|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:32 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس التاريخ روائياً 1 ـ خيري الذهبي: فخ الأسماء(1): في تجربته الروائية المميزة، يقوم الرهان الأول لخيري الذهبي على الحفر في التاريخ، منذ روايته الأولى (ملكوت البسطاء ـ 1976)، ولاسيما في ثلاثيته (التحولات). ويقوم الرهان الثاني للكاتب على الحفر في التراث السردي. أمَّا رهانه الثالث فيقوم على ما دعوته منذ عام 1982 بـ (تقليدية الرواية الحديثة)، ولعله لم يزل صحيحاً، على ضوء ما وسم روايات الذهبي من المواءمة بين التقليدي والحداثي. وهاهي الرهانات الثلاثة تبلغ أقصاها في رواية الذهبي (فخ الأسماء). فليس من العسير على المرء أن يكشف عن الأس التاريخي للرواية. ولاسيما لمن قرأ بعض المقالات التي ضمّها كتاب الكاتب (التدريب على الرعب(2)) . فالسلطان العجوز هو برقوق، والجغتائي هو تيمور كما تجلو مقالة (التدريب على الصمود)، وفيها لاسيما تلك الشخصية الروائية التي سنرى: ابن عرب شاه، أي ابن ملك العرب، صاحب كتاب (عجائب المقدور في أخبار تيمور). وفي مقالة (القط في القفص) يمتح الكاتب من كتاب (الحيوان) للجاحظ الشخصية الروائية (نوري) وخبرته بتربية الحمام، وما جاء أيضاً عن تربية القطط. أمَّا مقالة (الكذب الأجمل من الصدق) عن لوقا السميساطي السوري (لوقيانوس الإغريقي)، فتجلو ما رشح إلى رواية الذهبي ممَّا كتب لوقا في (قصة بسيطة) عن رحلته البحرية، ومصادفته الجنية ـ الحورية التي تمسخ العشاق.. لكن لعبة التناص في رواية الذهبي، وبالتفاعل مع اللعب السردي التراثي، يخرجان بالقراءة من عنق مثل هذه المطابقة إلى الأفق الروائي الزاخر والساحر، وحيث يشتبك سحر الحكاية ببلاغة التاريخ. ففي ذلك الزمن المملوكي وفي الشام (دمشق) والصحراء والشرق الذي جاء منه الجغتائي ـ تيمور لنك ـ تطوحنا الرواية في فخاخ الأسماء بين الماضي والحاضر والمستقبل، كأنما هي ليالٍ جديدة من (ألف ليلة وليلة) ـ وللكاتب روايته (ليال عربية ـ 1980) ـ ستنهض روايةً بالبناء الحكائي، حيث تتوالى ثلاث حكايا كبرى، وفي كل منها حكايا أصغر فأصغر، وكل حكاية قد تبدأ الرواية بطرف منها، لتقطعه حكاية أخرى أو طرف منها، ثمَّ تكون عودة إلى طرف جديد أو إلى التتمة، كما قد تأتي الحكاية كلها دفعة واحدة. ولا يخفي تقليدية السرد في ذلك أن يتناوب عليه السارد بضمير الغائب مع الشخصية الروائية بضمير المتكلم، أو أن تنفرد الشخصية الروائية بالسرد، كما هو أغلب حصة الحكاية الثانية الكبرى من الرواية. لكن الأهم يبقى أنه ـ عبر ذلك ـ ينعجن التخيلي بالتاريخي، فتصير الحكاية بسحر الفن تاريخاً، ويصير التاريخ حكاية. حكاية الرؤوس ـ الثمار: بكيس الثمار ـ الرؤوس التي يحملها رسل الجغتائي للسلطان الشامي، تبدأ الحكاية الكبرى الأولى للرواية، مع (نوري) الذي يحكي حكايته مع الحمام، أي حكاية جنونه الإبداعي الخاص الذي تسبب بهجران امرأته له. فلقد قضى نوري عشر سنوات يرعى زواج الذكر الهندي بالأنثى المروحية، جيلاً فجيلاً، إلى أن كان له (الزوج المعجزة) والحمامة الكاملة، وتلك هي خديعته للسلطان، فمملكة الحمام مملكة السلطان، ونوري أراد فعل شيء مخالف لإرادة السلطان الذي لا يحب التغيير والتجديد، ويعدّ تطعيم الشجرة بنوعين كفراً. ونوري مؤمن، وإن كان يعبث بالمخلوقات. لكنه حين بلغ مراده أحس بالخواء، وهو يتساءل عن جدوى إبداعه ما دام لا يستطيع أن يظهره للناس، فشرط الوجود بحسبانه معرفة الناس بالموجود. ولكن هل سيغفر الإبداع له عند السلطان؟ حين يصل الخبر إلى السلطان، يسمي إبداع نوري بالحمام الزاني، ويأمر المبدع أن يعدَّ ما أبدع وجبة لسلطانه، ويعينه صاحب حمام السلطان. وهنا تتوقف حكاية نوري وتتوالى حكاية رسالة الجغتائي (كيس الثمار ـ الرؤوس)، وتبدأ تأويلات البطانة لها. فابن السلاخ يراها رؤوس بشر تحمل آثار الحرق والتحبير، لكن الراهب العجوز قرياقوس القادم من دير الشيروبيم له تأويله الذي يأتي حكاية جديدة تقطع الحكاية الكبرى. فالراهب يتحدث عن مكتبة الدير، وعما فيها للوقا السميساطي من حكاية رحلته البحرية إلى الجزيرة العجيبة، حيث النساء جذع كرمة فيما دون الركبتين، وحيث تحول من لحق من بحارة لوقا بالنساء إلى شجيرات كرمة. وهي إذأ حكاية تؤول حكاية، فالرسالة ـ الرؤوس هي ثمار. وهذا التأويل يقلق القلم دار الذي لم يبلغ علمه حكاية لوقا، وقد يغضب ذلك السلطان، فيمضي إلى جامع النوري حيث جماعة العور والهتم والجدع، أي القلندرية، وهي الجماعة الوحيدة التي سمح السلطان بها، لأنها لا تنافسه على المدينة، ومنصرفة إلى إيذاء الجسد والتعبد. يؤول مولى الجماعة للقلم دار حكاية الرسالة ـ الرؤوس بحكاية ملك الهند وطائر العنقاء. وتؤول كبيرة الجواري وصديقة السلطان الرسالة بالأرق الذي سكنه منذ وصل رسل الجغتائي. وعبر هذا التأويل تأتي حكاية هذه المرأة التي لقيت هذا الذي سيصير سلطاناً، في سوق النخاسة، وصدقت يقينه من مستقبله، وباتت عشيقته حتَّى كبرا، فباتت الصديقة الرؤوم. ومن تأويلها، إلى المبارزة في نَحْرِ واحد من العوام رقبته فواحد، افتداءً للسلطان، مقابل افتداء رسل الجغتائي له واحداً فواحداً، تنتهي الحكاية الكبرى الأولى فيما يشبه نهاية القسم الأول من الرواية، إذًْ يحضر المماليك الفتيان الثلاثة الذين يحملون من رجل السلطان في بلاد الروم رسالة التحذير من قدوم الجغتائي، ويتحدثون عن تيههم في الصحراء، وعثورهم على المدينة ـ الحلم التي ستكون الحكاية الكبرى الثانية في الرواية، أي القسم الثاني. حكاية المدينة الهاربة: في طريق عودة المماليك الثلاثة، هبت "عاصفة من عواصف الصحراء التي لا يمكن التنبؤ بها" فخبطوا حتَّى طلعت لهم المدينة التي يحسب كل منهم أنها مدينته التي ابتيع منها، فهي "المدينة الطفولة، المدينة ما قبل الأحلام والرحيل وراء السلطان"، وهي مدينة هذا الإيقاع الذي سيظل يترجّع في الرواية: "لا جائع فيها ولا عطشان ولا من يبيت خارج سرير حب". وقد عثرت على المماليك التائهين قافلة حملتهم إلى حلب، فأرسل حاكمها معهم كتيبة من الجند والمهندسين بحثاً عن المدينة الهاربة، لكن البحث خاب. ومع شيوع حكايتها في الشام، طلع الصباح على السلطان بمفاجأة خلو المدينة إلا من قلّة، إذ خرج الأهلون إلى الصحراء بحثاً عن المدينة الأسطورة التي طالما تحدثت عنها الكتب، وروت عنها الجدات. أمَّا السلطان فيرسل رجالـه ينادون في البوادي والمدن إعلاناً من مدينة بلا سكان تدعوهم لسكانها، شريطة أن يخلعوا أحلامهم قبل دخولهم: إنها مدينة الطبالين المزوقة تزويق العاهرة، بلا ذكر لسالخي الجلود ورسل الجغتائي. بحمّى الغرائبي والعجائبي، بحمّى الفانتازيا، تتشظى حكاية المدينة ـ الحلم إلى حكايا الباحثين عنها وقد تبددوا في الطريق فرادى. فضارب الطنبور (لطفو) الذي سمع حديثاً عن "مدينة تتجلى، تغيم، وتحضر، وتختفي، تغازل وتتمنع هناك في عمق الصحراء، سمع حديثاً عن مدينة لم يجرؤ حتَّى على الحلم بوجودها" يعصف به الحنين إلى الشام فيلوب السؤال: "كيف عميت عيناي فلم أعرف أن المدينة الهاربة ليست إلا المدينة التي تركتها وراءك"؟ وستتوازى حكاية لطفو مع المدينة، وحكاية المرأة التي ستأخذ بلبه (فرنتى)، حتَّى إذا بلغ المدينة بدت المرأة فيها كالرجل: النصف الأسفل لواحدهما من حجر، فهتف باسم فرنتي، فانزلقت المدينة إلى الغياب، كما ستنزلق مع الآخرين، وكلُّ لسبب. فالشيخ المؤذن أحمد بن محمد بن عبد الله، الذي يحلم بكتاب يكتبه، ويغني في حفلات سرية ليتعيش، يلاقي مدينته ـ حلمه، حيث المعري والحلاج وحلم الخلود في كتاب. ولأن من فيها يشخصون فيه الكسل والضعف والجبن عن الحلم، تزلق المدينة منه إلى الغياب، وهو منذور لما قدروا أنه مطهرة: حريق مدينة. وهذا أيضاً هو الشاعر أبو القاسم الفستفي الذي نذر نفسه للشعر الصافي، فلم يلق تقديراً حتَّى انخرط في السائد، وبات علم الهجاء، التقى (فرنتى) وكتب لها قصيدة الحب التي طلبت، والتي ستغنيها للسلطان، فيؤخذ بها. ولأن فرنتى ـ كما سيلي في الحكاية الأخيرة من الرواية ـ أرضعت السم، وباتت سماً لمن يقربها، فسيموت السلطان متسمماً بها. أمَّا الشاعر، ففي بلوغه المدينة الحلم، سيتحول إلى أنثى، وتبدو له فرنتى وقد تحولت ذكراً، شأن كل من في المدينة، لكن المدينة تنزلق منه إلى الغياب. وهكذا تتوالى الحكايا، فتبدو المدينة الأسطورة مدينة الخوف للشيخ شاكر الذي يطن في أذنه السؤال كالذبابة (ما السلطان؟)، وتبدو للقلم دار المدينة التي لا متعة فيها ممَّا تعوّد، والمدينة التي تتجسد (تتقمص) فيها فرنتى بشخص الحلم دار الذي كان القلم دار قد نصح السلطان بسلخه. والمدينة هي لبرهان الدين مدينة الصلاة، ومدينة الأمل المتنكرة في غابة، ومدينة الفرج المنتظر. وهي تلك النبوءة التي أرسلتها بلابل منذ بدية الرواية، وستظل تتواتر بصيغ شتى "ستطير وتطير، في قفص تطير... وعلى الجمال تطير، وفي أرض اليباب تطير". لكن برهان الدين الذي كان قد أسس في الشام الأخيات ـ أي المنتديات والنقابات بلغتنا ـ سيزلق السؤال بالمدينة منه إلى الغياب، شأن سواه. حكاية الهزيمة: فيما يشبه القسم الثالث من الرواية ـ وفصولها جميعاً بلا ترقيم ولا عنونة ـ تأتي حكاية فرنتى جاسوسة الجغتائي التي أنجزت مهمتها بتسميم السلطان، وغادرت إلى بغداد يأكلها الفراغ الذي يعرفه كل مبدع بعد إنجاز مشروعه الكبير وهو يتساءل عمَّا إن كان أضاع الزمن عبثاً، وعما سيفعل من بعد، وعما إن كان يستطيع مفارقة مشروعه. ولعل لأسئلة الإبداع هذه، مع ما سبقها من أسئلة نوري، أن ترسم أسئلة الكاتب نفسه أمام روايته أو أمام ما أنجز من تجربته الروائية، مثلما هي أسئلة التاريخ التي تترجع في الرواية بين الجغتائي والسلطان والقلم دار، فلعلها أسئلة الكاتب وما كتب. فالجغتائي يدعو "اللهم اجعل التاريخ صديقي، ولا تجعله عدوي". والسلطان جمع حوله المؤرخين الأحياء ورواة وتلامذة من مات منهم، ليحرم خصمه منهم. بالعودة الخائبة لمن خرجوا يبحثون عن المدينة الهاربة، تبدأ الحكاية الكبرى الثالثة والأخيرة في الرواية، وتتشظى في حكايا موت السلطان وتنصيب ابنه الفتى، ووصول الجغتائي إلى الشام، وهرب السلطان وجيشه إلى مصر، وتحريض الشيخ المؤذن أحمد للناس على المقاومة، ودحر أولاء للغزاة حتَّى تشعل حيل الجغتائي وتواطؤات الكبراء نار الفتنة، وتكون الهزيمة التي سيحمل الجغتائي بعدها من (مثقفي) المدينة المنكوبة من يحمل إلى مدينته، وتتحقق نبوءة بلابل. إلى ذلك كله، وفي سائر الرواية، بقيت أيضاً حكايا السلطان والجغتائي. وهي تعزز ما تقدم ـ وبالمخيلة المحمومة دوماً ـ الإشارات إلى يومنا وإلى غدنا، سواء تعلقت بالعوام أو بالمثقفين أو بالحكام أو بعواصف الصحراء. ولئن كانت تلك الإشارات هي بلاغة التاريخ، فهي أيضاً سحر الحكاية، وبها توقعنا رواية خيري الذهبي في (فخ الأسماء). 2 ـ سلام عبود: يمامة: في الألفة والآلاف والندامة: تندرج روايات اللحظة الأندلسية في السيرورة الروائية التي ابتدأت مع جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط، ولم تنته بأمين معلوف وفوزية رشيد وسالم حميش وربيع جابر ورضوى عاشور... وصولاً إلى سلام عبود في روايته (يمامة: في الألفية والآلاف والندامة(3)) وحديث الرواية والتاريخ يستدعي قضايا شائكة وعديدة، من الالتباس بالهرب من الراهن وبالنوستالجيا، إلى البحث في المصادر والمراجع، إلى التناص معها أو المضارعة اللغوية أو الولع والانبهار بكبائر ما مضى وبصغائره.. ويتجدد ذلك الحديث من نص إلى نص، مافارت به الرواية العربية في العقدين الماضيين بخاصة، ليس على مستوى الناقد وحسب، بل على مستوى الكاتب أيضاً. وهذا سلام عبود ينوه في صدارة روايته (يمامة..) باعتماد الجانب التاريخي في روايته على مجموعة من المصادر العربية والغربية ـ أليس هذا بتحصيل حاصل؟ ـ يعدد منها (طوق الحمامة) لابن حزم، و (مصارع العشاق) للسراج القارئ، و(حي بن يقظان) لابن طفيل، (وأخبار النساء) لابن قيّم الجوزية. أمَّا الأهم فهو ما يلي من تنويه الكاتب بصنيعه الأدبي في المادة التاريخية، حيث يقول: "أمَّا النص الأدبي فقد احتوى طائفة من الأحداث أخذت بتحوير طفيف من كتب التراث العربي. ولم يتوقف الأمر على ذلك، فقد جرى نقل عدد غير قليل من النصوص: عبارات وجملاً وأحياناً فقرات طوالاً، ولم يجر تعليمها، وتمييزها عن النص القصصي، لكيلا تبدو جسماً غريباً يقطع سياق التلقي عند القارئ، وتجنباً للنبوّ جرى تذويب تلك النصوص في سياق النص القصصي بالتحوير والتعديل، أو من طريق دسها دساً خفيفاً. إن الحفر الأدبي في التاريخ هو في هذه الرواية إذاً، وبحسب كاتبها، نقل وتحوير وتذويب وتعديل ودس (خفيف)، وكل ذلك كرمى للقارئ: أين هي إذاً مقتضيات ذات النص، مهما يكن للقارئ منها؟ أمام مثل هذا السؤال، ليس المعول عليه ما يرسل الكاتب في تصدير للنص أو في سواه، بل المعول عليه هو النص وحده. ونص سلام عبود توسل التناص، من صريحه بما أورد من آيات قرآنية وأشعار مثلاً، إلى درجات لعبه الأخرى العديدة، والتي تقوم جميعاً على تمثّل المادة التاريخية أو الوثائقية، وإعادة إنتاجها كما يتطلب الفن، لكي لا ينزلق الروائي إلى حلبة المؤرخ، فلا يكون روائياً ولا يكون مؤرخاً. لقد اختار سلام عبود في روايته لحظة أندلسية أخرى غير لحظة سقوط غرناطة التي استهوت المبدعين الآخرين، إذ عاد إلى ما قبل ذلك، بحثاً عن جذور السقوط، كأنما يضاعف ويعمق الحفر في جذور الراهن، فكانت قرطبة فضاء رواية (يمامة..) وكان عبد الله بن يعيش بطل الرواية المثقف وضحية الاستبداد والفساد الناخرين في الجسد القرطبي ـ الأندلسي، فإذا بـ "قرطبة زينة الدنيا، تبدو مثل جثة هامدة"، منذ مستهل الرواية، حيث يؤوب إليها ابن يعيش من منفاه القريب في أليشانة. ومنذ مستهل الرواية يتكشف بناؤها عن مواطن طويلة ومدججة بالسرد التاريخي، تقدم بناء مؤسس الخلافة الأموية في الأندلس (الناصر) للزهراء، كرمى لجاريته، ونكبة الزهراء على يد البربر، وبناء المدينة التجارية والسياسية (الزاهرة) وهدم الخليفة الرابع المهدي لها، كذلك يأتي بناء ووصف مسجد قرطبة، وهرب المستكفي وشغور الخلافة، وتقديم المجاهد ابن منصور.. وإذا كانت مواطن السرد التاريخي هذه تحتشد في البداية، فهي ستتراخى من بعد، ليغلب نهوض بناء الرواية بسرد الأحداث في الحاضر الروائي وبوصف نثار جغرافيا المدينة، والأحوال النفسية لشخصياتها الرئيسية، ولاسيما البطل. وسينتزع الحوار الغلبة من الوصف ومن النجوى وسواهما من التقنيات، فيبدو متأرجحاً بين الإيجاز والرشاقة، وبين الإطالة والإبهاظ. ويتوزع ذلك كله على الماضي وعلى الحاضر الذي يمضي بالرواية قدماً إلى تعليق ابن يعيش في الساحة لحرقه هو وكتبه، ثمَّ بقاؤه معلقاً فيما الفتنة تندلع والناس يعزلون الخليفة، فقرطبة لم تعد بحاجة إلى خليفة، أموياً كان أو غيره. كان ابن يعيش قد فرّ إلى أليشانة بعد مصرع صديقه الخليفة عبد الرحمن. وفي بداية عودته يلتقي مصادفة الجارية (حور)، التي تأخذ بلبه، وتدعي أن اسمها يمامة. ومن خولة زوجته وابنة قاضي سبتة، إلى إيزابيلا الجارية النصرانية التي استهوته في منفاه، إلى يمامة ـ حور ـ تلح الرواية على العشق الذي يؤنث الفضاء الروائي في سبتة وأليشانة، ولا سيما: قرطبة. ويظهر هنا بقوة فعل (طوق الحمامة) و(مصارع العشاق) في جسد الرواية وروحها، سواء عبر ابن يعيش أو عبر خولة ذات الأب العربي والأم البربرية، والتي تجيد اللسانين العربي والبربري، وباعها النخاسون اليهود في سوق فردان بعد سبيها، فاشتراها صديق لابن يعيش، ثمَّ قدمها لـه. وإذا كانت خولة تبدو كشهرزاد، تشفي زوجها بالحكي من فعل نكبته، وتحتضن عشقه ليمامة، فالأمر يبلغ ذروته عندما يقبض على الرجل، وتتحول الرواية إلى واحدة من روايات السجن السياسي المعاصر الفذة، ثمَّ تظهر يمامة باسمها الحقيقي (حور) جارية لسجّان ابن يعيش، وهو المجاهد ابن منصور. بعد مشاهد التعذيب في قلعة رباح، ما يورث ابن يعيش العمى بعصارة الصبار، والعجز الجنسي، وبعد نقله إلى قصر ابن منصور، تظهر يمامة التي فرض عليها سيدها الرتق لأنها رفضته. ولأنها المؤتمنة والمقربة إلى سيدة القصر ـ إلى حد الاشتباه بالسحاقية ـ يوكل أمر السجين لها، وهي التي علقته أيضاً منذ تلك المصادفة الوحيدة. كذلك ترعى العاشقة معشوقها، وتتزوجه في سرهما، وتشتبك الأسئلة على ابن يعيش: "أهي حور أم يمامة، أم كلتاهما؟ أهي إجبار أم اختيار أم اجتيار؟" و"أهي إيزابيلا أم يمامة أم كلتاهما" و"أهو عبث محض! وجنون أم حكمة! أين المعاني"، كما تشتبك الأسئلة على ابن يعيش منذ أن يبدأ تلميذه السابق ابن مسروق بالتحقيق معه فيما كتب وفيما يعتقد، فكأنما تترجع أصداء محاكم التفتيش الراهنة التي تلاحق الكتّاب والكتابات في الفضاء العربي اليوم. وينتهي الأمر إلى أن يقدم ابن يعيش لابن مسروق إقراراً بتهمه طالباً الغفران، فيصدم حور التي تكشف آنئذ لـه عن سرها ـ في مفاجأة ميلودرامية ـ ، والتي تعدّ لفرارهما، لكن ابن يعيش اليائس يستسلم، فيقاد إلى المحرقة. تتوزع الرواية على عشرين فصلاً، تؤكد منذ البداية على تأنيث الفضاء: "قرطبة مولاتي ـ خولة: سبتة أم قرطبة ـ ..." وتذكر بعنونة أحمد يوسف داود لفصول روايته (فردوس الجنون) كلّما أمعنت في المضارعة اللغوية التراثية، ومن ذلك أن يكون العنوان حديثاً نوبياً.. ويبدو في المتن الروائي ضغط تلك المضارعة، ممَّا حدّ من التنوع اللغوي الذي تضطرم احتمالاته في الرواية. فإذا كان الصوت التراثي الجهير يستوي فيما يتصل بحوارات ابن مسروق وابن يعيش، عبر تهميشات الأخير على كتاب المرزباني (أشعار النساء) أو الخوض في أمر المعتزلة والإيمان بالله.. فذلك الصوت نفسه يأتي ضاغطاً عندما تنادي يمامة مثلاً "يا طول حزناه ممَّا أرتنيه عيني"، أو عندما يخص إيزابيلا التي يعلمها ابن يعيش العربية بالإنجيل (في ترجمة اسحاق بن بلشك القرطبي من اللاتينية)، أو عندما يخص اليهود... وبالطبع، يناط ذلك كله بسطوة السارد التي تتبدى في السرد التاريخي، وفي الشرح ـ إتلاف عصارة الصبار للعينين مثلاً ـ وفي الترميز بالمرأة الذي أعقب حديث اللذة، لنقرأ: "خولة وإزابيلا وترا اللذة، هما النشوة والسكينة، خولة هي السكينة الممتعة، وإيزابيلا هي نشوة الإيناس والصبر. أمَّا حور ويمامة فهما مزيج شيطاني من المتعة والألم". على أن الرواية ظلت ـ على الرغم من ذلك ـ صوتاً خاصاً في السلسلة الروائية التي تحفز في التاريخ، وتروي مكابدة مثقف الأمس ومثقف اليوم في العشق والمعرفة وعصف الفساد والاستبداد. 3 ـ ثائر تركي الزعزوع: السلطان يوسف: في فاتحة روايته (السلطان يوسف(4)) يقص علينا ثائر تركي الزعزوع أنه مضى إلى أنقرة في مهمة صحفية (شباط ـ فبراير 1995) وحلّ ضيفاً على كليم أوغلو رئيس تحرير القسم الثقافي لجريدة (خبر). وقد صادفت ذلك زيارة الرسام الإيطالي المعروف جوزف جابيري، السوري الأصل، والستيني. وفي لقاء الثلاثة يكشف جابيري أنه حفيد السلطان يوسف (واسمه الأصلي يوسف جابر يوسف) الشهير في منطقة البوكمال على الحدود السورية العراقية، موطن الزعزوع نفسه، والذي انطلق إثر عودته إلى سورية، ما يحفظ من السيرة الشعبية للسلطان يوسف، إلى البحث في المراجع والمصادر التالية: 1 ـ من التاريخ الشعبي الفراتي ـ بيروت 1964، الدكتور عادل سالم، وهو مكتوب بالفرنسية، وقد ترجمه سامر الأزهري. 2 ـ الفرات السوري وما حوله ـ دمشق 1972، للدكتور ألبير رشيدة. 3 ـ الحركات السرية الدينية والسياسية في المجتمع العربي الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين للدكتورة الألمانية كاتلين، ف، ويندور. 4 ـ كنت عسكرياً في المشرق ـ دمشق 1964، للميجور الفرنسي سيباستيان ديدييه، وبترجمة فراس الشكر. 5 ـ رسائل السلطان ـ بغداد 1969 لجامعه ومحققه ومقدمه جاسم الراضي. أمَّا المصادر الشعبية الشفوية التي تتبعها الزعزوع، فيذكر أنها شحيحة وقليلة، ومنها التسعيني الحاج إسماعيل أصغر أخوة السلطان، كما يذكر أنه زار بيت عبد الله العاني الذي ولد فيه السلطان، وما يزال قائماً بعد 142 سنة من تشييده. وفي فاتحة روايته ينفي الزعزوع، كقاص، اهتمامه من قبل بالتاريخ، ويحدد دافعه إلى كتابة الرواية بالانقطاع فترة عن كتابة القصة، كما يحدد نهجه فيها بجمع أكبر قدر من المعلومات، والتوفيق بينها، متجنباً قدر المستطاع خيال كبار السن وكذبهم، وكل ذلك التماساً منه إلى نوع جديد من الكتابة، لم يكن قد جربه. قد يكون من الضروري هنا أن نبيّن أن الكاتب ينتمي إلى الجيل الشاب الذي ظهر في العقد الماضي في سورية، وابتدأ شاعراً، إذ صدر لـه عام 1994 (لأنَّه الوقت... لأنك امرأة)، وإلى المخطوطة القصصية التي يذكرها في ثبت أعماله (الليلة الثانية من شباط) كانت قد صدرت له رواية (رحلة زاعم) عام 1997. وعلى الرغم من أن هذه الرواية قد عبرت هوناً، شأن الكثير من إبداعات الجيل الشاب في الرواية وغيرها، إلا أنها رواية بالغة التميز، بما انطوت عليه من تجريبية في البناء، ومن استثمار للأسطوري والخارق في السرديات الشعبية الشفوية، ولاسيما الديني منها. كما تلفت في رواية (رحلة زاعم) النكهة المحلية الحارقة وتهجين اللغة، والاندياح بين التاريخي والمتخيل، ولا سيما في شخصية زاعم، ما ينادي بناء الكاتب لشخصية السلطان يوسف في روايته التالية (السلطان يوسف). وعلى أية حال، تمضي الروايتان بقارئهما، من دعوى التاريخ والبحث الماهد وإعلانات الكاتب إلى لعب التخييل وجمالية الكتابة. وبالتالي، لا يهم أن يكون صحيحاً أو لا كل ما سبق من الكاتب، وفيه ما يشي بأن المرء مقبل على صنو لواحدة من روايات جرجي زيدان، أو أنه مقبل على كتاب في التاريخ، مادام الكاتب نفسه، في تلك الفاتحة، يسمي عمله بـ (الكتاب)، بعدما ما سماه على الغلاف (رواية). أليس من الطريف والملبس ـ من بعد ـ أن يختم الكاتب روايته بهذه الإشارة: "فكما بدأت الحكاية فإني أنهيها، ولابدَّ أن أعترف بأن كل الأحداث والشخصيات هي خيال، وأي تشابه بين الواقع وبينها هو مصادفة". لقد جاءت الرواية في ثلاثة فصول، تصدّر كل منها مقتطف من واحدة من رسائل السلطان الثلاث، وتتبع أولها ولادته ونشأته، مستهلاً بمشهد موت راجحة، وقصة تلك الهندية التي جاء بها عبد الله العاني (جد السلطان) طفلة، وبانزواء زوجها جابر (والد السلطان) في الجامع إلى أن تخرجه منه جورية، فيتزوجان. من قصة فرعية تفضي إلى قصة فرعية وتشتبك بها، تتوالى الرواية بالاسترجاع غالباً وبالاستباق نادراً. والأهم في ذلك ما اكتنف ولادة ونشأة يوسف ما يؤهبه ليكون السلطان، فجده يهدهده بالآيات ويروي لـه الحكايا التي سيرويها الطفل الذي يحفظ القرآن في العاشرة، ويدير الدكان في غياب أبيه، ويميل في مراهقته إلى الوحدة، حتَّى قال فيه تاجر "ابن جابر العاني ولي من أولياء الله، في فمه لسان ينطق بالعجائب". وسيقول مثل ذلك مجاهد، حين يكون السلطان يوسف قد التحق بثوار غوطة دمشق ضد الاستعمار الفرنسي: "قد وضع الله فيك سراً نعجز عن فهمه، أنت تشبهنا ولا تشبهنا، ولهذا فأنت ترى ما لا نراه. اسمك مفتاح عمليتنا، لأنك فتحت عيوننا على أمور لم نكن نعرفها". تتكرر قصة (راجحة) مع (عجية) التي تنشأ مع يوسف، حتَّى إذا رآها في مراهقته عارية تغني، صعق ولازم الجامع كما فعل أبوه من قبل، لكن (عجية) تخفق فيما أفلحت فيه (راجحة)، ويلبث يوسف في الجامع يقرأ في التراث الصوفي (ابن عربي والغزالي وابن الفارض والحلاج) حتَّى يقع الزلزال الذي سيورث شقاً في ظاهر البلدة. بليلة الزلزلة ـ أو الزنزالة كما لا زال يقال في ذلك الشرق السوري ـ يبدأ الفصل الثاني من الرواية، إذ يخرج يوسف إلى الشق ويختفي فيه، وعجية تناديه كل نهار إلى أن يأمرها صوت أن تتهيأ كعروس، عندئذ يظهر لها يوسف ويتزوجان وينجبان والد الرسام الإيطالي، فيما يكون الأتراك قد اقتادوا والد السلطان إلى الحرب، وشقيقه خليل قد أخذ يقود المقاومة، ليلجأ مع المقاومين إلى الشق، ويلتقي بشقيقه الذي ينظم حياتهم: نوم النهار وإحياء الليل، وتقسيم المكان إلى كهف الأرواح حيث تقيم عجية وابنها، وكهف النظرات حيث يقيم يوسف، وكهف الأحلام حيث يقيم الآخرون، وسيسمي السلطان يوسف رسائله الثلاث بأسماء الكهوف هذه. إبان ذلك يكون الأتراك قد رحلوا، والفرنسيون قد حلوا، فيواصل من في الشق المقاومة، ويقسمهم يوسف إلى جماعة التموين وجماعة الحافظين وجماعة السائرين، معلناً سلطنته على المكان، ومنصباً منهم (عبد الناصر) أميراً، حتَّى إذا أمضّ الأمر اثنين منهم، وآبا إلى ذويهما، قبض الفرنسيون على أحدهما، فأفشى سِرّ السلطنة، وظفر بها الفرنسيون. هنا يبدأ الفصل الثالث، بعودة والد السلطان بعد ستة عشر عاماً من اقتياد الأتراك لـه. وتحمل أم جاسم الراضي على المعتقل، وتفر بمن فيه إلا السلطان الذي يقتاد إلى سجن القلعة في دمشق، ومنه سيفر ويلتحق بالثوار إلى أن يقضي وهو في الثامنة والثلاثين. ويختم الكاتب الرواية بملحق يجلو ما حل بابن السلطان الذي يهرب إلى بغداد ثمَّ يرحل إلى المغرب فإيطاليا، ليتزوج وينجب الرسام الإيطالي. وهذا الملحق يذكر بما ختم به الكاتب روايته السابقة (رحلة زاعم) فيا سماه (قصص قصيرة جداً) تضفر وتطلق ما تقدم في المتن من الحالات والمصائر العالقة. لقد تدخل السارد علانية مرة واحدة في رواية (السلطان يوسف) حين سرد بين قوسين سقوط الدولة العثمانية ودخول الإنكليز إلى البوكمال، قبل الفرنسيين. وفيما عدا ذلك توسلت الكتابة أسطرة الشخصية، من السلطان إلى والد مصطفى إلى السيدية... كما توسلت الشعبي في الغناء والتطبيب الجسدي والنفسي وأنسنة الطبيعة وفي الخارق، وتلونت اللغة جراء ذلك، ولكن بحدود دنيا، كما في لغة السيدية، بخلاف ما تجسد في الرواية السابقة (رحلة زاعم). ولئن كان أثر قدوم الكاتب من الشعر إلى الرواية أقوى في هذه الرواية من تاليتها، فقد جاءت الأخيرة إضافة متميزة إلى ما يتواتر في سورية من حفر الرواية في التاريخ، وليس من الرواية التاريخية، والمهم أن الرواية قد اكتسبت بثائر زكي الزعزوع كاتباً يؤكد وعدها من الأجيال الجديدة. 4 ـ شعيب حليفي: رائحة الجنة: بعد رواية (زمن الشاوية ـ 1994)، تأتي رواية شعيب حليفي هذه (رائحة الجنة(5)) أشبه بجزء ثانٍ تتصدر بسبع ملاحظات للقارئ، أبرزها ما ينفي المرجعية، وما يطالب القارئ بالامتناع عن التأويل، كما ألفنا من كتاب كثيرين، نشداناً للتقية، ربَّما سيحرض على تقري المرجعية في الرواية، وعلى التأويل. وفي مستهل كل فصل من (رائحة الجنة) يثبت الكاتب مقتطفاً ما، وتوجيهاً منه للقراءة (اللسان ما فيه عظم ـ اللهم نعوذ بك من فتنة الكلام...) وإلى هذا التبويب، يلجأ الكاتب إلى الحيلة الأليفة للتمييز بين زمني الرواية: الماضي والحاضر، فيجعل للأول المستوى الطباعي الأسود (الغامق) وللثاني المستوى العادي، لكن ذلك لا يُراعى دوماً، لعلة في الطباعة، أو لسواها. هكذا تعجل البداية بما كان من استيطان الشاوية ومكارطو، لتبدأ سيرة هذا الشطر من الريف المغربي، ولتحضر الرواية الأولى من انطلاقة الرواية الثانية. ومن نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب الثانية تمضي (رائحة الجنة) من الريف إلى سوار المدينة (حي التناكر قرب باب المرسى) إلى فضاء الآخر الأوروبي (فرنساـ ألمانيا). وتشتبك المفاصل والتحولات التاريخية بحيوات الشخصيات الروائية، فيقايض (عبو الريح) الناس أرضهم ببضاعة مخزنه، بينما كان (علي الشاوي) جد الشاوية، قد قال عندما صار قائداً وساومه الملاكون: "والله لو وضعتم الوطن، ترابه كله من ذهب، وشجره أعواد ند مشتعلة، على يميني، ووضعتم على شمالي الشمس والقمر، لن أتخلى عن الشاوية، والتي هي من تراب وزمنها من نار". لكن (عبو الريح)، وشريكه الألماني (مانيسمان) وأولاد (ولد المخزن) الذين صاهرهم الألماني يستولون على الشاوية، ويصير (عبو الريح) محمياً دولياً لفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتَّى ضد المخزن. وببدعة المحمي، وبدعة المخالط للنصارى بالتجارة والمال، يشل الحق ويسود الباطل، فيما يقبل الاستعمار، وينزح (عبد السلام الشيدي) إلى حي التناكر عند (سيد الساهل) والد شامة التلميذة المتخايلة. ويتعمد الحب بين شامة و (طوير الجنة) ـ كما يلقب والدها عبد السلام ـ بمهاجمة (بابور) الغزاة والسيطرة عليه. ويعجز جنود الريح (الاستعمار) عن ردع القادمين من الشاوية، فيتقدمون بباخرة جديدة، وينجزون سيطرتهم، وتتوالى صور المقاومة، فالجنرال الفرنسي داماد ينتقم من مكارطو، والمناوشات الليلية المفرقة تتواصل، وتقوم ثورة الأعشاش وحرب تطوان ومعركة إيمسلي، ويقود عيّاد ومنصور المقاومين. من هذه العناصر تندفق الرواية بشخصياتها من جيل إلى جيل، وتستقل من الجزء الثالث (الفصل بالأحرى) كل شخصية بسرديتها، من محمد الشيدي (ابن عبد السلام) إلى سعيد الريح (ابن عبو الريح) الذي يبيع أملاك أبيه بعد موته، وينتقل إلى مركز حضري آخر هو (بسطات). وستبرز مع الحرب العالمية الثانية مسألة (الآخر) بالتحاق محمد الشيدي بالجيش الفرنسي، على الرغم من أنه لم يصدق من خطب: (انتصار فرنسا انتصاركم أنتم). وبهذا تغدو الباخرة، فمرسيليا، فمعسكر (دونكيشوت الأعمى) في باريس ـ حيث مقاومة الألمان ـ فضاء للرواية بعد الوطن (الريف ومراكز الحضر). وسنرى مع محمد الشيدي زميله الحطاب العبدي، راوياً في الفصل ـ الجزء ـ الخامس لمغامرة والده (احديدان) في مطلع القرن: حبه لعبدية وهو سجانها في قصر أبيها، فرار الحبيبين السجينين، إعادة عبدية إلى القايد ورميها في بئر مهجور، نجاة (احديدان) وزواجه. وقد جاءت هذه القصة الفرعية عبر المونتاج الذي يوازي بين الماضي ـ زمن القصة، والحاضر ـ الحرب، حيث يلتقط محمد الشيدي الجنود الألمان ليلاً، ويصطنع حادثاً للسيارة التي يقودها، فيقضي على حمولته من الجنود الفرنسيين أيضاً، ويلجأ إلى بيت الإغريقية، فيوهمها أنه من سلالة الأنبياء، وأن ولادته في الشاوية كانت عجيبة، وإنما جاء إلى فرنسا ليجلب لها الانتصار. لكنها تسأله: لماذا لم تطرد بنبوءتك الاستعمار من بلادكم؟ فيقول لها: نحن دعوناهم ليجلبوا لنا علومهم، ثمَّ سنطردهم. وهذه النقلة الروائية هي المجلى الأكبر للعلاقة مع الآخر، فإذا كان السابقون يقولون: "دائماً كان الآخر يستعبد البلاد والعباد، ويتاجر في الكرامة والأعراض، ويجد القلوب الضعيفة والعقول الخفيفة التي تساعده على تنفيذ جرائمه "فإن (محمد الشيدي) يسمي الإغريقية (ريمة)، والآن، في زمن الآخر وفضائه، وبزواج محمد الشيدي من أرتميس. وحين يغادر مع قائده الفرنسي ـ دونكيشوت الأعمى إلى الداخل الألماني، يترك بذرته في رحم الإغريقية بيسيوس، ويحمل الشاوية في أعماقه، ويوصيها، إن وضعت ذكراً، أن تسميه باسم جده هو (علي الشاوي) وإن وضعت بنتاً أن تسميها باسم جدتها (شامة)، وكان ـ مثل الحطاب العبدي ـ قد روى حب شامة وعبد السلام وزواجهما. فبدت شامة هنا، وحيث حضرت في الرواية، شخصية تشم القارئ بوشمها، مثل عبدية. ينتأ تقويل الشخصية الروائية فوق احتمالها في هذا الشطر من حياة الشيدي، ليؤدي مقولة الرواية في العلاقة مع الآخر. وسوى ذلك تبدو الرواية متناغمة بنكهتها الحارقة التي قد تكون ساعدت عليها المتناصات من الغناء المغربي. والتوشية بالعامية من دون إثقال، لكن الأهم هو الزمن الحاضر لفضاء الوطن، وبالطبع، الشاوية بخاصة، حيث تفعمنا رائحة الجنة: رائحة الأرض ورائحة دخان الحرائق، وحيث تلك الشخصية الروائية الفاعلة بامتياز: الريح، التي نسبت إليها (عبو الريح) والفرنسيين (جنود الريح). وكما ابتدأت الرواية بالريح الصفراء القادمة من جهة المزامزة وراحت تهب بالأدجنة، ولم تعد ريحاً واحدة، ستختم الرواية، في انتظار الريح الأخرى التي ستقتلع الرداء والأحلام من جذريهما. لقد أومضت (رائحة الجنة) في سبيل الآخر، غير ما عهدنا طويلاً من شأن الرواية العربية مع الفضاء الريفي، وليصحّ ما قالت شامة من اندغام الأزمنة الثلاثة، من الفضاء الريفي إلى فضاء الوطن: "التاريخ: كيف نتذكر الماضي دائماً، وحينما يتعلق الأمر بالجنة والشاوية، نندفع إلى المستقبل؟". 5 ـ محمد الأشعري: جنوب الروح : بموت (الفرسيوي)، وهو أول من استوطن دوّار (بومندرة) تبدأ رواية (جنوب الروح(6)) لمحمد الأشعري، في الصباح الرمضاني الأول. وتتوالى رسوم ذلك الريف المغربي عبر الموت والثأر والأعياد الدينية والأفراح والأتراح والأولياء. وعلى الرغم من استئثار الكبار، فللصغار حصّتهم من ذلك، كما في صلاة الاستسقاء، أو التبرك بالطفل المشوه (إدريس). لكن الرسوم جميعاً تأتي في حراك الهجرة الريفية. فبالهجرة من النقاط المبعثرة إلى الدواوير، نشأت القرى. والثأر كان مسبب هجرة (الفرسيوي) الكبير بأسرته، بعد قتل كبير أسرة القلعي. كما كانت مقاومة الاحتلال الفرنسي مسبباً جديداً للهجرة، فإثر ثورة عبد الكريم الخطابي هاجر إلى السنغال من هاجر. وبعد الاستقلال صار للهجرة وجهة جديدة، إلى أوروبا، فازدهر الريف بما أرسل المهاجرون إلى ذويهم، لكن المدينة (المغربية) اجتذبت القرى المزدهرة، فصارت للهجرة وجهة جديدة، وتقوض الازدهار. وكما ابتدأت الهجرة الريفية بنزوح غامض، نحو نهاية أكثر غموضاً، ورسمت رواية (جنوب الروح) مصائر المهاجرين في الوطن وخارجه، وصولاً إلى عودة (محمد الفرسيوي) إلى (بومندرة) وبقاء ابنه (مزيان) في الرباط وكذلك: عودة (عمار بن سالم الفرسيوي) من ألمانيا، فهل هي إذاً سيرة انقراض المكان التي سيتفقدها (مزيان)؟ لقد توسلت (جنوب الروح) الحلين الروائيين الأليفين: أجيال أسرة الفرسيوي، والمفاصل التاريخية. لكن الرواية تخلصت من مألوف الحلين بكسر استقامة الزمن حيناً، وحيناً بتجسيد الأحداث والتحولات التاريخية في حيوات الأفراد والجماعة: الحب والجوع والجفاف والانتخابات القروية ومعركة وادي الدشر والمجاذيب، ولاسيما: الموت، فروزنامة الرواية هي روزنامة الموت، وأداتها هي الحكاية المتجذرة في التراث السردي، كما يقولها ـ يعيشها محمد الفرسيوي، الشخصية المركزية، على الرغم من كثرة الشخصيات، المعارف منها والنكرات. فهذا الذي اختفى خمس سنين بعيد زواجه، وأشيع موته، عاد إلى (بومندرة) بعد موت أبيه، ليحدث الناس عن أحوال الريف، ثمَّ يجابههم بالحقيقة، فهو لم يكن في الريف، وإنما يخترع ويخرف، مطوّراً ما يعرفونه. ويتحول (محمد الفرسيوي) من راوٍ للأخبار إلى راوٍ للحكاية، فيحكي لزوجته الثانية (فضيلة) سيراً لأولياء ومجانين ومغامرين وعشاق وضحايا وجلادين، ويصوغ شذرات من حيوات مبتدعة، ونتفاً من أحلام واستيهامات، وأحاجي الليل والنهار. ومحمد الفرسيوي اشتغل في هجرته حمالاً وفراناً وبائعاً متجولاً وسمساراً صغيراً... بعدما التقى (سوالف) في عيد المولد، وهام خلف هذه المرأة ـ الطيف مخبولاً، وأدمن حلقات الحكواتية للسيرة الهلالية ولألف ليلة وليلة، ثمَّ تحول إلى حكواتي، فتعثر لأنَّه ابتدأ كالآخرين بحكاية قمر الزمان وولديه الأمجد والأسعد، لكنه انطلق عندما أخذ يروي سيرته كجزء من ألف ليلة وليلة، منذ نشأته حتَّى لقاء (سوالف). وعندما ترك (الحكي) آب إلى (بومندرة)، وأقام مع نورية حتَّى ماتت أمها، فعرضت عليه الزواج، لكنه اختفى تاركاً لابنه (مزيان) دفتراً بضيق بشبكة الأسماء المتقاطعة التي سيلعب بها مزيان، وهو يتقفى سيرة انقراض المكان. لقد افتتحت (جنوب الروح) بمشهد اكتشاف العجوز هموشة لموت (الفرسيوي) الكبير. وسرعان ما يتواتر السرد على إيقاع الموت: (سلام) الذي بلغ مائة وعشرين سنة يسرد من خلال القبور، ثمَّ يموت، وتعقبه زوجته (كنزة). ومثل الموت سيلي الاختفاء، ومنه ـ سوى ما تقدم من اختفاء محمد الفرسيوي في النهاية ـ اختفاء خطيب (يامنة) الفاسي، وهو الحدث الذي سيطلق (يامنة) كشخصية روائية بامتياز، تعزف عن الزواج بعد اختفاء الفاسي، وتصبح حرة، تجلد بلسانها من تشاء، تكلم الرجال بما تشاء، تخلد المقاومة بأشعارها، تفضح البخلاء، لتغدو في المحصلة ضرورة للدوّار، ويتقدم الحب فيه بفضلها، فهي من تبوح إليها النساء بأسرارهن وأوجاعهن، وهي التي تزوّج قبيحة ببيت شعر، لكنها في النهاية تنصرف للتسبيح، وتقضي بميتة عجائبية. وبمثل هذه العجائبية تتغلل شخصية (سوالف) أيضاً، فهي تستولي على (محمد الفرسيوي) طيفاً وحقيقةً. وبفعل ومضتها يندفق بالحكي بعدما أُرتجَ عليه. وبفعل اختفائها يسعى إلى مراكش، فتومض له، ثمَّ تختفي، فيهيم مخبولاً وزاهداً، ويزور قبر ملك الجن، لتكشف المرأة البدينة سره، ويعزف عن النساء، ويطوف ناثراً الحكايا ومتهجداً باسمها، ليلعب أخيراً لعبتها، ويختفي عندما تعرض عليه (نورية) الزواج. هكذا يرسم محمد الأشعري الشاعر الذي استمالته الرواية ـ كما استمالت حسن نجمي وإبراهيم نصر الله وخليل صويلح وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وشوقي بغدادي واللبناني عباس بيضون وسواهم ـ عقوداً من تاريخ الريف المغربي، معتمداً لاسيما على ضمير الغائب، سوى الفصلين الخاصين بمزيان، إذ يرويهما بضمير المتكلم. كما يعتمد الكاتب على الحوار الذي تغلب عليه العامية المغربية، فتؤكد نكهتها، ولكن بقدر ما تقف دون قارئ عربي غير مغربي. ولعل المرء لا يغالي إن رأى في مكنة محمد الأشعري ذلك الاشتغال الانثروبولوجي الذي رآه محمد سليم فيما كتب عن رواية (جنوب الروح(7)). (1) دار الآداب: ط1، بيروت 2003. (2) دار كنعان، دمشق 2002. (3) دار الكنوز الأدبية، ط1 ، بيروت 2002 (4) اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1999 (5) منشورات الرابطة، ط1، الدار البيضاء، 1998 (6) منشورات الرابطة، ط1، الدار البيضاء 1998 (7) مجلة عالم الفكر، الكويت 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |