عويدات، بيروت 1971. (3)صلاح صالح: قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر، دار شرقيات، ط1، القاهرة 1997، ص88. (4) و(2) صلاح صالح: الرواية العربية والصحراء، وزارة الثقافة، ط1، دمشق 1996. وفي الفضاء الروائي لخماسية منيف، انظر: نبيل سليمان: فتنة السرد والنقد، دار الحوار، ط2، اللاذقية 2000، الفصل السادس. (6) دار الهلال، ط1، القاهرة 1995. (7) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 1997. (8) دار الساقي، ط3، لندن 1999. (9) دار الكنوز الأدبية، ط1، بيروت 1999. (10) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 1986. (11) د. ن. الطبعة الأولى، تونس 2000. (12) منشورات لارماتان، باريس 2001. (13) دار المدى، ط1، دمشق 2002. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |