أسـرار التخييل الروائي ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2005

Updated: Monday, January 30, 2006 02:32 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن اشتباك الأزمنة روائياً

1 ـ فوزية شويش السالم: حجر على حجر(1):‏

حجر على حجر‏

مغامرة على مغامرة‏

سفر على سفر‏

عشق على عشق‏

احتلال على احتلال‏

ملفات على ملفات‏

حفريات على حفريات‏

حجر على حجر‏

إنَّها رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر)، مكتوبة على هذا النحو الذي يضارع شكل القصيدة الحديثة ولغتها، سواء في صدارة كل حجر ـ فصل، أم في المتن، كأن الرواية تضارع في الآن نفسه منحوتات الحجر، مثلما تضارع السيرة الذاتية، والتاريخ. وأول ذلك يأتي فيما ترويه اليهودية الغرناطية (راشيل) عن رحيلها بعد سقوط غرناطة، محملة بالبقجة التي أودعتها سجادة ـ وطناً، وبرسالة أبيها إلى ذويه في اليمن. وستتوالى في الرواية فصول مغامرات راشيل بين غرناطة ومالقة، ثم على المركب إلى الهند، وفي الفرار من القراصنة البرتغاليين إلى الغابة، ثم إلى اليمن حيث يجمعها المركب بالبحار اليمني (يهرحب بن همام) الذي يعشقها وتعشقه؛ وفي اليمن تتواصل الرحلة/ المغامرة خلف أثر ذوي راشيل، بينما ينبتر الحب بسبب الدين.‏

في الحجر ـ الفصل الأول (غرناطة) والثاني (حجر النسيان) والرابع (لكل حجر قصيدته) تتوزع حكاية راشيل. وفي الحجر الأول أيضاً تبدأ البنت بتقديم مذكرات أمها (موضي) عن شهر العسل الذي قضته مع يوسف عام 1980 في غرناطة. ومنذ هذه البداية تنبئنا الفتاة بأن أمها كاتبة أنقذت ذاتها بالطلاق. ونحن إذن في الرواية بين زمنين، يعود أولهما إلى بداية القرن الخامس عشر، والثاني إلى نهاية القرن العشرين. وسيتعلق الحجر ـ الفصل الثالث (حجر للدمار) بالزمن الثاني، حيث تشتبك حكاية البنت التي لن تغفر لأمها طلاق أبيها، وحكاية الأم التي كتبت نص (حارسة المقبرة الوحيدة). وسنرى‏

في الحجر ـ الفصل الرابع أنها أيضاً صاحبة نصوص (النوخذة) و(الشمس مذبوحة والليل محبوس) و(مزون)، وتلك هي روايات فوزية شويش السالم، فكيف اشتبكت السيرة الذّاتيّة بالراوية في هذه السيرة الروائية أو الرواية السيرية؟‏

في الحجر ـ الفصل الثالث تحمل الأم سجادتها الأثيرة إلى لندن بعدما ينشب الخلاف بينها وبين زوجها. وفي لندن، وبأثر من الروسي جورجي يتفجر نداء السجادة الذي سيدفع الأم إلى اليمن بحثاً عن الجذور: جذور الجد وجذور السجادة التي يشبهها العم جورجي بالسجاد الأناضولي أو المغاربي الأندلسي الذي انتقل عبر يهود إسبانيا إلى العالم. ولكن قبل أن تبدأ الأم رحلة البحث عن الجذور في اليمن، تعود إلى الكويت، ويكون الطلاق جراء ما اكتشفت من علاقة أخرى للزوج، ثم يكون الاحتلال العراقي للكويت، بينما تمضي البنت إلى ميامي في أمريكا للدراسة.‏

هكذا تتعدد وتتفرع وتتشابك الخطوط والقطب في نسيج الرواية. وإذا كانت أصوات راشيل ويهرحب وسواهما من الماضي، وأصوات الأم والبنت والأب والجدة وسواهم من الحاضر، إذا كانت هذه الأصوات تتوحد في لغة الساردة الموشّاة بالشعر، فإن ما يخلخل هذه الأحادية اللغوية، أو هذه السطوة للساردة، هو تلك المتناصات المتنوعة والغزيرة من موشحات ابن خاتمة وابن الخطيب وعبد الكريم القيسي وغيرهم، ومن الأغاني اليمنية ومن التوراة، وكذلك تلك الهوامش التي تشرح المسميات والإشارات اليهودية والهندية وسواها.‏

تلك هي رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر): رواية الرحلة، ورواية المذكرات، ورواية الحفر في التاريخ، ورواية الذات اللائبة خلف سر الفن، من الكتابة إلى ذلك التكرار اللامتناهي في السجاد، كأنما هو حكاية الكون. وإذا كانت رحلة راشيل خلف ذويها ستبقى معلقة، فإن رحلة الأم خلف سر السجادة تظل معلقة أيضاً. وإذا كان السياسي يسفر في الرواية عبر الاحتلال العراقي للكويت، فهو يبدو أكبر سفوراً في غلالته الروائية، وبالأحرى أكبر أثراً في نقض الدعاوى الصهيونية التي تطوّب اليهود واليهودية عبر التاريخ، بينما التاريخ العربي الإسلامي يرسل رسالة المواطنة والتسامح من الأندلس إلى اليمن، على الرغم من النتوءات التي بترت الحب بين راشيل ويهرحب، فالرسالة ليست دعاوية، بل واقعية، وبواقعيتها تخاطب الحاضر كما تعبر عن الماضي. ومما يضيء ذلك ما تناهب دخيلة راشيل إزاء ما نشأت عليه واعتقدته كيهودية، وإزاء الخبرة الروحية التي تأتتْ لها في الهند وفي اليمن.‏

أما الأم الكاتبة ابنة زماننا، فقد تتوجت رحلتها بمعجزة الحجر، بينما ابنتها تحيا في ميامي تجربتها في وعي الذات وفي وعي الآخر. وفي جماع ذلك يكون تاريخ على تاريخ‏

يكون سحر على سحر‏

ويكون لنا أن نقرأ ونفكر في أمسنا وفي يومنا، في الفن.‏

2 ـ سمر يزبك: صلصال(2):‏

لعل المرء لا يبالغ إن رأى أن الرواية في سورية تذهب أعمق وأجرأ وأشمل من الكتابة السياسية السورية التي أفلتت من القمقم في السنوات القليلة المنصرمة، سواء تعلق ذلك بهذه السنوات أو بأي أمس داجٍ من العقود الأربعة الماضية.‏

وإذا كانت التجاذبات أو الثأرية أو الحزبية أو الغرارة قَدْ وسمت كثيراً من تلك الكتابة السياسية، فقد بدت الرواية غالباً تعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن والأمس، مما تمثّل له روايات فواز حداد (مرسال الغرام) ونهاد سيريس (الصمت والصخب) ومنهل السراج (كما ينبغي لنهر) وأحمد يوسف داوود (فردوس الجنون).. ورواية سمر يزبك (صلصال).‏

فبعد روايتها الأولى (طفلة السماء) التي عرّتْ المؤسستين الطائفية والأسرية، تواصل (صلصال) تعرية هاتين المؤسستين وسواهما (المؤسستان الزوجية والعسكرية بخاصة)، وذلك في بناء أعقد وبمهارة أكبر، ابتداء بالزمن الروائي الذي جاء يوماً واحداً يتشظى في حيوات الشخصيات كما يتشظى في التاريخ عبر الرهان على لعبة التقمص، وهي اللعبة التي تأسست في الجذر الصوفي كما لعبها من قبل جمال الغيطاني ومؤنس الرزاز وسليم مطر وآخرون منهم أنيسة عبود وأحمد يوسف داوود اللذان تلفّع لديهما ذلك الجذر بـ (العلوية) وجاء أكبر سفوراً في رواية (صلصال)، كما تدلل ـ على الأقل ـ المتناصات مع الخصيبي (الحسين بن حمدان) والمكزون السنجاري.‏

وكما جاء الزمن الروائي يوماً واحداً، جاء الحدث الأساس واحداً: موت حيدر إبراهيم، وهو ما يتشظّى في أحداث كبرى وصغرى حيث يتشظى الزمن. فالرواية تبدأ بافتتاحية ترسم لحيدر صورة شاملة، طفلاً وعاشقاً وضابطاً وخائباً ومتطوحاً في تجلياته وصور حيواته السالفات، ثم تمهد الرواية للحدث الأساس بانتظار زوجة حيدر السابقة سحر النصور في لندن لعشيقها علي حسن الذي يطير به موت حيدر من دمشق إلى قريتهما بدلاً من لندن. وهكذا يترامى الفضاء الروائي بين لندن وتلك القرية الجبلية من ريف مدينة جبلة، ويبلغ في التاريخ الكوفة، لكنه يتركز بين جبلة واللاذقية وبين العاصمة دمشق.‏

إثر صفحة الافتتاحية وصفحتي التمهيد، يأتي الحدث، الأساس: موت حيدر كما ستكتشفه ابنته رهام وخادمته دلاّ. ثم تبدأ سلسلة طويلة من استرجاع ما سبق، قبل أن يتواصل الاسترجاع بالاشتباك مع وقائع اليوم الأخير. وسيقطع ذلك اختفاء الميت ثم فرار رهام بأوراق أبيها وقراءتها لتلك الأوراق قبل أن يقبض عليها رجال علي حسن، لتعود الرواية إلى خاتمتها بشروع علي حسن في قراءة الأوراق وانتهاء اليوم الروائي الطويل العاصف.‏

بهذه الخطاطة المبتسرة جاء البناء الروائي ليطلق الأسئلة التي تفجرت بالصراع بين حيدر وعلي: أسئلة الصداقة والحب والجسد والعسكرة والفساد والإيمان. فالرجلان عاشا معاً طفولتهما القروية، حيث تجاوزت الصداقة ما بين الإقطاعي والقصر (حيدر) وابن الفلاح. وليس هذا بالتناقض الوحيد بين الشخصيتين كما سينجلي في دراستهما في المدرسة الداخلية باللاذقية، وفي انتسابهما للكلية العسكرية، وفي انخراطهما في قيادة المتغيرات السورية منذ ولّت مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي حيث "كان كلّّ شيء مبهماً" إلى ما تلا في الستينات، حيث أثبت "هؤلاء الضباط الذين انقسموا فيما بينهم أثناء مؤتمرات حزبهم الحاكم التي سبقت اختلافهم، أن باستطاعتهم حكم البلاد وإقصاء كلّّ من خالفهم وإبعاد شبح الانقلابات".‏

كان حيدر "سليل الأطياف والأرواح" وأمير الحكايا الحزين"، مأخوذاً بالثقافة وعاشقاً رومانسياً لدلاّ ولسحر النصور، ومسكوناً بتقمصاته من جيل إلى جيل. ولم يكن بالتالي لمن هو كذلك أن يتابع طريق رفاقه، لذلك استقال من الجيش في 10/3/1971 بعدما تزوج من سحر وأنجب رهام، فعافته امرأته، وقضى عمره من بعد في القرية، تخدمه دلاّ، ويخرج كلّّ يوم إلى الصيد‏

ولا يصيد، حتى مات على إيقاع سقوط بغداد عام 2003.‏

أما علي حسن فقد تابع المشوار مخلفاً رفيقه الذي هرب خلفاً بصحبة عشقه وأوراقه، بينما هرب علي إلى الإمام مدججاً بالحديد والنار: "لقد حصل على كلّّ شيء: ولاء طائفته، ولمعان المجد، وسطوة الحضور. تقلص كلّّ من حوله إلى أذناب تتحرك كيفما اتجه". ولقد وصم علي صديقه بالخيانة لأنه اختار البقاء تحت، رداً على وصم حيدر لـه بخيانة عهد الفروسية الذي أبرماه في عنفوان صداقتهما. وقد مال علي حسن بزوجة صديقه وعاشا عاشقين، كما عاش ابنه فادي ورهام. لكن علي يشك في أن رهام ابنته هو، فسحر ليست متأكدة من أبوة حيدر لرهام، ولذلك يفصم علي عشق الولدين، ويرسل ابنه إلى لندن ليدرس العلوم السياسية. فالابن لم يحلم كأبيه بأن يكون ضابطاً. وهذا المدلل الوحيد بين ست بنات واحد من جيل السياسيين الشباب الواعد "بدماء جديدة في البلاد". إلا أن إرادة فادي تحدها إرادة أبيه، وهو ممزق بين قلبه ومجده القادم. أما رهام المولودة سنة هزيمة 1967 ـ هل لهذا دلالة ما؟ ـ فقد غرقت بعد فادي في البذخ والمجون مع كبار الشخصيات من أصدقاء علي حسن، لتنتقم منه بسطوتها عليهم. ولسوف تتساءل رهام بعدما تكبر عن سر هجران والدها للعالم، وستجعله يخطو أول خطوة بعد استقالته، فيقف إلى جانبها في مشروعها ـ حلمها بتحويل الشاطئ الجنوبي لمدينة جبلة منطقة سياحية.‏

ثمة نوع من التناظر يتبدى في فصم علي حسن لعلاقة ابنه ورهام، ولعلاقة حيدر وسحر. كما يتبدى التناظر في الصراع الصامت الصاخب بين رهام وعلي حسن، وبين الأخير وحيدر. على أن الصراع الأول سيبدو في المحصلة رافداً للصراع الثاني، كما هو ناتجه. ومثل ذلك هو الصراع بين أستاذ التاريخ العجوز وعلي حسن. فهذا الذي علّم الضابطين علي وحيدر، سيتبرأ من الأول ويخلص للثاني. وسيلقى حتفه على يد حراس الأول الذي روّض بلاداً بأكملها، فهو "الواحد فقط، أبداً لن يتكرر. ذريته كلها لن تحمل في صلبها رجلاً مثله، لأنه لن يتكرر". وسوف يتوالى التناظر في الرواية عبر لعبة المرآة. فالمرآة طريق حيدر إلى الحياة، وابنته حقيقة واقفة في قلب المرآة، وعلي حسن في النهاية يسكن المرآة وحيداً يطوّحه السكر ويهزمه حيدر الخارج من المرآة سراً للحياة والموت. على أن الأهم من تناظر الصراع، هو أن يرسم العيش السوري منذ ثلاثة عقود حين تدفق النفط وسقط، كثروات البلاد، في دوائر النهب، وفيما تلا ذلك حيث: "اندلعت حرائق وشقاقات واغتيالات جماعية وتصفيات جسدية وحملات اعتقال وحصار مدن وقصف أحياء آهلة السكان. وبدا أن النعرات الطائفية والمذهبية والعشائرية تستفيق من سباتها، وتتسلل رويداً رويداً إلى مظاهر الفقر والحاجة والبطالة وكمّ الأفواه، إلى جانب الخشية العميقة من يوم الغد الغامض القاتم". وستعزز الساردة ذلك مرة بعد مرة، كما في التعقيب على رحيل حيدر عن دمشق: "ليست قيادة هذي التي صعد بها علي حسن مع رفاقه في الحزب، ففرضوا قانون الأحكام العرفية والطوارئ، ثم انقلبوا على بعضهم البعض وحكموا البلاد".‏

على أن الرواية تخرج بهذا الصراع من جسده السوري إلى جسده العربي الإسلامي القائم في التاريخ، وذلك عبر أوراق حيدر التي يخاطب فيها قرينه، وهما يتقمصان من جيل إلى جيل، كأن يقول: "كنت في ذلك الزمن أعيش معك. كنت آخر قتلاك. أنا آخر قتلاك. أنا آخر من قتلك، وأنت أول من قتلني". ولن يفتأ حيدر يخاطب قرينه: يا قاطف الرؤوس اليانعة، أو: يا سيد الخراب، أو: أيها الضبع القادم.. ليتواصل التقمص من الحجاج إلى علي حسن إلى عبارة حيدر الأخيرة التي استقت الرواية عنوانها منها: "أنا آخر صلصال يموت من عناصر تكوينه". ولقد أثقلت المتناصات على أوراق حيدر بقدر ما مضت بالرواية إلى أفق التاريخ. ومثل هذا الإثقال كان أيضاً إثقال المعلومات التاريخية المتعلقة بالفينيقيين أو العثمانييّن أو الفرنسيين. ولعل ذلك ما جعل الرواية تستدرك الإثقال بلعب لغوية وبنائية شتّى. فقصيدة النثر اليتمية تلوّن التناص مع دونكشوت أو كليلة ودمنة. والرائحة ستغدو إيقاعاً وإن تباعد، فالرواية تبدأ بعبارة حيدر: "رائحتها حرب الكون ضدي" وبعبارته تتتوّج حين تقرأ ابنته أوراقه: "أنا تلك الرائحة".‏

إنَّها رائحة احتراق اللحم البشري من تنّور ابن المقفّع إلى تنّور حيدر. وإذا كانت رواية (صلصال) تعزز شيوع لعبة الرائحة في الرواية العربية ـ بفضل باتريك زوسكندر ربما ـ فبهذه اللعبة كما بلعبة المرايا أو المتناصات‏

أو التناظر أو التقمص... وأولاً وأخيراً: بلعبة الذكريات "خطاف الزمن المرعب"؛ بكل ذلك تنضاف رواية (صلصال) إلى جديد الرواية في سورية، الأجرأ والأعمق والذي يتعزز إنجازها الفني الحداثي وهي تتقرى الآن‏

أو الأمس.‏

3 ـ رشيدة خوازم: قدم الحكمة(3):‏

إذا كان الحريق الجزائري في العقد الماضي هو الشاغل الأكبر للرواية في الجزائر، فالمستقبل هو الشاغل الآخر، ولكن على غير طريقة رواية الخيال العلمي. فبعد رواية (المخطوطة الشرقية) لواسيني الأعرج، وبعد رواية إبراهيم السعدي (بوح الرجل القادم من الظلام) تأتي رواية رشيدة خوازم (قدم الحكمة) لتغامر في قراءة خمسين سنة قادمة، بينما تجهد لتوكيد نسبها الحداثي المؤسس على الحكاية. فرشا خوزي تحكي لحفيدتها رنا كي تنام، بينما تغمض الجدة عينيها وتتذكر ـ تحكي، فتتتالى حكايا الشخصيات الكثيرة وتتشظى وتتلملم وتتكامل في الإطار الأكبر، أي في الرواية التي نقرأ، وهي ما كتبت سيدة باشي خازن من سيرة أسرتها، ودفعت به إلى جابر للنشر. وللرواية إذاً أكثر من راوية سوى الجدة. فالحفيدة رنا تروي، وريما سلطان تروي، والكاتبة المفترضة تبدأ الرواية وتختمها وهي تؤكد على أن حكايتها لا تصلح أن تكون رواية "لأنها ليست وكراً للعنادل"، وتطلب من جابر حذف الكلام الذي ضفرته بين قوسين، وتصحيحاً جيداً، ورسم الغلاف، وتغيير الأسماء لأنها لا تريد كشف أسماء أسرتها، أما الأسماء الهامشية فلا تهم. كما تطلب أن تحمل الرواية اسمها الحقيقي: سيدة باشي خازن. وبهذا تلعب الرواية لعبة الميتا الرواية، ولكن ليس في البداية والنهاية فقط. فرشا خوزي تتساءل عن الكاتب الحقيقي للرواية، وتعدّ التفاصيل مسألة ثانوية "إذ الأجدى أن نقرأ الرواية.. فقط.. نقرأها بحب وبشوق.. كما نلتقي صديقاً غائباً. تلك الرواية مصنوعة من عبق اللحظات النادرة، لحظات الكشف عن الحقائق الصغيرة التي تملأ أدراج الروح". والرواية بحسب رشا ليست بحاجة إلى من يحاكمها، بل إلى من يصغي إلى حركاتها الصغيرة الدائرية، الطفولية، لأنها طفلة تقفز على الرصيف بثياب المدرسة وقد شردت ضفائرها من ثرثرة المعلم. لكأن الكاتبة بذلك تتحرز على ما ينتظر روايتها من النقد، فتجعل رشا تقرف ممن يبحثون عن آباء الرواية وتتساءل: "ألا تكفي الأم"؟. غير أن هذه الحمية الاستباقة لن تردَّ الإشارة مثلاً إلى روايتي واسيني الأعرج وإبراهيم السعدي، أو إلى رواية الميلودي شغموم (خميل المضاجع) بصدد الفصل الثاني من رواية (قدم المحكمة) حيث البرنامج الإذاعي لمحمود باش خازن. ولن تردّ تلك الحمية الإشارة أيضاً إلى تهريب الآثار في هذه الرواية وفي أكثر من رواية لأهداف سويف وإدوار الخراط مثلاً، مع التشديد على أن تدقيق النسب الأبوي أو الأموي للرواية ليس تشكيكاً بالضرورة، كما أن جهارة النسب الأمومي ليست كافية بالضرورة.‏

لقد جعلت الكاتبة لفصول روايتها عتباتها من عبارات لراسين وبومارشيه وبودلير وأمين معلوف وبروست وهيجو.. أما العتبة المنسوبة لميشيل بوتور فهي التي تومئ إلى مفهوم الرواية وإلى مرماها: أن تكون تعبيراً عن مجتمع يدرك أنه يتفكك. فمرام (قدم الحكمة) أن تكون تعبيراً عن إدراك المجتمع الجزائري أنه يتفكك منذ اندلع الحريق فيه، وإلى نصف قرن قادم، وبالاندياح في أرجاء العالم، من إسبانيا وفرنسا إلى اليابان وروسيا وفلسطين وتركيا.‏

فالرواية تبدأ بلقاء العجوزين محمود ورشا في استنبول: هي تحدثه عن ابنهما أمين المتوفى كما ستكشف خاتمة الرواية، وعن ابنهما الذي حمل الاسم نفسه، وحملت به في آخر لقاء لها بمحمود في ستراسبورغ قبل أن تنتقل إلى حيفا؛ ومحمود يحدثها عن ابنته سيدة أي من تريدنا الرواية أن نصدق أنها كاتبتها، والتي تدير عنه المطعم في استنبول. ومن هذه البداية المعقدة أو المعجوقة، تتناسل الحكايا والشخصيات: رحلة رشا إلى خبنة في الصحراء وحب أشرف وتركه لها ومحاولتها الانتحار ثم العلاج النفسي ـ اللقاء بمحمود الذي كان يدرس في معهد علوم الآثار وزواجها ـ سنوات مونمارتر 2003 ـ 2005، فستراسبورغ ولقاء ميلود، فموسكو حيث تنعطف بها علاقتها بجميل كحلون إلى حيفا، ثم ستراسبورغ من جديد لتلتقي محمود وتحمل منه بأمين الثاني، ثم حيفا من جديد، إلى النهاية التي تعود برشا وحفيدتها إلى الجزائر، فتدهس سيارة الحفيدة، وترحل رشا إلى استنبول، أي نعود إلى البداية التي جمعتها بمحمود.‏

لهذا المسلسل الطويل مفتاحه السحري: المصادفة. ومن حلقة فيه إلى حلقة، ومن مصادفة إلى مصادفة، سنتابع عمل محمود ورشا في الإذاعة العربية في ستراسبورغ، والبرنامج الإذاعي عشية عيد الحب، ومعرض العطور الذي يفجر ذكريات رشا عن مصنع في (خبنة) وعن رحلة الموت إلى الصحراء. كما نتابع علاقة رشا في ستراسبورغ مع ميلود سباق صاحب مجلة (دروب) والتي ستجمع رشا بريما سلطان. وهنا يبدو كأننا بصدد رواية جديدة تروي علاقة ريما بأستاذها ميلود الذي درّسها عام 1991 ثم جمعتهما ستراسبورغ عام 2009 وهو يلهج "أنا بحاجة إلى لملمة سيرتي". فما يحرك الراوية الأساس سيدة باش خازن يحرك ميلود ابن الأندلس. ولئن كانت ريما "ذلك الشعاع الأخير لعاصمة تحترق "فميلود صار" حكاية طريفة ومغرية" ورجلاً من رذاذ الحكايا التي تحبها رشا، ولكنها لا تفهمها أبداً.‏

في عام 2011 يسافر ميلود سباق ورشا خوزي لتغطية الاحتفال بمرور قرن على ميلاد ليف تاراسوف. وهناك تصل رشا الرسالة التي تنبئ بموت الحبيب الفلسطيني القديم باسم، فتعود من موسكو إلى حيفا. وفي الطائرة تصادف تاجر البواخر الفلسطيني جميل كحلون. وسنكون قَدْ بلغنا من مسلسل الحكايا حكاية رشا مع الفخاريات والحلي والأيقونات التي يهربها الشاعر الروسي ميتا راسكوليفيتش من الجزائر، ويتخفى في بيت صديق أثناء اندلاع الحريق الجزائري، ويلتقي الجارة دينا ويتزوجها بعدما قضى زوجها في تفجير حافلة.‏

في فلسطين يبلغ بنا المسلسل حلقة جديدة/رواية جديدة من حكايا الفلسطيني الميت باسم الذي انتقل إلى قرية الشجرة بعد عودة مجموعة من قرى الـ 48 إلى السلطة الفلسطينية عام 2012. وفي هذا المستقبل الذي تنجزه رواية (قدم الحكمة) سنرى جمعية (السقف الحاني) كفرع لمنظمة (أبناء الشتات) التي تقدم الخدمات للمعزولين أسرياً أو مهنياً، وللذين فقدوا جزءاً من عائلاتهم أثناء حروب نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ولتلك الجمعية علاقات دبلوماسية واسعة "كأنك تتحدث عن ديانة جديدة"، بل إنَّها "تقنية جديدة" ستجعل الجزائرية رشا خوري تزور ((إسرائيل))، والسلطة الفلسطينية ما زالت هي السلطة الفلسطينية بعد عشرين أو خمسين سنة‍.‏

في مزرعة جميل كحلون يعالج الدكتور ضرار رشا من صدمتها بموت باسم، كما عالجها الدكتور مرزوق من صدمتها بترك أشرف لها في خبنة. وباسم هو الحبيب الفلسطيني الذي نشأ في الشتات (حمص) وتعاهد مع جميل على شراء باخرة وتفجيرها بالمحتلين الإسرائيليين. وإذا كانت علاقته برشا قَدْ أخفقت، فقد جاءت بها إلى إسرائيل، لترى هذه البلاد أجمل مما كانت تتصوره. ففي حيفا هي ذي الحلويات الفلسطينية وأكلات الساحل الفلسطيني، وهو ذا شارع بترا الذي يعرفه الناس باسم نينادي نور. وهي ذي قرية الشجرة التي كانت تتخيلها زمن العلاقة مع باسم منهكة جراء الحرب، فإذا بها تبدو متألقة كأنها تحتفل برحيل باسم. أما المنعطف الأكبر في حياة رشا فهو ما سيتأتى على قدومها إلى حيفا، إذْ يفلح جميل كحلون في إقناعها بترك ستراسبورغ والعمل معه، وهو المهووس بالمال ومن كان سمساراً صغيراً في الموانئ فصار حوت البواخر الذي يتاجر أيضاً بالماركات المبرفتة (المغشوشة).‏

مع جميل دخلت رشا في معترك جديد غامض يصخب بالاغتيالات والانتحارات. وسيساعد رشا وجميل في تجارتهما إسماعيل ابن ميلود، وهو الشاب العبقري في اختراق شبكات المعلوماتية، والقابض بالتالي على أسرار دولية خطيرة، لذلك تلاحقه الشرطة الدولية حتى تعتقله ورفاقه. وتلك إلماعة جديدة من الرواية إلى المستقبل. فإسماعيل عمل في مركز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية مع شباب من بلدان مختلفة يحاولون اختراق السماء: "يريدون التأريخ للدلالات الفينومينولوجية لشكل الأحداث للوصول إلى أقصى تخوم هذه الدلالات عبر المسافة والمخيلة الجماعية". كما يعمل إسماعيل في وكالة سبيكر للأنباء بينما يعارضه أبوه، وبينما ترى رشا في مشروعه ورفاقه نوعاً جديداً من التاريخ، قَدْ نكون بحاجة إليه: "قَدْ نتمكن بذلك من الوقوف على الدلالة الحقيقية لما يحدث حولنا".‏

وتؤخذ رشا برؤى إسماعيل ورفاقه المستقبلية، فأكبر الصناعيين يعتمدون على حدوسهم ومعلوماتهم، وهم يرعبون الجميع بلعبهم بالماركات المحمية، وبالجاسوسية الصناعية. لكن لميلود رأياً آخر في ابنه: "لا يريد أن يفهم أنه مهدد في كلّّ مرة بالإفلاس والمرض والشيخوخة المبكرة. شاب بلا دفء. هو في حقيقة الأمر شاب طاعن في السن، أو بالأحرى شيخ صغير".‏

من حيفا إلى طوكيو سيظل جميل كحلون حاضراً في حياة رشا. وستحضر الجزائر في رسالة ريما لها متسائلة: "ما الذي بقي من مدينتنا؟ ما الذي تبقى مني ومنك؟ أنحن لعبة أشباح تتماهى مع الخراب؟". وتبدو ريما كوة أخرى على ما أصاب الثقافة الجزائرية من الحريق، فهي صديقة بختي بن عودة. ورسالتها هي تصرّف برسالة لنصيرة محمدي. وهذه الكوة تنادي الرواية العربية أيضاً بالسؤال "هل أطرق باب الشمس كما فعل الياس خوري؟" وبذكر (مدن الملح). على أن الجزائر التي رمى حريقها في نهاية القرن العشرين بريما ورشا ومحمود وميلود في أصقاع الأرض، ستعود وترمي رشا بعد نصف قرن، حين تعود إليها عجوزاً في الثانية والثمانين مع رنا، لكن الجزائر ستلاقي بالدهس الشابة وتطرد العجوز رشا إلى استنبول، فتلتقي بالعجوز محمود، وتنتهي الرواية.‏

إنَّها المغامرة الخطرة في تخييل المستقبل. ولئن كان ذلك يبقى رهاناً مفتوحاً لقارئ المستقبل، فمغامرة الكتابة أمام القارئ الآن تبدو مرتبكة بطموحها الكبير، إذ تروم النسب الحداثي فتلعب لعبة الميتاراوية ولعبة العتبات والمزاوجة بين فصول المونولوجات وفصول الحكايا ولعبة العبارات الفرنسية والحوارات بالعامية... بينما تضيق ساحة اللعب بكثرة اللاعبين وتدافرهم، وبتداخل اللعب وتنازعه بينهم. ولكن أليس لكل مغامرة فضيلتها؟‏

4 ـ جميل عطية إبراهيم: المسألة الهمجية(4):‏

بالمكر والبساطة، أي بالسحر الخفي الذي وسم روايات الكاتب المصري جميل عطية إبراهيم، يغزل الخيوط الأربعة لروايته الجديدة (المسألة الهمجية)، وهي: سيرورة تشكل اللوحة التي يرسمها الرسام لسلمى مرجان ـ سيرورة علاقة سلمى مرجان ونبيل سعيد ـ شقة نبيل سعيد المغتصبة ـ الهمجية الإسرائيلية والأمريكية. ويتأكد السحر الروائي بأسطورتين، الأولى قائمة في عناية الرسام بالصبي بندق الذي قتله الفرنسيس أثناء حملة نابليون ودُفِنَ جثمانه تحت العمارة، والأسطورة الثانية تكوُّنُها الرواية في حرق الملابس في منطقة أثرية، فالبعض يتزوج تحت الماء، والبعض يعقد قرانه معلقاً في بالون هواء، أما سلمى ونبيل فسيحرقان ملابسهما ليصنعا أسطورة القرن 21، ولهذا ما يؤثثه كما سيلي.‏

فالكاتب الشيخ المقيم في سويسرا نبيل سعيد، يؤوب إلى القاهرة بعد علمه بانتحار من اغتصب شقته منذ سبعة عشر عاماً، وهو الخبير في الرياضيات والعلوم النووية فؤاد بك ابن وكيل الوزارة كمال الأغبر، والذي أقام في الشقة معملاً صغيراً زوده بأجهزة حديثة مما يباع في الأسواق ويُستخدم في المشافي ويعمل بالطاقة النووية، حيث يغدو التخلص من النفايات مشكلة. والرواية تبدأ بمصادفة نبيل سعيد لبائعة الفل فاطمة، وهو في طريقه إلى المحامي، حيث يصادف الدكتورة سلمى مرجان، الشاعرة والناقدة التي تدرس الأدب الفرنسي في الجامعة، والتي ستلبي دعوة نبيل إلى المقهى، ويبدأ يومها الذي سيستغرق نصف الرواية، فيما تستغرق تتمتها أيام أُخر من الشهر: إبريل ـ نيسان 2002.‏

يكبر نبيل سلمى خمساً وعشرين سنة. وبينه وبين الروائي جميل عطية إبراهيم أواصر سيرية، منها السن والإقامة في سويسرا واتنماؤهما إلى جيل 67. ويعزز سرد نبيل للرواية بضمير المتكلم غواية السيرية. ولكن الأهم هو ذلك المكر وتلك البساطة، ذلك السحر الروائي الخفي الذي يشيد الرواية بالحكايا، وجعبة نبيل سعيد ملأى بما يحكيه لسلمى، وهو القائل: "والقص كله مسالك، وكلما توغلت في الرواية ساورتني ظنون بأني عدت أرى بعينين أكثر اتساعاً، وأصبحت أسمع بأذنين سليمتين، وأتبدل بتبدل شخوص حكاياتي". ولئن كان نبيل سعيد يرى أن الكلام صناعة شهرزاد، فسلمى مرجان ترمي بالمعادل العصري لشهرزاد: "الفضائيات العربية يديرها رجال". وسيوالي نبيل سعيد: "كفّتْ شهرزاد عن صناعة الحكايا في القرن الحادي والعشرين، وتخلت عن حمل سجل الزمان الثقيل، وهذه مصيبة، لأغرقها في بحوري، لعلها تقبّ ذات ليلة وفي جعبتها حكاية من أجلي أنا". وإذ تسمّى سلمى نبيل سعيد مرة سندباد ومرة شهريار، يشيد هو الرواية مما يغرف من بحور أوراقه القديمة، ويفعل مثل الفضائيات العربية، فيزوّر تاريخه الخاص، ويبدل تاريخ البلد، ويزوّر تاريخ العالم، ويرتب وقائع حكايته من جديد، ويجلس في مواجهة ذاكرته المعبأة بتفاصيل الأحداث التي خبرها، كحرب 67 أو 73 أو.. وبذا يشتبك تاريخ العمارة التي يقيم فيها الرسام بحكاية الصبي بندق ورمانات البلي (الدحاديل)، كما تشتبك حكاية هانز فوجلي السويسري الذي قضى بالطيران بطائرات الحرير على جبال الألب ـ وهو صديق نبيل سعيد ـ بحكاية ساندرا الكرواتية الشابة التي شبهها نبيل سعيد بالملكة (تي) فأصابها الجنون. ومن المقام السويسري لنبيل سعيد يأتي أيضاً سعيه من أجل محاكمة مجرمي الحرب ـ وعلى رأسهم شارون ـ ليشتبك بسعيه لاستعادة شقته المغتصبة، على إيقاع علاقته مع سلمى مرجان، ورسم الرسام للوحة سلمى مرجان، فتتلامح الأسطورة /الخرافة/ الرواية في صلبها، وبغيتها: "اثنان وامرأة جبارة تجمعهم لوحة ناقصة وبينهم الوهم. معجزات القرن الحادي والعشرين وحروب وإنترنت وعولمة وهندسة وراثية، ونحن الثلاثة يشغلنا زمن البلي والفئران".‏

ومما يتأثث به ذلك كله حكاية فاطمة التي تتكشف أخيراً عن مستشارة لمشروع دار نشر عالمية تدعمها منظمات دولية، بهدف رصد العلاقة بين اللغة والجنس، وذلك كرمى للتنمية لدى الطبقات غير المتعلمة. وقد عملت سلمى مرجان في المشروع، ثم انسحبت بصمت إيثاراً للسلامة، وقد أدركت العولمة الحقيقية، لا العولمة النظرية. وبينما يعتدي (ابن الأكابر) على فاطمة، يعهد نبيل سعيد وسلمى مرجان لها بالثياب لتحرقها، بينما ينصرفان إلى الإفراج عن الفلسطيني بسام الذي يقبض عليه في تعقب الأجهزة الأمنية للتقارير التي تفضح الهمجية في جنين وسواها من فلسطين.‏

ويتأثث ذلك كله أيضاً بما تموج به الرواية في الموسيقى والشعر والفن والأمركة.. فنبيل سعيد لا يأتلف مع الموسيقا الخفيفة التي تدغدغ الحواس ولا تخاطب العقل، الموسيقا الفجة التي لا تليق بمجلسه وسلمى، وتشبه سندويتشات الهامبرجر. وفي منطقة الحسين (يرى) نبيل سعيد أصواتاً بشرية دهستها موتورات عربيات وميكروفونات، ويعزم على أن يصطحب كاميرا حديثة لتسجيل الأصوات المطحونة، لكأن الهمجية تتجلى في واحد من تجلياتها بتلك الموسيقا الهامبرجرية وهذه الموسيقا المطحونة. وبالمقابل، يأتي العود العراقي.‏

وسلمى تأخذ على الشعر الحديث في مصر ضحالة الرؤية الكونية، فيعقب نبيل سعيد: "يا للهول. هذه مصيبة جديدة لم أسمع بها في جنيف، قصائد الشعر الحديث تتركز في العولمة وثورة الاتصالات والهندسة الوراثية وأسلحة الدمار الشامل العراقية على وجه التحديد. وإذا تعمق البعض طالب بضرورة التنمية المستدامة وعدالة التوزيع وسد الفجوة بين الشمال والجنوب إلى غير ذلك من تعبيرات محفوظة، أما فقر الرؤية الكونية في الشعر الحديث في مصر فهذه جديدة". وسيطور نبيل سعيد القول تعقيباً على موقف سلمى مرجان من جيله ـ جيل أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله وعبد الحكيم قاسم و... وجميل عطية إبراهيم، أي جيل 67 ـ فيحمل على الحماقات الكثيرة للأجيال الجديدة الضائعة في أجواء ما بعد العولمة، ولاسيما منها ما يطلقون عليه أزمة الإبداع وكتابة الجسد. وإذا كان غياب الشعر من عالمنا يقتل سلمى مرجان، فنبيل سعيد يمضي إلى أن أربعة أخماس شعراء العالم يستحقون الموت في عصر العولمة. وهو يجزم أنه لا توجد قصيدة في العالم تبزّ قصيدة أمل دنقل (لا تصالح). كما يجزم أن الشعراء المحدثين لا يشغلهم سوى التكالب على نفايات مائدة الحداثة الوهمية "بسبب قلة العقل وبلادة الحس والعياذ بالله". ولعل ما أثبتته الرواية من قصيدة بشير السباعي (المرأة الجميلة) أن تكون إشارة نبيل سعيد وسلمى مرجان والروائي نفسه إلى الشعر البديل.‏

إلى ذلك يسوق نبيل سعيد وسلمى مرجان في الرواية ما يسوقان، عبر نجيب محفوظ. فسلمى ترى أن (جدنا) نجيب محفوظ قفل الحارة على حركة الأدب في الخمسين سنة الماضية "بالضبة والمفتاح".‏

ونبيل يرى أن (عمنا) نجيب محفوظ فتح أبواب الأدب، وشق طريقاً جديدة في السرد، وعلمنا قراءة الرواية الحديثة. وتطور سلمى رؤيتها إلى أن الناس (تطير) في ألف ليلة وليلة وفي الواقعية السحرية، أما في أدبنا فلا. أما نبيل سعيد، فهو يجسد الطيران المفقود، أي اللعب والتخييل، فيما يروي، حيث تتلامح إزاء لوحة سلمى التي يرسمها الرسام، لوحة نبيل سعيد المنشودة: قناديل البحر على الشاطئ، وشبكة العنكبوت في نهاية الأفق، ونجمة داوود تعلق بالشبكة وفي ذيلها قنبلة نووية. ذلك أن مخيلة وحياة نبيل سعيد، مسكونة بالمسألة الأس ـ الجذر: المسألة الهمجية التي أعطت للرواية عنوانها، والتي تعلن فجورها في مخيم جنين، كما تتخلل في اغتصاب ابن الأكابر لفاطمة،‏

وفي اعتقال الفلسطيني بسام.‏

لقد صادف لقاء نبيل سعيد وسلمى مرجان يوم 12/4/2002، والذي ستدّعي أنه يوم ميلادها، ثم ستكشف أنه يوم طلاقها، وعبر ذلك اليوم، وفيما سيليه من الشهر نفسهِ، يقوم عالم الرواية بين القاهرة التي لا تغيرها حرب ولا سلم، وبين جنيف التي لم يصنع فيها نبيل سعيد حاضراً له، بل ترك نفسه لماضيه، بحثاً عن مستقبل يتخيله كنسمة الفجر الندية. لكن هذا المستقبل لا يأتي، فالجحيم ـ في نهاية الأمر ومنتهى الرواية ـ قادم، التنين الإسرائيلي والأمريكي قادم. لكن ذلك لن يعطل سعي نبيل سعيد ضد الهمجية الفالتة، وهو الذي سيتابع طريقه إلى غزة، مواصلاً ما بدأه في جنيف مع رئيس الصليب الأحمر الدولي من التحقيق في مجزرة جنين وفي محاولة محاكمة مجرمي الحرب، وعلى رأسهم شارون. ولعل رواية (المسألة الهمجية) هنا تذكّر برواية بهاء طاهر (الحب في المنفى) والتي تلاحق في جنيف جرائم شارون في صبرا وشاتيلا، وتمتص من الشهادات والوثائق ما تمتص، مثلما امتصت رواية (المسألة الهمجية) شهادة الإيرلندية كويفا بيترلي، بعدما تصدرت بمقتطف منها. ولقد تصدرت هذه الرواية أيضاً، وامتصت فيما بعد، من كتاب أرنست كاسيرر (الدولة والأسطورة) ما ينادي عنوانها، فأفكار الهمجي ليست مضطرمة أو متناقضة، وإن بدت وهمية. والهمجي يتصور منطقه معصوماً من الخطأ على نحو ما، وهذا نبيل سعيد يقول: "المنطق الهمجي لـه ركائز، ويظن الهمجي دوماً أنه على حق، والهمجي من يمتلك القوة ويستخدمها في تحقيق مصلحة خاصة بعيداً عن قوانين وأعراف الناس وضد مشيئتهم". وهكذا تكون المسألة هي الهمجية، من الكتابة الروائية إلى الكتابة الفكرية إلى الحياة اليومية للأفراد وللشعوب أمس واليوم، وبخاصة اليوم، وربما غداً وبعده.‏

5 ـ فواز حداد: مرسال الغرام(5):‏

تأتي رواية فواز حداد (مرسال الغرام) تتويجاً لتجربته التي ابتدأت مختمرة، كالعهد ـ غالباً ـ بمن يبدءون الكتابة (أم النشر؟) في سنّ متقدمة (أين عبد الرحمن منيف؟). وقد تمفصلت تجربة حداد منذ البداية عام 1991 في رواية (موزاييك "دمشق 39") مع لحظات حاسمة في تاريخ سورية الحديث، إلى أن بلغت في الرواية السادسة (مرسال الغرام) نهاية القرن العشرين، حيث تعمق ما راهنت عليه الروايات السابقة من الحفر في السجلات ـ ولاسيما ما يؤرخ للفن فيها ـ ومن لعبة السيرة النصية كميسم حداثي يباري الميسم الكلاسيكي لروائية الكاتب. ولعل هذا ما يتبدى منذ لعبة عنونة فصول الرواية التي بلغت أربعة أسطر (الفصلان 46 ـ 47) وستة أسطر (الفصل 49) وثمانية أسطر (الفصلان 48 ـ 61)، لا لتعلن فقط عن محتوى الفصل، بل لتعلن أيضاً، بالأحرى أولاً، نظام الرواية، وهذا مثال من كثير في عنوان الفصل 64: "وقفة صغيرة لابد منها تسهم في ترتيب بعض الفصول القادمة، التي جرت قبل الفصل السابق". ومثل ذلك هي الفصول الأولى، ومنها: (تمهيد، نبذة، بين قوسين). أما اللعب بأسماء الشخصيات، فمنها ما يعلق السؤال بين المؤلف والراوي الذي سمته الرواية بلقبه، وبه تعنونت: (مرسال الغرام)، ومنها ما اكتفى بالحرف اسماً: (م.ع) و(ل.ع) والدكتور (ج)، إما مناداة للكافكاوية ـ ولكن بلا مبرر ـ أو للتقية أو للتعمية.‏

تتعلق الشخصية المحورية (محمود رشوم) بالراوي ـ وبالتالي بالمؤلف ـ كما يتبدى في رد الراوي على تحذير الممثلة ناريمان لـه من رشوم: "لا مستقبل لي من دونه"، أو كما يتبدى في اعتبار الراوي أن أعظم حدث في حياته هو جيرته لرشوم، أو في قوله مشيراً إلى رشوم: "إذا كنت أعاني من النقصان فهو يعاني من الكم الهائل للتجارب الحياتية، وتدفق أفكاره الجارف وقدراته الفائقة على التعبير عنها". وسيمضي ذلك في غير موقع إلى أن يغدو نظراً في الرواية، لكنه نظر موارب. فالراوي إذ يحمل إلى ناريمان السيناريو الذي كتبه رشوم، ينفي أن يكون تمثيلية تاريخية أو كوميدي، لكأنما يعني الرواية، ولاسيما حين يصف "السيناريو بأنه عاطفي مشوق وقوي ومؤثر، وتلك صفات تليق حقاً بـ (مرسال الغرام)، دون ابتذال. وسوف نرى خطة رشوم في كتابة السيناريو تنقيباً في تاريخ الغناء العربي والدراسات المتفرقة والتسجيلات والمذكرات، لكأنما يعني الرواية. وهذا أيضاً ما يخلص إليه الأعمى كاتب السيناريو الآخر في النهاية، حين يرى أن الحيّز ـ أي السيناريو، بل الرواية ـ ضيق وقد اكتظ بالشخصيات وبالمجهول الذي أضاف رتوش القدر وعجّل بتدافع الأحداث وتصادمها، ساعياً إلى نهاية قبل الأوان. ولئن كان الراوي يسأل الأعمى عما إن كان هو القدر الذي يحرك الجميع، فالأعمى سيقول في فصل تالٍ: "المجهول هو شخص آخر يكتب سيناريو نحن فيه"، فهل هي إشارة أخرى إلى المؤلف؟‏

الرواية والسيناريو:‏

إذا كانت رواية الكاتب (تياترو "1949") قَدْ تعلقت بالمسرح، فرواية (مرسال الغرام) تتعلق بالخطوة الأولى في المسلسل التلفزيوني: السيناريو، وصولاً إلى إنتاجه. فقد حمل الأعمى إلى محمود رشوم فكرة سيناريو، ورشوم يسعى إلى أن يقنع ناريمان بتمثيل المسلسل، جاعلاً من الراوي مرسال الغرام بينه وبينها. وسوف يظهر المخرج مسعود السعدي ويظهر م. ع. الذي تخلى عن ناريمان ومال إلى الممثلة الصاعدة تغريد، كما سيظهر المفتشون، وتتلبس الرواية بالبوليسية، وكل ذلك على طريق كتابة السيناريو فإنتاجه. وبالأهمية نفسها يأتي فعل السيناريو في بنية الرواية، وهو الفعل الذي تنبأ عادل أبو شنب منذ عقود بأنه سينتهي إلى السينيراوية (السيناريو/ الرواية). كما كان ذلك الفعل تشكيلاً ناتئاً في رواية صنع الله إبراهيم (بيروت بيروت). أما في رواية (مرسال الغرام) فسوف ينادي كتابة السيناريو ذلك الفصل الذي ينقل من الكاسيت الأصوات والحوار مما دار بين رشوم الأعمى حول السيناريو. وسيعلو النداء في الفصول 57 ـ 58 ـ 62 ـ 63 التي تقلّب احتمالات كتابة السيناريو بين رشوم الأعمى والمخرج، وفي الفصول التي تتعاور خاتمة السيناريو الذي يترجّح بين (أصل) كتبه الأعمى وبين (مقلد) يؤثث المكان ويرسم الشخصيات، لكأنه القسم الخاص بالصورة في كتابة السيناريو. ولعل الدلالة الكبرى للعبة السيناريو في (مرسال الغرام) قَدْ جاءت في نهاية الرواية عبر برء الراوي على يد ناريمان من عجزه الجنسي، وعبر ما يهيم به الراوي بعد اختفاء رشوم على إيقاع أغنية أم كلثوم: أن يكتب رشوم ما هو أكثر من سيناريو، وأن يظهر ليمضي معه الراوي إلى بقية لقصتها، بقية لـ (مرسال الغرام)، فنهاية الرواية مفتوحة.‏

الرواية والموسيقا:‏

لروايات فواز حداد عنايتها الكبرى فيما بين الفنون والرواية، ولاسيما فيما بين الموسيقا والرواية. ولقد دفعني ضمور هذه العلاقة في الرواية العربية، على الرغم من أهميته الفائقة، إلى أن أوقف عليها مداخلتي في الملتقى الأول للرواية في القاهرة (1998). وهذا ما يجعلني لا أمتأ أذكّر بدراسة الروائي والموسيقي العراقي المرحوم أسعد محمد علي لعلاقة الموسيقا بالرواية العربية وغير العربية، هذه العلاقة التي تبدو الرهان الأكبر لرواية (مرسال الغرام). فمحمود رشوم الذي هاجر إلى الخليج ليعمل في الإضاءة والديكور والتصوير، مال إلى الصوت، وراح يجري تجاربه ملاحقاً تساؤلاته التي أفضت إلى أن الحوار يقتصر على الحوار، والكلام يقتصر على الكلام، أما الصوت؟‏

ينتهي رشوم إلى أن الصوت هو الكاشف، وينجح في اكتشاف كيميائية الصوت، لكنه يعود إلى دمشق بعدما خاب في تسويقه لاختراعه إذاعياً وتلفزيونياً. وإذا كان اختراع رشوم ـ أي ما ترسله الرواية في الصوت ـ يتعكز على السيميائية، فحديث الاختراع سينقلب إلى الغناء والموسيقا منذ تدريبات رشوم لناريمان، وسيظل كذلك حتى تقترب الرواية من النهاية في الفصل 89، حيث ينبئ الراوي باختراق جوقة من الأصوات لرشوم، وهي: صوت العقل الذي بلا فائدة كصوت العاطفة، وصوت الزمن المخيف. وسيلي في الفصل الأخير: صوت الحب، لكأن الرواية بذلك تكرس أطروحتها الفنية، ولكن ماذا عن لغة الأخرس، وماذا عن الأطرش والأخرس الأطرش؟‏

يتباهى رشوم بأنه وحده من يتقن فك شفرة الأصوات الحافلة باللغات. ويبدو رشوم يتوه في متاهة الأصوات وهو يدرب الراوي ويحشد الرواية بالرفرفة والدفدفة، والشقشقة واللقلقة والبقبقة والسقسقة وما شاكل مما ينادي اللعبة اللغوية الأثيرة في روايات إدوار الخراط وأطروحته العتيدة في غنّة الغناء وهزج الأصوات، غير عابئ بما يتأتى للسرد جراء ذلك من عور.‏

وفي متابعة الرواية للعبة الموسيقا لحناً وغناء تتألق خبرة الكاتب في تجربة عبده الحامولي فتجربة أم كلثوم. لكن هذا التألق سيرتبك بالتأرخة التي تبدأ بعرض ونقد كتاب قسطندي رزق أفندي حول الموسيقا الشرقية والغناء العربي، ثم بعرض ونقد الاحتفال بمئوية أم كلثوم، ثم بالتاريخ الجديد لأم كلثوم، والذي يستغرق من الرواية عشرات الصفحات، لو حُذِفَتْ لما خسرت الرواية شيئاً، إن لم يكن العكس. ولا يخفف من ارتباك الرواية هنا ما أقامته من مسرحة للتأرخة، أو من توازٍ بين فصول التأرخة وبين الفصول البوليسية التي تتابع قضايا إنتاج المسلسل والتفتيش الإداري والصراع بين الثري المتنفذ م.ع. ورشوم وناريمان والراوي.. بل إن التأرخة ستثقل على الرواية بشعر أحمد رامي أو الهادي آدم مما غنته أم كلثوم وبما غنّت لغيره كما فعل غازي القصيبي من قبل في روايته (العصفورية). لكن الرشاقة والسخرية في رواية القصيبي دغمتا المتناصات الكثيرة من شعر المتنبي في نسيجها، مما لم يتوفّر لرواية (مرسال الغرام) على الرغم مما أبدعته من السخرية أيضاً، ولكن ليس في هذه المواطن منها. ويبدو أن الرواية قَدْ أدركت ورطتها فلعبت لعبة رابطة عشاق أم كلثوم، حيث يشبك الزمن الروائي بين زمن أم كلثوم وبين زمن رشوم الأعمى، فإذا بالأعمى هو سيد مكاوي، وإذا بالمرأة التي تقلد أم كلثوم، لا تقلدها، بل تسعى لتكونها، وإذا برشوم يتقمص السادات ويلتقي أحمد رامي.. ليصير إدراك الرواية لورطتها في تساؤل الأعمى نفسه: "هل أنا أسير رهبتي للفن أم عظمة زمانها (أم كلثوم) أم أن حبي لها قيدني بها؟".‏

التعرية والهجاء:‏

مع طموح (مرسال الغرام) لأن تؤرخ للموسيقا والغناء خلال عقود أم كلثوم، يتوازى الطموح لأن تكون هذه الرواية (جردة) للعقود السورية الأخيرة، بالتمفصل مع ثورة 1963 الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة. ويتجسد هذا الطموح في شخصية م. ع. القادم من ريف الساحل إلى العاصمة، والذي غدا بؤرة الفساد والإفساد، مثله مثل ابن أخيه ل. ع ومثل الدكتور ج. المسؤول الخطير الذي حصل على الدكتوراه، وعرفت زوجته السرية الروسية ناتاشا أنه من الـ ك.ج. ب. السوري.‏

عبر سرد حيوات كلّّ من هاته الشخصيات الثلاث، وعبر سرد حياة العاهرة لطيفة، وحياة المحقق الذي لا تسميه الرواية، عبر ذلك تعري الرواية القمع والفساد. غير أن هذه التعرية التي توسلت البوليسية والسخرية، تغدو غالباً هجاء عميماً وصارخاً للمؤسسات الإعلامية والإدارية والأمنية والثقافية والحزبية والدينية.. وإذا كان ذلك لم يؤثر في البناء المحكم للشخصيات الروائية الأربع المذكورة، فالمفارقة أنه قَدْ أعلى من الخطابية في الرواية، كما أعلتها التأملات الطويلة التي يسوقها الراوي أو رشوم أو السارد في الفن والحداثة والماركسية.. ويتجاوز طموح الرواية هنا الفضاء السوري إلى العالم كله في (الدرس) الذي يلقيه رشوم على أم كلثوم عما طرأ بعد ربع قرن من موتها، من الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلى الموضة وحديث البيضاوات والشقراوات الذي سبقت إليه أيضاً رواية (العصفورية) في مفصل بديع من مفاصلها البديعة. أما المفارقة فتكبر إذ تنشغل طويلاً رواية بمثل هذا الطموح بشريط فيديو جنسي لمسؤولين، وتغفل ـ على سبيل المثال ـ عن واحد من أهم مفاصل العقود السورية الأخيرة، هو مفصل الصراع الدامي الذي كان بين السلطة والتيار الإسلامي العنفي، بينما أطنبت الرواية فيما جعل البروفسور الروسي يصدح: "سورية من بلاد ألف ليلة وليلة" وهو الذي لم يعلم من غرائب وعجائب وخوارق وفانتازيات الحياة السورية غير (وصلة) شهادة الدكتوراه التي منحها للدكتور ج. فكيف لو عاش ذلك البروفسور هذه الحياة!‏

بكل ذلك تبدو (مرسال الغرام) رواية من (العيار الثقيل)، لم توفر وسيلة لتكون كذلك، ابتداءً أو انتهاء بالجرأة أو النقدية أو الفكرية أو بتفعيل الفنون (السيناريو والموسيقا) في الرواية. وسواء صحت أم لم تصح الإشارات السابقة إلى ما اعتور الرواية، فهي توكيد لاختمار تجربة فواز حداد، وإضافة هامة إلى هذا النهر الدافق: نهر الرواية العربية.‏

6 ـ ياسمينة صالح: بحر الصمت(6):‏

"من أنا بعد هذا العمر؟"‏

بهذا السؤال تتفجر ذكريات سي السعيد لتشكل رواية (بحر الصمت). إنَّها ذكريات الأب العجوز في مواجهة ابنته الوحيدة التي يدينه صمتها، وتدينه نظراتها، وترميه في برد الشيخوخة، بينما يظلل المواجهة موت الابن (الرشيد).‏

هي رواية الذكريات إذاً، تبدأ بالحدث الحاسم الأخير: موت الرشيد، وبه تختم. وبين البداية والنهاية يتناثر حضور الموت ومواجهة البنت، بينما تمضي الرواية في السبيل المعهود: سبيل الاسترجاع والزمن الخطي الذي لا يتكسّر إلا نادراً، إما بقفزات من محطة إلى محطة في حياة سي السعيد، أو بالاستباق. وكل ذلك يزدحم في الفقرة الأولى، ثم يعود الأب إلى طفولته في قرية (براناس) قرب عاصمة الغرب الجزائري (وهران)، وكذلك إلى دراسته في حي (بلكور) في العاصمة.‏

من تلك البئر الأولى تندفق حكايا الماضي كما تشاء الذكريات. وفي بعض الالتماعات الفنية المتناثرة المعدودة التي توشي بها الكاتبة سبيل الاسترجاع، تجعل الحكاية الواحدة تتعدد في صيغ شتى، كما كان لحكاية عمدة القرية (قدور) المشبع بثقافة الاستيطان التي زرعها الكولونيل (دي شاتو)، وخلاصتها: الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا. ومثل ذلك هي حكاية والد العمدة الذي انتهى به إلى القتل وفاؤه للكولونيل. ومثل العمدة كان والده مشبعاً بفكرة الاغتصاب التي زرعها الكولونيل، فالمرأة للاغتصاب كما الأرض.‏

بالتناظر بين علاقة سي السعيد بابنته وبابنه الميت، وبين علاقته هو بأبيه سي البشير، تأتي حكاية الأخير وصديقه سي علي وعشقهما للمغنية عيشة، مقابل اختيار سي البشير لابنة العمدة (الزهرة) خطيبة لابنه الطفل. لكن الطفل سيرفض الزهرة حين يكبر، وسيحضر زفافها لصنوه ابن سي علي، فالولدان يكرران حكاية الأبوين، كما يكرر سي السعيد في حكايته مع أبيه حكاية ابنته وابنه معه، ولكن بالمقلوب، فالرشيد وأخته يرفضان أباهما، بينما سي البشير هو من رفض ـ على فراش الموت ـ رؤية ابنه.‏

يفسر سي السعيد رفضه الزواج من الزهرة كجزء من رفضه لأبيه، ومثل ذلك سيتكرر في حرصه ـ حرص الراوية، حرص الكاتبة ـ على التفسير. فابنته "هي الحقيقة العارية من الادعاء" وهي المواجهة التي طالما خاف منها وأجلّها، وهي ذنبه الكبير الذي اقترفه بحق نفسه وبحق الآخرين، وهي المحكمة التي لا تغفر ولا تنسى.. أما المرأة التي انعطف بسي السيد عشقه لها، فهي الوطن الذي جاءه في ليلة مدهشة على هيئة امرأة مغمورة بالتساؤل، وهي "المرأة/ الحلم/ الغرور/ الموت/ الوطن/ الجرح". ولتوكيد هذا الترميز الساذج للمرأة (جميلة) سنقرأ أن الطريق إليها كانت صعبة وموحشة ومكتظة بالشهداء. وقد ابتدأ حضور جميلة في الرواية منذ التقاها سي السعيد في بيت شقيقها المعلم عمر، والذي قاد ذلك (الإقطاعي الفاسد) إلى الثورة، وهو الذي كان خائفاً وأعمى في تلك الصائفة من عام 1957، يتلمس الخطر المجهول الوشيك بعدما تحوّل رجله القيوم على الفلاحين إلى ثائر بطل لأنه قتل العمدة.‏

كان هذا البطل (بلقاسم) يعامل الفلاحين معاملة الحمير والبغال، فيما سي السعيد يعطيه فرصة الثأر لنفسه من الآخرين، ويرى الفلاحين أخطر من الحرب، إلى أن ينعطف به عشق جميلة، ويؤوي ثائراً آخر، ويداهم الجند بيته، فيفرّ إلى الجبال والثورة، حيث يلتقي القائد بلقاسم، ويلتقي ـ وهذا هو الأهم ـ بعاشق جميلة ومعشوقها: القائد الرشيد، هذا الرقم "من ملايين الرجال الذين أحبوك بجنون فأعطاك حياتهم".‏

لم يكن سي السعيد يقبل أن يصبح الزنديق بلقاسم الثائر القديس لأنه انتمى للثورة. ولم يكن كذلك يدرك كيف يمكن أن يتحول (الإقطاعي الفاسد) إلى ثائر. كان يريد وطنية خارقة تقربه من الناس وتبعده عنهم في آن. كان يريد وطنية على مقاسه. وبينما يقضي عاشق جميلة (الرشيد) شهيداً، ينجو سي السعيد من الموت مرة بعد مرة، إلى أن تحل سنة النكسات في حياته. فهذا الذي يرفض الشهادة التي تخلّف الوصايا، يعود إلى العاصمة بعد الهدنة، ويبلغ جميلة مصرع القائد الرشيد، ثم يلتقي شقيقها عمر وقد غدا قائداً سياسياً، فيطلب يدها، لكنها ترفضه. وهنا يلهث الزمن بالرواية وقد حل الاستقلال الذي أشبهت أعوامه الأولى "الهستريا، فالذين عاشوا الحرب على كراسي الثورة، وقفوا في طابور المطالبة بالحق الشرعي في امتلاك شيء من مزايا الاستقلال". وإذا كان سي السعيد سيصعد في سلّم الحزب، فعمر سيستقيل من القيادة، ويتفرغ للكتابة، ثم سيعتقل ويموت قهراً. وبعد موته ستقبل جميلة بسي السعيد زوجاً. وستسمّي ابنهما باسم العاشق (الرشيد)، ثم تموت، ليربّي الأب ابنه وابنته في المدارس الداخلية.‏

بذا نصل إلى نهاية الرواية، حيث أخفق الرشيد الابن في الدراسة وأدمن على المخدرات حتى الموت، وحيث تفوقت البنت في دراستها الفنون الجميلة وفي كتابة الشعر ـ وستحشد الرواية صفحات مبهظة من شعرها ـ وتفتح وجيلها الشاب صفحة جديدة ونقيضة لصفحة الأب الذي يعود إلى القرية (براناس) بعد عشرات السنين من تاريخه الشخصي وتاريخ الجزائر.‏

لقد أكدت رواية (بحر الصمت) مدى الخسارة حين ناءت تحت وطأة التأرخة، وحين استسهلت اللعب، سواء بالترميز الساذج أم بتغليب الزمن الخطّي وترجيعها لصدى ما ابتدأت به الرواية العربية منذ عشرات السنين، فضاعت الإمكانات التي انطوت عليها شخصية سي السعدي بخاصة، وكذلك شخصية بلقاسم وعمر والبنت والرشيد الابن، كما ضاعت الالتماعات في تصوير الكاتبة لشخصياتها الذكورية، ليبقى فقط من (بحر الصمت) الانتظار لما سيلي من ياسمينة صالح.‏

(1) دار الكنوز الأدبية، ط1، بيروت 2003.‏

(2) دار الكنوز الأدبية، ط 1، بيروت 2005.‏

(3) اتحاد الكتاب الجزائريين، ط 1، الجزائر 2003.‏

(4) دار ميريت ـ القاهرة، ط1، 2003.‏

(5) دار رياض الريس، ط1، بيروت 2004.‏

(6) منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر 2002.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244