|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:32 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس الأنوثة وشماً روائياً 1 ـ آمال بشيري: فتنة الماء(1) تجدد رواية (فتنة الماء) لآمال بشيري السؤال عن حدود القصة الطويلة والرواية القصيرة، وإن تكن قد أعلنت جنسها على الغلاف: رواية. وفيما تصدرت به يتجدد السؤال عن المرأة وعن الخلق. فالتصدير يبدأ بمريم عبيد "التي نسجت الأسطورة بأصابع الغياب" وينتهي بخبر من غرقت قلوبهم في فتنة الماء، فجفت الأرض وتحولوا إلى غيم. وما إن تبدأ الرواية حتى تجدد سؤال قابيل وهابيل بعودة (الصلف) من المنفى وقتله لشقيقه شاهين ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب. غير أن كل ما يتعلق بالفانتازيا والعجائبية والغرائبية والخوارق، سرعان ما يطوي تلك الأسئلة طيّ الحكايا ـ القصص التي تتناسل في فضاء ما ـ قرية ما ـ ربما كانت الجزائر أو أية بقعة بالغة التعيين بقدر ما هي من بنات خيال محموم. وتبدو الرواية حكاية بعد قصة بعد أسطورة نسيجاً شفوياً وشعبياً متداولاً وطازجاً في آن. وأول ذلك ـ بعد قتل الأخ لأخيه ـ هو وصول الحملة الاستكشافية التي قطع قائدها ألسنة رجال القريةَ وذوّب خلايا النحل وصبّ ذوبها في آذانهم، فأفقدهم النطق والسمع، وأهدى جنوده ذوي اللحى الشقراء والعيون الزرق فتيات القرية، ونصّب على القرية مجنون المعجزات (الصلف) الذي انشغل بتعبيد طريقه نحو المساء: هل هي إذاً قصة الاستعمار الغربي ومن نصّب من الطغاة؟ في هذه القرية التي يقضي رجالها نصف أعمارهم في البحر، والتي يجمع العريش نساءها حيث تتوه عقارب أدق بوصلة وهنّ ينسجن قصصاً من الخيال؛ في هذا الفضاء تثير (شعلو) زوبعة حيث تحل، بعدما رفض أبوها تزويجها من حبيبها سهيل. وليبرر الأب فعلته ادّعى أنَّ أم سهيل الفقيرة حملت به من شياطين البحر. ولأن "الحب في تلك القرية إما حكمة وإما جنون، وما بينهما رياء" فقد جنت شعلو، وأخذها البئر إليه بعدما قضى حبيبها، فأنبتت البئر شجرة ثمارها حمر ولزجة على شكل دموع، تمنح الذرية لمن يأكل منها، ما جعل الصلف يضم البئر إلى أملاكه. وفي هذا الفضاء أيضاً تقوم (حصاة المن) في عرض البحر حامية المظلومين وهي تنوح. وقد صارت الحصاة ـ بعد قضاء شعلو ـ مبقعة بالبياض ولامعة في الظلام، ومبشرة ببركة شجرة شعلو، فهلل الناس للبشرى بتحول هذه المجنونة إلى قديسة. لكن للقرية أيضاً مجنونتها مريم التي ترحل مع عاشقها (المنحاز)، والتي ستقول لقاضية الهوى "منحته جنوني فوعدني بالحكمة". لكن (المنحاز) سيجبن عن عشقه، فتعود مريم إلى عقاب أبيها الذي يدفعها إلى قتل نفسها، فتزرع قاضية الهوى قصتها على الشاطئ، وقصص القرية تتوالى من شخصية إلى شخصية من شخصيات الرواية المسكونة بالقتل والخرافة والطمع والشهوة والحب والتحدي والحلم والجنون والعقل. فقاضية الهوى التي ولدت من وشاية الشيطان لجسد أمها، تخدم بالوراثة عند سيدها (الجافي بأمر الله) ومنه تلد ابنها شمس الذي يصنع سلماً عملاقاً ليبلغ به السماء، ويحلم بامتلاك الكون أو أن يتحول هو إلى كون باهر. وقد أعتق الجافي قاضية الهوى فعزمت على منح موهبتها في الحب إلى العشاق، بينما راح شمس يحفر الجبل حتى يقبض على المعجزة فينادي أمه: "إذا كان معدنك من الحب فمعدني من ذهب". لقد اكتشف (مجنون الله) إذاً كنز الجبل وقال: "للجبل نفس قلبي فهو من ذهب"، فسلب (الصلف) الكنز، وأتى بالخبير الإنجليزي ليتولى ورجاله المنجم. ولأن الإنجليزي يريد لرجاله أسماء جديدة، أعاد قاضي القضاة (النرد) رسم شجرة الأنساب، فحصل الإنجليز على خريطة لوطن جديد، وصاروا الجيش الفتّاك لـ (الصلف) الذي أخذ يتاجر بثمار شجرة شعلو ويبني السجون ويسنّ قوانين الصمت، متنعماً بما يترك له الإنجليزي من كنز الجبل وبما تعود عليه ثمار شجرة شعلو بعدما يحولها الإنجليز إلى كبسولات طبية. إزاء طغيان الطاغية يدعو شمس أهل القرية إلى الموت الجماعي، فيوافقه عقلاؤهم. وبحركة سحرية يطيرون فتتهاوى أجسادهم في البحر، وتزغرد (حصاة المن) ويتنفس السمك خارج الماء، ويتحول الرجال إلى غيم، كما جاء منذ البداية في تصدير الرواية، لعل هذا التحول "يحدث الطوفان ليغرق القرية ويقضي على الرجل الذي بقر بطن أخيه ليستولي على بيته وبعض حبات من الرطب". في السبيل إلى هذه النهاية كانت قصة اللص الذي تحوّل إلى قاضي القضاة، و(الحبري) الذي قتل صديقه ـ كأنه يكرر قتل الصلف لأخيه ـ وأخذ ينظم السباقات الأسبوعية للحمير البيضاء، وكذلك هي حكايا عرافة القرية وابنها وسواهما مما تفور به رواية (فتنة الماء) على صغر حجمها، بمخيلّة مشبوبة ولغة مقتصدة. ومن المؤسف أن هذه اللغة تتعثر بما لا يحصى من العثرات ـ مرة أخرى: على صغر حجم الرواية ـ في الإملاء والنحو، وهو ما لا تنفع فيه تعللات الكاتبة ولا الناشر، وهو ما دأبت منذ سنوات على التحذير منه بقدر ما أراه يستفحل، ولاسيما في النصوص الجديدة، فيؤذي أيما أذى هذه النصوص، مهما كبر وعدها. 2 ـ لطيفة الدليمي: حديقة الحياة(2) كل شيء يسقط من الزمن: تلك هي حقيقة الوجود التي تجوهره كما تجوهر الإنسان، والسؤال يظل لائباً: أين يسقط الزمن؟ قلب المرأة وحده يلاحق نبض الزمان الخفي: حقيقة أخرى تشكل السؤال اللائب كما تشكل حقيقة الوجود. وكل ذلك هو الأسّ الروحي الذي تقوم عليه رواية لطيفة الدليمي (حديقة الحياة). في هذا الأسّ هي ذي جنات وروابٍ معشبة، أشجار مثقلة بالثمار والزرازير المنقطة وعصافير الحب، دجلة يفيض على الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات البيوت: إنها الطبيعة التي ليست إطاراً أو تزويقاً في رواية (حديقة الحياة)، بل جوهراً للكتابة تخلخله وتنقضه كتابةُ الحرب: "هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ على بغداد". وفي الأسّ الروحي لرواية (حديقة الحياة) هي ذي الموسيقا أيضاً، لا تشكل فقط واحدة من الشخصيات المحورية (ميساء)، بل تأتي كالطبيعة نسغاً لمفردات وعبارات الرواية، نسغاً للغتها ولنبضها الإنساني الحار. الزمن، الطبيعة، الموسيقا، الحرب، الأنوثة: هو ذا ما يقوم به عالم هذه الرواية، وكل واحد من هذه المكوّنات يفعل في الآخر فعله العميق، فإذا بالأب (غالب) يفعم عشّ الحب الذي يضمّه مع الأم (حياة) ومع البنت (ميساء) بمقطوعات الكمان لغانم حداد وبألحان التركي مراد أورهان والإيطالي باغانيني، لتسحق الموسيقا الروح وتنهج شهوة الحياة في آن. لكن الحرب تغيّب الأب، وميساء التي ولدت عندما بدأ القصف ـ وهي إذن حرب الخليج الأولى ـ سيصيبها فقد أبيها بالذهول سنتين، وستبيع الأم حتى جهاز التلفزيون لتفي بنفقات علاج البنت، وستعمل في مشغل الخياطة أم نور إضافة إلى عملها مدرسة للأدب العربي، لكن ميساء تظل ذاهلة حتى (تقرر) فجأة أن تشفى، وتواصل التدريب على الكمان، ودراسة الآثار كما تمنى أبوها، بينما كانت الأم تريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئاً يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس. تطل ميساء في الرواية وقد بلغت الرابعة والعشرين، ولديها ست سيدات وفتيات تعلمهن الموسيقا، فيما تجرب تأليف قطعة موسيقية تسكن خلجاتها وعقلها منذ أعوام بعيدة. وإذا كانت قد تخرجت من قسم الآثار منذ سنتين، فهي لم تشارك في التنقيب غير مرة واحدة في (أور) حيث تقول: "وجدتني أعبث بالزمن" وحيث "أستخرج دهراً". ومع ميساء تطل أمها في الرواية: امرأتان غريبتان على هذا العالم الذي فتكت به الحرب الأولى فالحرب الثانية فَنُذُرُ الحرب الثالثة، حتى بات رجال المدينة لا يرون الزهور ولا يتمايلون مع الريح أو على إيقاع موسيقا، ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في بزاتهم الجافة. لكأن الموسيقا تأنثت كالطبيعة في حديقة الأم حياة، كما تومئ هذه السطور وهي تؤشر إلى الذكورة أيضاً: "كما ينث المطرُ الناعمُ الوجهَ شهياً، يبعث الريّ في الجسد كله، تتعالى نغمة صادحة من كمان ميساء، فتجعل الليل الخامد بهياً، والعالم مكاناً آمناً يتيح للنساء أن يَحْلمنَ بحياة حقيقة، يعثرن فيها على حب حقيقي منزه عن الأغراض، ويلتقين برجال حقيقيين لم يعبروا طوق النار الذي ترك سحجات حريق على أرواحهم وثقوباً سوداء في أفئدتهم". بين مفصل وآخر من الحاضر الروائي، يستعاد الماضي. وإذا كان فقد الأب هو العلامة الفارقة في ذلك الزمن، فلعل ما يرسم جوهره كما يرسم واحدة من الدلالات الكبرى للرواية، ذلك الرسم السومري المقدس الذي أهداه غالب لحياة (الأب للأم): رجل وامرأة وبينهما النخلة/ شجرة معرفة الخير والشر، ووراءهما الأفعى، وهما يمدان أيديهما إلى عذوق النخلة. أما الدلالة فتعلنها الرواية، تعلنها الأم حياة وتعلنها ميساء: الرجل والمرأة شريكان في المعرفة، وليس في الخطيئة. على أن ميساء تحيا أزمتها مع من عشقت وعشقها: الشاب زياد الذي قضت الحرب على أسرته، فتعهدت حياة تربيته في منزلها إلى أن أنجز دراسته الجامعية في المسرح، وصار وميساء خطيبين. لكن زياد فتى من نار وصمت ورمل ودخان، ومساماته تفوح منها رائحة الحرب، ويلهبه ما كانت أمه تنفخ فيه: الرحيل، لذلك يرحل إلى أوروبا حيث يطّرد نجاحه، وتتواصل رسائله إلى ميساء، تدعوها إلى الخروج من العراق، وهي تكتب لـه منادية بعودته إلى العراق. تتوسّل الرواية لسرد علاقة ميساء وزياد المذكرات تحت عنوان (من أوراق ميساء) والرسائل التي ترد في تلك الأوراق. وبالطبع ينضاف إلى ذلك ما تتعهد به الساردة. وحين يتعلق السرد بخاصة بعلاقة شخصيتين أخريين (سوزان وغسان) فالوسيلة الفضلى تغدو الحوار ذا الطابع المسرحي. وليس يخفى هنا إفادة لطيفة الدليمي من خبرتها في الكتابة الدرامية، كما لا يخفى فيما يتعلق بالموسيقا والآثار من خبرتها التي يدلّل عليها ثبت أعمالها. فالموسيقا عنونت واحدة من مجموعاتها القصصية (موسيقا صوفية)، كما كتبت سيناريو وثائقياً عن الموسيقا في الحضارة العراقية بعنوان (صدى حضارة). ولعل ما يؤكد كل ذلك هو النصّ الذي كتبته ميساء (الآثارية العاطلة عن العمل) بعنوان (جلجامش وشجرة الصفصاف). وعلى الرغم من كل ما تقدمَ في بهاء رواية (حديقة الحياة) يبدو لي أن شخصية سوزان لم تكن مقنعة، عندما عبرت هذه المدرّسة للإنكليزية، الثرية، عن رغبتها في أن تتحول إلى رجل. فلا مقدمات الرغبة (أزمتها مع خطيبها عبد المقصود ومع عاشقها ومعشوقها الفنان غسان) جاءت كافية، ولا انتهاء هذه الرغبة جاء مسوّغاً، ومثله رغبتها في الزواج من طبيبها قبل أن تعود إلى غسان الذي يرفض الرحيل ـ مثل ميساء ـ بينما تلحّ هي على الرحيل، مثل زياد. ولعل هذا الخلل هو ما دفع بالحل القدري المباغت: موت عبد المقصود. ومن أسف أن هذا الحل القدري يتكرر في تتويج الرواية لدلالاتها، في نهايتها، حين يصور غسان مشرداً، وترى حياة الصورة في المعرض الذي أقامه غسان في حديقتها، وعزفت له ميساء، فإذا بحياة تعلن أن هذا المشرد هو الأب المفقود، فيجري الجميع إلى البحث عنه في مجاهل بغداد، ومهما يكن من خطأ أو صواب ما أقدّره هنا أو هناك من خلل، فقد كانت (حديقة الحياة) بحق تلك الإضافة الروائية المتميزة بالوشم الأنثوي. 3 ـ زهرة كرام: قلادْة قرنفل(3) "أهديك أجمل ما تصنعه نساء كردستان". بهذه العبارة يقدم شاعر منسي قلادة قرنفل للشابة الصحفية التي تروي رواية عَنْوَنَتْها الهدية، وكتبتها الكاتبة المغربيّة زهور كرام. وإذا كان الشاعر قد "اعتكف على الشعر بعد أن فارقته الحياة في الوطن، وغاب في شوارع لندن" فالقلادة ستغدو تميمة الشابة وهي تكابد العيش في زمن المكادونالد مثلما يكابده الشاعر في المنفى، والعشق يتضوّع كالقرنفل، والرواية لا تفتأ تضارع الشعر، فنقرأ: ليلنا مضاء بالنجوم أنا والقلادة خطونا مفعم بالقرنفل أنا والقلادة غير أن الرواية ستتأذى بهذه المضارعة، شأن أية سردية تبالغ في لغتها باقتفاء لغة الشعر، متوهمة الشعرية، وهو ما تعززَ بفيض الإيقاعات التي لم تفلح في أن توقّع للرواية بقدر ما بدت استطالة وإثقالاً ـ "ولقد اختفينا معاً" "ولقد انطلقنا معاً..." ـ ومثل ذلك جاء فيض تأملات الرواية وفيض نجواها للحبيب وللأب وللوطن، ولاسيما لنفسها حيث فاضت النرجسية بمثل هذه العبارة: أعانقني. ربما كان ذلك ما جعل الرواية تبدو حلبة لصراع الشعرية والسردية. وقد بدا انتصار الأخيرة حاسماً في بناء الشخصيات الأخرى، سوى الراوية والحبيب. فشخصية لَلاَّّ فضيلة /الحاجة فضيلة/ العمة قدّتها الرواية من جلمود، وعرّت جذرها في القرية /القبيلة كما عرّت أظفارها التي تنشبها في القرية/ القبيلة من مقامها في المدينة إذ ْتُغرق بالدين فلاحاً بعد فلاح، تقضم الأرض قطعة قطعة ـ بالأحرى، وكما في الرواية: "تنتشر أرضاً" ـ ومقدم القرية يتبعها ظلاً ظليلاً وخادماً أميناً، فإذا بواحدٍ تهرب ابنته إلى إيطاليا مع أجنبي، فيطأطئ متجللاً بالعار، وإذا بفتاة ينكشف شعرها فَتُساق إلى عرين الحاجة زوجة لأصغر أولادها، وأرض والد تلك الفتاة أو هذه تُساق إلى أملاك للاّ فضيلة التي ستعود من إحدى غيباتها مدرّعة بجهاز الكمبيوتر، كي تلقمه وثائقها. لكنّ الجلمودية ليست غير واحدة من شخصيات الرواية ـ نسائها اللواتي تقدمهّن راوية الرواية بضمير المتكلم، كما تقدم نفسها: الصحُفية التي ما زالت تعتقد أن أول مقالة كتبتها هي "التي استطاعت أن تكتب جرأتي.. وعريي.. بعدها خدشوا عريي.. فعدت أدراجاً أخبئني بألوان من الثياب.. وقالوا: هكذا نريدك". ليست عمّة الراوية وحدها من تريدها كذلك، بل ابنها الأصغر صالح أيضاً، ابن العمة الذي زوّجته أمه أول مرة من زهرة بنت الشرفي الذي التهمت الحاجّة أرضه، ثم زوّجت الولد المطيع من فاطمة لأن الأولى عاقر. وتحت ظل العمة يعيش مع أولاء جميعاً زوجها نسياً منسياً، ويعيش ابنها الأكبر مع زوجته عائشة التي تصبّ عنفها على أولادها، فتصرخ بها الراوية: "ما هذا الذي تفعلينه بأولادك؟" فتصرخ عائشة: "ما هذا الذي تفعلونه بي؟" ثم تصرخ: كلكم مجرمون. ووحدها عائشة مع زوجها سيعترضان أخيراًً سبيل الحاجّة ويغادران عرينها، بينما يمتّص العقم أنوثة زهرة حتى الموت، وتترجّح فاطمة بين الإنجاب والصمت والانفجار، ويشلّ الخوف صالح كما يشلّ الراوية حتى تقترب الرواية من نهايتها، وهي التي ابتدأت بالخوف، ولكن ليس من العمة وحدها. ففي البداية تلتقي بالراوية برئيس تحرير جريدة محسوبة على المعارضة عائداً من إجازته الصيفية. وفي حوارهما كما في نجوى الراوية نفسها في خلوتها، ينهض الخوف العميم. فالصحافي اكتشف البلد خلال إجازته، وهو الذي كان يكتب عن البلد من مكتبه فإذا: "وضعنا مهزلة" و"نحن ضعنا" و"على الأقل قبل الآن كنا نحلم" و"البلد في خطر" و"لا مؤسسات.. لا أشخاص".. أما الراوية فتعيّن الزمن: "إنه زمن ماكدونالد" حيث لا أحد يناقش ولا يقارن، وتصدع بالسؤال: "هل يكفي أن تكون خارج جغرافية الوطن لتدرج ضمن لائحة المغتربين؟ ما معنى أن تبقى داخل جغرافية الوطن وذاتك بعيدة عنك؟". وتتتوج هذه الصورة القاتمة بما تقوله صديقة للراوية: "نحن نحتاج إلى أن ندخل آلة ليعاد إنتاجنا من جديد.. تزيل الآلة كل الأوساخ، وتحتفظ بالنقاء". تبدو الراوية منذ البداية مسكونة بأبيها أغنية للوطن، ومسكونة بالحبيب. وبما يسكن الراوية التي فقدت أباها وأمها، ترفض الزواج من صالح كما أرادت العمة، وتنازع العمة في صمت سيليه الجهر في حصتها من ملكية البيت. وعبر ذلك مما سيمتد طوال الرواية، تتخفف الراوية من تاريخ خوفها، بينما تتعزز إشارات القرنفل إلى تلك الخفة ـ التحرر. وإذا كانت أولى تلك الإشارات إلى كردستان ستظل مبهمة، فما سيلي، سوف يغدو علامة على التحدي في صراع الراوية مع العمة، كما سيغدو علامة على ما ستبدل الرواية من شخصية صالح ليخرج من جبة الخوف ويغادر زمن الطفولة، حيث حبسته أمه، فلم تزوجه بمشيئتها فقط، بل صنعت له مؤسسة ثقافية أيضاً. لقد حُسِمَ الصراع أخيراً، وانتصرت الراوية على العمة إذ فضحت أسرارها في الكمبيوتر. وبينما عاد لصالح تردده، أنجزت الراوية النصر وأصيبت العمة بالشلل. وبمثل ذلك انتهى الصراع بين السردية والشعرية. فحيث طغت الأخيرة شُلّت الرواية، لكن عافيتها اتقدت حيث بنت السردية الشخصيات النسائية بخاصة، وحيث قدمت الأحداث والحكايات الصغرى والكبرى، لتصّح أخيراً الجلجلة من (زمن السّيبا) ومقاومة النفس الأمّارة بالهدنة إلى زمن الماكدونالد: "إن دخلت نفسك كان موتك". 4 ـ هيفاء بيطار: امرأة من هذا العصر(4) تعزز هيفاء بيطار، رواية بعد رواية، رهانها على الشخصية الروائية، جسداً وروحاً، في تأنيث الرواية. وهو الرهان الذي لا يوفّر المؤسسة الدينية، أو الزوجية أو الثقافية أو أية مؤسسة تعوّق حرية الإنسان، ولاسيما: الأنثى. فمن (أبواب مواربة) إلى (أفراح صغيرة.. أفراح أخيرة) ومن (نسر بجناح واحد) إلى (يوميات مطلقة) إلى (امرأة من طابقين)... تواصل هيفاء بيطار السبيل الذي اختارت منذ البداية ـ وفي القصة غالباً كما في الرواية ـ دون أن تعشى بالبريق الحداثي ولا بالاستفزاز أو الاحتفاء النقدي الذكوري، محاذرةً الرائج: الثأرية النسوية من الذكورة. ولعل كل ذلك يبلغ ذروة جديدة في روايتها (امرأة من هذا العصر) التي ترمينا منذ سطورها الأولى في مواجهة بطلتها المهندسة مريم لعلتها: سرطان في الثدي. في هذه البداية تسوق مريم ـ وهي راوية الرواية بضمير المتكلم ـ وقع النبأ العظيم عليها، إذ يتداعى كيانها فجأة، ويتجمع فجأة فرح العالم في قلبها فتهتف: "العالم فردوس، العالم فردوس"، وإذ يعاتبها ثديها: "كيف يطاوعك قلبك على أن تقطعيني وترميني خارجك!!" ويعطيها حكمته: "ذاكرة المرأة نهدها". وفي الليلة الأولى للنبأ العظيم ترى مريم نفسها على حافة جرف مسكون بالأشباح التي تتكشف عن الرجال الذين عبروا حياتها "كبرق، كحُرق، كنسمة ربيعية" فتستنجد بابنها الشاب لؤي الذي ظل مستغرقاً في شاشة الكومبيوتر. وسرعان ما سيبدو أن هذا الهجس إرهاص بالفكرة التي تومض لمريم بعد استئصال الثدي: "استحضار حياتي أثناء جلسات العلاج الكيميائي، ربما لألهي نفسي عن التفكير في تلك السموم التي أحسّها تسري في دمي، أو لرغبتي في تقويم ما عشته". قبل العملية التي رافقها فيها طليقها ووالد ابنها، فكرت مريم في أن نهاية ثديها ستكون نهاية الرجل في حياتها. وسوف يكون علينا أن ننتظر إلى نهاية الرواية لنرى كيف يتحقق ذلك في علاقتها مع الدكتور مسعود الذي قام بالعملية. أما فكرة استحضار الرجال فستنظم بناء الرواية منذ الجلسة الأولى حتى الجلسة التاسعة، وحيث سيكون أيضاً للمجتمع الجديد الذي انتمت مريم إليه (مجتمع المتسرطنين) حضوره. تحمل الجلسة الأولى عنوان (البخيل) حيث عيّنتْ مريم الرجلَ بصفته، وهي الأنثى العصرية: "ابنة زماني زمن الثورة الجنسية" والتي كانت تخطو نحو الأربعين، فقررت أن يكون لها عشيق، مؤمنة بحقوق النفس والجسد و: "أرفض أمراض الكبت تحت ستار الأخلاق". لقد كان ذلك العشيق هو البخيل الذي يؤجج نجاحُ مريم المهني شهوته، بينما يزداد نفوره منها كلما انتهت حفلة الجسدين. وفي هذه الجلسة تقص مريم أيضاً قصتها مع رجل آخر صادفته على الباخرة في رحلتها إلى اليونان. فهذه التي أرادت من الرحلة تنقية روحها من البخيل، علقت (وجيه) وعلقها، لكنه يبتر العلاقة لأنه لا يستطيع أن يتحمل تجاربها مع الرجال قبله. وهنا تسوق مريم حكمتها في الحب: "لا يشفي حباً قديماً إلا حب جديد". ولسوف تصوغ تجربتها مع السرطان الحكمة في صياغة أخرى تخاطب بها ابنها: "الحب هو الذي يجعل السرطان يموت"، بينما يقدم رجل الجلسة الثانية مفهوماً آخر للحب: "الحب يعني الاستحواذ. أن تكوني لي وحدي". ولسوف تكرس مريم بعد الشفاء، وإزاء عشق الدكتور مسعود لها، الحكمة التي خاطبت بها ابنها كعنوان لحياتها الجديدة، فتسعى إلى كل اللواتي مرضن مرضها، لتقدم علاجها الجديد: "لنقل إنه العلاج بالحب". قبل قصة وجيه تقول مريم "سأترك الفيلم الثاني إلى الجلسة الثانية للعلاج" في إشارة جديدة إلى ما للجلسات في بناء الرواية. وستعزز مريم ذلك في الجلسة الخامسة إذ تقول: "لا أظن أن الذاكرة أمينة، بل كثيراً ما تحوّر الأحداث وتركبها بطريقة مغايرة لما حصلت عليه في الواقع". فما قبل الجلسات وما بعدها ليسا إلا تمهيداً قصيراً ومتابعة قصيرة، وبالتالي فالذاكرة هي عتلة الرواية، كما بدا مع البخيل ومع وجيه، وكما سيبدو في الجلسة الثانية مع أحمد الذي تزوجها وأنجبت منه ابنها. لكن رضوخ الزوج لأمه المعارضة للزواج، أخذ ينخر في الحب، رغم أنه لم ينخر في علاقة الجسدين. وبعدما فرض أحمد الحجاب على مريم، تكاثرت شكوكه، فانتهيا إلى الطلاق، ومضت مريم إلى دبي هرباً من التجربة المريرة. وهنا تأتي الجلسة الثالثة التي أسلمت مريم فيها جسدها لعابرين، كما أسلمته في الجلسة الرابعة إلى رئيس جمعية (مناضلات) التي تدافع عن المرأة. غير أن هذا الرجل المأخوذ بآخر الصرعات الفكرية، سيعلم مريم كيف تغذي الذكورة السلطة (المنصب الرفيع)، وسيتكشف عن مستبد ينفي أفكار الآخرين. وعلى النقيض منه يأتي سامح في الجلسة الخامسة حاملاً الصفة النادرة في الرجال (الوداعة) كما ترى مريم. فهذا المهندس العالمي الأرمل الذي أحبته، ظل علامة الاستفهام الوحيدة في حياتها، لأن جسدها ظل يرفضه، وهي التي ترى أن "ليس مثل الجنس بقادر على تعرية حقيقة الإنسان". وعلى النقيض من سامح، يتكرر نموذج رئيس جمعية (مناضلات) في رجل الجلسة السادسة الذي عاش في ألمانيا منذ يفاعته، وكانت له زوجة ألمانية دفعها بساديته إلى الجنون. غير أن مريم نجت منه بجلدها بعد إخفاق زواجهما. ولن يكون بأفضل رجل الجلسة السابعة، ولا آخر السلسلة: ذلك الرجل الذي يعيش حياة زوجية معطوبة، لكن جبنه يدفعه عن حب مريم. في هذه السلسلة ثمة إذاً الزواج والحب والجنس. ولئن بدا الأخير هاجساً مركزياً، فإن مريم تتساءل: "ألست ضحية التركيز الإعلامي على الجنس؟". وإذا كان العطب الجسدي أو الروحي يعنون تجارب مريم، فهو أيضاً ما يعنون من عرفت من المريضات المسنات وربات البيوت من جلسة إلى جلسة،عبر قصص خيانات أزواجهن، مما جعل مريم تفهم "أنهن يحتجن تحديداً إلى خيانات أزواجهن كي يشعرن بوفائهن البطولي". وسيبلغ ذلك ذروته بعد الشفاء، وفي قصة المريضة (آمال) التي بُتر ثدياها وتخلى عنها زوجها، فحاولت الانتحار، ومضت إليها مريم في تشكلها الجديد، تهوّن عليها استشراء المرض ومواجهة الموت وصدمة الزوج. لقد انتهى المطاف بمريم إلى أن باتت تحسب نفسها كياناً غير مادي، والرجل لم يعد يحتل صميم حياتها. وذلك الهوى الغامض الكوني الذي بات يملؤها أكبر من هوى الرجل. وبفعل تجربة الجسد مع السرطان في ذروة تجاربه مع الحياة، تبدلت مريم أيما تبديل، فالرجل الوحيد في حياتها بات ابنها، وهمها بات فقط أن تعيش مع ذاتها بسلام، وأن تحاول علاج مثيلاتها بالحب. إنها امرأة أخرى ـ تحد آخر من نساء ـ تحديات روايات هيفاء بيطار، تصدع الأنوثة والذكورة بأسئلة الجسد والجنس والحب والأمومة والمؤسسة. وعلى الرغم من الخيار الأخير الملتبس بالنكوص أو التصوف، فإشارة الرواية تظل أقوى إلى أفق إنساني أرحب وأزهى. 5 ـ عفاف البطانية: خارج الجسد(5) في الدفقة الروائية للأصوات النسائية العربية الجديدة منذ أكثر من عقد، وفي كثير من النقد المتعلق بتلك الدفقة، تعالى الهجس بالخصوصية في اللغة والجنوسة ومقارعة الذكر والولادة والرضاعة والأمومة وعلاقة المرأة بالمرأة... وسوى ذلك مما تعنونه البطركية (الأبوية) منذ أخذت تفشو في الدراسات النسوية. ولم يفت تلك الدفقة الروائية ونقدها ما عرفت البطركية خلال العقود الثلاثة المنصرمة من تطور، كتأثرها بالانتماء القومي بحسب دراسات ما بعد الكولونيالية، أو النظر إليها في النسيج الاجتماعي، أو في نسيج النصوص والاستراتيجيات التي تنتج الهويات والذوات النسائية... وهاهي الدفقة الروائية العتيدة تتعزز برواية عفاف البطاينة (خارج الجسد) التي قدمت ثلاث نساء أو ثلاث حيوات في شخصيتها المحورية منى، لا تكاد واحدة تتلاشى حتى تنبعث الأخرى من رمادها. وإذا كانت هذه الرواية تنهض بفعل التذكّر، والسيرية تلوّح لها، فقد مضت باللعب إلى أفق أرحب وأعقد، اعتماداً على تناوب السرد بضميري المتكلم والغائب بين الشخصيات دون أي مانع، ودون الوقوع في التعمية أو الارتباك، وبالسلاسة التي تسم وصف المكان والجسد والحالة كما تسم الحوار، ولا سيما كلما جاء بالعامية الأردنية. على أن الرواية ابتدأت بوجيز يحاول إيجازها، وربما كان الأَوْلى أن تُترك للقراءة مباشرة من دونه. فالرواية تبدأ عقب الوجيز بعودة منى من بريطانيا إلى قريتها لتشهد احتضار أبيها، وحيث تشرع الذاكرة بالانثيال الغفل نادراً، والمنظم غالباً. وستظل تفعل ذلك حتى تستوفي ما انقضى من حياة منى، لتوالي ما تلا موت الأب وصيرورة منى إلى مسز مكفيرسون ثم إلى سارا ألكزاندر، وعلى نحو يجعل الرواية جزأين يمكن لكل منهما أن يكون رواية: واحدة في الفضاء الأردني والأخرى في الفضاء البريطاني. لقد كانت منى كما تروي حرةً في طفولتها التي محت الذاكرة أغلبها، حين كان الأب يعمل في الخليج. ولما تفتحت مراهقتها خسرت جسدها وإرادتها، فالأب العائد مدججاً بالمال خسر ماله وثنّى زوجته وتكاثر أبناؤه وبناته في القرية القبلية الأبوية. ومنى التي ضُبطت مع زميلها صادق، سينزل بها عقاب الأب بلا نهاية ولا رحمة، حتى تقايض السماح لها بالدراسة الجامعية بزواجها من محروس، وتشرع مقاومتها بالسفور: "تعاهدت مع نفسي ألاّ أنفذ أمراً إن لم يخدمها". وقد قدمت الرواية إزاء وحشية الأب وبذاءته، شخصية شقيقه سالم السجين السياسي السابق الذي يلجئ منى حيناً، وتغذيها مكتبته، وكذلك شخصية الطبيب الذي يحكم بعذرية منى، بينما تكمل الجدة صورة الأب، وفي الجامعة يكملها الأستاذ حسين الذي يقايض منى على النجاح بجسدها، وصنوه الأستاذ الذي يحاول الاعتداء على زميلتها إخلاص، وباقي ذكور العائلة والقرية. بل يبلغ الأمر أن تغدو الأم شبيهة بالأب. وعبر سرد هذه الذكريات تتوالى تحولات منى. فحين حكم الأب عليها بالعزل إثر (فضيحة) صادق، لجأت إلى الصلاة. وحين حُكِم عليها بالزواج من محروس، جعلته يقضي سنة في تبذير الذكورة والأنوثة حتى رضي الطلاق وخرج نصف فاقد لرجولته وكارهاً للزواج وللناس. لكن محروس سيصير صديقاً، بينما تتحدى منى ضرب أبيها، ويجعلها التحدي واللجوء ثانية إلى بيت العم سالم تكتشف أباها ـ كما يكتشفها ـ من جديد، وقد باتت تدرك أنها لا تريد أن تكون امرأة مثل الجدة أو الأم أو أي من حريم القرية، ولا ذكراً مثل أبيها أو محروس أو عامر أو أي من ذكور القرية. فما تريد منى هو أن تكون مختلفة، وأن تتعلم كيف تحول الأحلام إلى تفاصيل حياة يومية، فيما البطركية تتعقبها. فالأب يمنع شقيقتها منال من الزواج ست سنوات، كيلا يذهب راتبها إلى رجل آخر. والجميع يرون أولاد العائلة غزلاناً، بينما يرون (زقوم) بنات العائلة كزقوم البومة. وفي الجامعة تواجه منى معادلة المطلقة أمام الأستاذ المحترم حسين، وأمام العميد ورئيسي القسم اللذين ينصحان بلفلفة شكواها على الأستاذ. والخلاصة: "أنوثة يعيبها حتى صوتها مقابل ذكورة لا يعيبها الإشهار بشهواتها" أي: "صوت مهمش مقابل صوت السلطة". بعد عشر سنوات من الغياب تعود منى وقد بلغت الثلاثين ليملأها الخوف والكره نحو أسرتها. لكنها ترى أباها في مرضه وهي تتساءل: "أي رباط كان بيننا وأنا التي اشتهيت وأد لفظ الأبوة والذكورة؟". وقد رسمت الرواية برهافة تناقضات و تحولات مشاعر منى، ولا سيما نحو الأب الذي تمنت خنقه في مراهقتها، وتجذّذ الآن عيونُ الجميع جسده. وبمثل هذه الرهافة رسمت الرواية علاقة منى بالتاجر الثري سليمان الذي ترضى به زوجاً لأنه سيمضي بها إلى لندن، وهو الذي يبلغ عمره ضعف عمرها، لكأنه أب ثانٍ كما هو الزوج الثاني الذي رفضه الأب الأول. وبالوصول إلى هذه المحطة من ذكريات منى ينتهي ما يشبه جزءاً من الرواية، ويبدأ ما يشبه رواية جديدة. في لندن التي ترفض أن تكشف أقنعتها كي تبصرها منى، تصير هذه التي أحست أنها لا شيء وهي تخرج من بلدها كالغريبة، تصير زوجة شرقية بامتياز. لكن الوقت الذي يقضيه سليمان المتزوج من أخرى يتقلّص، والروتينية تعطب الجنس، فتلجأ منى إلى (دار الأرقم) لتتحدث مع النساء، وتتعلم قيادة السيارة، وتنفتح لها الدور العربية التي حملت معها كل شيء إلى اسكتلندة. وكل ذلك ينغّص على الزوج فيهجرها، ويجن جنونه حين تعمل في مدرسة عربية، وحين تحمل وتمتنع عن الإجهاض، فيضربها، وتشكوه للشرطة، ويصير يخدم نفسه في البيت، ويتدخل لدى المدرسة حتى تسرح من عملها. بعد الولادة عادت منى زوجة شرقية، بينما صار سليمان واحداً من أسرتها البعيدة، والمدينة صارت امتداداً لقريتها. وعبر ذلك تألقت الخصوصية الأنثوية للرواية في تصوير تجربة الحمل والأمومة، بينما يلوب السؤال: "لماذا يكون يوم ميلاد طفلي يوم عذابي؟" وهو السؤال الذي يلوب في رواية ليلى الجهني (الفردوس اليباب ـ 1998) حين تخاطب صبا جنينها: "قل لي كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟". وقد أعانت الأخصائية النفسية منى على التجربة، حين بلورت لها مشكلتها في ذاتها، لا في سليمان ولا في الطفل آدم. وهكذا تبلور لمنى الهدف: أن تكون حرة، وصاغت برنامجها: معرفة /تنفيذ/ نجاح/ استقلال/ حياة. ومن أجل ذلك تدربت في مركز التجارة المحلي في دورة لمن يفكر في مشروع خاص، وقدحت شرارة العلاقة مع المشرف الشاب الاسكتلندي ستيورت مكفيروسون الذي تابع بعد الدورة التدريبية خطوة منى الأولى: إنتاج الأطعمة الشرق أوسطية للمطاعم. ومقابل غيرة سليمان وتعويقه، دفع حب منى للمرأة التي صارتها، ورعاية مكفيرسون، إلى خطوة أكبر من النجاح، حتى استقلت بالسكنى بعد أربع سنوات، بينما صديقتها أم منار الفلسطينية تحضّها كصديقتها الإنكليزية إيلين على الصبر على سليمان والتمسك ببيت الزوجية. وإذا كانت غطرسة سليمان قد تفككت أمام القانون، فالنساء العربيات لا ينين يحذرن منى من عدم الاعتماد على الرجل، كما كانت أمها وشقيقتها تحدران. وبالمقابل كانت جارتها كارول تحرضها على العلاقة مع ستيوارت. وقد انتهى كل ذلك إلى الطلاق وكره آدم لأبيه. وإذا كان سليمان قد عاد ليدخل حياة ابنه بصورة طبيعية، فستيوارت سيتجنبها حيناً تحت وطأة قتل شاب باكستاني مسلم لأخته التي تزوجت من إنكليزي مسيحي. وستلي ذلك مجزرة مدرسة آدم على يد مدمن، والتي يقتل فيها ابن كارول. وبينما تدوّي أنباء الجرائم ضد الأنوثة في تركيا، يتساءل ستيوارت عما تفعله النساء العربيات والمسلمات ضد تلك الجرائم، ويصدع منى: "أنت تشاركين بصمتك في الجريمة، بينما تحمله هي أيضاً شطراً من المسؤولية. وهنا تنوء الرواية بما حشد الانترنيت فيها من تاريخ الجريمة في العالم كله، كما ناءت من قبل بما حشد ستيوارت من تاريخ اسكتلندة. ويبلغ ذلك بمنى أن تجد نفسها "بين تأويلات شرقية وأخرى غربية، تأويلات دينية وأخرى عقلانية، تأويلات سماوية وأخرى إنسانية. أضيع بين التأويلات. أضيع بين حقب التاريخ، أضيع وأصبح أكثر تشتتاً وحيرة. يسكنني فراغ. إيماني الذي عصفت به زلازل الممارسات البشرية يتركني مفرغة من الأمل". ينقطع سرد هذا الشطر من حياة منى بالالتفات إلى بداية الرواية، والعودة إلى الوطن، حيث الحرمان من حقوق الإنسان والحرية والطفولة، وحيث الجفاف مقابل الخضرة في بريطانيا. وتحاول منى التأقلم، وتصلح بيت العائلة الخرب باحثةً عن الأمل، لكنها كلما احتكت بالناس ازداد الأمل استحالة. وبمتابعة الرواية للشطر السابق من حياة منى، تصير مسز مكفيرسون، ويلحق بها العم سالم بحثاً عن عمل، ويقرعها على زواجها ونسيانها أنها غربية ومسلمة: "ماشية على حلّ شعرك" و"أنت مش حرة". وسيأتي خبر زواجها بعامر ليتعقبها وهي تلوب: "لو كنت ذكراً لما تبعني العفن، ولما وقف بيني وبين شرفات المستقبل. حتى جنسي الذي لم أختره، أكره ما يلقيه عليّ من قيود". وهكذا تترك ابنها عند سليمان، وتبيع البيت ومشروعها التجاري، وتتخفّى هرباً من عامر والقتل. وحين تظهر تكون قد ولدت ابنتها من ستيوارت، وأنجزت تبديل اسمها وهيئتها، فصارت كما اختارت امرأة ثالثة هي سارا ألكزاندر، تتابع دراستها، وتعود إلى الوطن للمشاركة في مؤتمر حول حقوق الإنسان، وتتحدث عن الجرائم ضد الأنوثة، وتلتقي عمها سالم وشقيقتها سناء اللذين ينشطان للدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن دون أن يعرفها أحد، فبعضهم يقول إن أصلها عربي، وبعضهم يقول إن أصلها يهودي، وهي التي لم تعد "ابنة الصدفة والقدر" بقي لها مما كانت في لبوس منى وفي لبوس مسز مكفيرسون، صوتها القديم مدافعاً عن حقها في الحياة. بذا أنجزت رواية (خارج الجسد) حفرها في البطركية، كما كانت لها إضافتها المتميزة إلى ما أدعوه بوعي الذات والعالم في الرواية العربية. وبذا حُقَّ لعفاف البطاينة أن تباهي بما قدمت من الشخصيات الأنثوية والذكورية، فضلاً عما ذكرت من السلاسة والرفاهة وملاعبة الضمائر. أما الدفقة الروائية للأصوات النسائية الجديدة، والتي تتعزز برواية (خارج الجسد) فلها كما لم يكتب الذكر من الرواية قول رورتي بصدد وحش الذكورة: "إن ذلك الوحش متمرس جداً على التكيف، وأعتقد أنه سيبقى على وضعه في بيئة فلسفية ذات تمركز منطقي، مثلما يبقى في بيئة فلسفية تناهض التمركز المنطقي". 6 ـ ليلى الجهني: الفردوس اليباب(6) في الدورة الأولى (1997) لجائزة الإصدار الأول التي تنظمها الدائرة الثقافية في الشارقة، أنيط بي التحكيم في حقل الرواية، ولست أدري حتى اليوم إن كان معي شريك في التحكيم أم لا. وقد منحت رواية (الفردوس اليباب) العلامة الأولى، وكان أن فازت هذه الرواية بالجائزة الأولى. بالإعلان عن أسماء الفائزين علمت أن صاحبة (الفردوس اليباب) هي الكاتبة السعودية ليلى الجهني. وبعد ست سنوات قرأت للناقد السوري عزت عمر، الصديق المقيم في الشارقة، مراجعة لرواية ليلى الجهني قال فيها إنه يعتقد أن لجنة التحكيم لم تنتبه إلى خلل فني واضح في تلك الرواية، أو أنها جاملتها لأسباب عديدة لا يهمه ذكرها، إلا أن ذلك لم يمنعه من القول: "إن غبناً كبيراً طال الروايتين اللتين احتلتا المركزين الثاني والثالث". للأسف لم أعد أذكر هاتين الروايتين. ومن المعلوم أن منظمي الجائزة يحذفون أسماء كتاب وكاتبات المخطوطات المتسابقة، ويعطونها أرقاماً. وبالتالي، لا مكان للمجاملة لأي سبب كما ذهبت غمزة الناقد. غير أن الأهم هو ذلك الخلل الفني الواضح في الرواية، الذي حدده الناقد في أن حضور الراوية الأولى (صبا) على صعيد اللغة والتفكير قد ظل مستمراً فيما روت الراوية الثانية خالدة من الرواية "ولم تتغير الخصائص الأسلوبية لفعل السرد، فكان ذلك مطباً فنياً أوقعت الكاتبة فيه نفسها". قبل ذلك كان الناقد قد اعتبر الرواية أقرب إلى القصة القصيرة، وقال: "ولا أعتقد أن إضافة قسم ثانٍ لراوٍ جديد بهدف تطويل الحدث ومطّه كان ذا فائدة. حيث أنه انتهى مع انتهاء دور البطلة بخروجها عن الحياة. ومجموع الترقيشات المضافة على لسان الراوية الجديدة، إنما كان غايته الرئيسة هو إيصال خبر انتحار البطلة، وكان من الممكن اجتراح وسيلة أخرى غير الراوية الجديدة". لست أدري كيف يستقيم ذلك مع ما سبقه من امتداح الناقد لـ "قدرة الكاتبة على السيطرة على الحدث وتفعيله بما أمكنها من أساليب القص المبتكرة والتي تراوحت بين السرد الشاعري المعتمد على رمزية شفافة (...) أو المنولوج الإنساني العذب المتداخل مع سائر تفاصيل الحدث، الذي بدأ صاعقاً ومثيراً، ثم مال إلى تراجيديا قاسية". وفي موقع آخر عبّر الناقد عن اعتقاده بأن "الوعي بأهمية المكان من قبل الروائية، منح روايتها بعداً إنسانياً كبيراً، وذلك من خلال إسقاط الحالة الفكرية والنفسية للبطلة على فضاء المدينة، الأمر الذي جعل مدينة جدة تنتقل من حيزها الواقعي إلى حيز دلالي يتكيف مع عالم السرد متحرراً في الوقت نفسه من النزوع الديكوري، إن صح التعبير". ألا يكفي الرواية أن تكون قد أنجزت هذا الإنجاز، حتى لو صحّ ما ذهب إليه الناقد فيما روته الراوية الثانية خالدة؟ من الحق أن ميزة الروائية ـ وكما عبّر عزت عمر نفسه ـ كانت في إدراكها لالتباس لحظة الانتقال الدرامية ـ بين الحياة والموت ـ بحبكة فيلم هندي يستدر الشفقة والدموع، لولا أن الكاتبة فضّت الالتباس بما وفّرت من أساليب السرد المختلفة. فالحب الرومانسي والغدر والانتحار علامات شائعة في الفيلم الهندي كما في أفلام الميلودراما العربية وسواها. غير أن الفيصل هو في التجسيد الروائي لذلك، وهو الفيصل الذي تحقق في (الفردوس اليباب) على نحوٍ يؤهلها إلى الإعلان عن كاتبة متميزة وواعدة كروايتها الأولى، وهو ما أكدته ليلى الجهني من بعد. ففي اللحظة السردية الأولى التي تولّتها صبا، تروي مغامرتها مع الشاب عمر، وصولاً إلى حملها منه وميله عنها إلى صديقتها خالدة، وهو ما شبحها بين التخلص من الجنين وبين الفضيحة التي يترصدها المجتمع الذكوري بالموت، وبين الانتحار، فاختارت الأخير. وصبا فتاة مثقفة مترفة وكاتبة، تنوء تحت وطأة المجتمع الذكوري وهي تستعيد الخطيئة الأولى في حياتها وموتها، وتلوب بالسؤال: "خالدة: أليس عذاباً أن تكوني امرأة؟ أحياناً يداهمني هذا الشعور عندما أحرم من أشياء تافهة فقط لأني امرأة. ـ مثل ماذا؟ ـ مثل أن أعلق صورة لصلاح السعدني على جدار غرفتي.. حين علقت صورته أتدرين ماذا فعل أبي؟ أنزلها ومزقها أمام عينيّ، ثم خرج دون أن ينبس كلمة..". إزاء غدر عامر صبت صبا نقمتها على كتبها (ثقافتها) التي لوحت لها بالحرية، فكان ما كان: "كنت أرميها كتاباً كتاباً ورائحة الورق المحروق تملأ رئتي. والأسماء والأمكنة والسطور كلها تتلظى في الجحيم، وربما كانت تلعنني، أجل، مثلما سيلعنني الناس، غدا ًعندما أراهم يتهامسون..". وسوف تتألق الرواية وهي تصور مكابدة صبا للحمل والأمومة التي ستسفحها، فيلوب السؤال أيضاً مخاطباً الجنين: "قل لي: كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟ وكيف أكون سبب موتك وحبل الحياة يمتد مني إليك؟". هنا تأتي اللحظة السردية الثانية التي تولّتها خالدة، فتضيء لحظة صبا ولحظتها هي وقد صعقها غدر عامر بها وبصبا كما صعقها انتحار صديقتها. وعبر اللحظتين يأتي فضاء المدينة (جدة) كشخصية محورية ثالثة في الرواية، بدّل فيها انعطاف الزمن النفطي/ الحداثي ما بدّل، لكنها ظلت راسخة: "في كل مرة كانت تزيح طرفاً من قميصها ـ البحر ـ ويتبدى جسدها الطري المالح المخبوء تحت البحر مثل حورية، فقط كي تبقى، يهمها جداً أن تبقى حتى لو نبذت قميصها بعيداً واستلقت عارية أمام بصر الكون وسمعه". وكما شكّل فصل (تفاصيل اللوعة) وفصل (سقوط الوردة) ذروتين في الرواية وهما يرسمان مكابدة صبا للحمل والأمومة المسفوحة، يشكّل تبدل جدة أيضاً ذروة ثالثة: "جدّة الآن ليست أكثر من قبر رحيب ومع ذلك يكاد ينطبق على ضلوعي. جدّة قارة ثامنة تغور في ملح الدمع قليلاً قليلاً (...) أغور معها، قارة أخرى مجهولة لم يكتشفها غير ديك نقر قلبها فتسرّب الماء، وغارت الرمال وأشجار الجوز وتكعيبات اللبلاب المخضرة أبداً، والنوارس والكتب والأوراق والناس الذين بنوا بيوتهم على تخومها وغنوا كما يغني البحارة والصيادون على أنغام السمسمية". لقد كانت (الفردوس اليباب) فاتحة الإضافة الروائية التي تتواتر سنة بعد سنة في مسابقة الإصدار الأول التي اختطتها الدائرة الثقافية في الشارقة، وتبعتها فيها جهات عامة وخاصة شتّى في بلدان عربية عديدة، وهذا هو الأهم: أن يُتاح للأصوات الجديدة المتميزة أن تظهر، سواء اختلف الحكام والنقاد أم اتفقوا، بل سواء أخطؤوا أم أصابوا. 7 ـ رجاء عالم: موقد الطير(7) هذا حصن في أعلى الجبل لم يبلغه بشر من قبل. لكن الرخمة سكنته منذ كانت المدينة، فكان جبل الرخمة: كان البيت الحجري مثل رخٍ رابضٍ على كتف الجرف، كانت المغارة التي جَسَدُها ثلجة بيضاء، كان مرو الصخر وكانت الخيمة... وكان يا ما كان. كانت الحكاية وكانت حورية وتوأمها عائشة. كان آدم أباً وكان سهل ابناً وكان شراحيل الذي يقود التوأمين منذ البداية إلى موقد الطير. كانت عطرة الحبشية وابنها مسعود وكان الحاج جبريل الحبشي وكانت المربية أم شيخة: أولاء هم بشر رواية (موقد الطير) للكاتبة السعودية رجاء عالم. وكما كتبت الكاتبة قبل هذه الرواية وبعدها، ترمح المخيلة على هواها، فإذا بنا في (موقد الطير) مع حورية التي تُحتضر طوال الرواية، ولنا أن نصدّق أو نكذّب أنها جواد وأنها سقطت عن الجواد، وأن ذبذبات أحلامهما تتحد، وأن الموت والزمن والرائحة والحلم والخيال والعين والبومة: شخصيات روائية. وكل ذلك ينكتب بالثراء اللغوي المعهود في روايات رجاء عالم، سوى أن الهنات تتوافر هذه المرة، من تشكيل الكلمات إلى مثل هذه المفردة (سراً <-- سرى) ومثل هذه الجملة (ظلت عيناها معلقتان <-- معلقتين). لكن المغامرة المشبوبة طوال الرواية تُنسي القراءة هذه الهنات، وتتطوح بها فيما يوحّد ويمايز التوأمين حورية وعائشة أو الأب والابن ـ آدم وسهل ـ أو الجسد والروح أو الفناء والخلود.. فإذا الرواية سردية صوفية بامتياز، تعزز الفعل الصوفي في الرواية العربية، مما تقوم عليه تجربة جمال الغيطاني وإدوار الخراط وسواهما، مع التوكيد على ما تنفرد به رجاء عالم من تأنيث التجربة الإبداعية، سواء في رواية (موقد الطير) أم في رواية (حبّى)، وبدرجة أدنى في سواهما. فلندع ذلك الآن ولنمض مع معجزة البويضة/ الدم الذي يجري بعفوية في حياتنا اليومية، ولا يستوقفنا إعجازها، كما نقرأ في (موقد الطير). ولنمض إلى بوابة أيوب التي تفتح في الرواية على مملكة أربعاء الرماد ـ الأربعاء الأخير من صفر ـ لنلاقي مثل أيوب سؤال حورية له: "أيمكن أن يكون خيالي نبيّ <-- نبياً؟" بينما يخاطبها الخيال: "لا تستسلمي لكلمات فتصيغ<-- فتصوغ لك ما لا يصاغ بكلام، هناك مقام للمسكوت عنه لا تدنسيه بالتجاوز بالتفاسير". لنمض إلى زواج عائشة من آدم وإنجابها لمن تسميه (سهل) بعين لا ترى إلا الأم: هي مشكاة وهو طالع منها، هي تكشف له الظاهر وهو يكشف لها الباطن، والأمومة تشق عائشة إلى قلبين، وتصلهما لجسدين، بينما الأب يتوق ـ لفرط عشقه عائشة وغيرته من ابنه ـ إلى أن يحشر جسده بين الوجه والوجه متسائلاً: "ما هذا الذي وُلِدَ مني لينفيني؟". في غمرة ذلك يبدو الجسد سؤال الرواية الأكبر. فالتخصيب ـ الإنجاب مثلاً ليس فعل لذة بقدر ما هو استنساخ روح من روحك ليكون (آخر)، وبقدر ما هو استنبات لجسد من جسدك، أي بتر لجزء منك. وجسد حورية التي يداويها الحاج جبريل الحبشي ـ وهو الداء ـ يخاطبها: "أنا محاولة للتعبير أو لكشف الحجب علن اللامرئي، تلك القوى التي لا يمكن فهمها والتي تسعى للفت انتباهكم والتواصل معكم بطريقتها الغامضة لتقول لكم مفهوم الخلود، ذلك الزمن اللانهائي". وإذا كانت حورية بالمقابل لا تؤمن بجسدها الذي يموت، ولا تُعرَف إلا به، فجسدها نفسه يؤكد على أن تدرك أنّ مهمة الخيالات غير المرئية التي تتوالد من الجسد البشري، ليست فقط أن ترسم حاضره من ماضيه، بل أن تفتح له أزمنة جديدة لا نهائية للوجود. وحين تنجز عائشة لوحتها فتفتح بالرسم سبلاً جديدة للعشق، يتحد جسدها وجسد توأمها حورية وجسد اللوحة في إحرام المطر، فكل الأجساد تذوب في ماء واحد. إنه الجسد الصوفي إذاً، ولذلك يصير للدمية قلب، ويصير للوحة قلب وعين، ويتجسد حرف الألف في اللوحة. وبهذا الجسد تتحد الذكورة والأنوثة كما تقرأ عائشة حالة ابنها وعينه "أستطيع أن أقول إنه يرجعنا لما قبل الانشطار الأول بتمام تذكيره وتأنيثه". وبهذا الجسد تتحد عناصر الكون، فينخطف الحجر في الحجر والشجرة في الشجرة والوالد في الولد. وإزاء هذا الجسد، كما هو الأمر إزاء جسد الرواية، تتعدد القراءات والدلالات، وهو ما تراه الكاتبة نفسها في الرواية نفسها نوعاً من القرصنة، يضفي حيوية لا تُضاهى على الحبكة، حيث تبتكر فئة من القراء حبكات فوق حبكات المؤلف المطلق، فَتُضفي على المقروئين وجوهاً لا تُصدق لفرط غرائبيتها. وسيلي في الرواية أن قلةً من الرواة تعرف كل شيء عما تروي. لكن عائشة التي يصوغ الصراع على الحبكة علاقتها بتوأمها حورية، ليست من هذه القلة، بل هي ـ أم رجاء عالم؟ ـ تظل على مبعدة من الشخصيات الروائية، كي تشطح القراءة (القرصنة) الجسورة، فتجعل الشخصيات تباغت مؤلفها، وتتأكد مصداقية حبكة (موقد الطير) في تكوير الأرض وهبوط حواء بآدم والجنة والنار والولادة والموت: "كل ذلك لا يكتسب معنى إلا بانسياقنا في لعبة التعدد". ورواية (موقد الطير) إذاً لعبة، أي حكاية، أي مخيلة رامحة ومغامرة مشبوبة، فحذار من الاغترار بها ومن أشراكها. 8 ـ أمنيات سالم: حلم كزرقة البحر(8) "ما الذي يتبقى حين تنأى الذكريات وتصير حلماً؟". بالسؤال تبدأ الكاتبة الإماراتية أمنيات سالم روايتها (حلم كزرقة البحر). وسرعان ما تندفق الذكريات لتتماهى الرواية بالسيرة، والرواية تصوغ نخلة من روحها قائلة: "وكأنني ألد نفسي". إلى الجزيرة الحمراء تفرّ الراوية من المدينة الحديثة. والجزيرة الحمراء بقعة من إمارة رأس الخيمة، حيث نشأت الراوية قبالة البحر الذي لم يجد غير رأسها بقعة يستوطنها: "ربما لهذا السبب لا أرى بوضوح داخل رأسي غير زبد وموج عات وممرات عميقة مليئة بالمرجان ولؤلؤ منثور بلا صياد ماهر". وهذه المسكونة بالبحر تعصف بها النوستالجيا إلى الطفولة والأسرة والمدرسة وذلك العالم الذي تقوّض منذ هلّ الزمن النفطي بالحداثة وما بعدها، في الطبيعة والمجتمع، في الجسد والروح. ولعل ذلك ما جعل نصيب التداعي في البناء الروائي راجحاً. بيد أن الكاتبة أسلمت السرد أيضاً لغير الراوية، فتعددت زوايا النظر، واختلف القول، وتداخل الزمن النفطي الحداثي بما قبله. وعبر ذلك سمقت شخصيات الأب والجدة والخال، سواء بعلاقتها بالراوية أو بما يندفق من ذكريات كل منها، لتعيد تشكيل الجزيرة الحمراء التي باتت قفراً منفراً، وقد كانت "بيوتها صغيرة ومتراصة ومتآلفة، جزيرة ساحرة لا أعرف لِمَ سموها الحمراء... ربما لأن ترابها كان أحمر بشكل مدهش... كنت أرى النوارس على شاطئها كأنها قطع غمام عذبة متناثرة على سطح أزرق لامع كالساتان". لقد كان البحر حليباً ـ عنوان الفصل الأول: "البحر حليب وأنا البسكوت" ـ لكنه كان أيضاً الأب الذي يعمّد طفلته بالسباحة في هذا المجهول الساحر وقد جاء بالقراصنة كما جاء باللؤلؤ. وقد تولّى الأب ـ كما تولت الجدة ـ في الرواية رسم ذلك الشطر من الزمن قبل النفطي الحداثي، قبل ولادة الرواية، حين كان كل شيء شاقاً، وكان الأب فتى و"كان العيب أن يفتتح عربي دكان تجارة بيع وشراء. كانوا يحسبونه مقتصراً على القراشية رغم أن والدي كان تاجر لؤلؤ، يعرف كيف يحترم ماله ولا يبذّر... ترك لي حرية التجارة". ولما ابتدأ النفط يخلخل ذلك الماضي (خمسينيات القرن العشرين) سافر الأب إلى الكويت يدرس ويعمل، ثم عاد عاملاً لدى تجار دبي، فأبو ظبي، حيث باتت للراوية ذاكرتها وذكرياتها، لذلك تستعيد السرد. واللعبة عينها تتثنّى من الجدة، سواء قبل أن تكون للراوية ذاكراتها وذكرياتها أم من بعد. فتلك هي الحفيدة تشارك جدتها طحن الكحل وتعبئته في زجاجات، وبيعه في أنحاء الفريج. وتلك هي البراقع التي كانت الجدة تخيطها، العلبة السحرية لعدة الخياطة، العلكة ذات الورق الأصفر كأنها عسل مصفى.. فبمثل ذلك تؤثث الرواية الماضي، بينما الجدة تنعطف حين تسرد ذكرياتها من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وتقوم مقام الأب في غيابه، مثلما يقوم مقامه الخال الذي يصطحب الراوية إلى الهند. إزاء الحضور الدافئ الغامر لذلك الثلاثي (الأب ـ الجدة ـ الخال) ينتأ غياب الأم إلا أن تقرّع وتخيف الطفلة بكلب القيلولة الأسود الذي يلتهم الصغار إن خرجوا من بيوتهم. لكن الراوية ستخرج. ومن الفريج إلى المدرسة سيكون لها الفضاء الموّار بالصديقات والمدرسات والجيران، وإذا بالحياة "فستان فضفاض، ملون ومزخرف بالعجائب"، وإذا بعبد الحليم حافظ وإحسان عبد القدوس وغادة السمان يملؤون المراهقة بقصص وأغنيات الحب حتَّى... حتَّى تموت الجدة، فيتزعزع كيان الراوية. بل حتَّى يموت الأب، بل حتَّى يحل النفط وتتبدد حكايا الجن وكلب القيلولة وترين الكآبة وتنشب المدينة الغارقة بالزحام والأنفاس والألوان. إنها "منافي الغربة" كما هو عنوان واحد من فصول الرواية. إنها "خطوط الجنون" كما هو عنوان فصل آخر. ومن حال إلى حال، ومن زمن إلى زمن، هي ذي الذكورة تسوط الأنوثة: "ذات ظهيرة والرمال الناعمة تتشرب من الجو سخونته، أخرج لزيارة الصديقات المجتمعات الآن عند آمنة... يناديني هندي: تعالي. أجري خائفة.. يلحق بي.. يضع يده على عنقي باحثاً عن سلسلة ذهب.. لا يجد شيئاً.. يضربني وأفلت من يده مسرعة نحوهن. أبكي وأنا أجري أسابق الريح الساكنة ذاك الوقت... أصل لأخبرهنّ بما حدث.. تذهب إحداهن لتخبر الأولاد المجتمعين عند أول الطريق... نركض جميعاً بحثاً عن ذاك الرجل المجهول... كل السكك خالية... اختفى.. ننتظر عند دكان البقالة نتربص به.. أعود للبيت مرتعشة وخوفٌ ما شلّ قدرتي عن إخبار أمي التي ستمنعني من الخروج بعد أن علمت بالأمر". ليس الأقربون إذاً أرحم من الأبعدين، فالأم كالهندي، والأسرة كالعمالة الوافدة في قهر الراوية التي تتساءل عمَّا إن كانت المراهقة شعراً طويلاً مسترسلاً، يخشى شقيقها ـ إن تركته للريح ـ أن يلحق بها صغار الحيّ. أم إن المراهقة كما يمضي السؤال، "خيط الدم كلّما لاح صارت فضيحة الأنثى مروعة، وعليها الاحتشام لأنَّ المحيطين بها وحوش آدمية؟". بالمقابل هي ذي شقيقة الراوية "ابنة التكنولوجيا واللغات الأجنبية والنظافة الزائدة كأنها مغسولة على الدوام". ولأن الراوية مسكونة بالنوستالجيا، تحكم بخسران شقيقتها عبق الماضي وسحره وذكرياته، على الرغم من أن حظها قد يكون طيباً لأنها جاءت في الزمن الجديد. أمَّا الراوية، فهذا الزمن يملؤها بالخوف: "الخوف من كلام الناس الخوف من المرض الخوف من الظلام الخوف من كل شيء، أي شيء، بإمكانه أن يسجن حريتنا وأنفاسنا الطليقة". تلك هي الرواية الأولى لأمنيات سالم التي سبق أن كتبت القصة والشعر. وهذه الرواية التي جاءت في نهاية القرن العشرين، هي الأولى لكاتبة في الإمارات العربية المتحدة. وقد ترجحت في الرهان على السيرية وعلى اللغة الشاعرية، وكبر الرهان في بناء شخصيتي الأب والجدة كما في شخصية الراوية. غير أن فخ الذاكرة قد أوقع بالرواية غير مرة، فَحُقًَّ لناقد مثل عزت عمر أن يصفها بالمحاولة الخجولة التي تختلط فيها السيرة الذاتية بحياة أبطالها، كالعهد بكتّاب الرواية الأولى. 9 ـ جوخة الحارثي: منامات(9) الرواية هي (منامات) والكاتبة هي جوخة الحارثي، فمن تكون إذاً صاحبة المنامات التي ترى نفسها بعد سلسلة طويلة من الانكسارات والتعذيب المستمر، تخلع قميصاً بيتياً وتقدمه إلى خطيبة معشوقها، معتذرة من الخطيبة عن طول استعارتها القميص، ثمَّ تروي: وانخلعت عن جحيمي بمعجزة، تعلقت بأستار الكعبة أدعو بالخلاص، كتبت عشرات السطور من قاع روحي السقيم، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة....؟ ربَّما تلّخص هذه السطور رواية (منامات)، أي تلخص حياة العاشقة المفجوعة بأبيها وبمن عشقت، فكتبت مناماتها، أي: كتبت الرواية. لكن التلخيص يقتل أي رواية. وحسبنا إذاً في تلك السطور التي تأتي في مطالع رواية (منامات) أنها تبلور المحاور، وتقترح على القراءة تكثيفاً قد يكون عوناً على استيعاب المقروء. وعلى أية حال، فرواية (منامات) ستكرر مثل هذا التكثيف أو تلك البلورة، فإذا بالساردة تروي: "امتدت هذه الأصابع الآثمة إلى القلم، وكتبت عن سجن القلب في زنازين لا فناء لها". كما تروي الساردة أن (الحكاية وما فيها) هي: "التقينا وتعذبنا بإتقان، ثمَّ افترقنا، هذا كل شيء". وكأنما تستبق الساردة القراءة النقدية وغير النقدية، فتخاطب نفسها: فلأسردْ هذه الأحداث المجنونة سرداً منطقياً. لكنها بكتابة (حكايتها) تكتشف أن لا أحداث تسردها، وإنما هي مشاعر تختزل الحياة كلها. والآن، إذ تسرد الساردة ذلك، تختنق "كأيّ حمقاء بالدخان الذي نسميه ببساطة، بمحاولة إقصاء، بتواطؤ غبي: الماضي". إنه الماضي إذاً، والروية شظايا الذاكرة. والساردة تعلن غايتها من مواصلة الاحتراق بالذكريات: "أريد نظاماً وسط هذه الفوضى، أريد مشجباً لتعليق الذكرى". ولعله يمكن القول إذاً إن رواية (منامات) مشجب لتعليق الذكرى. وما المنامات التي عَنْوَنَتْ الرواية وتناثرت فيها إلا واحدة من وسائل (النظام) الذي تبتغيه، أي (النظام) الذي به تقوم الرواية كفن. أمَّا الوسائل الأخرى فمنها ما تناثر في الرواية، وبغزارة، كالمتناصات الصوفية والشعرية، ومنها أيضاً الجري على نهج إدوار الخراط في لعبة (هزج) أصوات الحروف، حيث تندفق في الكثير من رواياته جمل وفقرات تنوّع على حرف بعينه أو أكثر، لعل السيالة اللغوية تعبر عن السيالة الشعورية. وهكذا تفعل الساردة في رواية جوخة الحارثي مراراً. فحين يخاطب العاشق المعشوق في زمن العشق الدائل تلك العاشقة، بعدما رأى الخريطة التي أنجزت، أنه فخور بها، يندفق القول: كان لفخ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد، ولخور الخاء خوار يكشف خشية التقدم، وفي وحل الواو غار وجيبي، وعلى حد الراء المرائية الجهرية تكشف سري". ومثل ذلك يتكرر دون أن يضيف شيئاً، كمنامات الساردة التي تدرك أنها منامات متكررة لا تقول مزيداً كل مرة، بل هي تمزقها بإتقان وحسب بعد خراب العلاقة. بتجريد الرواية من التكرار، ومما يبهظها من مضارعة لغة إدوار الخراط، ومن مضارعة الشعر، ومن المتناصات الصوفية، تصبح (الحكاية وما فيها) أن فتاة تعيش مع شقيقتها (مي) في كنف زوج أمها (شمسة)، وللفتاة صلة وثيقة بعمتها المتصوفة المولعة بالجنيد وبالفضيل بن عياض. وهذه الفتاة التي تعلّم أمها الكتابة، ستعشق زميلها الذي كان يحول الصور الجوية إلى خرائط دقيقة مستخدماً حاسوباً ضخماً ومعقداً. والزميل يبادل العشق زمناً، ثمَّ ينأى مؤثراً خطيبته التي خُطبت له منذ المهد، ومخلفاً العاشقة في خراب الروح زمناً. ليس مهماً من بعد أن يلتقي العاشقان كغريبين. وبدرجة أدنى من الأهمية تبدو (مي) وهي تتفوق في الجامعة، وتمضي في طريق السياسة والمظاهرات. وبدرجة أدنى أو أعلى من الأهمية تبدو علاقة الساردة بأمها، فالأهم هو ما لاتني الساردة تبدي فيه وتعيد من علاقتها بالأب الذي كان يخاطب ابنته: أنت نبتة خضراء، ولا تغادرها صورته قبل مرضه وبعده. لقد مات الأب بلا شيخوخة، أمَّا حبها فقد شاخ وتهرّأ وملأته الدمامل والبثور، لكنه لم يمت. وفي سعيها للخلاص من الماضي ـ العشق والفجيعة ـ تمضي الساردة إلى الكعبة "ولم تطفئ دموعي ناري، واستعذت، وكنتَ شيطاناً مارداً لا أقوى عليه، فسلّمت". على نحو ما، غامض، ترى العاشقة المفجوعة أن حبها لحبيبها كان خيانة لأبيها. كما ترى أن الحبيب ربَّما لم يخنها إلا كما خانت أباها. وبعد سنوات الفجيعة هي ذي تحاذر من الانزلاق في (هوة التفكير) بأبيها، لكنها تسقط وتخون من جديد، إذ لا تخبر أباها بما فعلت هي وبما فعلت أمها التي تزوجت من غيره. والأمر في ذلك كله يبدو حالة أنموذجية للتحليل النفسي كما بدت في رواية نورا أمين (الوفاة الثانية لرجل الساعات) وفي غيرها. وما يعزز أنموذجية الحالة (المرضية) في رواية جوخة الحارثي (منامات) أن النرجسية قد بلغت من الساردة مبلغ المرض أيضاً، وهو ما وسم لغة الرواية، وفوّت النماء على الشخصيات الأخرى، وبلبل لعبة المنامات، أي بلبل بناء الرواية، فما عاد للالتماعات التي انطوت عليها الرواية شأن يذكر، وما بقي للقراءة إلا الحسرة. (1) دار عمون للدراسات والنشر، ط 1، عمّان 2004. (2) اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 2003. (3) دار الثقافة، ط1، الدار البيضاء 2004. (4) دار الساقي، ط1، بيروت 2004. (5) دار الساقي، ط1، بيروت 2004. (6) دائرة الثقافة والإعلام، ط1، الشارقة 1998. (7) المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 2002. (8) دار الجمل، ط1، كولونيا (ألمانيا) 2000. (9) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 2004. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |