|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:31 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث تقـاسيم على التجريب 1 ـ عزت القمحاوي: غرفة ترى النيل (1) بصوت التاريخ المجلل بالقداسة، يصدعنا الأمر الفرعوني: (انهض إنك لست بميت) في صدر رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) وسرعان ما تضعنا الرواية أمام الموت في المونولوج الذي يفتتحها به الصحفي عيسى، مبسملاً بالحقيقة المبهظة: "ليس في الإدراك أي نبل". ولأن عيسى يكابد السرطان، ولا يستطيع إنهاء حياته، ويدرك أنه ميت لا محالة، يجلجل بعبارته التي ستوقّع للرواية كل حين: "هذه مسخرة". وفي المسخرة ـ المأساة يتجرع الجسد لذة الألم، معلناً تلك الـ (لا) الشجاعة التي عجز العقل عن قولها. فهذا الجسد ـ الخرقة الذي وقف العقل منه موقف النخاس، يعلن الـ (لا) الآن بكل طلاقة، كأنه طائر يكتشف ألفة الغرفة المحتقرة التي تؤويه في المستشفى. من مواجهة الموت في أسر الغرفة تنطلق الذاكرة إلى البئر الأولى، إلى طفولة عيسى القروية، وتحضر الشخصية المحورية الثانية: رفعت، فيكتمل الفصل الأول من الرواية مؤشراً إلى معالم بنائها الأساسية. ففيما عدا فصل سيقوم على المذكرات، يأتي كل فصل في طبقتين سرديتين، الأولى مونولوج: بالحرف الطباعي المائل، ويتولاها راوٍ بضمير المتكلم أو المخاطب، والثانية: سرد بالحرف الطباعي العادي، ويتولاها السارد غالباً بالضمير العتيد: ضمير الغائب. وقد تتخلل هذه الطبقة، وبالحرف الطباعي الغامق، عبارات يراد لها أن تكون معالم بارزة في هذا البناء المركب في سلاسة. وبهذا التركيب كان للراوي، فضلاً عن قناعه، أقنعة أخرى، وبالتالي، تعددت زوايا الرؤية والموت واحد، وتلاعبت بالسرد الضمائر الثلاثة والموت واحد، يعيشه المريض وصديقه الصحفي والروائي رفعت الذي ينادي السيرية إلى الرواية. فحين تكون شخصية محورية أو أكثر في رواية ما، كاتباً، يترجّع ذلك النداء. وفي رواية عزت القمحاوي (غرفة ترى النيل) هو ذا عيسى يعزم على أن يكتب تجربته مع السرطان في رواية، إن عوفي وأثبتت الحياة أنها "مجرد مسخرة". ومن عيسى نفسه، ومن صنوه رفعت، ومن السارد، تتواتر الأمثولات الروائية وأسئلة الإبداع: مرة في قراءة رواية (صحراء التتار) لدينو بوتزاتي أو رواية (الشيخ والبحر) لهمنغواي أو (كتاب اللاطمأنينة) لفرناندو بيسوا.. ومرة في لوبان السؤال على كتابة الإيماءات والنظرات دون أن يصيبها صخب اللغة بالفساد، فالأحاسيس الهشة تتلفها اللغة، ومن يكتب بعد العباقرة إنما يكتب بما يمتلك من صفاقة. أما الأمثولة الكبرى فهي رواية ماركيز (مائة عام من العزلة) والتي تفجّر دخيلة رفعت الإبداعية: الخيال هو الطموح الوحيد، والمرام هو أن يعرف رفعت كيف يفكر بالأحاسيس ويحسّ بالأفكار، وأن يرى بوضوح كيما يكتب بطريقة (صحيحة). ولقد أصابت رواية ماركيز عيسى أيضاً بالهذيان، فجلجل على طريقته: "كاتب مسخرة كتب كل شيء، لم يدع شيئاً لكاتب بعده"، وكذلك "لن تكتبوا بعده يا أولاد الهرمة، إن كان عندكم شيء من الحياء". يؤيد رفعت صديقه في هذه الجلجلة، لكنه رغم ذلك نشر رواية جديدة مؤكداً أن الوصول إلى النموذج المرْضي لا يتم إلا عبر المحاولات غير المرضية. وهكذا تندغم الميتارواية في السيرية مترجعة بين رفعت وبين عزت القمحاوي الذي جاء بروايته الجديدة (غرفة ترى النيل) بعد روايته الأولى (مدينة اللذة ـ 1997)، فمضى من فضاء وبشر المدينة المحمومة باللذة والخيال، إلى فضاء وبشر القاهرة المحمومة بالسرطان والفساد واللذة أيضاً، أي المحمومة بالموت وبالخيال، وكأن الخيال هو الحياة إزاء الموت، وليس للرواية إذاً ما تتصدر به سوى تلك الآية الفرعونية: "انهض إنك لست بميت". لقد ابتدأ عيسى الرواية، ثم أسلمها إلى رفعت الذي يفكر في لحظة الموت، وتسيل به الذكرى أيضاً قبل أن يسلم الرواية إلى رئيس تحرير الصحيفة التي يعمل وعيسى فيها: أبو جهل، كما لقبه عيسى. ومن بعد، من قناع إلى قناع، من شخصية إلى شخصية، تسترجع الرواية أشتات الماضي وتهتك عتمات الحاضر، بينما الموت يرابط دون المستقبل، وعزت القمحاوي يبني الشخصيات ببرودة ومكر، والكتابة تسري رهيفة وموجعة، تهتك فساد المؤسسة الزوجية (عيسى وروز). والمؤسسة الإعلامية (أبو جهل) والمؤسسة الصحية (لصوص المستشفى العام والخاص) والمؤسسة الحاكمة متمثلة بالسيطرة على أملاك الفلاحين في جزيرة الذهب لإقامة مشروعات سياحية.. وإذا كان الخراب ـ الموت عنوان ذلك كله موشوماً على الجسد والروح الاجتماعي، فالسرطان ـ الموت هو العنوان على الجسد والروح الفردي. والرواية تصدع ذلك كله بالصداقة (عيسى ورفعت) وبالحب (سوسن وعيسى أو سميرة المجرية وعيسى). أما الوسيلة الروائية لذلك فهي السخرية. وهذا الذي يكابد السرطان ـ يعيش موته هو الساخر بامتياز، ابتداء بتلقيبه لرئيسه بـ (أبو الجهل) وبالمقابل تلقيب رئيسه له بـ (أبو العُريّف). فحين يسأل رفعت صديقه عن حاله يجيب: عظمة، والعشاء في المستشفى: آخر عظمة. وحين يتذكر عيسى دفن أبيه يقهقه "والله العظيم حكاية مسخرة"، وعن إبرة الثيرون يقول: هذه مسخرة، وعن حقنة المخدر يقول: "آخر مسخرة والله". وحين يتحسس بَلَلَهُ بالدم يتساءل: "إيه المسخرة دي؟". وحين يستذكر من تبقى من أصدقاء العمر تتوالى عباراته اللاغزة: "الدفعة صارت مطلوبة" و"كلها سنة ونتخرج كلنا". أما عبارة عيسى الأثيرة فهي: "آه كده آخر عظمة". في لغة عيسى هذه تتجسد بحق الكلمة الروائية التي تقصّ وتصوّر وتخبر (مسخرة، عظمة، كمثال). وتلك سمة بارزة في الكلمة بعامة في رواية (غرفة ترى النيل). ومنها ابتدأ تكوين لغاتها. فلرفعت لغته، ولمذكرات سوسن لغتها، ولرئيس التحرير (أبو جهل لغته) ولروز لغتها، وللسارد لغته. وقد أسس هذا التنويع اللغوي للحوار بين مختلف أشكال الوعي في الرواية. فالروائي الصحفي يفكر ـ مثلاً ـ في أن الموت لا يؤذي الموتى، بل الأحياء، وليس الموت ما يختفي "بل يبقى مدوماً وحارقاً كسائل يغلي في الذاكرة التي لم يبلغها النداء بعد". ورفعت لا يوفر في أهجيته أحداً حين يتساءل عن تسميم مواكب المسؤولين للشوارع: "ماذا يخرجهم لمزاحمتنا ما داموا يخافون كل هذا الخوف، ثم من يخافون؟ من خلق ميتة؟". أما عيسى الذي يستعيد علاقته بمن رافقهم في السجن، وتنكروا بعده لماضيهم اليساري وإن ظلوا يزاودون به، فها هو يرسل نظرته إلى الحياة: "الحياة تحب فقط أن تحاورنا مثل طفل نزق يطرح عليك ألغازاً، فإذا لم تتوصل إلى حلها تولى هو المهمة، لكي يتسنى لـه طرح لغز جديد. الطفل أكثر منك حرصاً على استمرار المسامرة، وكذلك الحياة". وبالطبع، لن تأتي أشكال الوعي في الرواية دوماً بهذه الجهارة، وإنما هي أساساً نسغ يسري في جسد الرواية، وبخاصة حين تظهر الطبيبة سوسن وتبدأ مماهاتها بين عيسى وشكري، أو تبدأ مماهاته هو بين سوسن وسميرة، فالاسم مجرد حيلة، وقد يكون الاسم المدون على بطاقة الطبيبة (سوسن) من اختراع عيسى، كما أن وجهها هو وجه سميرة المجرية التي لقيها أثناء إعدادها لأطروحة الدكتوراه عن حدود حرية التعبير في الصحافة المصرية، فتحابّا. ومن هذا القبيل أيضاً ما تنبض به ذكريات عيسى من كلية الفنون الجميلة وتلك الفتاة التي كانت موديلاً لأصدقائه وتعاوروها، إلا عيسى الذي تزوجها. والنبض هنا هو أسئلة الصداقة والجنس والفن والجسد. ربما بدا عيسى موضع العناية الروائية المركزة، من مواجهته للسرطان وللموت إلى عمله في جريدة (اليمين الجاهل) التي لا تسميها الرواية على سبيل التقية ـ ربما ـ إلى ماضيه في السجن أو القرية.. وربما بدا رفعت هو موضع العناية الروائية على قدم المساواة مع عيسى. ولكن هذا وذاك وكل الذين شهدتهم غرفة المريض، هم الغرفة نفسها، والتي طلب رفعت من ذات الشعر المبتهج خلف الكاونتر أن تكون غرفة ترى النيل، أي غرفة تتصدر بابها الآية الفرعونية: (انهض إنك لست بميت)، ومنها وإليها تكون الدلالات، فهي التي تأتي بالماضي وتحفر فيه ـ والاسترجاع عتلة كبرى لهذه الرواية ـ وهي الملأى الآن بالأحداث والعلاقات، هي التي جعلتها الرواية كياناً للموت المعلن، بما هو مجازات حياة واستعارة كبرى للاعتلال الفردي والجماعي، كما قدرت بحق كلمة الناقد صبحي حديدي على غلاف الرواية. 2 ـ زهير الجزائري: الخائف والمخيف (2): قد تفتح يومك أو تودعه بنبأ سيارة مفخخة أو صورة الأشلاء والدمار، فينفجر بك الرعب وتداهمك كوابيس هذا الوحش الذي يفتك بالبشر وهو في هيئة البشر. وقد يكون أن تلجأ مما تسمع في التلفاز أو ترى في الراديو أو تسمع وترى في الجريدة، إلى هذه الرواية، فإذا بالصرخة تشق صدرك في الكلمة الأولى، وتظل تدوّم في أعماقك والكاتب يرصد رجعها في بيت السيد الحائري أو في مكتب يعقوب أو في غرفة وليد أو أقبية السجن أو في القصر الجمهوري أو في مباءة العمة صبيحة.. وأنت إذاً في بغداد الرواية، كأنك في بغداد هذا الصباح أو في بغداد هذا المساء، والواقع كما يقال بحق أغرب من الخيال، والخيال كما يُقال بحق أغرب من الواقع، والسفاح هو السفّاح، والصرخة هي الصرخة، والانفجار أو الانتحار أو الاغتيال هو هو، فإلى من وإلى ما ستلجأ الآن؟ إنها رواية (الخائف والمخيف)، والسفاح الذي ابتدعه زهير الجزائري فيها ينادي السفّاح الذي ابتدعه منذ عقود نجيب محفوظ، وابتدعه من بعد غالب هلسا. لكن السفاح في رواية زهير الجزائري من طينة أخرى هي عينها طينة هذا الذي ـ وربما هذه التي ـ تكوبس نهارك وليلك، سواءً أكنت عراقياً أم كائناً فضائياً، وسواء أكنت في بغداد أم في جابلقا، وربما في جابرصا. لا يؤذي سفّاح رواية (الخائف والمخيف) أحداً من رجالات الحكم. يضرب عشوائياً إلا حيث مصدر الأذى الأكبر، فلا يجدي تحوّط العمة صبيحة على بناتها اللواتي تصطادهن من طالبات الجامعة أو الريفيات الطافرات أو الموظفات الصغيرات. ويحسب السيد الحائري ومريدوه أن السّفاح مرسل لقطع دابر الفساد، كما حسبوا أن الحنطة المسمومة عقاب رباني. بعد حين يتلمس الناس بحسهم المرهف ـ كما تروي الرواية ـ أن إيقاع الرواية قد تغيّر، وأن رجلاً شديد الحزم بدأ يملأ الفراغ، بينما يبدأ الكاتب وليد الرواية التي استعصت عليه بتلك الصرخة التي بدأ بها زهير الجزائري روايته. وسيحدد المسؤول الأمني الكبير يعقوب لصديقه وليد الفارق بينهما بأن الأخير "يكتب عن الحدث بعد وقوعه، أما أنا فأكتبه قبل. أصنع الواقعة ثم أدخل الشخصية فيها". وحين يعقب وليد أن صنيع يعقوب يكون بالإكراه، يخاطب يعقوب: "دعك من الوسيلة. تتبع كيف أجعل رجلاً يتلبس واقعةً خطوة خطوة، حتى يصدق ما قاله". في روايته يتتبع وليد ذلك السّفاح الذي يذيّل رسالته كل مرة بعلامة استفهام، نقطتها دم. لكن زهير الجزائري سيوازي ذلك في روايته (الخائف والمخيف) بما شغل الرواية العراقية بخاصة، والرواية العربية بعامة، في العقد الأخير، من تتبّع صعود الديكتاتور الذي يحمل في رواية (الخائف والمخيف) اسم عبد الوهاب المولى، والشهير بوهّاب. وفي السياق الروائي لهذا الصعود يتحلق حول السيد الحائري مريدوه من صغار الطلبة والفقراء الذين يسعون خلفه إلى صفاء التعاليم النبوية والراشدية. ومن هنا ينبثق الغفاري القادم من أفغانستان، والذي يحيط نفسه بغموض مفتوح للمبالغات، ويدرّب الانتحاريين التواقين للشهادة، مستهدفاً بتفجيراتهم وانتحارهم واغتيالاتهم السلطة والفساد، من العمة صبيحة إلى وهّاب نفسه. وفي هذا السياق الروائي الذي أبدعه زهير الجزائري، يحار وليد وهو يكتب روايته ويعاين الواقع، فيما إذا كان يكتب عن أشياء وقعت فعلاً، أم إن ما يكتبه يتحقق لاحقاً، بينما يسكنه الرقيب فيشغله عن كتابته، ولا تجدي المناورة معه وهو يتتبع النية التي لم تنكتب، فيفكر وليد بالتخفي خلف زمان آخر ومكان آخر، ويفكر في أن السفاح موجود في المواطن العادي. وهكذا تهتك رواية (الخائف والمخيف) الكاتب والمثقف كما تهتك المتدرع بالدين أو العاهرة أو المسؤول الأمني أو الجموع أو الديكتاتور. فالكاميرا التي يحملها زهير الجزائري لا تفتأ تنتقل من شخصية إلى شخصية ومن حدث إلى حدث ومن موقع إلى موقع، والصورة ـ غالباً ـ هي التي تنطق، وأنت تقرأ الرواية، أي ترى وتسمع، ولا مفرّ لك من أن تصدق، والويل لك إن صدّقت وإن كذّبت. ولأن الواقع الأغرب من الخيال كالخيال الأغرب من الواقع، قد انعجنا في رواية زهير الجزائري، حسبك في مقام كهذا المقام أن تضيف إلى ما عايشت من التشكيل الروائي العربي لشخصية الديكتاتور، هذا الديكتاتور الذي جُبل على الخوف، وخطا بحذر نحو السلطة، وتوارى زمناً ببذلته العسكرية السوداء يدقق في الملفات الأمنية التي وضعها سادته بين يديه، وضاق بجبال العصاة والسدود التي تتآكل والديون التي تتراكم على الدولة، حتى إذا حان الحين انقلب انقلابه وضرب ضربته وصار وهّاب المهجوس بالخيانة أولاً وأخراً، والذي تعلّم معالجة خوفه بالمباغتة، فبدأ عهد بما لا عهد للناس به، وألغى المناصب الوزارية، وشكّل مجلساً استشارياً ينتقل معه حيث ينتقل، وديدنه: "كلما كانت القرارات غامضة ومباغتة زادت هيبتها في عيون الناس". بإطباق قبضة الديكتاتور على رقاب البلاد والعباد، يكون التفسّخ قد آتى أكلُه؛ فصارت المثقفة ياسمين مثل العمة صبيحة، وعزمت العمة على التوبة والحجّ قبل أن يعاجلها القتل. وسيكون الجرّاح الألماني قد صنع من مجيد شبيهاً لوهّاب، وستكون نار حرب الأنفال قد أضرمت بقيادة اللواء محمد عباسي، وسيكون السجناء قد تقدموا في حفر النفق. أما الديكتاتور الذي ظهر في الصورة حاملاً رأس السفاح وقابضاً على السيف، بينما الناس في نوع من العصاب يهتفون، أما الديكتاتور فسيتوالى عهده بالموت والخراب، كما يتوالى فعل المتدرّعين بالدين وفعل المثقفين الانتهازييّن، وأنت تصدّق وتكذّب ما نسجته مخيلّة زهير الجزائري أو ما نسجه الواقع في رواية (الخائف والمخيف). فمن هو هذا الذي حملت الرواية صفتيه المتناقضتين في عراق الأمس؟ ومن هو وهّاب غير العراقي أمس واليوم وغداً؟ 3 ـ محمد سناجلة: ظلال الواحد: على ذمة غلاف رواية (ظلال الواحد) (3) فإنها المرة الأولى التي تستخدم فيها تقنيات بناء الإنترنت في الشكل الروائي، وأظن أن القصد هنا: في العربية. لهذه التجربة صدّر الكاتب روايته بتوضيح يبيّن أنه كان يعتزم إصدارها على شكل كتاب إلكتروني E. BOOK وقد احتذى في بنائها تقنيات الوصلات LINKS والـTags المستخدمين في الكتابة الإلكترونية، وفي بناء شبكة الأنترنت. إلا أن النشر الإلكتروني أعجز الكاتب مادياً، ولم يجد ناشراً (إلكترونياً) فاكتفى بالشبكة، وخاب أمله، وإن كان النشر الرقمي "يحقق شرط البنية الروائية والتقنية المستخدمة في تقاطعها مع المتلقي لكن أمية الأنترنت بالمرصاد. هكذا اضطر محمد سناجلة إلى الكتاب الورقي، ونوّه في توضيحه أن القارئ سيجد صعوبة كبيرة في قراءة ومتابعة خطوط العمل السردي، على الرغم من أنه حذف من الرواية ما حذف، وأعاد كتابة بعضها، لتتماشى مع المقدرة المتواضعة التي يقدمها الكتاب الورقي. وينصح سناجلة القارئ ـ حين يبدأ خط الروي بالتشظي والتفرع إلى وصلات، مع تشظي الشخصية الرئيسية ـ بطريقتين للقراءة: أولاهما: متابعة كل وصلة بدورها إلى النهاية، والثانية: قراءة الوصلات معاً صفحة فصفحة، وهي الأصعب، لكنها الأمتع، بحسبانه، فيما الأولى هي الأسهل، وإن كانت ستضيع على القارئ متعة الاكتشاف الفوري لوحدة النص مع تعدد خطوط السرد. وتلافياً لذلك وضع الكاتب (مفاتيح) تساعد على اكتشاف وحدة النص ولململة خيوطه. والكاتب ينصح أيضاً بالطريقة الأولى للقراءة الأولى، وبالطريقة الثانية للقراءة الثانية، وفي جميع الأحوال، على القارئ: "أن يتذكر بنية الشجرة التي لها جذر تتشابه اشتباكاته، ثم ساق وأغصان وفروع عديدة، ولكن تبقى الشجرة في النهاية واحدة". لا بد أن الكاتب الكبير الثقة بروايته ورأو بالقارئ كي يختم توضيحه بذلك الوجوب الذي يستدعي ما كتب مؤنس الرزاز على غلاف الرواية: "قرأت ظلال الواحد مرتين، فكانت جرعة المعاناة في القراءة الأولى أكبر من جرعة المتعة. لكن القراءة الثانية نقلت لي إحساساً نادراً بالمتعة". ولكن كم من قارئ سيحذو حذو مؤنس الرزاز؟ لعل للمرء أن يتساءل عن حق الكاتب بتوجيه القراءة، وعن جدوى ما يقترح أو يوجب، ما دام الأصل في القراءة أنها علاقة حرة ـ بصوابها وخطأها ـ مع المقروء. وربما كان ذلك ما جعلني أتعمد مخالفة الاقتراح أو الوجوب، وأصبر على الرهق، وأعلل به ندرة المتعة التي ذكرها مؤنس الرزاز، ليس بعد أن تشظت الرواية والشخصية الرئيسية إلى وصلات وشخصيات، بل منذ البداية التي تستغرق ما بين ص 13 ـ 41 في الهيئة السردية الأليفة، وتقدم قتل الراوي لحبيبته، وما أخذ به من بياض الورق والجسد والخواء والوحدة والهم الوحيد: أن يكتب ـ يحكي عن الجحيم الذي عاشه سنتين غيرةً وشكوكاً و.. فهذه البداية ـ الكتلة السردية الأولى ـ تنوء بالإنشائية ابتداءً بمجانية علامات الترقيم، وسيل النقاط المتراصفة أفقياً بلا موجب، وهي تتقافز بين الحبيبة القتيلة "ياه كم قتلنا بعضنا يا سيدتي.. فليكن هذا القتل هو الأخير.. ولنتحررْ منّا"، وبين الأم: "آه يا أمي لقد ضعت.. ضعت ولم يبق لي شيء سوى ظلال الذكريات الباهتة" وبين ذكريات الطفولة وحضور ديك الجن وعباس بن فرناس الذي يروي من حيواته ما يحيل على طارق بن زياد والأندلس كما يحيل على بلاد السند، وحيث تأتي لعبة التناص التي ستتفاقم في الرواية كلها بأخبار مقتلة خالد بن الوليد للفرس في معركة أليس سنة 12هـ. كما تأتي اللعبة بأشعار أدونيس أو ديك الجن من قبل. في نهاية هذه الكتلة السردية يظهر الغول الأزرق الذي حدثت الراوي عنه جدته الشمطاء، وتبدأ الكتلة السردية الثانية كسابقتها، ولكن في ثلاث صفحات توالي حديث الحبيبة والقتل والعرق والنبيذ، ثم يأتي استنجاد الراوي بأبيه، فيهوي الأب على رأس ابنه، فيطير عقل هذا، وبذا يتشظى وتتشظى الرواية في وصلتين سنرقمهما: 1 ـ 2، والأدق أن نقول: تنقسم الرواية إلى قسمين عموديين، وفي كل قسم يكون التشظي، ويستمران كذلك حتى توحدهما خاتمة تقود إلى الكتلة السردية الأخيرة ـ خاتمة الرواية المعنونة بمقام الظلال. تنشغل الوصلة (1) بالغول جرياً على سنن الخرافة الشعبية. وتنشطر هذه الوصلة بعد قليل إلى وصلتين متجاورتين سنرقمهما (1 ـ 3)، وتنشغل الوصلة الجديدة (3) بالصوفية، حتى ينتهي القول فيها وفي الوصلة (1) إلى (عالم الذر اللامحدود)، فتتوحدان، ولا يبقى إلى النهاية سوى الوصلة(1) والوصلة(2). في الوصلة (1) توالي الصوفية اشتغالها في عوالم ـ مقاطع الذر والرفارف والسدرة والشجرة، وتنتهي بكشف (من عرف الله تحرر). وباللغة والمصطلحات الصوفية تحاول هذه الوصلة التعبير عن وحدة الوجود وعن الخلق والتكوين، منذ تذررت أنوات الراوي ذرات متناهية في سديم لا متناه في الذات العلية، إلى هتفة صوت بالراوي: أنت الهيولى/ الجسد، إلى الهتفة الأخرى: كن روحاً في السدرة، إلى النمر الوثاب الذي يفترس بنت الراوي (يوها) في برزخ/ عالم الشجرة ـ لنتذكرْ تنبيه الكاتب للقارئ إلى البنية الشجرية للرواية ـ إلى قتل النمر ثم اللويثان ذي الرؤوس السبعة الذي اغتال الراوي. بجواز ذلك تستأثر الوصلة (2) بجلّ الرواية، ابتداءً من دم الراوي الذي يقطر في كف أبيه، وقد ضربه على رأسه فطار عقله: لنتذكرْ. وسيكون للصوفية هنا أيضاً أمرها. فالراوي يرى ابن عربي وطفليه الحسن والحسين اللذين يحسبهما الأخوين جون ومارك واشكوسكي (وسيتسميان عندما تتوحد الوصلتان بجون وروبرت) وهما شيخا الراوي ومعلماه، وقد تصدّرت الرواية بقولة لهما في فيلمهما السينمائي (The Matrix ـ 1999) ـ تؤكد ـ كالتصدير الثاني للحلاج ـ التطلع الصوفي للرواية في الوجد والفرادة. غير أن الشاغل الأكبر للوصلة (2) تاريخي يخاطب شأننا في الصراع العربي الإسرائيلي وفي الاقتتال. وقبل استئثار ذلك بالرواية يوالي عباس بن فرناس تحولاته وتناسخاته وقد اعتقل الغول عقل الراوي، فأمره ابن فرناس بأن يركّب من الخيال قلباً ثم يمزج منه عقلاً، ودوّم الصدى: "خيالك خيّالك إن شلته شالك" في إشارة إلى أولوية الخيال للعبة الروائية التي ستجعل للراوي عقلاً فعقلاً فعقلاً، وسماء تشيله وسماء تحطّ به إلى أن يبلغ بلاداً كُتب على سمائها: "دولة الخيال الرقمي" فقال: "دولة من خيال تشبهني لأدخلْها علّي ألقى اليقين". في دولة الأرقام هذه ذات الأقانيم التسعة، وفي الأقنوم التاسع الذي ينشد الراوي من دخوله النجاة من نيران الحيرة، يخاطبه الحمار الرقمي: "عقلك الأول خرافة والثاني وهم خلاق والثالث علم لا يعطيك يقيناً. خذ عقلاً رابعاً فربما ستربح". وابتغاء ذلك يتحول الراوي إلى ربوة صغيرة، ويصفو، وإذا الدنيا كأنها "متوالية رقمية في متسلسلات هندسية لا حد لها. فإذا بالماضي في الحاضر في المستقبل. وإذا الأزمنة كلها تتكامل في زمن واحد وإذا الزمن الواحد يتفاضل". وهنا تفضي الوصلة (2) بفضل الرياضيات إلى مقام التفاضل والتكامل ـ مدار الدم، وتبدأ لعبة التناص مع السرديات التراثية الشعبية والتاريخية التي أثبت الكاتب مصادرها ومراجعها في قائمة خاصة في نهاية الرواية، ومنها تاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير وسيرة ابن هشام، والرسالة القشيرية والفتوحات المكية (وهذان للوصلة 2 ـ 3 بخاصة) وتاريخ الحملة الصليبية إلى القدس وتاريخ الأنباط وميتولوجيا الأردن القديم وسيرة كليب الشريدة والكتب السماوية الثلاثة. وعلى الرغم من حرص الكاتب على الإحالة في الهامش، تيمناً بالأكاديمية، فقد دغمت الوصلة (2) المتناصات منذ حصار إخاب بن عمري ملك يهوذا والأدوميين لكركا عاصمة المؤابيين سنة 751ق. م. ـ وحيث يحارب والد الراوي العبرانيين وحلفهم ـ إلى معارك الإسلام الأولى (مؤتة واليمامة والجسر والقادسية) وما قال كعب بن أسد في بني قريظة، إلى فتح يزيد بن المهلب لجرحان سنة 98هـ. إلى حصار الحارث الثاني ملك بترا لأورشليم سنة 63 ق.م. فأمر الملك ميشع بن حانون والروماني سقاروس بفك الحصار عن أورشليم. ولأن الزمن يتفاضل ويتكامل روائياً، فيصير الحاضر في الماضي في المستقبل، يلبي محاصرو القدس استنجاد فوزان ملك رماثا ضد العربان، وتنهمر المتناصات من أشعار شعراء ثورة الكورة 1921 ومن سريرة كليب الشريدة في حرابة الرمثا والفلاحين مع البدو سنة 1919، بالاشتباك من خطبة البابا أوريان الثاني حضاً على الحرب الصليبية عام 1095، ومع أخبار فتح نهوند وثغر عصبون جابر (العقبة) وبرية فاران (صحراء النقب) ومذبحة بيت المقدس على يد الصليبيين وتدمير المغول لبغداد، إلى أن تنتهي الوصلة (2) بالعبارة التي انتهت إليها الوصلة (1) وهي: "فما راعني" فتتوحدان فيما يهيَّأ للراوي من رؤية مولاه ابن غيتس وقد توحد فيه ابن عربي والأخوان واشكوسكي وابن فرناس، والراوي قد جلله التاريخ بالدم، فأمره مولاه بالصعود إلى مقامه الأخير: مقام الظلال، الذي يأتي سبيكة تختم الرواية، تنثال فيها اللغة بلا علامات الترقيم، وتشتبك كبرى العناصر الفاعلة فيما تقدم من الرواية، إلى أن تسيل الأرقام في عتمة الليل، ومعها يسيل رأس الراوي، أما الكاتب، فيبقى مع حلمه المختلف حول الكتابة الروائية ـ كما ذكر في التوضيح في مستهل الرواية ـ وأما القارئ فيبقى مشبوحاً بين عصاب ورهاب التجريب والحداثة الروائية وما بعدها، ومن ذلك الكتابة الأنترنيتية كما تجسّدت في (ظلال الواحد)، وسيكون ذلك مكابدة الكتابة الكبرى، بقدر ما تصدق دعواها في اعتبار المتلقي والتلقي. 4 ـ خليل صويلح: بريد عاجل(4) يتساءل الراوي في رواية خليل صويلح (بريد عاجل) عما إن كان حفيد ابن حزم أو عبد الحميد الكاتب أو ابن العميد، أم تراه "كائن عائم في خريطة ممزقة"؟ وهذا المسكون بالمراسلة يتساءل عما إن كان لديه من يكاتبه، أم إن رسائله لا تصل إلى أحد؟ وهل هو حقاً من كتب احتجاجاته على سوء الحال على رقعة من جلد الغزال قبل خمسة قرون، أم تراه "الشخص الذي يتخبط الآن في شبكة الأنترنت بحثاً عن صديق وهمي، في عالم افتراضي بلا حدود؟". وكما أسس الراوي أسئلته في ابن حزم وعبد الحميد الكاتب، يؤسسها في ابن الأثير الذي قال: "وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني تتجدد بتجدد حوادث الأيام"، فقولة ابن الأثير وصف بليغ للعالم الافتراضي، بحسب هذا الراوي الأربعيني الذي تطلع به الرواية علينا وهو في طابور لدفع فاتورة الموبايل، حيث يلتقط رقم من يسميها شاكيرا، ثم يعود إلى عمله في صالة الأرشيف مع زميلته المطلقة ريم. ومنذ هذه البداية ينتظم بناء الرواية بين زمن كتابتها بعد سقوط تمثال صدام حسين في بغداد، وبين يفاعة الراوي في القرية ثم في الحسكة، وعهده بالجامعة في دمشق. يمتلئ الزمن الأول، بمشروع الراوي في كتابة تاريخ البريد، وهو الذي كانت الرسائل والطوابع هوسه في يفاعته. أما الآن، في الحاضر، فالراوي يبحث في المجلد الثاني من تاريخ الطبري عما يتعلق بتاريخ البريد، منذ الساعي الأقدم: حمام الزاجل (حمامات لويس التاسع في مصر والمعتصم والمعتضد) وفي عهد الخيول المضمرة وهشام بن عبد الملك والمنصور.. وإلى هذا الذي أرشفه الراوي في الكومبيوتر، وقد وقع على كتاب عن تاريخ مهنة الرسائل في صفات من امتهنها في العصور القديمة. وإذا كان الراوي يؤرشف في الكومبيوتر ذلك أيضاً، فهو يؤرشف يوميات الملف العراقي بعد 9/4/2003 ويؤثث ذكريات الصبا والجامعة بأرشيف الجريدة التي يعمل فيها، حيث مجلدات النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي. وجماع الأرشفة يتطلع إلى أمثلة متاهة بورخيس الذي حاول دائماً اكتشاف لغز الكتب. وليس هذا غير شطر من علامة الرواية التي ينشدها الراوي/الكاتب. أما الشطر الآخر فهو كتابة سيرة ذاتية مثل السيرة المشوشة التي قدمها فيلم يوسف شاهين (إسكندرية ليه). إنها سيرة الجرأة والمكاشفة التي ندر أن اقترب منها المبدعون العرب، لأنهم أنبياء مؤجلون، بحسب الراوي. من تصريف الماضي في الحاضر ينهض من مثقفي دمشق أصداء هذا الذي يبدو أنه يعيش (أزمة منتصف العمر) بامتياز، وأولهم الشاعر المرحوم رياض الصالح الحسين، وذلك الشاعر الذي لم تسمه الرواية، واكتفت بلقبه (الكوزموبوليتي ماياكوفسكي)، ومثله الممثل العراقي المغمور شكسبير والممثلة جولييت اللذين تكتفي الرواية بلقبيهما طلباً للتقية، على الرغم من الادعاء الصريح المبطن بالجرأة. والتقية إياها تنتأ بصدد نادر حسن الذي حاول الانتحار لأن ذوي صديقته سناء ملحم رفضوا زواجها منه بدواع طائفية. فالتقية فرضت غياب اسم تلك الطائفة المنغلقة في الجبال، بطقوسها السرية وبذلك "التواطؤ المكشوف بين السلطات الرسمية والسلطة الروحية لهذه الطائفة الصارمة"، فمن تراها تكون أيها القارئ النبيه؟ مع سناء ملحم تنهض سارة صالح أيضاً من ذلك الماضي الذي لا يبدو الحاضر غير تكأة لنهوضه. فها هي رسالتها تصل الراوي بعدما هجرته فجأة منذ تسع عشرة سنة. وهاهو ـ مبللاً بالذكريات المشتتة ـ يسير في متاهة شوارع يجهلها، تائهاً بين الأمس واليوم. ولأول مرة ينتبه إلى أنه يعيش في مصحة، وصدئ تماماً، ومعطل المخيلة. وفي هذا الذي آل إليه، يحاول أن يرد على رسالة سارة، فيكتب: "أغرق أمام مرآة ذاتي المغبشة وأتضاءل إلى مجرد سؤال حائر: كيف تبددت تلك الأيام كالصلصال من بين أصابعنا، لتتحول إلى مجرد رسائل متبادلة أو بطاقات بريدية مهملة في ركن ما؟". بهذا الهتك الملتاع يعاين الراوي نفسه ويومه ويسترجع أمسه في مونولوجاته وفلاشاته المتوالية، رشيقة حيناً ومبهظة بالشرح حيناً. أما المفصل الحاسم في ذلك كله فهو قرار سارة بالهجرة، وهو ما سيكتشف الراوي سره بعد حين، إذ ورد اسم سارة في إحدى قوائم المطلوبين في ذلك المناخ المحموم بالريبة والتوجس. لكن الراوي سيلعق جرحه وينتقل إلى حنين سلوم صديقة سارة. وحين يعود إلى الحاضر، يستعيد من بداية الرواية شاكيرا فتتكشف عن عاهرة. وتقترب الرواية من نهايتها ببلوغها من مشروعها (البريد ـ الرسالة) زمن العولمة، فيشرح الشاعر المفلس للراوي: "فالعولمة يا صديقي أن تتصرف ككائن عولمي بصرف النظر عن الهويات القاتلة أو ما يسمى الغزو الثقافي". لكن الراوي كائن غير عولمي، وتروّعه تبدلات المثقفين: اليساري الراديكالي صار منظّراً أمنياً، والمغني السياسي استبدل العود بسبّحة طويلة من العاج المرصع بالفضة، ومن برع بكتابة النص المفتوح يعمل في مركز غامض للأبحاث الوطنية. وهكذا لا يبقى للكائن غير العولمي إلا أن يلجأ إلى شبكة الأنترنت، بحثاً عن أصدقاء افتراضيين ورسائل إلكترونية، فالعالم بات بالنسبة له شاشة صغيرة. وإذ يمضي إلى (موقع النفزاوي) تكون الرقابة قد حجبته مع مواقع أخرى على يد "رقباء أشاوس تدربوا جيداً على منع الكتب والمجلات الورقية، وهاهم يتخبطون في شبكة العنكبوت الضخمة لإعادة العجلة إلى زمن المكتوبجي، وكأن الحياة لم تتغير منذ قرن إلى الآن، فالرقيب العثماني لا يزال يقبع في عقل هؤلاء، ويتنزه بين السطور، للقبض على جملة هاربة بالجرم المشهود". بالمهارة والسلاسة اللتين وسمتا رواية خليل صويلح (ورّاق الحب)، جاءت روايته (بريد عاجل) تجسيداً لما هو بحق شكل مرن، متوسلة ما يُدعى بالمنهج الكشفي. وبهذا وذاك طبعت الرواية بالنسبية ما هو راسخ من القيم والأخلاق والعقائد. وعلى الرغم من غواية الهيمنة للأنا الراوية، فقد ذلّلت الروايةُ الأنانةَ في أغلب الذوات القائمة في الماضي، من سارة صالح إلى سناء ملحم إلى حنين سلوم إلى رياض الصالح الحسين. أما الحاضر، فلا تضارع منه تلك الذوات إلا ريم التي تكتب رسائلها بالموبايل. وعلى أية حال، فرواية (بريد عاجل) تبدو مفارقة لما يسوقه الكاتب خارجها من السيرة الروائية أو الرواية السيرية. فالكاتب يذهب مثلاً إلى أن بطل الكتابة الجديدة قد استقال من المهمات العامة ليتفرغ إلى ما يخصه وحده، بخلاف بطل الكتابة الكلاسيكية الذي يتحرك في عالم مليء بالمعنى والغاية. لكن الراوي في (بريد عاجل) غاطس إلى أذنيه في العالم، من فرار سارة لدواع أمنية إلى الطائفية إلى الرقابة إلى العولمة إلى حرب العراق. لكأن الرواية أخذت بما يردده الكاتب خارجها من وصية كالفينو: "فكروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك روائي متصور من خارج الذات، عمل سيسمح لنا الإفلات من منظور الذات الفردية المحدودة، ليس لتدخل في ذوات تشبه ذواتنا فحسب، بل ولمنح كلمات لما لا يملك لغة". وفي هذه الوصية، وكما جاءت رواية (بريد عاجل)، تتخفف الذات من نرجسيتها، وتتشظى في الذوات الروائية ليكون لكل منها حضوره المميز مهما تكن فسحته الروائية ضيقة. ولعل من المفيد لتبيّن الموقع التجريبي المتميز لرواية (بريد عاجل) أن يشار إلى ما لعبته روايات أخرى، سواء في لعبة الأرشيف ـ كرواية فواز حداد: الولد الجاهل ـ أو في لعبة الكتابة السيرية بضمير المتكلم، والتي بلغت مبلغ حمل الراوي للاسم الأول للكاتب، كما فعل منذ ربع قرن غالب هلسا في أكثر من رواية أو عبد الحكيم قاسم في رواية (محاولة للخروج) أو كاتب هذه السطور في رواية (المسلّة)، فضلاً عمن لم يسموا الراوي في رواياتهم كما فعل جمال الغيطاني مؤخراً في الروايات التي تجمعها (دفاتر التدوين). وقد يكون من المهم أن يشار هنا إلى أن تشغيل ضمير المتكلم في الرواية السيرية، وكما نوّه رولان بارت منذ عقود، لا يتعلق بالكاتب، كما يحسب بعض من يؤثر هذا الضمير أو بعض من يستهجنه، بل يتعلق بالشخصية الروائية ما دمنا نتحدث عن الرواية وليس عن السيرة الذاتية، وسواء أكانت تلك الشخصية الروائية هي الراوي أم هي أيضاً من يروي عنها الراوي، فتتعدد بها أصوات الرواية ولغاتها، وهذا ما نراه مبكراً ـ ومثلاً ـ في رواية هاني الراهب (المهزومون) كما نراه الآن في رواية خليل صويلح (بريد عاجل). وهنا، ربما كان الامتحان الأكبر لمثل هذه الروايات منذ عهد المعلم دوستويفسكي هو أن تكون الرواية عالم الذوات المتكافئة، وليس عالم الذات الروائية أو الكاتبة المهيمنة. أما رواية (بريد عاجل)، وعلى الرغم مما اعتور شخصيات بثنية ونادر والشاعر الكوزموبوليتي، فقد جاءت رواية الذوات المتكافئة في بناء رهيف ودقيق، اغتنى بالمتناصات من رياض الصالح الحسين أو الشيرازي وطرفة بن العبد والمتلمس وابن حزم وابن الأثير. ويبدو أنها اللعبة الأثيرة للكاتب من (وراق الحب) إلى (بريد عاجل)، ولكن بمهارة أكبر هذه المرة، وحيث تعضد الرواية نسبها الحداثي بامتصاصها للغريب، وبلعبة الرسائل التي كثيراً ما بنت الروايات، وكثيراً ما كانت الحلقة المركزية في لعبها، وهاهي ترمح بنا في هذه الرواية من عهد حمام الزاجل إلى عهد الأنترنت. 5 ـ الميلودي شغموم: أريانة: لكل فصل من فصول رواية (أريانة)(5) حكاية وامرأة، ابتداءً بفصل (أمارة) الذي يتعاور على سرده ويشتبك فيه كلٌّ من (المسلك) و(العربي الشيهب)، مثلما سيفعلان في بقية الرواية، ومنذ البداية، حيث يحذر (الشيهب) صاحبه من هذا الوقت، يعقب (المسلك) أن الآخر يحكي عن نفسه "وكأنه يحكي عني، يتماهى بي". وسيتوالى مثل هذا التعقيب لتنجلي مبكراً لعبة تشظّي (المسلك) في توأمه، كما ينبئه صوت يدعي أن اسمه (الراضي)، أي الاسم الذي كان والد (المسلك) سيطلقه عليه، قبل أن يكتشف أن امرأته حامل بتوأمين، فسماهما: مالك ومملوك، فمن هو (المسلك)؟ هل هو مملوك عزيزي أم العربي الشيهب أم سليم الناظمي، أم إنها لعبة القرين في هذه الرواية؟ بانتظار للجواب لن يطول، يحدّث الشيهب قرينه عن المرأة التي يصطحبها كل مرة من المكان نفسه إلى المكان نفسه ومع السائق نفسه، ويتساءل: هل هي صورة حلم وذكرى؟ أم هي البغي المقدسة والصبية والجنّية والمرأة الحية؟ أم هي الخلاص والوهم الفاتن الملغز المعذب الممتع المخدر المنبه؟ يتساءل الشيهب أمام (المسلك) أيضاً عن لغز المرأة الذي يكابده، وهو الصحافي الكبير حلاّل الألغاز: "هل يعقل أن أعيش حالة كهذه، بين النار والماء، بين اليقظة والنوم، بين الحياة والموت، بين العقل والجنون، كائناً وغير كائن؟". لكن هاتفاً سيهتف بـ (المسلك): "لماذا تصرّ على تفكيك هذه اللذة التي تسميها اللغز؟ اترك جسدك يكتشف. قد يكون الجسد الحل، الخلاص". وهكذا يصير السؤال عمّن يكابد لغز المرأة و لغز اللذة في هذا الالتباس بين هاتين الشخصيتين الروائيتين، وهو الالتباس الذي سيلي مع سواهما. في صفحة (افتح قلبك) ينشر (المسلك) لغزه مع المرأة التي سيسميها (أمارة)، وتبدو وكأنها في كفن، غاطسة في السواد مثل من سيلين ـ أو ستتقمصهن؟ أو ستتشظى فيهن؟ ـ في الرواية. لكن الصحف ستتناقل أن (المسلك) سرق من (الشيهب) قصة، والشيهب تقدم بدعوى ضده. ويلي ذلك الفصل الثاني ـ متعنوناً باسم (حليمة) ـ كحوارية بين التوأمين تتشبه بالسردية التراثية الرصينة، لتنكشف لعبة التوأمة والقرين كلعبة لتعدد الأصوات الجوانية. فأسماء (المسلك) تتخاصم، وألوانه تتعارك، وهو يرى توأمه في نفسه وفي الناس وفي العديد من أصواته وأصدائه. وإمعاناً في اللعب يقول إذ ينظر إلى المرأة: "ولكن الأصوات التي تنبعث في المرأة لم تكن سوى همسات أشباح أعرفها ولا أعرفها، غريبة وأليفة في نفس الوقت إلا شبح الناظمي (أو العربي الشيهب؟)". يقدم هذا الفصل قصة حليمة زوجة الناظمي التي يبدو أن الأمن قد دبّر لها مكيدة الجلسة الخليعة مع شامية وتونسية وفلسطيني وعراقي ولبناني، بينما يؤكد الناظمي أن أولاء من الأممية الدولية القومية. وتفر حليمة إلى تونس، ثم تعود بصحبة تونسي، ويؤسسان شركة للمعلوماتية، سيرحل التونسي حين تفلس. أما حليمة فتستقر مع الناظمي الذي يكذّب مرضها وموتها، ثم ينتحر. ويختم (المسلك) هذا الفصل متسائلاً: "كيف أفهم كل هذا، خاصة عودة أصواتي، وأنا في عنق الزجاجة؟". وبمثل ذلك سيختتم الفصل التالي: "كانت كل أسمائي وصفاتي، وأصواتي، كأنها في معركة، وأنا عائد في نفس الطاكسي، لكن لسان العربي الشيهب كان أقواها". يحمل هذا الفصل الثالث اسم تلك التي تعنونت الرواية باسمها (أريانة). وهنا تحضر لأول مرة، ولكن على لسان (رابية) الملتبسة كسائر شخصيات الرواية. ففي هذا الفصل الذي جاء بصيغة مونولوج الراوي، تبدو رابية الجاهلة أو المحتالة أو الولية أو الساحرة أو العاهرة أو أم أريانة، وكذلك هي العائدة من ميلانو مع زوجها، حيث كان يعمل مغنياً في الأوبرا منذ ربع قرن. وسيكمل السائق حكاية رابية في الفصل التالي الذي يحمل اسمها، فيزيد إبهام الرواية إبهاماً، ويتقدم بها إلى ما يلونها من الفلسفة ـ بما يسوقه في الخوف ـ سواء في التأمل أو الحكمة أو التحليل، وبالرشاقة المعهودة للميلودي شغموم في تشغيل الفلسفة في رواياته. في الفصل الخامس (شمس البحر) تذهب الرواية أبعد من (التفلسف) عبر أصداء محاضرة السيدة الفرنسية حول ثقافة الجسد في الجنوب، وابتداءً بتعليق الصحفي البوطي: "كأنهم استنفدوا الكلام عن الجسد في الشمال" وبتعليق الصحفية مريم:" أو لم يعد لهم جسد"، بعد ما ذاب الجسد في الكلام لفرط ما تحدثوا عنه. والفرنسية التي عرّفت الجسد ببيت اللحم الذي نسكنه، ختمت محاضرتها بالدعوة إلى العودة إلى الطبيعة، لكن امرأة غاطسة في السواد تعقّب، فتعد المحاضرة استمراراً متردياً للنزعة الاستشراقية، ومليئة بالكليشيهات. وتأخذ على الفرنسية أنها لم تميز بين الجسد والجسم والبدن، فتنصرف الفرنسية احتجاجاً على ما عدته معاملة إرهابية، بينما توالي المعقبة (تفلسفها) في الحوار الذي يجريه (المسلك) معها، فتذهب إلى أن الجسد يتجلى في العين، واللغة الأولى للجسد هي العين، أما لغته الثانية الظاهرة فهي الهيئة العامة، والأسنان أيضاً لغة، وهناك لغات أخرى، والجسد يوجد مصغراً في أسفل القدم. وبعودة (المسلك) إلى البيت تكرر له ما سلف مع سواها، وروى للشيهب، فتخيل الشيهب أنه بطل القصة، وكتبها وعنونها بالعبارة التي يفتتح بها الرواية: "هذا الوقت ليس الزمان". واعتقد أن (المسلك) سرق القصة منه! بين قدر أقل من (التفلسف) وقدر أكبر من الأحداث والأخبار، تمضي الرواية حثيثاً في فصولها التالية، وشخصياتها تتكاثر، وفضاؤها يترامى من المغرب إلى الأندلس. فسائق (الطاكسي) الذي يُعلن اسمه أخيراً (بهلول) يحلم بـ (منية) التي سيصادفها (المسلك) في رحلته إلى الأندلس في مهمة صحفية، جرياً خلف (أريانة) ولغزها. وستكون تلك المصادفة نهزة لتقديم حكاية منية المسافرة لتتزوج ألمانياً جمعها به الأنترنت، وهي تحلم بضمان مستقبلها ومستقبل العائلة، وبذلك (الآخر) الذي تضيع البلد كلما اتسع، وبه يحلم الجميع. وقبل ذلك سنرى رابية تقرر أننا "لا نلتقي الحب إلا عندما نكون قد أصبحنا مستعدين لذلك، قادرين". كما سنرى الشيهب يقرر أن الحب مكر الغرائز، ويقرر: "أناس خلقوا وهماً سموه الحب ليبرروا في هذا الوقت الذي ليس الآن ميولهم الحيوانية". تشظي رابية الحكي في فصلين ـ حكايتين قديمتين، أولاهما للكلب داني والكلبة دانية، والحكاية الثانية هي للمُقْعَد سمعان وعبدته مسعودة التي ينشد الأعمى زيدان الزواج منها. وهاتان الحكايتان ـ مثل حكاية حليمة ـ تعززان حضور الأسلوب التراثي السردي في الرواية التي تمضي بعدهما إلى الأندلس، حيث يحل (المسلك) في بيت فلورا ألفيرانو مديرة معهد الفنون الأندلسية في إشبيلية. ومن ألفيرا إلى الراقصة غلوريا إلى رامون كالا الكاتب التافه الذي يسحر القراء، تنضفر حكاية أريانة التي صارت الراقصة الأولى للفلامنكو في فرقة ألفيرا، رغم أنها راقصة باليه، لكنها اعتزلت الرقص والحب بعدما خانها ثديها. على رامون كالا كانت تتنافس المرأتان اللتان بحسبه لا أحد في العالم يُحسن الفلامنكو سواهما: غلوريا وأريانة. وها هنا تصل الرواية باشتباك أصواتها إلى منتهاه، حيث يبدو (للمسلك) وهو عائد من رحلته أن رامون ليس سوى العربي الشيهب، وأن أريانة بالنسبة لرامون ليست سوى حليمة حين تبكي، أو غلوريا حين تضحك. وهكذا تظل أريانة تترجح بين الوهم والحقيقة: فراشة وحرباء وثعبان كما ترسمها غلوريا، وفاتنة للجمهور حين تحرك بطنها في الرقص، ومفتونة بأدوار النساء ذوات العاهات في رقصها، ووفية لعطرها. وبعبارة واحدة: أريانة حكاية ملغزة، والرواية التي تحمل اسمها تلعب لعبة القرين كما لعبها منذ عقود سليمان فياض في روايته (أصوات)، وكما لعبها سليم مطر في روايتيه (امرأة القارورة) و(التوأم المفقود). أما الميلودي شغموم، فيتوسّل هذا اللعب لتصريف الفلسفة في الحب أو الجسد أو الصور أو الرقص أو الآخر، بينما تظل امرأة اسمها أريانة سؤالاً بلا جواب. وعبر تصريف الفلسفة وتشغيل سؤال أريانة في الرواية، بدت الحكاية هي الحامل الروائي بامتياز، ملوحةً بنسبها في التراث السردي في حكايا حليمة ومسعودة والكلبين داني ودانية. على أن النزوع الحداثي للرواية قد يكون أرهق الحكاية بضبابية الشخصيات وتلغيزها ـ ما عدا رامون كالا ـ وبالتركيز على رصد دخيلة من يحكي أو تحكي، وهو ما بلغ مداه في فصل (أريانة)، وتواتر معقباً على محاورات الشخصيات في الفصول ـ الحكايا الأولى، قبل أن يهدأ ويفسح للرحلة إلى الأندلس، حيث طلعت شخصية رامون كالا، لتتميز على شخصيات الرواية جميعاً، فتنافس (أريانة) على بطولة الرواية، رغم كل ما حشده الكاتب لهذه البطولة. 6 ـ علم الدين عبد اللطيف: قمر بحر(6) ما الذي يعتري الكاتب حين يرى شخصية ما تخرج من رواية له لتحيا في رواية كتبها سواه؟ سأدع الجواب لمحمد كامل الخطيب وحيدر حيدر وأميمة الخش إزاء خروج شخصية من رواية لكل منهم إلى رواية (قمر بحر) لعلم الدين عبد اللطيف. أما بالنسبة لي، فلم يكفني الفضول أو الارتباك أو البهجة، وأنا أرى في هذه الرواية سيرورة أخرى لثلاث من شخصيات روايتي (مجاز العشق ـ 1998). لقد ابتدأ علم الدين عبد اللطيف (اللعبة) من النظر في روايته هو (قمر بحر) على لسان راويتها، كسياقات قصصية تتحدث فيها الراوية عن نفسها وعنه، وكقصٍّ يستحضر الشعر، وكمجال، وكمغامرة "تقتحم كراريس أخرى فتلتقي مع شخوصها المرويّين". وإثر هذا (الإعلان) تتحدث هذه الراوية التي تؤكد أنها لا تحتاج إلى اسم عن لقائها الأول بالحبيب الذي لا يحتاج إلى اسم أيضاً، وتعلن قولها بـ "شرعنة اختلاف"، ثم تقفز إلى النهاية بعد عشر سنوات، وقد غدت في الخامسة والثلاثين. وهاهنا تبدأ رواية (قمر بحر) اللعب مع روايات الآخرين، فإذا براويتها تخاطب (رويدا) بطلة رواية محمد كامل الخطيب (أجمل السنوات) حول تبريرها لخيانة حبيبها بعد موته، وإذا بهذه المجهولة التي سأدعوها (س) تنظّر لرويدا في (المعنى) طويلاً، وتنبئها أن أباها أراد لها أن تدرس الهندسة أو الطب، لكنها درست الحقوق. وقد كان أول هذا اللعب قولها: "هناك خيط رفيع يفصل الكرامة عن الكبرياء.. أليس هذا ما تقوله رويدا الرفاعي يا أستاذ محمد كامل عن علاقتها بيوسف عبد النور؟ لكن حتى هذا الخط المزعوم أو المفترض لم نستطع أنا وهي (كلٌّ في قصتها) أن نجتازه وقتها". ثم يأتي دور (ثرى) بطلة رواية (التوق) لأميمة الخش، فتقول (س): "ثرى في زعم أميمة الخش لم تتقبل فكرة المسؤولية عن موت الطفل". وفهم ثرى للمسؤولية هو الذي مكّنها من "بناء قصة توقها". وكما تورد (س) عنوان رواية محمد كامل الخطيب في السياق، بلا تحديد، تفعل مع رواية أميمة الخش. وكما نظّرت (س) لرويدا في المعنى، تنظّر لثرى في الحلم والماركسية والعولمة والانهيارات، ثم تسلق الحبيب بالهجاء بعدما تكشّف عن الفصام بين ثقافته وحزبيته وطفولة عقله وجذب بداوته. فالحبيب شيوعي مسيحي، و(س) مسلمة تشاطر حبيبها يساريته، لكنها يسارية نقدية، لذلك ستقرعه من لقاء إلى لقاء وهو يتغنى بديكتاتورية البروليتاريا. وحين يرميها بموضة المزايدة على الماركسية، تنفجر (س): "كفى بالعالم ديكتاتوريات" وتسلق الذين حولوا الأيديولوجيا إلى دين، متدرعين بالحتمية التاريخية. وفي نهاية الفصل الثالث من رواية (قمر بحر) تحدّث الراوية (س) حبيبها عن صديقتها راوية نبهان. ثم توقف الرواية فصلها الرابع بعنوان (استعارة ثانية) على تلك الصديقة القادمة من رواية حيدر حيدر (شموس العجر)، والتي تعاني من الرّدة الإسلامية الطائفية (الشيعية العلوية) لوالدها المناضل الماركسي اليساري. ولأن راوية نبهان تعلل انتكاسة أبيها بوراثة الدم، تتساءل (س) عما في ذلك من تبرير ومن مصادرة على التاريخ والعلم والطبيعة. وتتشكك (س) في المشهد الذي ترسمه رواية حيدر حيدر لقبول الشيوخ توبة والد راوية وعودته إلى الحظيرة الباطنية، لكن (س) تتابع: "رغم أن الأستاذ حيدر صادق، ما كنت لأصدق لولا أن واقع الحال يؤكد أقواله". من قبل، وفي رواية محمد كامل الخطيب (أجمل السنوات) أتت الطائفية على الحب، فرويدا مسيحية ويوسف عبد النور مسلم. وفي رواية حيدر حيدر (شموس الغجر) هي ذي الردة الطائفية لوالد رويدا الرفيق السابق لحبيب (س) رغم فارق العمر. أما في رواية (قمر بحر) فالعلتان معاً تأتيان على الحب. وهكذا تروي (س) زيارتها مع حبيبها لذويه في اللاذقية، واعتراض والديه كاعتراض والديها. ولئن كان الحبيب يريد حلاً قانونياً بإعلان إسلامه، فالأمر مختلف بالنسبة لـ (س) التي تريد الزواج أولاً، أما ما يقتضيه ذلك من إجراء آخر فهو أمر آخر. على أن فصام الحبيب بين المجتمعي الديني وبين الثوري الشيوعي، سينتصر بعد زيارة اللاذقية، وينهي علاقة العاشقين. لكن (س) تظل مقيمة على عشقها عشر سنين، لتستعين بعدها بفؤاد صالح (صديق حبيبها) الذي عاد معها إلى اللاذقية، في محاولة منها لوصل ما انقطع، وهاهنا لا بد من العودة إلى رواية (مجاز العشق). ففؤاد صالح قادم من روايتي هذه، ومثله صبا العارف، وصديقتهما فاتن طروف والعميد يوسف. ومثل ذلك هو الجذر الذي قامت عليه (مجاز العشق)، أي الحب والماء. ولقد بدأت رواية (قمر بحر) هذه اللعبة مع رواية (مجاز العشق) منذ الفصل الثالث بعنوان (استعارة أولى)، حيث تعرج رواية (قمر بحر) على مكتب القدس للخدمات الثقافية ـ وهو ركن أساس من فضاء (مجاز العشق) ـ فتلتقي فؤاد صالح الذي عرّفها عليه كما تقول (الأستاذ نبيل) وعرّفها هو على صبا وفاتن. وفي حوار (س) مع حبيبها تذكر عودة فؤاد صالح من ندوة حول المياه في عمّان، وما يتعلّق من ذلك بالسلام والتطبيع، وهو حدث أساس في (مجاز العشق). وتعود (س) إلى (مجاز العشق) في الفصل الخامس (أبناء محرومون)، فتذكر اثنتين من الأطروحات ـ الاقتراحات الكبرى للرواية: قانون الشعث، والنقطتان المتعامدتان اللتان حذوت باستخدامهما وحدهما من بين علامات الترقيم حذو غويتسولو، فإذا بالراوية في (قمر بحر) تشبكهما بقانون الشعث وبالماء كجذر للخلق وكحرب آتية لا ريب فيها، وإذا بهذه الراوية تجعل فؤاد صالح يعترض عليّ في فصل تال عنوانه "استعارة لن ترد". فدمشق بالنسبة لـه "مجاز دائم للعشق" وبالنسبة إليها "نقطتان متعامدتان"، ولذلك يعقّب فؤاد صالح عليها: "الأستاذ نبيل.. نعم.. النقطتان المتعامدتان قفل لما بعد وما قبل.. وكم تسبب بحصري وراءهما". وقد كان فؤاد صالح في روايتي يكتب رواية لا تكتمل وبلا خواتيم، وينشد أن يعيشها وأن يكتبها مع صبا العارف، فإذا به في (قمر بحر) يخاطب (س): "أنت نهاية روايتي، وربما كنت فاتحتها دون أن أعرف.. أنت روايتي بامتياز". هكذا تجدد تكوين فؤاد صالح في رواية أخرى، كما تجددت أو تبدلت أو تطورت اقتراحات وأطروحات من (مجاز العشق) في رواية أخرى، ليواجهني فيها (الأستاذ نبيل)، فيعتريني ما ذكرت من فضول أو ارتباك أو بهجة، بل وغموض، وأنا أرى ماء دمشق قد صار دمعاً، وصار ماء القتل المتبادل بين (س) وبين حبيبها في (قمر بحر)، وصارت لروايتي خاتمة، إذْ تخاطب (س) فؤاد صالح: "تلفن للأستاذ نبيل.. بشّره. اعتذر له عني. الماء الدموع. نحن هو هي. نقطتان على السطر". وفي السبيل إلى هذه الخاتمة، كانت (س) قد برئت من حبها القديم بعد عشر سنين، وكان الحب قد أينع روايةً بينها وبين فؤاد صالح. أما رواية (قمر بحر) فيظل للقول فيها مزيد ضروري. ذلك أن تنظيرات (س) في المعنى والعولمة والماركسية و... ستتوالى أمام فؤاد صالح أطول وأثقل مما كان مع حبيبها الأول أو مع رويدا. وهذه (الفكرنة) قد أبهظت (قمر بحر) غير مرّة، كما أبهظتها دعوى (الشعرية) نسبة إلى الشعر، حيث ترجّع إنشائية اللغة الروائية التي اشتهر بها حيدر حيدر وإدوار الخراط، كاستفاضة على الحالة أو الشخصية أو الحدث، وحيث ترجّع أيضاً تقليب أهداف سويف لحروف الأم أو الحب في روايتها (خارطة الحب)، فجاء فصل (اللغة ترقص/ هي اللحظة تولد) في رواية (قمر بحر) وجاء تقليب حروف البحر والقمر و... وربما لم يكن أقل إبهاظاً ما احتشدت به (قمر بحر) من المتناصات، وبخاصة في فصل (تراث). غير أن علم الدين عبد اللطيف ظل رغم ذلك لاعباً مغامراً وصاحب اقتراحات جريئة وجديدة، أكثر بكثير مما سبق ووعدت به روايته الأولى (أحلام الزمن المتوسط). (1) دار ميريت، ط1، القاهرة 2004. (2) دار المدى، ط1، دمشق 2003. (3) ط1، عمّان 2002. (4) دار نينوى، ط1، دمشق 2004. (5) المركز الثقافي العربي، بيروت 2003. (6) عروة للطباعة، ط1، طرطوس 2003. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |