|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:32 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع الزمن المستعاد روائياً 1 ـ يوسف المحيميد: (فخاخ الرائحة(1)): في محطة الحافلات تدفع المصادفة بالملف الأخضر الذي نسيه صاحبه، إلى يد (طراد) الهارب من المدينة. ومن استعادة طراد لما عاشه، إلى قراءته لما في الملف، تنبني رواية يوسف المحيميد (فخاخ الرائحة) من حكايا الماضي التي يشارك في سردها أيضاً السوداني توفيق العبد. وللرواية إذاً ثلاثة رواة، سيكون نصيب الملف أدناها، بينما تتوزع فصول الرواية على طراد وتوفيق، فينفرد كل منهما ببعضها، ويشتركان في بعضها. وفي أغلب الفصول يتناوب السارد بالضمير الغائب (هو) مع توفيق أو طراد بالضمير المتكلم (أنا) على السرد. ومنذ بداية الرواية ـ غير المعنونة، على العكس من الفصول جميعاً ـ يصب طراد لعنته على المدينة التي لجأ إليها صبياً طائشاً وأعزل، كما يحدثنا السارد. لكن طراد سيبدو شاباً وهو يروي تحت عنوان (سجناء الرمال) ما جعله يفر من الصحراء إلى الرياض، فيتقلب فيها من منافسة العمال الهنود والبنغال في تنظيف السيارات إلى فراش وحارس لبنك وحارس لبوابة قصر ومراسل في الوزارة، حيث يُفتضح سرّ أذنه المقطوعة، ويبلغ ازدراء المدينة لـه قصيّاً، فيلعن البلد الجحيم والمدينة الجحيم، ويقصد المحطة جاهلاً بوجهته الجديدة. وهاهنا تأتي المصادفة التي تقوم عليها الرواية بقدر أقل من الإقناع، إذ يعثر طراد على الملف الأخضر الذي سيقرأ فيه دفتراً من أربعين صفحة، هي مذكرات صاحبه ناصر. كما سيقرأ طراد وثائق ناصر، ويرى صوره. وممّا يقرأ، وممّا تستثير القراءة من الذكريات، سيتكشف ناصر عن ابن طراد الذي أنكره، بعدما رفض ذووه زواجه من تلك المطلقة التي عشقته وعشقها، وحملت منه، لكنه اختفى من عالمها، وتركت هي وليدها في (كرتون موز) لتنهش عينه قطة، قبل أن يُلتقط، ثمَّ تتبناه سيدة من علية المجتمع، ثمَّ تتخلى عنه، ثمَّ... إلى أن يستوفي الملف حياة ناصر الذي سيحضر أخيراً، ويخطف ملفه من يد أبيه، في مصادفة جديدة ومجانية، فالرواية لا تستثمر لقاء الأب وابنه لأول مرة. وبالتالي، لو حذف اللقاء، لما خسرت الرواية شيئاً. على أن الأهم هو ما حققته الرواية من الفرادة في رسم شخصياتها، ولاسيما طراد وتوفيق ونهار، وكذلك في رسم فضائها المترامي بين السودان والرياض والصحراء. وسيكون اتقاد الوصف الوسيلة الفضلى في ذلك، ومنه ما أنسن الطبيعة، من الذئاب إلى النوق إلى شجر العوشز والشفلح والطلح والغضا.. وكذلك يأتي خرف والدة طراد، وجسد معشوقته التي تخلى عنها، وتفريغ حمولة الباخرة (قمر إفريقيا) من البهائم والرقيق... ولئن كانت (الرائحة) تبدو مناط الوصف في الرواية، فهي أيضاً إيقاعها الكبير الذي يتصادى مع ما شرع يتواتر في الرواية العربية (رائحة الأنثى للزاوي أمين ـ في انتظار الحياة لكمال الزغباني ـ الأسلاف لفاضل العزاوي ـ باء مثل بيت مثل بيروت لإيمان حميدان يونس ـ الآرق لرشيد بو جدرة ـ وراق الحب لخليل صويلح..) وهو ما ينادي بقوة رواية باتريك زوسكند (العطر). لقد شكلت الرائحة حياة توفيق وطراد أيما تشكيل. فالأول فيما يروي للثاني تحت عنوان (رحلة العذاب الأبدي)، وحيث يحفّز الثاني السرد بالسؤال، هرب طفلاً من قريته أم هباب وسط السودان، بعدما هربت أمه من سيدها وأحرق (الجلاّبة) القرية. لكن الطفل وقع مع الفارين في فخ الرائحة، فاصطادهم تجار الرقيق، ونقلوهم متنكرين ثياب الإحرام إلى من يشتري في الرياض قبل إعتاق العبيد وتحريم تجارة الرقيق. ولدى (أم الخير) مالكة توفيق، سيُخدَّر ويُخصى، وهاهو يخاطب طراد بعد عشرات السنين: "في المرة الأولى بعت إنسانيتي برائحة شحمة وصرت عبداً، وفي الثانية بعت رجولتي برائحة قطنة وصرت خصياً!! قاتل الله الرائحة كلها، لو لم أملك أنفاً يا طراد، لو أنني فقدت أنفي مثلما أنت فقدت أذنك اليسرى". أمَّا طراد الذي تطيشه رائحة القهوة ورائحة سفود الشاورما ورائحة عوادم السيارات التي ليست "غير رائحة طيور النهار"، فقد نشأ في الصحراء يشم من أميال رائحة الإبل والرجال والذئاب، إلى أن وقع في فخ الرائحة. فهذا الذي كان يحصل لقمته ولقمة أسرته من قطع الطريق، وكانت الذئاب ترعاه من بعد وتحذره في آن ـ كما يروي في فصل (عراك طويل) ـ سيروي في فصل (سجناء الرمال) مصادفته لنهار، وعراكهما، حتَّى الرهق، ثمَّ تآخيهما واشتراكهما في قطع الطريق إلى أن يصادفا قافلة الحجاج التي ستوقع بهما، فيدفنان حتَّى الرأس في الرمل. ولأن طراد خان الشجر والشعبان والخباري والغياض والذئاب منذ آخى نهار، جاء الذئب إلى المدفونين تسبقه رائحته، كأنما شم رائحة آدمية، ونهش رأس نهار وأذن طراد الذي يتساءل: "هل الرائحة الزكية النبيلة الفاتنة، ذات الخيوط الطويلة المتشابكة الدائرة، الشبيهة بخيوط العناكب، هي التي أوقعت هؤلاء كما الذئاب؟ هل الرائحة ذاتها التي تشبه طفلاً يقود هؤلاء كالعميان في ظلام الدروب، هي التي قادت الذئاب العمياء في صمت الصحراء، وهي تقطع درب الشفلّح، تهرول صوب رائحة العرق والخوف؟". كما غررت رائحة الشحم ورائحة المخدر بتوفيق، غررت رائحة الإبل بطراد. والذئب الذي كان "يكنس بخطمه الرائحة الآدمية المنسابة بفتنة فوق الرمل" سيدفع بطراد إلى المدينة، فراراً من الصحراء، بعدما نهش أذنه. وفي الرياض، مثلما كان شذى العطر النسائي النفاذ يفعل في سائق القصر، ستفعل في طراد رائحة معشوقته التي تشبه رائحة الحدائق والزهور الصباحية. هذه (السحرية) التي للرائحة ستتعزز بما لسحر الحكاية بعامة في الرواية. فالرواية التي تنهض كاستعادة لما عاشه طراد وتوفيق، تتقدم حكاية فحكاية، سواء تجزأت الحكاية أم لا. ولا يكاد يخرج من ذلك إلا فصل (وثائق رسمية) الذي يقدم وثائق العثور على اللقيط وتسميته بـ (ناصر) بلغة بيروقراطية تنضاف إلى ما لوّن اللغة الروائية من النزر العامي البدوي أو السوداني. هكذا يحكي توفيق حكاية اعتداء الارتيري عليه، وحكاية (أبو يحي الحلواني)، من شرائه لتوفيق إلى دعوى عثوره على كنوز سليمان أو جالوت أو بني هلال ـ يتساءل توفيق مشيراً إلى تجارة الرقيق: "هل نحن الكنز؟" ـ إلى إعارته توفيق لجاره العطار. وهنا تأتي حكاية خيرية بنت العطار في فصل (شهوة القمر) لتنفح المخيلةُ الشعبية والخرافةُ الحكاية بسحر أكبر، فعلى الرغم من التحذير المتوارث من نشر الملابس ليلة اكتمال القمر، تنشر خيرية ملابسها، ويشمّ ضوء القمر الفضي الرائحة، وتحمل خيرية وتلد البنت التي سينسبها الناس إلى أبيها القمر، لكن توفيق الخصي الذي يخدم خيرية، سيعرف سرها وينطوي عليه، وهو السرّ الذي يماثل سر طراد مع معشوقته وابنهما الذي أنكراه، مثلما يتماثل التشويه بين أذن طراد وعين ابنه ناصر وخصاء توفيق، أو مثلما يتماثل فعل المخيلة الشعبية والخرافة في حكاية خيرية، معه في حكاية اختفاء (سياف) شقيق طراد الأكبر الذي اختطفه جنية وتزوجته وبات أعظم ملوك الأرض... تبدو الحكاية حاجة روحية مسيسة لتوفيق وطراد. وربما لذلك يخاطب الأول والثاني: "ولنضيء ليل الرياض النائمة كعجوز بدينة بالحكايا والحزن الطويل".. ولأن الرواية قائمة بالاستعادة ـ الحكاية، اتكأ لعبها بالزمن، تقديماً وتأخيراُ، على مثل هذه البداية من حكاية إلى حكاية: "ذات ليل ـ ذات صيف ـ ذات عصر ـ بعد سنوات.." وعندما تستوفى الحكايا أخيراً، ويخطف ناصر الملف الأخضر من يد أبيه، يمور في القراءة ـ على الرغم من فجاجة المصادفة ـ وجع شفيف ملء دهشة اكتشاف ذلك الفضاء الصحراوي والسوداني والمديني، الذي عجن توفيق من الرق إلى العتق، كما عجن طراد من البداوة إلى المدنية، وحيث بدا أن العبد ظل عبداً، وهو يحمل ورقة حريته، ضالاً في الشوارع، لا يملك قوتاً ولا يعرف صنعة، وليس لـه ما ينافس به في سوق العمل ذلك الوجه اللبناني النظيف أو البنغالي الذي يعمل بأجر أرخص فأرخص، كما بدا البدوي ابن البراري والقبائل الحرة قد غدا مسخرة من حوله حتَّى لم يعد يطيق صبراً، فقصد محطة الحافلات، ولكن إلى أين، بعدما صادف الملف الأخضر في بداية الرواية، وصاحب الملف ابنه في نهايتها؟ 2 ـ محمد أبو معتوق: جبل الهتافات الحزين(2): من النادر أن يصادف المرء رواية عربية ساخرة. وقد يكون ذلك وحده كافياً لدراسة مثل هذه الرواية، (جبل الهتافات الحزين) لمحمد أبو معتوق ولكن بعد أن نبين أن المعنيّ ليس الرواية التي يكون للسخرية فيها نصيب. ولعل ضرب المثل برواية إميل حبيبي (الوقائع الغربية) أن يبين المقصود. فمن هذه الرواية ومن جملة الكتابة الروائية لإميل حبيبي، يمكن للمرء أن يبلور علامات كبرى للرواية الساخرة. وإذا كان ذلك في حضورٍ لما قيل في السخرية والأديب الساخر بعامة، وأقربه وربما أهمه كتاب بو علي ياسين (بيان الحد بن الهزل والجد ـ دراسة في أدب النكتة)، فيمكن للمرء أن يعدد من تلك العلامات: كتابة الواقع الساخر، وليس وقع الساخر، تماماً كما اقترح يوسف المحمود للقصة القصيرة الساخرة، كذلك: الاشتغال على المبالغة والتورية والغرائبية من بين مقومات الساتير، والاشتغال على تبادل الأدوار بين النقائض، والقياس على الخطأ، واستغراب المألوف، وتداخل العوالم، والمفارقة اللغوية، والمقلب، والمواربة، ما رسم بو علي ياسين من بنية وتفانين النكتة. وقد يشدد بعضهم على أن يكون ذلك كله في فضاء الهامش والمدنس. وبناء على ذلك تقبل القراءة على رواية محمد أبو معتوق (جبل الهتافات الحزين) كرواية ساخرة بامتياز، فكيف تحقق لها ذلك؟ تتمحور هذه الرواية حول حامد الطروقي الذي غلب عليه لقبه (عجروم). وتتابعه الرواية من طفولته إلى شبابه في مدينة حلب، بين منتصف الأربعينيات ونهاية الخمسينيات من القرن العشرين. وتقوم السخرية في هذه الرواية أساساً بتكوين المحورية، وبالزبالة. فلعجروم علاقة معرفة واكتشاف حميمة بالزبالة. والزبالة لـه عالم متكامل غني ومعقد وآيل للسقوط وحافل بالإشارات الغامضة إلى ماض قريب، وهي خلاصة من خلاصات الوصول إلى المجد والسلطان، أمَّا عود عجروم الذي ينكش به جبل الزبالة فهو بمنزلة عصا الجنرال أو عصا المايسترو. وسيغدو جبل الزبالة مقام عجروم بعد طرد والده له، ومفجر وشاهد تحولاته، وفضاء أحداث كبرى، شخصية وعامة. كما تعلن الرواية أن هذا الجبل هو السرّة التي تربط حياة حي التضامن بالمدينة. موقّعةً ومنوعةً على لازمتها الكبرى "في الليل العميق والظلمة العميقة". وتربط عجروم أيضاً بالماعز علاقة ود ومصارحة، فالماعز يحب الزبالة، وصريح حد التهتك. فمن بين الحيوانات العجماء والناطقة، هو وحده الذي لا يخفي عورة. ولقد شهد جبل الزبالة علاقة الفتى عجروم بالراعية علياء، والغزل أو الاتصال بالعض الذي سيغدو لغة عجروم العاطفية مع بنات خالته الثلاث، بعدما ينتقل مقامه من الجبل إلى بيت الخالة. كما سيغدو العض والخلط بين المعضوضات وباءً اجتماعياً، ما سيقسم المدينة ويذر قرن الخلافات والانقلابات. هكذا يصبح (العض الغامض) ناظماً لعلاقات الناس، ويطلق شعارات الحزب الشعبي فيها: (القوة ـ المواجهة ـ التضامن) فيخلط سورية بالعراق والأردن عبر الدعوات الشهيرة التي دوّت في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن العشرين. هكذا توحد السخرية بين الشخصي والعام، بين الحب والسياسة، فعجروم الذي يقع في هوى (هدى) بنت السياسي والملاك (الوزان)، يخاطب جبل الزبالة: "أيها التخمر البطيء الذي يكوّن الصداقة، كيف يتكون الحب المفاجئ؟ أيتها العلاقة التي توحد بين النفايات الرخيصة والنفايات العظيمة، من يوحدني بها (بهدى)؟". على مستوى آخر، وإثر الانقلاب العسكري الذي جاء باتفاقية التابلاين إلى سورية، تقلّب السخرية الروائية المواجع بين تمديد المجارير في الحي الشعبي وبين أنابيب النفط والكهرباء والرجولة، وما ابتدعت الرواية من وزارة للفحم والأنابيب. فالمجارير نشرت الذباب، ما دفع بالمواطنين، بعد أن أعياهم اللطش والكش والذب، إلى أن يطلب الواحد من رفيقه أن يصفعه كلّما رآه، عوضاً عن التسليم عليه ومصافحته، فكانت الصفعة تسقط مائة ذبابة وأكثر من على وجه الصديق. وكما اشتغلت روايات جمّة خلال فترة الانقلابات العسكرية التي عصفت في سورية أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي، تشتغل رواية (جبل الهتافات الحزين). ولئن كانت هذه الرواية قد سمّت قادة الانقلابات (حسني الزعيم ـ سامي الحناوي ـ الشيشكلي)، فقد تلاعبت بأسماء الأحزاب فالحزب الوطني (الشامي أساساً) سُمّي: حزب الوطن، وحزب الشعب (الحلبي أساساً) سُمّي: الحزب الشعبي، وحزب البعث سُمّي: حزب القلعة، والحزب الشيوعي سُمّي: الحزب الأممي، والإخوان المسلمون سمتهم الرواية الحزب الديني. وتنادي هذه المواربة والتورية التعيين الروائي الذي يبتدع من تاريخ وجغرافية سورية تاريخه وجغرافيته، فتلجأ الرواية إلى التناص، وتثبت نص البلاغ رقم واحد للانقلاب الأول، فيبدو تبديل أسماء الأحزاب من السذاجة بمكان، لا تنفع فيها تقية ولا تفي بحق السخرية. وينتأ هنا بخاصة الحرص على الموازاة بين كل انقلاب وبين حدث ما في الحياة الشخصية لعجروم، وهو عمدة (الوزان) في الانتخابات، مع أنه طالب من الإعدادي إلى الثانوي! هاهنا بدا عجروم مسخراً لأداء المسرودية التاريخية بالأسلوبية الساخرة. لكن عجروم ظل ـ في المحصلة ـ شخصية روائية ثرية ومعقدة وديناميكية، بفضل ما وفرت له الرواية في نشأته وتطوره وعلاقاته. ولعل ذلك قد كان كافياً لتقدم الرواية قراءتها التاريخية من دون نتوءات التناص أو اللاتعيين أو تحميل عجروم ما لا يحتمل. وربما كان ذلك بالتالي أوفى للدلالة الروائية على نزع التمجيد عن تلك الفترة من تاريخ سورية، والهزء برموزها السياسية والاقتصادية والسخرية منهم. تنطوي الكاريكاتيرية التي تظهر بها شخصية عجروم مثل أغلب شخصيات الرواية (القبضاي أبو الحسنين ـ خليل الأعرج..) على نبض إنساني حار. وتحشد الرواية من العام والخاص ما يؤهب لتطور الشخصية الروائية. على أن الرواية لا تخلو ممّا يثقل على ذلك أو على فنيتها بعامة، كالحرص على شرح دلالات جبل الزبالة، أو كتوسل الأقواس التي تعترض السرد بإضافة ما، حيث تبدو الاعتراضات مجانية غالباً، ويبدو حذف الأقواس أوفى لانتظام السرد. وما أثقل على الرواية ذلك الحرص على إحالة قلعة حلب إلى رمز، وهو ما سبق إليه وليد إخلاصي ـ الحلبي مثل أبو معتوق ـ منذ عقود في رواية (أحضان السيدة الجميلة). فطالب الثانوي عجروم يمضي إلى القلعة ويحكي لها طويلاً عن محبته، ويطلب منها أن تكون ملهمته، لكن القلعة لا تستجيب. وعجروم يربط بين القلعة وبين الحبيبة هدى الوزان، فيصدم عاشقها وصديقه خليل الأعرج، ويلوي خليل عن عجروم لأنَّ الأخير يحب ابنة الوزان كما يحب القلعة. وأستاذ الجغرافيا يصيح بعجروم: القلعة هي المعرفة، والقلعة هي الناس. وهذا الأستاذ يسمي مؤجرته العجوز بأم القلعة، ويهجوها بمفردات القلعة: حبس الدم والسور التالف وخندق الأحزان... على أن السخرية لا توفر هذا الترميز المتعالي، فعجروم يهتف: عاشت القلعة ولتسقط الأنابيب ـ أنابيب النفط ـ ويهتف: الحياة للقلعة وفلسطين وإسكندرون. بالمقابل جاءت أنسنة الماعز تعبيراً ساخراً حاراً، ومثله جاءت أنسنة بغلة القبضاي (المصون) أبي الحسنين، وانكسار القبضاي نفسه بعد زواجه من عدوية، وقبل ذلك علاقته بالعاهرة فطوم. والحق أنه على الرغم من التعرجات الفنية السابقة، ومثلها ما تناثر من أخطاء لغوية (ص 5 ـ 158 ـ 466...)، فإن (جبل الهتافات الحزين) تتقدم كرواية للزمن المستعاد ومأساوية حد السخرية، ورواية ساخرة حد الهجاء والبكاء. ولا تخفى إفادة كاتبها في حواراتها من عهده بالكتابة المسرحية، كما تنمّ عن خبرة عميقة في الحياة الشعبية، وتحفل بالدلالات التي تخاطب يومنا وغدنا، إذ لا نعدم ولن نعدم من يرتطم مثل عجروم بجثة الاستعمار، فيظهر لديه ميل للتأمل، أو من تغير لـه الشرطة خارطة وجهه فيما خارطة الوطن تتغير من إسكندرون إلى فلسطين إلى... إلى سائر ما يدغم الرواية والسخرية في نسيج حياتنا وتاريخنا. 3 ـ محمد هاشم: ملاعب مفتوحة(3): باللمسة المبدعة التي تكشف المجهول في المعروف جداً وجيداً، تتقرى رواية محمد هاشم (ملاعب مفتوحة) خراب الحاضر على إيقاع خراب العقود الخمسة الماضية، أي عبر حياة الراوي الذي يقدم الرواية. بالتناوب بين ضميري المتكلم والمخاطب، حيث تقوى الغواية بالسيرية، وحيث تبدو المادة الروائية رقيقة ومعقدة ورجراجة معاً، لكنها تسري في القراءة سرياناً محموماً بما توفر لكتابتها من الحساسية ومن الذكاء. أمَّا الحاضر فعنوانه اليأس والانكفاء الذي يتوّج حياة الراوي مصطفى، المولود إبّان اعتقال الشيوعيين المصريين في عهد عبد الناصر، لتبدأ معارك الطفولة وتتواصل حتَّى يبلغ مصطفى معارك الحاضر. وللمعارك جميعاً ذلك السبب: البقاء "رغم وجود مبرر كاف قديماً، تزايد ليصل حديثاً إلى الإيمان العميق جداً بعدم وجود مبررات أصلاً للوجود قديماً وحديثاً". يسترجع مصطفى ما عاش عشية الاحتلال الأمريكي للعراق. بينما تأتي مزاوجة الحاضر بالماضي مع اقتراب الرواية من النهاية ـ بالإضافة إلى ومضات سابقة ـ فالاسترجاع النابض بالحنين والأسى هو ما تبدأ به الرواية وتمضي، ولكن غير راثية ولا مصنّمة، بل متوسلة السخرية وهي تحاول إحياء الرميم من فضاء موطن الطفولة (طنطا) بذاكرة دقيقة ستجعل الرواية تعجّ بالأحداث والحكايا والشخصيات والمسميات. فالجمهورية المصرية الأولى التي ولد فيها مصطفى هي جمهورية عبد الحليم حافظ الذي كان يغني لأواخر الخمسينيات الناصرية من القرن الماضي (على راس بستان الاشتراكية / بنغني غنوة فرايحية). هاهنا جاء الاسكندراني الحاج شوقي إلى طنطا ليقيم مصنعه "استجابة لنداءات ساذجة مثل التمصير والصناعة الوطنية". ثمَّ جاءت الجمهورية الثانية بموت أولاد الحاج الثلاثة، بينما يعلن أحمد عدوية سلطة السحّ الدحّ أمبو، ونجوى فؤاد ترقص لنيكسون وكيسنجر. وإذ يتنازع باقي أولاد الحاج على (المسكن) المتوقف وعلى ملكية الأرض الخراب (فشل الإصلاح الزراعي والتصنيع) ويتيهون في الأسواق (فشل الانفتاح) بعد إعلان السادات نعيم البزنس والتخلص من صداع الحرب ونكد فلسطين؛ بذلك تأتي الجمهورية الثالثة التي تبلغ ذلك "العجين السياسي الخاص بابن الرئيس القاعد على الكرسي من سنة 1981". في هذا (التاريخ) الروائي يسيح الاتحاد الاشتراكي "كقطعة ثلج تحولت لماء، سرعان ما تتبخر، وتحولت الاشتراكية إياها وأي اشتراكية أخرى حتَّى قومية الطراز أو المستوردة ـ قبل زمن الفراخ الفاسدة وزمن يوسف عبد الرحمن ورؤسائه والمبيدات القاتلة وأثنائهما معاً، إلى كلمة تجلب لقائلها غضب الحكومة وسخرية الجمهور إياه الذي انتظر وغيره أن تلعب البيله وتسلك المسالك...". ومن ذلك العهد الذي فرض على لويس عوض في سجنه أن يحمل جردل الغائط، من عهد الكبار الذين يقسمون بالمنجزات القومية على ذبحٍ أي معترض على استكمال المسيرة الثورية، طلع ماكي ومسعود من رفاق صبا مصطفى، وتعاوناً زمنا على مساعدة الحجاج في التخفيف من ثقل النقود المربوطة حول الخصور تحت ملابس الإحرام. أمَّا الآن فقد بات ذلك النشال ماكي صاحب وكالة "المدينة المنورة لتجارة السيارات". وهاهو المعلم الدسوقي الذي تبدأ الرواية بموته وموت زوجتيه يؤثر في الاقتصاد الوطني من خلال جهوده الخلاقة في تهريب دقيق المخابز وبيعه خارج التسعيرة "إضافة لثقافته القانونية الواسعة التي ساهمت في إنقاذه من قضايا التموين". وليست السخرية وقفاً على هذا (التاريخ) الروائي، بل هي ترسم الشخصيات والعلاقات. ففي ملعب الطفولة حيث يتسيد مصطفى وسيد ابن المعلم الدسوقي، يقوم السباب البريء، ويتسلحان بالزلط لممارسة البراءة "وطرد الهكسوس من الملعب، إذا فشلت مفاوضات إدماجنا في الفريقين أو في الحوار البريء المتواصل". ومثل ذلك كثير سيجعل من النكرات الروائية ـ الشخصيات الروائية المتكاثرة والعابرة، معارف بامتياز، مثل زهرة وعنايات زوجتي الدسوقي، أو عم عبد الرزاق القهوجي أو الدكتور حمدي أو ربعة الجزمجي أو الشيخ كوته... خرج مصطفى من طنطا عام 1968 إثر قتل أبيه لزغلول، وهو الحدث المفصلي الذي يومض مراراً قبل أن ينجلي في نهاية الرواية. وقد كان مصطفى يعود إلى مرتع الذكريات من حين إلى حين، أمَّا العودة الحاسمة التي تقوم بها الرواية فتأتي عام 2003 وهو يتخيل زغلول ويفتش في طنطا عن ظلال ما في ملعب المعركة الحاسمة الأولى. ولأن البيوت تغيرت "وتسرب الجميع تدريجياً بين الموت والرحيل فأنت تحاول الآن استعادة كيفية خروجك من هناك وسط الصليل والقعقعة". ولئن كان الاسترجاع يفور بالشخصيات والأحداث والأمكنة في بداية الرواية، فستلي هذا هدأة لما هو أكبر أثراً، وفي رأس ذلك تأتي نرجس التي انتحرت، فكان لها في روح مصطفى ملعبها المفتوح. وببلوغ الرواية أخيراً حاضر مصطفى تصير روحه ملاعب مفتوحة، فيخاطب نفسه على إيقاع سقوط بغداد: "عد همجياً كما كنت صغيراً، حيث الناس أطيب وإن قتلوا. سلّمْ الكتب للهواء أو النار أو بائع الروبابيكا، هاأنت الآن بين خيارين أحلاهما مر. قاتل أو قتيل في ملاعب مفتوحة، ليس للعب فيها قواعد". لقد صار مصطفى كاتباً يعيش من تدبيج عروض الكتب والندوات في مجلات الخليج التي تغلق تدريجياً ـ كما نقرأ ـ وينوء تحت وطأة الزواج واللقمة، فيقوده شيك وقعه بلا رصيد إلى السجن، ويهتف بشعار الحاضر: "أخي المواطن ضع يدك في جيب المواطن" وجيب المؤمن لأخيه المؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً لمحلات الكباب (الشو SHO) البلدي في الحسين". ويبلغ اليأس بمصطفى أن يتحاشى النظر لوجوه الخلق جميعاً، وأن يؤثر النظر للشارع في المطلق. إنها سيرة مصطفى وجيله التي ترسم عالماً من الخرائب والفوضى. وهذا العالم الروائي هو بامتياز عالم الخرائب والفوضى، ولكن بعد أن يكون لـه بالكتابة نظامه، أي تقوم الرواية بفنها، ويكون لها ـ كما عنون محمد هاشم روايته ـ ملاعبها المفتوحة، وهي الملاعب ـ الرواية التي لم يشغل نفسه محمد هاشم بتزويقها الحداثي، بل ترك الشخصية المحورية (الراوي مصطفى) مثل الشخصيات ـ المعارف ـ النكرات تتشكل بالحب والعنف والمكر والتمرد واللامبالاة والحسد، لكأن الشيطان هو سيد هذا الفضاء في الجسد والسياسة والاجتماع. وفي الآن نفسه، لكأن القيم النبيلة الضائعة تؤكد وجودها وسط ذلك كله وبرغم ذلك كله. 4 ـ الحبيب السالمي: عشاق بيّهّ لحظة الوقوف على حافة القبر، تقدم رواية (عشاق بيّه(4)) أربعة عجائز يقتربون من الثمانين في ركن منسيّ من الريف التونسي، وفي زمن لا يحدده إلا إدبار عهد الفرنسيين والاستعمار، وإن يكن بوسع المرء أن يخمّن زمن الاستقلال كزمن روائي في خمسينيات القرن الماضي، وما دامت الرواية تخلو من أية إشارة إلى ما تلا ذلك في العقود الأربعة الماضية. ولئن وشى ذلك بأولوية الشخصية في (عشاق بيّه)، فسرعان ما ستؤكد الرواية بصمت رهيف أولوية الزمن وأولوية المكان اللذين عجنتهما الشخصية وانعجنا بها، مثلما ستؤكد الرواية ذلك كله بسردها المتفرد في عريه وصمته ـ هل يفسح النقد لمثل هذا التعبير؟ تبدأ الرواية بالحركة شبه الوحيدة، والتي تنظم عيش العجائز الأربعة، كما تنظم السرد. فتحت (زيتونة الكلب) يجتمع البرني والمكي ومحمود الصبايحي والطيب. وكما في نهاية الرواية، هي ذي في فاتحتها الرواية ساعة البرني الذهبية الألمانية، تطلق القول على وجهيه: الظاهر الذي يحرك الذكريات ويمتلئ بمشاحنات أصدقاء العمر، والباطن الذي يؤكد أن الزمن هو البداية والنهاية لأولاء المتطوحين على حافة القبر، مثله مثل زيتونة الكلب. بتكليف من الحكومة، كان والد الرني من يردع زرّاع حشيشة التكروري، وهو من جاء بأول ساعة إلى دوّار العلا وكل الدواوير، وأورثها لابنه الخبير بتجارة الغنم، وصاحب اللسان الذي يغزل على الحرير كما يقول محبوه، والمنبهر كغيره بقوة الألمان. ولقد حفظ البرني القرآن، وسافر وخالط العلماء ـ رجال الدين، ويسّر لمحمود الصبايحي الزواج من خدوج ـ شقيقته المتوفاة. وإذا كان الصبايحي مهووساً بالدقة والنظافة، ويكابد السل وسعاله، فالطيب الذي يصفه البرني الأعمى، هو من يقلل من شأن الساعة، فتثور ثائرة البرني، فيما رابعهم وأصغرهم المكي الذي ينادونه بالفرخ، يزدرد في انطوائيته متعة المشاحنة ـ الحوار، حتَّى يهتف بهم محمود مباغتاً بالدعوة إلى الوضوء والصلاة. لن تذكر الساعة بعد هذه البداية حتَّى تختم الرواية بموت محمود وحزن صحبه عليه، وقدومهم بعد دفنه إلى الزيتونة، حيث يتشاحنون بشأنه، ثمَّ يخرج البرني ساعته، ويتأملها طويلاً، ولا يعاكسه الطيب. والبرني الآن هو من سينادي إلى الوضوء والصلاة، لنودعهم أخيراً وهم "يركعون ويسجدون. وبين حين وآخر ترتفع أصواتهم للتكبير في تنافر لذيذ. والخلاء من حولهم يصغي". بين هذه النهاية وتلك البداية تتوالى لقاءاتهم التي اعتادوها منذ أعوام عقب الغداء والقيلولة، إذ يحملون أباريقهم ويمضون إلى زيتونة الكلب حتَّى المغيب، ولا ينقض ديدنهم مطر ولا حر ولا جنازة ولا عيد ولا مناسبة. وقد يلعبون لعبة الخربقة, و يفيدون من صندوق الصبايحي (المقصات وماكينة الحلاقة...) ويتقلبون مع ناظمهم الآخر للوقت وهو ظل الزيتونة "يحكون صدورهم وظهورهم باستمتاع واضح. ينظفون أسنانهم وآذانهم بما يعثرون عليه من أعواد. يقلمون أظافرهم ويعالجون ثآليلهم وبثورهم ودمّلهم. يذرون الرمل الساخن على وجوههم المفتوحة بعد أن ينظفوها من كل ما تجمّع فيها من قيح ودم فاسد". بمثل هذه اللغة التي تناجز الماضي ـ الشيخوخة بفعل المضارع، يقيم السرد فصلاً من الرواية ففصلاً، كما يقيم الحوار فصلاً، مشبعاً بخصوصية كل شخصية، كأن يرمي المكي (المثقف) فيهم: البرني، بأسئلة الموت والقيامة والجحيم، فتربك الأسئلة دخيلة البرني. وستقلق مثل هذه الأسئلة سريرة محمود الصبايحي فيما برد الشتاء يلفحه بالموت، مثل قطرات الدم التي يقذفها سعاله. وإذ ينتصر محمود على الشتاء سنراه يصرّ على الانفراد تحت الزيتونة، والظلام يلفعه، ونقرأ: "كان يشعر بأن ثمَّة ما يشده إلى زيتونة الكلب كما لم يشده أبداً من قبل، منذ أن صار يتردد إلى المكان. إحساس غريب لا يدري كيف يصفه، إذ إنه خليط من الكآبة والانتشاء والخفة والتخلص من عبء ما". من قبل، ومع مخاتلة الموت للقاء الأصدقاء كل حين، ومع مخاتلة الذكريات، تنهض الرواية على ما يتعلّق بالأرملة (بيّه) التي صارت تُنادى (الهجّالة). وأول ذلك هو حضور شقيقها العيدي إلى الزيتونة شاكياً دعوى مراودة محمود لها، ما شاع في الدوار. وسيكون تحقيق الآخرين الذي يقوده البرني حتَّى يقاطعهم نداء الصلاة. ثمَّ ستكون رواية الصبايحي لنجدته (بيّه)، مكذّباً ما روت عن اعتدائه عليها. وسيكون أيضاً تحقيق البرني مع محمود، بمعزل عن الآخرين. فالبرني لم يكف يوماً عن اشتهاء (بيّه) في سره، منذ رآها في الخلاء عارية. وهو، وإن كان يعرف أن نفسه (ماتت) منذ زمن بعيد، لكن قلبه يلهف بذلك الشيء "الذي هو هبة ونعمة من عند ربي"، ولذلك يثير غيرته من أن يصدق ادعاء الهجالة، ويكون محمود قد تمكن منها، كما يعزيه أن محمود ـ في هذه السن ـ لن يقدر على ذلك. وهاهنا يحضر علي ابن المكي من مهجره الألماني فيخضّ العصابة كما يخضّ الدوار. فعلّي الذي ملّ الروميات "مملتُ اللحم الأبيض البارد.. أريد لحماً حاراً" يتزوج (بيّه). ومن مناوشات العجائز بالعمل المعيب الذي كان لعلي قبل الهجرة (ممرض مخدِّر) إلى شائعات طلاقه وزواجه وما جاء به لأبيه ووعده لـه بالحج، إلى ما يفجره حضوره من ذكريات محمود عن الألمان، وما يفجره عرسه من ذكريات محمود عن عرسه هو، ستشغل (بيّه) الجميع. وسيشعر البرني بقليل من الحقد على ذلك الذي ظهر فجأة ليفسد الأمور، ويحدث خللاً في نظام الدوار، كما سينفجر هذيان الطيب أمام صحبه عن الهجّالة، فهو الآخر عاشق لها في سره. وإذا كان سيبدو نادماً على ما هذى به، في خلوته مع البرني، فالأخير سيحلم بالهجالة تحت الزيتونة، ولكن زوجته لن تلبث أن تملأ الحلم، حتَّى إذا مضت (بيّه) مع علي إلى ألمانيا، رانت الذكريات على الفصول التالية، من المكي وأصطحابه لابنه علي، إلى سرقة الزيتون والأرانب والدجاج، فسرقته الحمير من دون ابنه، وبصحبة الطيب. ولأنه لابدَّ من حكاية ما، فالبرني يلح على الطيب أن يحكي حكاية حانوت القمار، والطيب الذي لا يجيد حكي الحكاية، يحاول أن تكون هذه المرة أجمل من أية مرة سابقة. لا يغفر البرني لبيّه زواجها من آخر "كأنه كان لابدَّ أن تظل أرملة إلى الأبد. منذ أن شاءت الصدفة أن يراها عارية. كأنه كان ينبغي أن تبقى له وحده رغم بعدها". وكما في حضورها، ستشغل بيّه عاشقها في غيابها، فالعيدي يأتي العجائز برسالة منها تشكو فيها الزوج الذي تكشّف عن لصّ. وإذا كان البرني يخشى الدفاع عن بيّه كيلا يثير شكوك المكي القديمة، فهو يتشفّى من ابن المكي، ويحار الآخرون الذين يخشون جرأته وصراحته، في صمته. يتفق العجائز على كتابة رسالة إلى عليّ ليبدل سلوكه مع بيّه. وعندما يخبرهم العيدي بشكواه لدى الحاكم على عليّ، تبدأ بيّه تتحول إلى امرأة عارية بالنسبة للبرني، وذلك يذكره بالموت وانطفاء الرغبة، ويغمره الإحساس العميق باللامبالاة، وبهدأة الروح والجسد وقد استعاد توازنهما المفقود، بينما نرى الطيب يبالغ فيما يحسب أنه ينتظر ابن المكي عند الألمان من سوء، لكأنما ينتقم بذلك لعشقه ولمعشوقته وينجدها، ويعاقب زوجها. وربما تراءى بعد كل ذلك أن بطولة الرواية تنعقد لهذه المرأة التي لا يحضر في الرواية من الجيل الأصغر فالأصغر سواها وزوجها وشقيقها. بيد أن عشق الطيب والبرني لبيّه، وانعقاد فصول جمّة عليها، يظل محكوماً بلحظة العجائز الأربعة على حافة القبر، وبالتالي: بالزمن، والذكريات، والموت، وبزيتونة الكلب التي ترمّز كل ذلك. فهي المكان السري المقدس والغامض كما يراها العيدي، والتجويف الهائل في جذعها هو القبر المائل دوماً لمحمود، وللجميع هي ذلك الكائن اللازمني الذي تستمر الحياة فيه بإيقاعها السري. 5 ـ ميرال الطحاوي: نقرات الظباء : تنقش ميرال الطحاوي في رواية (نقرات الظباء(5)) شاهدة القبر على ذلك العالم البدوي، وعلى النسوي منه بخاصة. ولعل ذلك يفسر تصدير الكاتبة لروايتها بهذه الشذرة الكاوية "على صدري حطّيت شهايد / بلا موت يا عَلَمْ. ولعل ذلك يضيء أيضاً وأولاً لعبة الرواية في انبثاق عالمها من هذه الصورة أو تلك، ما بقي من العالم الدائل معلقاً على الجدران، ومنداحاً في الشفوي (الحكاية والغناء) وفي الأثر، لتبدو الرواية في جملتها حفراً في الروح والجسد والطبيعة والثقافة، حيث تغدو الكلمة مسباراً أو فرشاة أو كاشطاً ما يتوسل الأركيولوجي، وحيث تقوم لعبة الرواية على الحساسية البالغة، والحذر، والبحث، وبنبضها الإنساني الحار، سواء كان خافتاً، أو صاخباً، وسواء قامت في الرواية الوشاية بالسيرة أو لا. هكذا تبدأ (نقرات الظباء) ممّا في الإطار من صورة هند أو انشراح أو سقاوة أو سهلة، وما هو خارج الإطار. وإذا كانت الصورة الأولى تطلق قصص من فيها وتشبكها حدّ التيه، فإن ذلك سيهدأ رويداً، وباطّراد مع انفراد أحدهم أو إحداهن. بصورة تالية، وبالتالي بقصة واحدة في فصل واحد، تضيء ما تقدم ـ وما سيلي ـ وتضيف إليه. ومنذ البداية تلوح الرواية بما لعله مفتاحها الأكبر، ما يتصل بالعنوان (نقرات الظباء). فهند التي أدخلوها بيتاً طينياً وسدوا منافذه حتَّى ماتت، تحكي حكاية السهى ـ الظبية التي ركضت في السماء. ولأنها تركت وليداً صغيراً على الرمال، لا يعرف كيف يهرب من صياده، تركت له نقراتها المضيئة نجوماً تتنبأ بمواضع الخطر. كذلك هي الجدة النجدية التي تأتي إلى الرواية من خارج إطار الصورة، والتي تتخيل يوميات ـ أسرار هند في الكشكول، ما لم يعرفه أحد، فهذه النجدية تراقب من فتحة السقف نقرات الظباء وهي ترحل: نجمات قليلة متناثرة تركض في السماء. من هذا المفتاح ـ العنوان تأتي كبرى إشارات الرواية إلى الطبيعة والأسطورة والمصائر التراجيدية الفردية والجماعية. وهذا ما سيتوالى في رسم الفضاء البدوي والمدني، بينما تتقلب به عقود القرن العشرين، من العهد التركي والإنجليزي والملكي إلى عهد جمال عبد الناصر والإصلاح الزراعي، وحيث يتصادم التاريخ بالسيري والتخيلي، وتتلاطم القبلية وأنساب البشر والخيول، وتنمّ الرواية عن مكنة مذهلة من مفرداتها في الجوارح والخيل والصيد والغناء والحياة اليومية. وسيأتي الكثير من الرواية فيما تنقل الراوية بضمير المتكلم عنها وعن أبيها وأمها وجداتها وأجدادها، لكن الكثير أيضاً سيحمله الضمير الثالث ـ الغائب. ومن جملة ذلك سينهض الفضاء بين إقطاع البدو، وخليج منازع وعبيدهم والخيام والجبل الأخضر ومصيف مطروح والقاهرة ومهاوي القنص التي تترامى حتَّى كندا وأستراليا، ومواطن العلم حتَّى فرنسا وأمريكا و.. وسيمور هذا الفضاء بحيوات الجد الكبير محجوب والجد منازع والعبد سهم ولملوم الباشا الباسل وابنته سهلة التي سيتزوجها والد الراوية.. ومن النساء: العمة مزنة وسقاوة التي أتى عليها الصداع والتشنجات، وانشراح التي فقدت ذاكرتها منذ نجت بالذهب من العسكر الذين جاؤوا لتطبيق قرارات الإصلاح الزراعي وتشتيت الملكيات الكبرى المترجرجة بين البداوة والفلاحة والترحال والاستقرار. لكل من هاته الأسماء والأحداث، ولسواها، قصته التي تقدمها رواية (نقرات الظباء) مفردة أو مجزأة، لتبدو متناسلة من سواها، أو أصلاً لسواها، ومتقاطعة مع سواها. وإذا كانت الصور منطلق القصّ، فللرواية أيضاً صندوقها، كما يليق بالقص الشعبي والشفوي الذي يغالب البهوت المألوف عندما يغدو مكتوباً في رواية، وحيث امتحان الأكزوتيكية الذي تتحول معه الرواية، فيما هو غالب، إلى معرض للعجائبي والغرائبي، وإلى تلمذة غير نجيبة للواقعية السحرية، وإلى غواية ـ استخذاء أمام بريق الترجمة والعالمية. لكن ميرال الطحاوي تدير ظهراً لذلك. ولعلها من أجل ذلك عددت اللعب الروائي. فهند نفسها ما فتئت تعود إلى العالم الذي خنقها، صبية صغيرة بضفائر، ولكن في هيئة قطة، لتتواصل قصتها، ويشتبك عرسها باستقالتها من الحياة، بجنونها، بلوحات بيير كام الذي يسمّي نفسه سليمان، ويعدد اللعب الروائي منذ أن أخذه العالم البدوي إليه، وراح يرسم عبيد هرر أو هنداً عارية أو مهرات مستكينة، لإحداها عينا هند. ومثل لوحاته يمتلئ صندوقه بمذكراته وحفرياته، ليكون ذلك التصادي مع رواية (خارجة الحب) لأهداف سويف في لعبة الصندوق، ومع ثلاثية إدوار الخراط في الحفريات. لكن أي لعب في رواية (نقرات الظباء) يبدأ من، وينتهي إلى لعبة الصور. ففي ختام قصة ـ فصل انشراح، يأتي طرف الخيط في يدها صوراً غائمة "تحاول استكمال تفاصيلها، وكأن ثمَّة طريقاً عليها أن تتعقبه، ومصيراً مماثلاً مجبرة على تكراره. كانت هند تأتيها كثيراً، تحدثها أن تغلق ذلك الصندوق، لكنها كانت مصرة". وإذا كان إطار الصورة ـ إطارات الصور ـ المذهّب قد أصبح بلون الرمال باهتاً، فلأن الزمن فعل فعله في الأصل، وصارت الصور "مجرد أشياء تعسة تحتاج إلى الكثير من الترميم، مثل الحمامات التي تخرج منها صراصير وأسراب نمل، أثاث عليه بقايا سنوات كثيرة أتعبته". وهذا هو المآل إذاً: موت ذلك العالم، ما أشّرتْ إليه مغادرة والدة الراوية إلى البيت الموروث في منيل الروضة بالقاهرة، تاركة الأب والعمة...، أو ما أشّرتْ إليه خيبة النداءات لوصل النسب مع الأرومة العتيدة في الجزيرة العربية. لم ينفع في درء هذا المآل أن يكون والد الراوية قد تعلم في فيكتوريا كوليج، أو أن يكون قد وفّر لابنته تعليماً أكبر، أو أنه عاد من سعيه خلف نزاع بني سليم وهلال بديوان من الشعر النبطي. فالحلم بإصدار جريدة باسم القبيلة يكون شعارها (البداوة أصل الحضارة) قد تبدد، وما بقي إلا سؤال أبو شريك العيادي كلّما لاقى حفيداً "ابن من يا ولد". لكن الأحفاد الذين سئموا ترداد أنسابهم العتيدة وحكايا العيّادي ـ الظل الأخير للماضي، باتوا يحاولون التخلص منه. والسيرة التراجيدية تنقفل على هسيس خافت ولائب، ترسله هند بخاصة، فيذهب بدداً. 6 ـ محمد إبراهيم الحاج صالح: أحداق الجنادب : من نصف سورية الشرقي، وبعد انتظار طويل، جاءت الرواية على يد عبد السلام العجيلي، وإن تكن القصة قد ظلت هواه الأكبر. وفي انتظار تالٍ أقصر بدت القامة السردية السامقة للعجيلي شبه وحيدة، بينما تتوالى روايات سليم بركات وخليل النعيمي، ومن بعد، روايات إبراهيم الخليل ومية الرحبي وخليل صويلح، وأخيراً: محمد إبراهيم الحاج صالح الذي قدم من القصة القصيرة إلى الرواية، شأن شيخ الجميع العجيلي، وشأن إبراهيم الخليل ومية الرحبي، بينما جاء سليم بركات وخليل صويلح ـ وبندر عبد الحميد أيضاً ـ من الشعر. ومن جملة ذلك توفرت للرواية نكهة ذلك الفضاء الفسيفسائي الشاسع شرقي سورية، ببدويته وفلاحيته، ولاسيما: بكرديته (سليم بركات)، وبدت السيرية حاملاً روائياً بامتياز، من سليم بركات وخليل النعيمي إلى خليل صويلح ومحمد إبراهيم الحاج صالح الذي تلت روايته (أحداق الجنادب(6)) تلك العلامة الفارقة التي رسمتها مجموعاته القصصية (قمر على بابل 1993 ـ دفقة أخيرة ـ 1995 ـ عصا اللافتة ـ 2000). بخلاف ما فعل سواه، وما هو مألوف في السيرية الروائية، اختار محمد إبراهيم الحاج صالح لحظة فاصلة أو مقطعاً حاسماً من السيري. ولعل ذلك هو ما جعله يذيل الرواية بعبارة (لم تتم). أمَّا اللحظة / المقطع فهي ـ هو التخم ما بين الطفولة والمراهقة في واحدة من سنوات الوحدة السورية المصرية (1958 ـ 1961)، كما تعلن الإشارات المبثوثة إلى جمال عبد الناصر وصوت العرب والخلافات بين البعثيين والمنتسبين إلى الاتحاد القومي في مضافة جد الراوي. بعيني الطفل الذي كانه الراوي، يرسم عالم الرواية ويقرأه. ويندر أن ينتأ في ذلك حضور الشاب أو الكهل الذي آل إليه زمن الكتابة. وإلى عيني ذلك الطفل، سترسم عالم الرواية أيضاً وتتقراه عيون أقرانه (الدكدوك ـ حمو ـ عليا ـ عبده ـ عيسى)، ليحق للرواية أن يكون عنوانها (أحداق الجنادب) على الرغم من أن ذكر الجنادب سيعبر مرتين فقط في الرواية، أثناء وصف الصيف، فنقرأ في بداية الفصل السابع: "ما إن ترتفع الشمس فوق الضحى حتَّى ينهض الصهد. صهد يملأ الأرض ويفيض إلى السماء ليجعلها خيمة من بلور رهيف. على الأرض لون النبت المصفر ولون التراب المطحون بالعطش وفي السماء لون الرماد. ولا صوت إلا صوت انقصاف القصل من الحر اللاهب وإلا خشخشة القش تحت أظلاف الدواب. حتَّى الجنادب تؤثر الصمت في ظل النبت المصوح الأصفر أو في ظل الشوك". كما نقرأ أنه لو لم تكن الظهيرة قبساً من جهنم لـ "كنا سنحسّ بانتقال الجنادب بين الشوك من ظل ناشته الشمس إلى ظل أبعد". ولعل قراءة المقتطفين السابقين تفي بالإشارة إلى ما تميزت به الرواية: من الروي بضمير جماعة الجنادب ـ الأطفال (عصافير الزبل في تشبيه آخر) إلى الرواي بضمير المفرد، ومن الوقفات الوصفية المدققة المتطاولة إلى الحسّ العميق بالطبيعة، ولاسيما منها بالحيوان، وهذه سمة لعالم روايات سليم بركات. وإلى هذا الذي تميزت به الرواية تنضاف المهارة بلعبتي الارتجاع والاستباق. ففي الأولى يندغم الماضي والحاضر في الزمن الروائي، وتشتبك في السنة المعنية من حياة الطفل وقائع وذكريات شتى، كمجيء البلدوزر إلى القرية بعد الفيضان ورسمه سداً بينها وبين الوادي الكبير، وهو ما سيؤرخ لولادة شقيق الراوي ياسين أو كهرب بنت التونسي بصحبة سائق الحصادة السيرياني، أو كبروز حكمة فارس في انتخابات 1954.. أمَّا لعبة الاستباق فستوفر على الرواية المنازعة بين الراوي ـ الجندب وبين ما صار إليه زمن الكتابة، كما ستلوّن سرود السنة المعنية من حياة الطفل. فحياة التونسي (أبو عبد الله)، سيجمّع الجنادب نتفها لترتسم في عقولهم كأسطورة لرجل خفي لم يكن بينهم، وحنجرة الجد ستعلو لاستقبال وسائل المص... وتتكاثر في الرواية العبارات التي تدغم زمن الراوي بزمن الكتابة، مثل "سنفهم نحن الصبيان فيما بعد" و"سنعرف لاحقاً" و "سنعرف تماماً عندما نكبر".. وفي هذا ما يتصل بانتظام الرواية زمنياً، حيث تلون التتالي الغالب فاتحةٌ ما للسرد، مثل: "كنا في أول الصبا" أو "مضت أيام طويلة". هكذا تقدم الرواية أحداثها، وتقدم شخصياتها بمقتضى كل حدث، وما يتصل به من مكان فمكان، أو ما يستدعيه من الماضي. وبداية ذلك تكون في مضافة الجد، حيث الوسائد والسجاد ـ سجادة الغرباء والسلطة ـ والقرم والركوة والفناجين وصباب القهوة والشيوخ والممنوعات على الشباب، وحيث الحكايا والصمت. ويتوسل الكاتب غالباً في الوصف المدقق للمكان أو الشخصية أو الحدث الجملة الطويلة التي كان يمكن لها أن تكون أيسر وأسلس، لو أن الكاتب راعى علامات الترقيم. ولعل هذا المثال من الجملة الأولى في الرواية أن يكون كافياً "لن تزول أبداً صورته (،) وهو يمضغ التتن أو الشاي في إسبالة غير مكتملة الجفنين (،) كأن لذة مص السائل من تحت اللسان لا تكتمل إلا مترافقة مع الإغماضة الناقصة". من المضافة، تمضي الرواية إلى بيت التونسي وزوجته التركية التي يناديها الجنادب بالبطة، ومن هنا ستتوالى معابثات الجنادب ومشاكساتهم ونقاراتهم ما تحفل به يومياتهم من فصل إلى فصل طوال السنة، وبالاشتباك مع ما تحفل به يوميات القرية المتاخمة لتل أبيض على الحدود السورية التركية. فعندما يموت فيصل المجنون ابن التونسي نقرأ "كان في عقولنا مرتبطاً بالسعالي والجن والأماكن المسكونة وبصفير الريح وظلمة الليل". ومن جنازة فيصل إلى دفنه، سيبدأ الموت يفعل فعله في تكوين وعي الجنادب، ما سيضاعفه عثورهم على الغريقة بنت السلطان ورؤيتهم الميتة عارية. كما ستبدأ الشرطة (الدولة) تفعل فعلها المماثل منذ قدومها ببلاغ تقديم العلف لخيولها، إلى سقي هذه الخيول، إلى نبش قبر الميتة وتشريح جثتها لتحديد سبب الوفاة، إلى مصادرة سلاح محمود عم الراوي في غمرة هياج القرية فرحاً بعذرية الميتة. وإذا كان النشيد الوطني (حماة الديار) أو نشيد (الله أكبر فوق كيد المعتدي) أو الهتاف (ناصر ناصر) أو سجن محمود، سيفعل فعله في تكوين الوعي الوطني أو القومي للجنادب، فأناشيد المريدين والشيوخ في عيد المولد النبوي، ومن أجل شفاء الراوي من التأتأة، ستفعل فعلها في تكوين الوعي الديني. على أن كل ذلك يظل رهن الطفولة، مثله مثل السرّ الذي يقوم بين الراوي الطفل وبين الطفلة عليا. فهذه الجندب التي تعارك أخبث الجنادب (دكدوك)، ستتلعثم عندما تلفظ أنها والراوي واحد، وسيقول الراوي: "وأحسست بشيء يميع في صدري وبرغبة في وضع يدي بيدها". وسنراه مصغياً لأنشودة دينية ممَّا يغني الشيخ، ويشعر "بسيالة تهويم (،) وغصباً عني أبدلت ليلى بعليا". لقد أصيب الراوي بالتأتأة لأنَّه تسبب بخسارة فريق مدرسته لمباراة كرة القدم مع فريق آخر. وستلازمه العلة حتَّى نهاية الرواية، لكنها لن تحول دون انخراطه في حياة الجنادب، وحيث عليا هي الأنثى ـ الطفلة الوحيدة بينهم ـ فيشارك في صيد العقارب ودسّها في بيت العجوز زهرة، ويشارك في سرقة دكان الرهاوي، وهو ما سيجعل جده يأتي به إلى بيته، حماية لـه من عقاب الأب الدائم النقار مع الأم. وفي كل ما تقدم تبدو شخصية حسون الملقب بالدكدوك تنافس الراوي على بطولة الرواية، كما ينافس جد الراوي أباه وأمه. وإلى أولاء ومن سبق ذكره من شخصيات الرواية، يصخب عالمها بشخصيات المعلم الحموي والشيخ وقاسم الحوراني وسائق البوسطة الأرمني ورئيس المخفر وأبو الهنيين... وبتنوع هذه الشخصيات أجيالاً وطبائع ومصالح ولغات وأقواماً، تقوم فسيفساء الرواية كما تتشهى المخيلة الطفلية، وتتخصّب بالمتناصّات الوفيرة من الأناشيد الدينية والأمثال، وبالهجنة اللغوية في أهجيات الأطفال وتشاتم فريقي المباراة ولسان التونسي وزوجته التركية ولسان الكردي والد حمو... ومن الملاحظ هنا ـ على مستوى لغوي آخر ـ ما تشغلّه الرواية من مفردات غير متداولة (يدردم ـ تنود ـ تُراددِ ـ سرطت سرطاً ـ مهارفة..)، فكما تحتفي بعامية بدوية أو بلكنة تركية وكردية وأرمنية، تحتفي بالفصحى. وبعد ذلك كله، يجبه السؤال هذه الرواية التي لم تقع في غواية السيرية، عمَّا سيليها ليؤكد خطوة صاحبها التي تبدو بالغة الوثوق وكبيرة الوعد، وهي المكتوبة ـ كما هو مثبت في نهايتها ـ عام 1988. وهذا السؤال يتعلق أيضاً بالبواكير الروائية السيرية التي تتوالى في سورية (خليل صويلح وسمر يزبك ورجاء طايع) في غمرة الفورة الروائية العربية. 7 ـ أحمد إبراهيم الفقيه: فئران بلا جحور في مستهل روايته (فئران بلا جحور(7)) يذكر أحمد إبراهيم الفقيه أنه نشر الفصول الأولى من الرواية في مجلة (الرواد الأدبية) قبيل هزيمة 1967. لكنه تحت وطأة الهزيمة لم يكمل كتابة الرواية ونشرها، ومضى ـ هرب ـ إلى بعثة لدراسة المسرح في لندن. ومن بعد، وكلما حاول العودة إلى الرواية، كانت المسودات تحبطه، ولم يفلح إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود في استعادة تجربة الرواية التي كان شاهداً من شهودها وهو في العاشرة. والرواية إذاً تشتغل على منتصف القرن العشرين في ليبيا، وفيها ما فيها من السيرة الذاتية، فيما هي تسجل فصلاً من فصول كفاح البداة "ضد قسوة البيئة وظلم الطبيعة وتقلبات المناخ الصحراوي وصعوبة الظرف التاريخي". فبعد ثلاث سنوات من الجدب، شدت الرحال من مزدة إلى جندوبة قافلة من أربعين كائناً، يقودها شيخها حامد أبو ليلة. وليلة الوصول، بعد نفاد الزاد ينحر الشيخ جمله الوحيد للقافلة التي أمضّها الجوع، وهو من عرف جندوبة من قبل في هجراته ـ تغريباته. وسوف تستعيد الرواية، وهي تروي يوميات القافلة في جندوبة، ماضي أفرادها في مزدة التي لم يغادرها الموظفون ومن التحق ولدٌ له عاملاً بمعسكر ما للجيش الإنكليزي. ومن ذلك الماضي تقوم بخاصة صورة الأسلاف الذين كان يدفعهم الجدب إلى تطيين باب الحجرة لتصير قبراً ينقذ من العيش. كما يحمل الرحّل من ذلك الماضي علاقاتهم التي ستصطرع في جندوبه، فبائع الأحطاب عبد العالي الذي كان يسمّي الفقيه (الفقي) برهان، بالنبي الدجال، يشك في سعي الرجل خلف زوجته هو (فاطمة)، ويستذكر زواجه منها وشائعة سحر الفقي لها، ويرفض في جندوبة الصلاة خلفه. أمَّا خديجة، زوجة الشيخ، فتستذكر في فصل خاص بها زواجها وحجتها، والشيخ نفسه يستذكر ـ أصالةً، أو بنيابة السارد عنه ـ جهاده في (جيش) سليمان الباروني، ومعجزة نطق الحمامة للشهادة بين يديه، وتحولها إلى امرأة مليحة، وهي التي كانت قد مسختها عجوز شريرة. وفي الرواية سوى ذلك الكثير مما يلهب الخيال بالسحر والأسطورة والخرافة، سواء تعلق بالإنسان أم بالطبيعة، فتلك هي الشمس، منذ بداية الرواية، تعجب ببلوغها منتصف السماء، فتلبث في قيلولتها التي تحيل الأرض إلى شريحة من شواء، إبّان بلوغ القافلة لجندوبة، حيث سيطلق القبطان صيحته المروعة معلناً خواء السنابل، وحيث ستزلزل أقدام القافلة مدينة النمال، فتفر منها شراذم، وتلحق دوريات بمن فر، وتخاطب الملكة شعبها بخطة الرحيل ومنها: "ما أعظم جهل الفئران بقدرة الإنسان على القتل والفتك والإيذاء". إلى مدينة النمال المنكوبة، تصور الراوية مستعمرة الجرابيع التي تتصارع أجيالها، وتربّي نشئها على الرفاهية، وتجاورها أقليات أجنبية، أكثرها خطراً هي الأفاعي والثعابين التي تدفعها الشمس الملتهبة إلى الهياج، وتعيش على اغتصاب جهود الآخرين. ومن ذلك تصور الراوية اصطيادها للفئران، وبناء هذه لجحورها، وزفاف إناثها، ومخازنها الممتلئة بالسنابل التي سبقت القافلة إليها. وفي متابعة أخرى للجرابيع، سيلي في الرواية تأسيسها لوطنها حيث ألقت قافلة مزدة بالرحال، ووقعَ رحيل النمال عليها، بأوجع من رحيل الخنافس والجنادب والعناكب والسحالي والجعارين. وإذا كان قدوم الإنسان قد روّع الجرابيع، وأشاع الروح الانهزامية في جيلها الصاعد، فها هو شيخها يخطب غاضباً: "هذه الأرض ملكنا وليست ملكاً لأحد غيرنا" ويضيف: "إن هؤلاء الناس عارضون، جاؤوا اليوم ويذهبون غداً، أمَّا نحن فباقون، ثابتون على مدى الدهر". ولتلافي الكارثة تقوم في الجرابيع لجنة إغاثة المنكوبين ولجنة الإعداد والبناء وصندوق الهبات والتبرعات، فأي خطاب ترسله الرواية على لسان الحيوان، ملوحة بما لم يفتأ التراث السردي يرسله ـ تكفي الإشارة هنا إلى كليلة ودمنة ـ كما لم تفتأ الحكاية الشعبية ترسله؟ بالعثور على السنابل، تنقلب حياة القافلة، من الحفر العشوائي للجحور، إلى تنظيمه والتكتم عليه والاحتفال به ودرسه ليلاً... وها هنا تنقلب حياة القافلة من جديد بوصول أولاد جبريل إلى البقعة عينها في مثل فرار قافلة مزدة من الجدب. فنساء أولاء لا يتحجبن، والحلي تزينهنّ، وما يحمل أولاد جبريل من أخبار الواحات الشرقية مذهل، حيث صار الناس يطبخون السحالي ويذبحون الجراء ويشربون مرق النمل جرّاء الجدب. وسرعان ما يفتضح سر السنابل والجحور، ويعشق الفقي برهان سيدة أولاد جبريل (رابحة) التي تقرأ الطالع، فيما يقضي هو صباحه كسواه في جمع السنابل، وبقية نهاره تحت الجوسق، يعلم الصبيان ويكتب الرقى والأحجبة. ليلاً، يساهر بنات نعش الجمعُ الذي تقود رابحة اندماج فريقيه، ويعزف مسعود الملقب بالروماني على المقرونة. ومن يوم إلى يوم تتواصل حياة الجمع صدمة فصدمة، من لدغة الأفعى لفاطمة وإنقاذ الفقي لها، إلى عرس الروماني من إحدى بنات جبريل على الرغم من اعتراض الشيوخ، إلى مفاجأة الذئاب لزينب وعامر بن شيحة وفضح أبو حمامة لعشق الفقي لرابحة، إلى عرس رابحة والفقي.. وعبر ذلك تتعمق الرواية في حياة الكائنات الأخرى، فالكلاب التي استطاعت بعبقريتها عقد صداقة تاريخية مع المصدر الدائم للكوارث: الإنسان، تلتقي بحرارة، ما كان منها من مزدة وما جاء منها مع أولاد جبريل، عكس البشر المتنافسين، والكلاب المتآزرة تحتفل بنصرها على الذئاب، وتكرم شيخها مرزوق بالزواج من "الكلبة الجميلة ذات الصوت الرخيم والعينين السوداوين الساحرتين والشفة القرمزية التي تغري بالتقبيل، والتي أرسلتها كلاب جندوبة منذ أسابيع للترحيب بكلاب الجنوب، فوقع مرزوق صريع هواها منذ ذلك اليوم". وفي حفل الزفاف يخطب مرزوق أن وراء كل كلب عظيم "كلبة جميلة مثيرة نبيلة كهذه الكاعب". أمَّا الجرابيع فلا تفتأ تسعى لإيقاف المجزرة التي يرتكبها البشر. ومن أجل ذلك تجمع السحالي والخنافس والجنادب والعناكب والفراشات والديدان ومجموعة من النمال المحاربة، وتستبعد من التحالف رمزي الشر والخيانة: العقرب والأفعى. ويقرر هذا التحالف استخدام الحرب الشعبية ضد الغزاة من البشر، وتشكيل المفارز الانتحارية، وتفتح لذلك سجلات التطوع، ويبدأ الهجوم بعدما يحضر البشر المبيدات من مركز جندوبة. وسنرى هنا كيف تطلب الحشرات الرأي من سيد حكماء البراري: الضب، فينهى عن الانتقام من البشر ويشير بالهروب من المواجهة لتفادي الإبادة، وبالاستعانة بفئران المدينة، وبالإخصاب والتوالد (السلاح الجنسي). وتأتي الحرباء أخيراً ببشرى الخلاص بحسب الرؤيا التي رأت، فإذا بعصاب جماعي يصيب القوم من غير البشر، وإذا بالسماء تصب السيل صباً، فيخرج السيل من الوادي كما توقع الشيخ حامد، ويجرف ما يصادفه، مطارداً البشر والكائنات جميعاً. بهذا ينتهي ما تروي (فئران بلا جحور) من صراع الإنسان مع الإنسان، ومع الطبيعة ومع الكائنات الأخرى، ومن صراع هذه معه، وحيث لا تخفي الأمثولة نفسها، ويفعم السخرية ذلك الإحساسُ العميق بوحدة الوجود، فيما يفعل التراث السردي المكتوب والشفوي فعله في الرواية، سواء في البناء الحكائي أو في اللغة أو في المتناصات الغنائية والشعرية.. ما يجعل من هذه الرواية، وهي تستعيد ذلك العالم الغاطس في سديم الزمان الغابر ـ كما كتب أحمد إبراهيم الفقيه في مقدمته ـ إضافة متميزة لذلك الركن الروائي العربي المتعلق بالصحراء والبادية، ولاسيما بأنسنة الطبيعة. (1) دار رياض الريس، ط1، بيروت 2003 (2) وزارة الثقافة، دمشق 1992 (3) دار ميريت، ط1، القاهرة 2004 (4) دار الآداب، بيروت 2002. (5) دار الآداب، ط1، بيروت 2002. (6) دار البلد، ط1ن دمشق 2002. (7) دار الهلال، ط1، القاهرة 2002. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |