|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:31 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابــع السـيـرية روائياً 1 ـ نورا أمين: الوفاة الثانية لرجل الساعات: تعلن نورا أمين السيرية في روايتها (الوفاة الثانية لرجل الساعات)(1) منذ البداية، فيما تروي من تعزية رجل لها بأبيها، فتمشي (للمرة الأولى في حياتها) على سجيتها، وتبكي بتلقائية، وتشرع بكتابة هذه الرواية التي تهديها إلى ذلك الرجل الذي جعلها تشعر للمرة الأولى أن من مات هو أبوها. وإذا كانت الساردة تسرد الرواية بضمير الغائب حيناً، وبضمير المتكلم غالباً، فسوف تعود الكاتبة نفسها إلى الظهور باسمها الأول قرب نهاية الرواية، كما كان في بدايتها، حين تقرأ الأسرة نعي الوالد عبد المتعال أمين الذي يناديه أقرباؤه وأصدقاؤه بالاسم الذي سيحمله في الرواية: عبود. وفي هذا الموقع المتأخر من الرواية ستعلن الساردة ـ الكاتبة اللقب المناسب للمرحوم "رجل الساعات" سواء تملك هو الساعات أو تملكته هي أو فشل الاثنان في إحراز الملكية الحقيقية. ومن هنا جاء عنوان الرواية الذي لا يكتمل إلا بوفاة الثانية للأب: أي تحرر الابنة منه. فكما جاء في مفتتح الرواية، ها هي الساردة في النهاية تقول: "والآن منحني هو من موته حريتي". تبني الساعات الرواية في إحساس مرهف وعميم بالزمن. فالفصل الأول عنوانه (ساعات) والثاني عنوانه (ودقائق) والثالث عنوانه (وثواني) والرابع والأخير عنوانه (خارج الزمن). وفي هذا البناء ينقسم الفصل الأول وحده إلى فقرات تَتَعَنْوَنُ بالساعات، وأولاها (في العاشرة دوماً) تعرفنا على الأب في اللقاء المقدس كل خميس في بيت العائلة القديم، كما عوّد العاهل الأكبر ذريته منذ نصف قرن. والفقرة الثانية (في السادسة يحدث أن...) تنبش من ذاكرة الساردة عشقها للساعة السادسة، وتسرد من حياة الأب استقالته من الوظيفة التي تقدسها العائلة، وسط ضجة نصر أكتوبر (حرب 1973) والتفاؤل بوعود الانفتاح، ثم اندفاع (عبود) في اللعبة حسب قوانين السبعينيات (من القرن العشرين) ليصل إلى قمة الهرم، وليسقط فجأة، فيخرج من المولد الانفتاحي بلا حمّص، ويفترش في السادسة من مساء كل يوم حسرته وذكرياته، يشيد الجسور الورقية للماضي، ويحاول سبيلاً إلى الثمانينيات. أما فقرة (الثانية عشرة الرسمية) فتوالي سرد شطر من حياة الرجل الذي انتهى به عشق الساعة الرسمية إلى إرباك ساعة جسده. إنها الساعة التي يترقب فيها عبود ظهوراً رسمياً أخيراً يليق ببداياته، ويختتم العقد الأخير من القرن العشرين، وهو الذي يحسب أنه باللوحة التي تحمل اسمه الثلاثي قد صنع بيبلوغرافيا كاملة لمسار الاقتصاد المصري منذ الستينيات. وأخيراً، وفي فقرة (العاشرة صباحاً المرغمة) تصيب القرحة الرجل، فتتكلل ساعة الحائط في غرفته بالحمرة، وتدفن أسفل عقاربها موعداً سرياً تفيض فيه الدماء ليلاً من الرجل المريض. لقد أرغمت الساعة "هذه المرة على التوقف حيث لا يحلو لها، وخفت تماماً الضحك الذي كانت تطلقه عندما تتجمع عقاربها في رقم واحد". في الفصل الثاني (ودقائق) تسرد الساردة ما بعد موت أبيها بيومين. وكما في الرواية كلها، تنثال ذكريات الساردة، ومنها هنا فكفكتها للساعة الإنجليزية المستديرة التي جاء بها عبود من إحدى سفرياته. وها هي الساعة الآن لم تزل في لياقتها، غير أن عقرب الدقائق صار يندفع أماماً، ثم يطلق الصدى إلى الخلف لكأنه يتقدم، إلا أن شيئاً ما يجذبه خلفاً. والساردة الآن لا ترغب بفكفكة الساعة، بل تشفق عليها، وتتمنى لو أنها ترتاح من الوقوف طيلة السنوات المنصرمة. والآن أيضاً تقتحم الساردة غرفة أبيها، فتخال نفسها على حافة الموت: "أبتلع جسدي كله وكأنه عقرب متخف". في الفصل الثالث (وثواني) تنهمر ذكريات الطفلة والمراهقة عن أبيها. ففي الحادية عشرة نراها فخورة بأبيها الذي يشبه عبد الحليم حافظ في كل شيء، ومفتاح الإغراء عنده هو صوت المطرب. وتتوقف الراوية مطولاً عند حدثين مفصليين، الأول هو وقوفها في تلك السنّ على السقالة في العمارة، تفتش عن لغة أخرى تتيح لها هذا النوع من الطيران: "لغة تشبهني أكثر مما تشبهه هو". فالفتاة المعجبة بأبيها بدأ نموها النفسي والجسدي يومئ إلى الاستقلالية. أما الحدث الثاني فهو نهر الأب لابنته المدللة، مما سيورثها (رضّة) نفسية، فيبدو لها "أن ثانية من الزمن قد سقطت سهواً، لأنني أفقت فجأة وأنا في هذا الوضع على صوت عنيف ينهرني". لقد زلزل كيانها الصوت الذي تعودت ألا يصدر إلا نغمات العندليب، ففقدت صلتها به وقد غدا جرعة غريبة من العداء. ولذلك تفكر الفتاة في أن تكتب رسالة لأبيها تعلن بغضها له، وتتوعد بمحو اسمه من شهادة ميلادها كانتقام أبهى: "ذات يوم لن يكون جسدي مغيباً، وسوف تتبدى قسوة خيالي بما لا يستطيع هو أن يتخيله، عندئذِ سوف يتمكن لساني من لغة طافية تمارس كل قهرها عليه". في الخامسة عشرة لم تعد الفتاة تخرج مع أبيها في سيارته الفارهة. لقد بدأ حاجز مراهقتها يفصل بينهما. وحين يختفي ستاً وثلاثين ساعة جراء تعطّل سيارته، تحاول أن تتقمصه، وينتابها الشعور بفقدانه الذاكرة في حادث، فتفرح، لأنه سيكون الأب الوحيد الذي تتاح له فرصة التشكل من جديد، وسوف يتاح لها أن تبدأ معه علاقة جديدة: "سوف تكون حقاً فرصة لميلاد جديد، وسوف أشارك في تشكيل ذاكرة أبي بالانتقاء والحذف بما يسهل من تواصلنا ويطرد كل اللحظات السيئة التي مرت بنا، والتي خلناها غير قابلة للمحو". من بئر الطفولة والمراهقة تمضي الساردة في الفصل الأخير إلى الثامنة والعشرين من عمرها، حيث استقلت وابنتها. وهذا الفصل يبدأ بكتابةٍ تضارع قصيدة النثر (أربع صفحات ونصف) على النحو الذي جاءت به رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر) بتمامها. وفي تلك الصفحات تحلم الساردة بمن لا تستطيع أن تسميه، فيما يبدو أن لها به ارتباطاً قديماً، وأنها تتألم من أجله. وسيتجسد الحلم بموت أبيها. وها هي إذ ترقد في سرير الميت، تنشد أن تفيض عنها رائحته، وتستعيد الحلم وهي تضع دبلة زواج الميت في إصبعها: "لن أترك شيئاً خلّفه هو خصيصاً لي، ووضعه حيث سوف أصوّب نظراتي". وحيث تبحث البنت في أدراج أبيها تقع على كل ثروته: الساعة المعبرة عن مرحلة العبور إلى عالم رجال الأعمال، وساعة الأورينت التي تذكرها بمراقصة أبيها لها، وساعة المعمورة من الماركات الأصلية التي يروج لها قادة البلد والشخصيات العامة، والساعة النحاسية الأقدم التي تطوق بها معصمها الآن. وبعد اثنين وثلاثين يوماً من الوفاة يهدأ إحساس العضو الذي نزع من جسد البنت التي انقطعت عن بيت العائلة القديم، ولم تعد تشعر نحو الماضي إلا بالحياد. وفي هذه النهاية للرواية ستسرد الساردة زواجها: "وكانت دبلة أبي هي القطعة الوحيدة الذهبية في صندوقي"، متوّجةً بذلك الحالة النفسية الأنموذجية لاستبطان الأنثى أباها حباً وكرهاً، فالرواية تنادي الفرويدية كما تنادي السيرية وهي تضيف نصاً جارحاً جديداً إلى نصوص الجيل الصاعد من الروائيات العربيات: بنات شهرزاد. 2 ـ عبده جبير: مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان(2) من التراث السردي يأتي عبده جبير بلعبة (الباب) في نظام التأليف، ليشيد روايته (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان)، وهي اللعبة التي أغوت آخرين من آخرهم أمين الزاوي في روايته (رائحة الأنثى) وأنيسة عبود في روايتها (باب الحيرة). فقد جاءت رواية جبير في خمسة أبواب، أولها وأطولها هو (باب في ثياب الساعات) وآخرها وأقصرها هو (باب في ثياب الأيام) الذي يناظر الباب الأول راصداً الأسبوع الأخير للراوي في الكويت قبل عودته إلى مصر، وذلك في هيئة يوميات، بينما رصد الباب الأول في هيئة الرسائل العيش الكويتي للراوي عبر ساعات الليل والنهار. وقد مضى عبده جبير من لعبة (الباب) إلى الكثير سواها كما سنرى، لتكون (مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان) رواية تجريبية بامتياز، تعزز تجريبية الكاتب في روايتيه السابقتين (تحريك القلب ـ 1981) و(عطلة رضوان ـ 1995)، وهي التجريبية التي أعلنت عنها المجموعة القصصية الأولى للكاتب (فارس على حصان من الخشب ـ 1978) وتواصلت في مجموعتيه التاليتين (سبيل الشخص ـ 1982) و(الوداع تاج من العشب ـ 1997). تبدأ الرواية الأخيرة بمشروعات الرسائل التي يكتبها الراوي إلى من عرفهن في مصر، وتختلط أسماؤهن في الرسالة الواحدة وهي تستعيد ماضياً وتعرض حاضراً، وحيث لا يفتأ الراوي يقطع السرد بما يضفره بين قوسين ويدع كثيراً منه مبتوراً، وتلك هي اللعبة الثانية التي ستتواصل في الرواية. أما اللعبة الثالثة فهي لعبة الأقنعة (تسلية الراوي) التي تقنّع كل شخصية بقناع، فعامل البوفيه الباكستاني هو سلمان رشدي، وضحى هي سعاد حسني، والراوي رفعت الجمال هو رفعت محمد... والراوي يلعب هذه اللعبة لأنه غير قادر على أن يذكر الشخصيات الحقيقية. لكن هذه التعلة لا تخفي السيري في الرواية، وبالتالي ما بين شخصية الراوي والكاتب، بل لكأن التعلة تحرض على تبيّن السيري، سواء بما عرف عن تجربة الكاتب الكويتية، أو بما سيعاوده الراوي من ذكر صاحبه الروائي عادل السيوي، أو بما سيسوقه في الرواية بعامة، وتلك لعبة رابعة في (مواعيد الذهاب..). فرفعت الجمال إذ تعبر به عبارة (غريب الأطوار) يتململ: "لا أعرف من أية رواية معتوهة التقطت هذا التعبير"، لكأنه يهجو اللغة الروائية حتى تتقعّر، نقيض اللغة التي يكتب بها الرسائل والتي سيروي بها بقية فصول ـ أبواب (مواعيد الذهاب..). ورفعت الجمال في الباب الثاني يلتقي من دفعه إلى الهجرة: البطل ـ اللابطل (رضوان) القادم من رواية عبده جبير (عطلة رضوان)، الوحيدة التي استطاع رفعت إتمام قراءتها طول حياته، هي و(قصة الحضارة). وسيخاطب رفعت نفسه: وتخيّلْ نفسك بين يدي مؤلف روايات أحمق، فيسلق من امتهنوا كتابة الروايات من كل هب ودبّ، ويتطلع إلى "كاتب روايات حقيقي هو نبي عصره بمعنى الكلمة، وهو بالقطع موجود، وسيظهر ليملأ الدنيا روايات تخدش حياء القصة الكبرى وإن كان يطالعك بتصوير حياة شخص يراه أصحاب العقائد غارقاً في التفاهة". يرسم الباب الثاني من (مواعيد الذهاب..) أفواج المهاجرين المصريين وألواناً من العيش الكويتي كما في قصة المرأة المعيلة التي تتعيش من الادعاء بأن ابنها أسير لدى صدام حسين. ولأن الراوي يتقمّص في هذا الباب الرسام الشعبي، فالسرد يندفق غالباً في كتلة واحدة، لا تعنيها علامات الترقيم ولا علامات الزمان أو المكان أو الشخصيات. وإلى هذه اللعبة البنائية واللغوية، ستلي في البابين التاليين لعبتان أخريان لتعدد وتعمق لغات الرواية ومستوياتها وزوايا نظرها. ففي الباب الثالث (في يقظة الناجين) يقدم الراوي ملاحظته أولاً، وفحواها أن ما سيلي هو ملفات مصريين ممن نجوا من تحطيم الطائرة المصرية الشهيرة في السماء الأمريكية بعطل أو بصاروخ أو بانتحار إرهابي ـ من ينسى؟ ـ وكذلك ملفات من نجوا من تحطم الأوتوبيس المقلّ لمهاجرين مصريين على الحدود السعودية الكويتية. وقد تلت ملاحظة الراوي سرود كل من الناجين والناجيات، لتؤكد ـ مع ما سبق وما سيتلو ـ صيرورة الرواية ذلك الكتاب الافتراضي، كتاب الحشد المتلاطم الخارج من مصر إلى المحيط، ما أودى إلى الصحراء، وليس إلى جنة عدن ولا سفينة نوح ولا بلاد السندباد. في الباب الرابع يحمل رفعت الجمال الكاميرا ليصوّر العيش الكويتي. ولأن هذه الكاميرا روائية، تأتي فقرات بعناصر ما ستصوّر من أشياء وبشر وأحداث، وبالتالي تتوالى القصص الفرعية في الرواية كما في سائر أبوابها. ومن الباب الرابع إلى الأبواب الأخرى، تنهض الصورة الكويتية التي تنادي رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) سواء في المكاتب التي تتاجر بأبحاث طلبة الجامعة أو بزيارة بوش الأب للكويت أو بمعضلة (البدون) الذين لا يحملون جنسية أو بسباق الهجن.. والصورة نفسها تنادي رواية طالب الرفاعي (ظل الشمس) في تفاصيل حياة العمالة المصرية بخاصة في حي خيطان وسواه. فالغرباء فقدوا سيطرتهم على كل شيء، لأن كل شيء هناك (في الكويت) أصبح لا شيء، وفي المقهى تراهم متوحدين ومتشابهي الملامح، واللغة (خلطبيطة) من لغات شرق آسية ومن الإنكليزية والعربية، والتعصب ضارب بين العرب، وغطاء البنكنوت وحده يجعل الغرباء يحسون بالألفة، والحداثة على أشدها، ومجتمع الرفاهية القادم من الغرب يطلع بالجنس الثالث، وأغلب الوجوه في هذا الفضاء الكويتي عابسة، وجذور صاحب الوكالة التي يعمل فيها الراوي مكينة في البداوة.. من هذا الفضاء يقرر الراوي أخيراً أن يؤوب إلى مصر، ليمتهن مهنة الكتابة كما هو صديقه الذي يكتب روايات صعبة: عادل السيوي. وها هو عبده جبير قد عاد من الكويت إلى الفيّوم ليتفرغ للكتابة، يحدوه صوت رفعت الجمال: "أحسّ بأن مخزوني يكفي لعدة مجلدات". والجمال سيكتب على الأقل ليتخلص من عذابات نفسه، أما عبده جبير فلعله لا يكتب لذلك وحده، بل لأننا بحاجة إلى رواياته. 3 ـ محمد الباردي: الكرنفال(3) يدوِّم خبر انتحار الشاعر والكاتب وأستاذ الفلسفة سليم النجار في مقهى ريجينه، حيث يتمركز السارد لرواية (الكرنفال) والذي يحمل اسم محمد الباردي، ليصير الكاتب واحداً من شخصيات روايته التي يجمعها هذا المقهى في تونس: "موطن النفوس الجريحة والأحلام المتكسرة"، لكأننا في إهابٍ روائي محفوظي (نجيب محفوظ). لكن محمد الباردي يهتك هذا الإهاب بما يكتب من سيرة المنتحِر وسيرته هو، وبما يروي وتروي الشخصيات جميعاً من الحكايا والأخبار العجيبة والغريبة، سواء ما تعلّق منها بالماضي أو بالحاضر الذي تحدو له البوارج الأمريكية الماخرة نحو الخليج. وإذا كانت رواية (الكرنفال) تبدأ بانتحار سليم النجار، فسوف تظل هذه اللفحة البوليسية تناوش الرواية حتى منتهاها، حيث يتكشف أن سليم النجار هو المناضل الأممي الشهير جوزيف سترادا، كما سيكشف اللبناني يوسف بشارة في مذكراته التي كتبها بعد ربع قرن على احتجاز وزراء الأوبك في فيينا، وكما سيكشف مناضل فلسطيني في برنامج قناة الجزيرة (بلا حدود). وليس استرادا ـ رفيق كارلوس في تلك العملية الفدائية الشهيرة ـ غير رفيق طفولة الباردي في مدينته (قابس). وليس أيضاً غير ذلك الشاب الذي استمالته الفلسفة عما أراد له أبوه من دراسة الطب، فتتلمذ على يدي الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي كان يدرس في الجامعة التونسية حتى نهاية 1968. على أن سليم النجار الذي سيبدد ما يبدد من الميراث بعد وفاة أبيه، وسيسجن عاماً لمشاركته في إضراب طلابي، سيختفي ربع قرن من بعد، ثم يؤوب إلى تونس خائباً ليقضي منتحراً ويمنح رواية (الكرنفال) لغزها ومعناها، وهو من خاطب الباردي: "لقد قتلوا المعنى، وماذا يبقى للإنسان عندما يموت المعنى؟"، وهو من خاطب أيضاً حبيبته ياسمين: "لم يعد للكتابة معنى، كل شيء في هذه المدينة تلاشى معناه". ولا تفوت الباردي الإشارة إلى انتحار خليل حاوي في غمرة يأس سليم النجار الذي يحكم بانقضاء عصر الفلسفة والأفكار المجنونة، ويسأل يائساً: "أية فلسفة تستطيع أن تفسّر ضياع هذه المدينة؟". إلى ذلك تبدو شخصيات الرواية جميعاً مهجوسة بالمعنى. ولذلك هي مهجوسة بأن تحكي حكايتها ـ سيرتها ـ وحكاية غيرها، والعكس صحيح. فالمعنى حكاية والعكس صحيح، ولن يني محمد الباردي في الرواية مداولة ذلك وتوكيده، متوسلاً ضمير المخاطب دوماً كمفتاح وكمخفّزٍ للسرد، ومستبطناً مرة ومعلناً مرة لمفهوم بعينه للرواية، كأن نقرأ: "لم يبق لك غير الحكي، وما الحياة في النهاية إن لم تكن حكاية طويلة تتعدد فيها الفصول وتتنوع ولكنها تحافظ على ما يربط بينها حتى يكون لها معنى"، وكأنْ يخاطب أيضاً والدة صديقه المنتحِر: "احكي تستريحي. ما بقي لنا إلا الحكي ولا بدّ لهذه الحكاية أن تنتهي لتبدأ حكاية أخرى. حياتنا حكايا تتناسل الواحدة من الأخرى، تلتقي أحياناً، تتقاطع وتتضارب أيضاً، ولكنها حكايا نارها تأكل من تجاربنا الشخصية، وقد نختلق أشياء لم نعشها. قد نكذب ونحن نبحث عن منطق يجمع بين عناصر حكاياتنا. وما الفرق بين أن نعيش الأشياء أو نختلقها ونبتدعها؟ إن الأشياء نعيشها في الحقيقة والخيال، وهل هناك حقيقة بدون خيال؟". ومن هذا القبيل ما ينظّر للسيرة في الرواية أو العكس، كأن يخاطب الباردي نفسه: "وها أنت الآن تكتب سيرة سليم النجار ولكنك في حقيقة الأمر تتحدث عن نفسك. لا يكتب الإنسان سيرة غيره إلا عندما يجد فيها شيئاً من ذاته أو شيئاً من ذات مثيرة يريد أن يكون له بعضاً من إشعاعها". على أن سيرة النجار أو سيرة الباردي تتشظى في الرواية، ومنذ البداية، لتقدم في كل فصل من فصولها حكاية شخصية ما، أو تتابع ما تقدم من حكاية سواها. وخلال ذلك يحرص الباردي على أن يجعل من شخصية بائع الجرائد (ماجد) مصدر الحكايا التي سيكتبها في رواية. فماجد بالنسبة للكاتب هو سلطان الحكاية وصندوق العجائب والغرائب، وحكايته هي حكاية الدنيا. وماجد يعلم أن الباردي سيكتب أخبار المدينة التي يأتيه بها، كما فعل في روايته السابقة (حوش خريّف). وسنرى أن الباردي يُنطق ماجد لاسيما بما يوضح أو يعزز مفهومه هو الحكاية. فماجد الذي يدرك أن الباردي لا يستطيع أن يكتب دون أن يحكي هو، ويرى المدينة حكايا عجيبة، يذهب إلى أن الحكاية لا تكون كذلك إلا إن كانت عجيبة، ليتحول صاحبها إلى بطل. لكن الباردي يصحح نافياً أن يكون صاحب الحكاية بطلها، بل من يرويها ومن يكتبها، لذلك يحرم ماجد من البطولة مثلما ينفي البطولة عن المدينة التي قتلت كل أبطالها وتحوّل الناس فيها إلى رواة. هكذا تأتي حكاية حبيب البقّال الذي يعلق على رواية الباردي السابقة (حوش خريف) وحكاية فوزية مدير المركز التجاري السعودي، وحكاية الراقصة جنات التي ترقص في جربة وتمضي بها مدام سلمى إلى بالارمو في إيطاليا حيث يصير اسمها ريجينه، مذكرة بصاحبة المقهى السنيورة ريجينه، ولهذه أيضاً حكايتها التي وشمت طفولة الباردي. وتتوالى الحكايا من فصل إلى فصول، فتقدم عصبة المتقاعدين في المقهى، وذلك الجندي المتقاعد عبد الكريم، وعصبة الباردي نفسه، ومنهم لاسيما عبد الستار وزوجته المارشالة التي سيصيبه بالجنون رحيلُها مع صاحب المصنع الألماني. من انفجار الجندي عبد الكريم وجنون عبد الستار سيقوم الكرنفال في الفصل الرابع عشر، فينتأ السؤال عما خسرت الرواية حين قصرت الكرنفال على هاتين الشخصيتين، وهذا ما التفت إليه الروائي والناقد محمود طرشونة في تقديمه للرواية. فعلى الرغم من أن الكرنفالية قد حضرت في الجموع التي احتشدت لترى تمرد الجندي وجنون عبد الستار، ولترى قتل البوليس للثاني واعتقال الأول، فربما كان للكرنفالية أن تكون أكبر حضوراً وتعبيراً عن مرام الرواية، لو أن شخصيات أخرى من شخصياتها قد شاركت في الكرنفال. وقبل ذلك وبعده يستوفي ماجد والباردي حكايا صالحة وفتيحة ومدير البنك وضريح سيدي خذر وحارس الكنيسة وجابر السمّاك وموسى الحداد وسالم الجزّار وعبد الغني.. وبهذا الاستيفاء يشتبك تاريخ المدينة (قابس أو تونس) في زمن بورقيبة وأحمد بن يوسف بحاضرها، ويشتبك الحب بالقتل (عبد الغني يقتل مدام سلمى) والاشتراكية بالخصخصة وافتتاحيات جريدة القدس العربي التي يكتبها عبد الباري عطوان بإيقاع الحرب الأمريكية الوشيكة، وحقوق الإنسان بالخطى العسكمدنية كما ينحت الباردي من كلمتي العسكرية والمدنية. وستحدو لكل ذلك المتناصّات العربية والفرنسية من أشعار بودلير وموسّيه وشوقي بزيع وجمعة الحلفي والغناء الشعبي وغناء فيروز.. لنبلغ في النهاية تلك الجنازة التي يراها محمد الباردي ويسأل عابراً عنها، فيهمس له أنها "جنازة محمد بن الصادق بن الطاهر الباردي"، فالحكاية تأتي على صاحبها، وكاتبها ينتهي بنهايتها، إذ لا حياة له بدونها. لقد رأى محمود طرشونة في تقديمه للرواية أن سرها هو في (التحويل)، أي في صهر الأحداث المعزولة والنتف المقصوصة والأخبار العجيبة والحكايات الغربية إلى عمل روائي متكامل لـه معنى. وقد دلّل الكاتب على المكْنة في ذلك كله ـ فكيف أخطأ إذاً بين اسمي عبد الغني وعبد الستار ص 119 وص 120؟ ـ مشيعاً الروح الكرنفالي في الرواية كما يليق بها، إذْ لا يكون مخططاً، بل شكلاً مرناً يسبغ ـ كما يقال بحق ـ النسبية على رواسخ العقائد والأخلاق والقيم، ويفتح المشهد على رحابة المجتمع ورحابة النقيض. وإذا كان تحقيق الرواية لذلك لا يلغي السؤال عن الفصل الذي حملت الرواية عنوانه، كما تقدم، فقد مزجت الرواية بالروح الكرنفالي، وكما يليق بالكرنفال، بين النافل والسامي، بين المقدس والمدنّس. كما أطلقت الرواية السخرية ـ الضحك في وجه الخواء والخراب الذي لا يوفّر النفس ولا المجتمع ولا الوطن ولا العالم، فهل يكون كل هذا هو المعنى الذي يَلوب عليه محمد الباردي الكاتب مثل محمد الباردي الشخصية الروائية؟ هل كل هذا هو المعنى الذي جعل فقدانه من مناضل مثل سليم النجار ـ استرادا ـ ينتحر، كما ألبس التباسه على سلطان الحكاية وساردها (ماجد) فجعله يلحق بالراقصة جنّات إلى إيطاليا ليقع في التيه كما وقعت هي، وكما سيقع سواهما في الحب أو القتل أو الجنون؟ (1) الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة 2003. (2) دار الهلال، ط1، القاهرة 2004. (3) دار سحر، ط1، تونس 2004. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |