أسـرار التخييل الروائي ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2005

Updated: Monday, January 30, 2006 02:33 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل التاسع الحرب روائياً

1 ـ منهل السراج: كما ينبغي لنهر(1):‏

هو ذا يوم كأنما هو يوم الحشر، ترى فيه فطمة المآذن من شدة البرد، وأصوات الداعين للجهاد تتعالى داعية إلى إخراج أبي شامة ورجاله من الحارة، فيخرج الصبيان والشبان تنفيذاً لوصية العم الهارب نذير، وابتغاء وسيلته إلى الجزاء المرتجى "فالمبطون والمطعون وصاحب الهرم والشهيد في الجنة".‏

يسلم الشبان هوياتهم لأمهاتهم كيلا يورطوا غيرهم، فهم موقنون بالقتل. ويقتحم رجال أبو شامة الأماكن الغامضة المخيفة، ويغيبون في المتاهات بعدما قطعوا الجسر ودخلوا حارة فطمة على الضفة الثانية للنهر، فيغضب أبو شامة غضباً شديداً ويأمر بتدمير الحارة من الأرض ومن الجو. ويندفع رجاله من حارة القصب إلى حارة الحور وحارة الصفصاف وحارة القلعة وحارة اللاجئين، يهدمون واجهات البيوت ومئذنة جامع أبي رحمون ويقتلون معظم الرجال.‏

تكتفي الرواية من تعيين فضائها في مدينة ما بحارتين يصل بينهما نهر، مع إشارة عارضة إلى مكتبة المركز الثقافي في المدينة. أما الزمن فتكتفي الرواية من تعيين بدايته بالإشارة إلى الاستعمار الفرنسي، ومن تعيين نهايته بالانترنيت. وقد يكون للقراءة أن تعيّن الرواية في سورية بعون ما تحفظ فطمة من الأهزوجة التي كان يرددها الأطفال زمن طفولتها: "ديغول خبّرْ دولتك باريس مربط خيلنا". وبالتالي قَدْ تعجّل القراءة إلى تشخصي التقية في لعبة الرواية بالزمان والمكان. لكن الأهم هو أن هذه اللعبة جعلت الرواية تنادي أية مدينة عربية خلال عمر فطمة، ما قبل الاستقلالات إلى الأمس القريب الذي عانق فيه العرب الانترنيت. وبتجديد أكبر: المدينة التي دمرّها الصراع بين أي (نذير) إسلامي وأي (أبي شامة)، فخرجت بذلك الرواية من ربقة التقية، وعوضت خسارة التعيين بما هو أثمن، إذ بات شعاع الدلالة أشعة دلالات تتراقص في الفضاء العربي عبر عقوده (المجيدة) القليلة المنصرمة. وإلى ذلك خصصت الرواية (تعميمها)، سواء بوفرة من المفردات والتعابير العامية التي شرحتها في الهوامش، أو بوفرة من متناصات الأغاني الشعبية ـ وقد مضت لعبة التناص أيضاً إلى حي بن يقظان ـ وكذلك بالرهان الفني الأكبر للرواية: الوصف الذي لم تفته دقيقة من دقائق الحارة والبيوت والدكاكين والمقبرة والسجن وأشياء الحياة اليومية الطبيعية (النهر والنبات).. كما لم تفته دقيقة من دقائق الروح للجماعة وللأفراد، حيث غدا الوصف استبطاناً رهيفاً لدخائل البشر في الوقائع الكبرى والصغرى، ولاسيما: واقعة اليوم العظيم الذي استباح فيه رجال أبي شامة المدينة، في ذروة الصراع بين السلطة (أبو شامة) وبين التيار الإسلامي الذي يقوده العم نذير.‏

بيوم من أيام فطمة في عهد الانترنيت، افتتحت الرواية وبدأ نبش الماضي الذي يكنزه (الصندوق). وصندوق الذكريات لعبة أثيرة في الفن الروائي ـ حسبي الإشارة هنا إلى رواية أهداف سويف (خارطة الحب) ـ تستعيدها رواية (كما ينبغي لنهر) إذ تقلّب فطمة سبحة الجدة وهوية الأب ومفتاح قبو القبو وصورة لميا المجنونة و.. والأهم: الكيس الذي يحتوي صور العائلة وصور الحبيب الأول. ومنذ هذه البداية إلى ما سيلي من تقليب في الصندوق الذي دارت حولـه ووقعت فيه أحداث عديدة وأخبار كثيرة، يصير الاسترجاع مفتاح قصص وحكايا شخصيات الرواية التي تكاد كثرتها توقع في التتويه. ففطمة مسكونة بالماضي على نحو جعل الرواية تنوء بالنوستالجيا وهي تحيي حجر وبشر الحارة المدمرة. ولن تفصل الرواية بين ما تسترجع وبين حاضر فطمة. بل يتوالى سرد الماضي في إهاب الحاضر بلا انقطاع من البداية إلى النهاية. وقد تتباطأ الرواية إلى أن تستوفي قصة أحدهم أو إحداهن. وقد تتشظى الأخبار أو القصص في أكثر من موقع، ويبلغ ذلك أحياناً حد التتويه. غير أن الشخصيات تروح تنبني كأنما بسرية أو بصمت الكتابة، مثلها مثل تاريخ المدينة الفاجع. ومن حين إلى حين ينظم هذا البناء إيقاع فإيقاع. ومن الإيقاعات ما يكون مكثفاً لدلالة أو أكثر، أو ما يبثّ دلالة أو أكثر. فالجرذ الذي ينغص على فطمة منذ البداية، سيتفاقم حضوره إلى أن يجعل فطمة تخاطبه: "والله الزمن زمنك"، وإلى أن يحتضن جهاز التحكم بالتلفزيون ويخاطبها: "متى تعترفين بأهمية وجودي؟". إنَّه ما يقرض وجودها، وهو ما سيتعزز بالإيقاع الأكبر الأخير: إصابة فطمة بالسرطان. وإلى ذلك تأتي إيقاعات أصغر كأنما تتولى تنظيم السرد وحسب. فعلى إيقاع طبخة اليبرق ـ مثلاً ـ في البداية التي أطلقها الصندوق، تنتظم استعادة فطمة لنثار، عبر عشرات الصفحات، منه ما سيتركز وينجلي فيما بعد، ومنه ما يغطّي فوراً محطة من محطات فطمة والمدينة، كمحطة الحبيب الأول في المرحلة الثانوية، والتي تعتزم أمه ترك المدينة لأنها من أقارب أبي شامة. ولسوف توالي فطمة لقاء الحبيب امتحاناً لشجاعتها وتحدياً لعمها نذير، بينما الصراع يوشك أن يذرّ قرنه بين هذا العم وبين أبي شامة. ولقد مضى الحبيب إلى ألمانيا، ودعا فطمة إليه، إلا أن فطمة ـ بحسبانه ـ لم تجده قوياً كأصحاب الرسالات، فلم تلب نداءه. أما فطمة فسيقيم فيها هذا الحب، ولن تنسى ذلك الشاب الذي رأته آخر مرة يُدحرج على درج المشفى مضرجاً بالدم.‏

لكل يوم من حاضر فطمة قبل اكتشاف إصابتها بالسرطان وبعده، ما يضيق به اليوم من الماضي، وهي المشغولة حتى الثمالة بتاريخ وتأريخ أحداث الصراع، والتي أنشأها أبوها على كتب التاريخ. هكذا تنهمر الأطياف (الدراسة والبلوغ والأقران..) إذ تزور المقبرة أو تجري التحليلات الطبية أو تُعنى بلميا المجنونة أو تعد الطعام للمؤذن أو تلتقي فارس الرسام والنحات والعاشق الدائم لها... ومن بين ذلك تبرز حديقة فطمة التي تتصدى للنباتات الطفيلية وللنمل وللجربوع كما تتصدى للجرذ، مرددة "زرعاتي مثل أيامي"، لكن أيام فطمة تدول كما الحديقة، ليأتي الموت أخيراً عليهما، بعد نخره الطويل منذ نشب الصراع في المدينة، فنشب السؤال: لماذا؟‏

ذات يوم علل الحبيب الأول الصراع بانتقام أبي شامة للتاريخ. وثمة من علله بقريبة لأبي شامة هي أم الصافي التي أحضرها الجد لتعنى بالعم العاجز. والعم العاجز الذي تزوج الغريبة فتح مدرسة ليهيئ الأولاد كما يريد العم نذير. والعم نذير ـ في تعليل آخر للصراع ـ اعتقد بالمذهب السائد وحمل كفنه على رأسه داعياً لكلمة الحق التي يعتقد. والعم نذير يعود حيناً للتراث ويستشهد حيناً بنظرية حديثة، ويجبر من يخالفه على التوبة. وللصراع إذاً لبوسه الديني. ولكن ثمة من يرى أن كلّّ ما تقدم أسباب سطحية للصراع، أو أسباب كاذبة، إذ "ربما تواطأ العم نذير مع أبي شامة، وهذا تفسير بعيد، أو ربما كان الأمر سوء تدبير من العم نذير، وهذا تفسير قريب". وهكذا يختلف القول في تعليل الصراع وفي تعليل هرب نذير. على أن الرواية تجلو أخيراً بعض هذا الغموض، عبر مشاهدة فطمة لنذير في التلفزيون بأناقته الباريسية. وهو إذاً قَدْ أدار ظهره في منفاه للمدينة، وإن كان لا يزال يدعي النضال.‏

"وسيختل التوازن إن عاد إلى البلد لسبب ما" كما تذهب فطمة في حوارها الطويل مع فارس، حيث تمضي الإشارة إلى المعارضة الإسلامية في الخارج، وإلى أن نذير وأبا شامة وجهان لعملة واحدة. وهنا قَدْ تبرز مرة أخرى إشكالية الرواية بين التقية وبين التعميم الذي يجعلها تخاطب مصر أو تونس أو سورية أو الجزائر.. غير أن الأمر لا يبدو ذا بال، لأن وكد الرواية هو فيما كان من الصراع وفيما آل إليه، مجسداً في شخصية فطمة التي يوحّد فارس في مناجاته لها بينها وبين المدينة، ليجعلها رمزاً تنوشه الفجاجة والإنشائية، وهي في غنى عن ذلك بفضل بنائها كشخصية روائية لا تنسى.‏

على أن هذا الامتياز ليس وقفاً على شخصية فطمة وحدها. فالرواية، باختيارها الشخصية الروائية حاملاً لما كان من الصراع وما آل إليه، أبدعت في تكوين كثيرين وكثيرات. فهذه لميا حين داهمها رجال أبي شامة فحملت صغيرها على كتفيها، واحتضنت وسادة بدل ابنتها، وحين اكتشفت على الجسر خديعة الوسادة، رمت الصغير بدلاً منها في النهر، ووجدت نفسها "دون أعباء، دون طفليها، دون زوجها، ثم دون عقل" و"كان يا ما كان، كان هناك لميا عاقلة".‏

لا أحد يعرف من وشى بأبناء الحارة لرجال أبي شامة إلا لميا، لذلك يرتعد الواشون عندما يصادفونها: "ألن تحلّ عنا لميا الهبلة؟". ومن أولاء وحدها لميا تعرف من هو أبو كوفية الملثم الذي رافق رجال أبي شامة ودلهم على بيوت المارقين وقبض أجره وهرب من انتقام محتمل. لقد عاد أبو كوفية إلى الحارة يحميه رجال أبو شامة. لكن من صاروا يتعاملون مع أولاء لم يتركوا له مطرحاً، بعد ما أمسك أبو شامة الضفتين من القرنين، وكتب كاتبه أنه يعاني من السأم بعد خراب الضفتين.‏

عن ذلك الخراب تروي فطمة بحث رجال أبي شامة عن عمامة نذير واغتصاب الفتيات وخروج الرجال حاملين الرايات البيضاء، وإعدامهم على جدران البيوت والمقابر الجماعية واقتياد الأسرى كباراً وصغاراً يوم الجمعة الذي سيصير كابوساً.. لكأن فطمة تُحَدِّثُ من الجحيم، وسؤالها يوقّع للحديث: "أهذا دمي أم دم أعمامي؟".‏

عبر حديث الجحيم تستعيد زواجها من أحد الفلسطينيين الذين نزحوا إلى المدينة بعد النكبة. وتستعيد حملها وموت وليدها وطلاقها وموت أبيها ووراثتها لكتبه. ومن ذلك الذي كان إلى ما آلت إليه المدينة بعد سنين، ينشب بشر الرواية جماعات من الأموات والغائبين ـ المخطوفين الذين ليسوا بالأموات ولا بالأحياء، مثلما تنشب الفتيات اللواتي أحرقن علم بلادهن أسفل المنصة التي كنّ يحيينه منها ويرددن النشيد الوطني، فصار هتافهن: "يللاّ برّة أبوشامة".‏

من بين تلك الجماعات ينجو نزر منهن ومنهم فتقوم بهم وبهنّ الرواية: مطيعة التي اختطف ابنها الطالب في السنة السادسة طب، فأعدت للغائب قبراً تزوره كلّّ خميسن ـ أم الحب الغريبة التي لا يعرف لها أصل ولا فصل، لكنها أم الكبار والصغار التي حبست نفسها عامين بعد غياب الغائبين ـ الحاج عمر الذي أورثه جحيم أبي شامة وسواس البعث: "أنْ ليس يبعث حياً يوم الحشر" ـ ليلى الجامعية كشقيقتها فطمة، والتي انصرفت إلى مجتمعها المخملي مقرعة شقيقتها: "عيشي فطمة، يعني أبو شامة داري فيك ولاّ شايفك؟". وهاهو أبو سليم الجربوع الذي أسس جمعية الحمير أو نقابة (حمار ولا عار) ونصّب نفسه على أنه أجحش الجميع، إن اضطر للخروج من مكتبه خلال الدوام كتب بخط جميل (الحمار في الجامع) أو (سأعود أنا الحمار بعد قليل)، بينما عمت الفرحة ببطاقات الحمير التي سيعدم من يضيّعها لأنه يبقى بدون إثبات شخصية.‏

بمثل هذه السخرية المريرة ترسم الرواية ما آلت إليه المدينة بعد انتصار أبي شامة. فالأطفال الجدد حمير بالولادة، وأولى الكلمات التي يرددونها هي نشيد الشتيمة. وحين يبلغ واحدهم تهيأ لـه بطاقة الحمار. وقد بات شرط الانتساب ـ بعدما كبرت الجمعية ـ أن يثبت طالب الانتساب أنه قام بأعمال تؤكد أنه حمار. حتى النهر بات يرسل روائح غريبة، والاغتراب طبع كلّّ حجر غادر مكانه، والجميع لاهٍ عن الجميع، وأهل الحارة باتت لهم فلسفتهم الخاصة، والكبار منهم يلقنون أبناءهم الحذق والقدرة على التملص من التهم التي يمكن أن يقعوا فيها بسبب قرابتهم لنذير.. إلى آخر ما تسلق به الرواية (الجماهير) التي صارت تصفق لأبي شامة بهستريا، عرفاناً بجميل صنائعه، وهو يصرف التعويضات على من يعترف بأن موت من ماتوا كان من وباء نذير، وأن الدفن لم يكن جماعياً على شكل تلال، وإنما كلٌّ في قبره ووجهه إلى القبلة. وإذا كان الأستاذ عاصم قَدْ رفض التعويض فلقي جزاءه مثل كلّّ من رفض، فالآخرون "لمّ كلّّ أخ لحم أخيه، موّتتْ الأمهات أبناءهن وأزواجهن وإخوتهن، وقبضن التعويض الذي رمّمن فيه بعض الجدران (...) في حين ظل في الحارة الكثير من الأرامل اللواتي لم يعرفن إن كن أرامل أم زوجات رجال غائبين إلى أجل غير مسمّى".‏

ربما كانت غاية ما كان أن تروي أم الحب أن فتيات، ممن لم يتجاوزن الخمسة عشر عاماً قَدْ ولدن أطفالاً لا يعرفون الآباء، جراء ما كان من اغتصاب رجال أبي شامة لهن. وربما كانت غاية المآل أن تبثّ إذاعة أبي شامة خبر زيارة ابنة أخيه المدللة للمدارس وتوزيعها الورود على التلاميذ في الذكرى السنوية لعيد النصر. بل إن غاية ما كان كغاية المآل، لا تفتأ تتعدد لثورث فطمة الكوابيس وهي تذبل على طريق الموت. ولكن ليس قبل أن يعود شقيقها أحمد الذي اختطف صغيراً، فأعادت تسجيله حياً بعدما كان مسجلاً ميتاً. ولن يلبث أن ينقلب عليها هذا الذي تضيف قصته في السجن فصلاً كابوسياً جديداً من فصول التعذيب. وهكذا يصدق تقدير فارس لخوف فطمة من عودة الغائبين: "سوف يفتحون الجروح وسيختلفون في طريقة رتقها، وأنت ستنزفين من جديد".‏

مع اقتراب النهاية تطلب فطمة من فارس أن ينحت شاهدة قبرها، وترى نفسها في كابوسٍ غانية، وفي كابوسٍ ترى حفلاً لجمعية الحمار، يطل عليه أبو شامة محييّاً برجله. ويسمح لأحد ما أن يدخل من باب جانبي صغير كأنه باب سري، فإذا بالعم نذير يقف في مجلس أبي شامة الذي يصافحه ويجلسه بجانبه "تحدثا بضع دقائق أمام الحضور الذي كان متشوقاً لمتابعة هذا اللقاء بعد كلّّ هذا الغياب". وأبو شامة ونذير وجهان لعملة واحدة إذن. غير أن الرواية ترسل في وجه هذا الكابوس الختامي إشارة النقيض عبر شخصية لميس.‏

لقد أعاد أبو شامة بناء الحارة، ومن ذلك كان مركز الخلية الذكية للاتصالات الذي تبصق عليه لميا المجنونة كلما قطعت الجسر كما تبصق على النهر الذي ابتلع ابنها يوم وقعت الواقعة، فجنّتْ المرأة. وفطمة أيضاً تمقت المركز، لأن أبا شامة أقامه بعد فتكه بالحارة. لكن الشابة لميس غير معنية بأبي شامة، وهي تتردد على المركز لترى العالم وتلتقي أصدقاء من جنسيات مختلفة عبر الانترنيت، كما سيفعل الراوي في رواية خليل صويلح (بريد عاجل) من بعد. ولميس تسأل خالتها فطمة: "لماذا تصرون على أننا جيل غير مسؤول؟ جربي مرة أن تضعي ثقتك بي". إنَّها تريد أن تعرف كلّّ شيء، والمركز وسيلتها. وإذ تموت فطمة، تكبر لميس بسرعة وهي تعبر كلّّ صباح الجسر بين ضفتي النهر، تتابع ما يجري حولها "وفي عينيها الواسعتين تتلامح كلّّ وقت فطمة التي تستلقي بجانب قلعة المدينة، كما ينبغي لنهر..". وبذا تلتف العبارة الأخيرة لتصير عنوان الرواية، بينما تنشج القراءة وتدمى في هذه الكتابة التي أبدعتها منهل السراج من أمسنا ومن يومنا، وربما من غدنا، والعياذ بالله.‏

2 ـ ناديا خوست: أعاصير في بلاد الشام:‏

على إيقاع الصراع العربي "الإسرائيلي" والهزائم المتتالية، تواتر الحفر الروائي في التاريخ. كما بدا في روايات هاني الراهب وحنا مينة وممدوح عدوان وخيري الذهبي ونهاد سيريس وآخرون منهم كاتب هذه السطور، ثم جاءت روايتا ناديا خوست (حب في بلاد الشام) و(أعاصير في بلاد الشام)(2). وفي كلّّ هذه المدونة كان سؤال الحرب في الصلب، مثلما كانت أسئلة الوثيقة والتأرخة والتخييل والتناص والسيرة، وهي الأسئلة التي تمايز الأجوبة عليها بين الرواية التاريخية ـ كما كتبها معروف الأرناؤوط في سورية وجرجي زيدان في مصر ـ وبين الحفر الروائي في التاريخ. ويبدو أن التجارب التي سبقت ـ ومنها خارج سورية تجارب عبد الرحمن منيف وعبد الخالق الركابي وجمال الغيطاني ورضوى عاشور وفوزية رشيد وسميحة خريس... ـ لم تكف ناديا خوست مشقّة افتتاح الرواية بتوكيد استنادها إلى موسوعات ووثائق ومذكرات وكتب تاريخية وشهادات شخصية. بل إن الكاتبة تجلو في (مفتتح الرواية) أنها قَدْ قاطعت الشهادات التي تلونت بهوى رواتها والمذكرات التاريخية التي حملت أطيافاً من رؤى أصحابها، بالوثيقة "كيلا يسجل المؤرخ أن مناخ الرواية وأحداثها غير صحيحة". وعلى الرغم من توكيد الكاتبة أنها لم تكتب رواية تاريخية تبدو مهجوسة بالمسافة ـ أو الصلة ـ بين الحقيقة الفنية والحقيقة الواقعية، وإن كانت تدع فحص ذلك لـ (المختص)(3). والمهم هنا أن سبيل الكاتبة إلى الحفر الروائي في التاريخ، هو كما كتبت: "لكنني أبحت لنفسي أن أستقرئ وأن أشيد الممكن والمستحيل بحقوق الروائي الذي يريد أن يصوغ مُثُلاً جميلة ومؤثرة، وخالدة أكثر من أصولها وظلالها". فهل هو إذاً السبيل الذي اختطه الكاتب (حقوق الروائي الذي...) أم هي زلقة اللسان بالفصحى الذكورية ومكر اللاشعور؟‏

تبدأ رواية (أعاصير في بلاد الشام) من النهاية التي عاد فيها قيس إلى إربد بعدما طوّح في الدنيا عشرات السنين، وبعد أن تطوّح الاتحاد السوفييتي وكواكبه. وبالطبع، لن تكون الرواية بعد مثل هذه البداية، سوى استعادة لحياة بطلها، وإن يكن حضور النهاية سيمثل بين حين وحين أثناء الاستعادة.‏

ينتمي قيس إلى قرية صفورية الفلسطينية التي أبادها الصهاينة في الحرب التي أسفرت عن قيام "إسرائيل" عام 1948. وإذا كانت الرواية في أولى فقرات البداية ستجبه بتلك الإبادة، فهي ستجبه أيضاً بذكرى غزالة وأغاني أسمهان من يفاعة قيس. ثم تنهمر مما آل إليه قيس بعد أربعين سنة ـ بالأحرى: من النهاية ـ أخلاط من فرادته منذ نشأته، وحسبنا من ذلك نبوءته بخراب المعسكر الاشتراكي: "هل كان له حدس الأنبياء وبصيرة المنجمين يوم قال: ما بدأ به الثوار نسيه السياسيون؟". ومن تلك الأخلاط مصادفته في مطار فيينا إبان عودته الأخيرة الغجرية التي ستستدعي ذكرى غجرية طبريا من اليفاعة أيضاً. ومثل هذه الذكرى هي المعلومات عن زواج قيس وعن المسافة بينه وبين ابنه وعن كتابته الشعر ودراسته الفلسفة واستقباله في بيته لسفراء وقادة سياسيين وولعه بالنساء بحثاً عن ليلاه، وصداقته مع جورج ماكاي اليهودي الذي كان مستشاراً في اللجنة المركزية (للحزب الشيوعي؟) ويصفه الصهاينة بخائن الشعب اليهودي لأنه يخالفهم. وكذلك تأتي صداقة قيس مع اليهودي طوران روبرت الذي غاب سنتين ليؤدي الخدمة العسكرية في "إسرائيل"، ثم عاد ليعلن لقيس أن مهمته هي جمع كلّّ كلمة تكتب عن الشرق الأوسط، ورصده لكل رصاصة يمكن أن ترسل إلى بلد عربي.‏

بهذه البساطة التي ينقصها الإقناع يكشف طوران روبرت مهمته لصديقه قيس العصر، الشاعر دون منبر والسياسي دون حزب والرائد الغاضب على الحاضر.‏

وإثر هذه الأخلاط تشرع الرواية بالانتظام في استعادة الماضي التي يقاطعها الحاضر أحياناً كما أشرنا، ليقوم بناء الرواية على تمفصل التاريخ مع حياة قيس ومن له به صلة وثقى من أسرته ومن أصدقائه ومن معشوقاته وعاشقاته. وبعبارة أخرى، يقوم البناء الروائي على التمفصل بين التأرخة وبين سيرة الشخصية المحورية المشتبكة بسير عشرات الشخصيات المتخيلة والتاريخية.‏

فالتأرخة تنهض بأعباء الصراع العربي "الإسرائيلي" منذ مطلع القرن العشرين وانتفاضة 1929 و1936، لتكون الوقفة الكبرى على حرب 1948، وبترجيعات متفاوتة لما سيلي من حروب. ولأن الوقفة الكبرى هي لحرب 1948، لم توفّر الرواية حيلة لتصريف المعلومة والوثيقة كي تقدم تلك الحرب في أرجاء فلسطين كافة، ابتداءً بصفورية وصفد، ومروراً بالصفصاف وطبرية والقدس والمالكية... لكن التحيّل لم يخفف من وطأة التأرخة التي قَدْ تنفرد ـ بل تنتأ ـ بصفحة أو ثلاث قبل أن تتمفصل من جديد مع حياة قيس، لتعود الرواية إلى روائيتها بعد ما كادت التأرخة تأتي على هذه الروائية، كما بدا منذ البداية في التوثيق لعراقة صفورية، ثم في الغمر الذي تلا عن قبة الصخرة وتغلغل اليهودي الصهيوني في الأحزاب الشيوعية، وتروتسكي وإيخمان والبهائية وجيش الإنقاذ وتقسيم فلسطين وتسليح اليهود والصراع في الأردن خلال خمسينيات القرن الماضي... وحسبي الإشارة إلى الصفحات 83 ـ 90 ـ 190.‏

عبر ذلك شكلت الحرب مصائر الجميع، وكان لليهودي حضوره المتناقض تناقض قيام المستوطنة اليهودية قرب صفورية مع صداقة والد قيس واليهودي يوسف الذي نصحه قبل اندلاع الحرب بالرحيل. ومثل ذلك تبدو شخصية مردخاي رئيس بلدية روشبينا الذي يقدم الطعام لأهالي صفد بعد سقوطها ويخاطبهم: "يجب أن نعيش بسلام". بيد أن هذا الاستواء في تصوير شخصية العدو يقع مراراً تحت وطأة الخطاب الأيديولوجي الذي لن تبرأ منه أيضاً الشخصيات الأخرى، بقدر ما تسعى الرواية إلى أن تكون هالة لهذه الشخصية أو تلك، سواء في المعارك أو في السجون التي تنقّل قيس بينها في الأردن بعد النكبة.‏

هكذا صورت الرواية توالي المناوشات في صفورية أو صفد نذيراً بالحرب، ثم توالى سقوط المدن والقرى وقدوم جيش الإنقاذ وفيه من الضباط السوريين أديب الشيشكلي وإحسان كم ألماظ وغسان جديد وساري الفنيش الذي انسحب بجنوده فجأة تنفيذاً للأوامر، كما سيجلو السبب لقيس حين يلقاه في إربد بعد أوبته الأخيرة إليها. وقد رسمت الرواية ببراعة مشاهد عديدة في هذه التأرخة للحرب، من أبرزها ما جاء عبر القصة الفرعية لبهاء سواء في القتل أو النزوح، وفي لبنان أو في الصفصاف أو في القدس أو على الحدود اللبنانية. ولأن غمر الوثائق والمذكرات والكتب والشهادات كبير جداً، والحرص على تقديم (جردة) بالحرب أكبر، فقد استعانت التأرخة الروائية بالاستباق على النهوض بذلك، وعلى نحو يكاد يوازي الاسترجاع أو تقديم التاريخ عارياً من الروائية. فأبو قيس "عرف فيما بعد" أن اليهود العرب تجسسوا على التجمعات الدينية والجماهيرية العربية، وعلى مشتريات العرب للسلاح، وقيس سيتفحص "بعد عقود" كلمات شكري العسلي في مجلس المبعوثان العثماني ويهتف لذلك الرائد الذي كشف يهود الدونمة مبكراً. وعن معارك صفد "سيكتب فيما بعد الكاتب "الإسرائيلي" عاموس متسوريف من عين زيتيم"، وسيكتب اليهودي الأمريكي ليون أوريس عن حرق القرى العربية كمهمة إلهية، سيكتب رابين قائد القوات التي احتلت اللد والرملة في مذكراته عن تهجير سكانها، وسيكتب ألفريد ليلنتال "بعد عقود من الزمن" كيف حدث التصويت على تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة...‏

غير أن الاستباق لم يف بالمهمة التي شارك فيها الاسترجاع والتاريخ العاري. لذلك توسلت الرواية أيضاً المذكرات: الدفتر المدرسي لأميرة التي سجلت فيه وقائع سقوط صفد كما سجل بهاء في مفكرته ما تعلق بجيش الإنقاذ أو بالمعارك التي خاضها، فضلاً عما كان يحكيه لزوجته كلما عاد من معركة. وقد آثرت الرواية غالباً أن تنتهي من كلّّ قصة (فرعية) لمعركة قبل أن تنتقل إلى أخرى، وهو ما سيتكرر أيضاً بصدد حياة قيس والشخصيات الأخرى، حيث ندر أن لجأت الرواية إلى التقطيع كما كان بصدد صفورية، وذلك باستكمال حكاية الحرب فيها حين حاول قيس العودة إليها بعد النزوح.‏

لقد حرصت الرواية على المستوى الآخر المتعلق بحياة قيس وأسرته ومن له به صلة، على فرادة بطلها "ستزيده المصادفات إيماناً ببصيرته وبأن ما يراه في نومه أو يتصوره يقع". وكما كان الشعر مجلى لتلك الفرادة، كانت الأنثى، من غزالة ونجيبة في يفاعة قيس، إلى شهرزاد والمعلمة لور والبهائيات وإلهام... وابتداءً وانتهاءً بليلى التي دأبت الرواية منذ البداية على أن تكون رمزاً يُلْمِعُ بصبوة قيس، في استعادة لقصة العشق التراثية بين قيس وليلى.‏

وقد بلغ هذا الترميز في النهاية مبلغ الفجاجة حين التقى قيس مصادفة ليلى الطالبة في جامعة دمشق، وتوالت العبارات التي تختم الرواية: "دمشق أو ليلى أو هما معاً هذا الصبا" و"هل كانت ليلى حلماً يتمنى كلّّ إنسان أن يستبقيه نضراً ويحتفظ به؟ هل كشف لـه هواه أن القضايا العامة لا تملأ وحدها الروح؟" و"وبدت له ليلى روح ما أحب في دمشق، صبا وعنفوان وكبرياء مدينة وزمن ومجموعة. هل كانت تدري ذلك، أو كانت تجري في فضاء الحرية مسددة إلى أفقها؟" وسيضع قيس صورة ليلى في جيبه وهو يعبر منظمات وبلداناً ونساءً، فتصير تميمته وحلمه ومشروعه ومثله الذي لا يمكن أن يفجع به، وإن كان قَدْ تزوج وأنجب.‏

ولن يكون قيس في محطات حياته الأخرى أقل فرادة، من وظيفة إلى وظيفة، ومن معتقل إلى معتقل طوال خمسينيات القرن الماضي في الأردن. ولذلك تليق الدونجوانية بهذا البطل الذي لا تفتأ الرواية تثقل على حياته بالتأرخة، حيث لا يتعلق الأمر بالحرب فقط، بل بما سبقها وبما تلاها، من ستالين إلى غورباتشوف، ومن غلوب باشا إلى حلف بغداد إلى عدنان المالكي إلى حزب الشعب الديمقراطي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.. وعلى العكس من هذا الإثقال، جاءت المتناصات الأخرى على ندرتها، من الأمثال العامية ومن أشعار نوح إبراهيم إلى شعر الأحنف. وعلى العكس أيضاً من كلّّ ما اعتور البناء الروائي كما تقدم، جاءت لغة الرواية في الغالب، وجاء رسم عدد من الشخصيات كأبي قيس وأمه والبهائية هوية. ولعل الرواية بجماع ذلك قَدْ رفدت مدوّنة الحفر الروائي في التاريخ مما سبق إليه الآخرون، ولكن دون علامات فارقة.‏

3 ـ غالية قباني: صباح امرأة(4):‏

ذات صباح يصحو من في الكويت على كابوس كما تعبر (ندى) الشخصية المحورية في رواية غالية قباني (صباح امرأة). إنه صباح الاحتلال العراقي الذي يواجه فيه زوج ندى (مجدي) الدبابات العراقية، فيحسب أن انقلاباً وقع ضد الحكومة الكويتية. غير أن الكابوس ـ الانقلاب لن يكون فقط في الخارج، فالطبيبة ندى، لن تلبث أن تقول: "زواج منهار ـ وغزو عسكري. أي سجنين أنا رهينتهما"، لكأنها بذلك تصوغ السؤال الشخصي وسؤال الحرب اللذين يعينان شخصيات الرواية جميعاً في تفاعلهما، وبالأحرى في صياغة كلّّ منهما للآخر.‏

تسلم ندى جسدها لزوجها في اليوم الأول للحرب بحثاً عن بداية جديدة لعلاقتهما المعطوبة. لكن بحثها يخيب فتقرر الطلاق. ولن تفتأ الرواية تقيم التعالق بين المستوى الشخصي وبين مستوى الحرب منذ ذلك الصباح الذي عنون الفصل الأول (صباح) إلى ما يرسمه الفصل الثاني (بورتريه) من الشخصيات ومن يوميات الحرب. أما الفصل الثالث (التشظي) فيرسم تفجّر المستويين الفردي والعام بالنفوس والعلاقات والأفكار والفضاء. وهذا ما سيتواصل في الفصل الأخير (لملمة الشظايا)، ولكن على نحوٍ يضفر خيوط الرواية الكثيرة المتشابكة أو المبتورة أو المتواصلة، وهو ـ فيما يبدو ـ ما رمت إليه عنونة هذا الفصل.‏

تتناوب ندى على السرد مع كثير من الشخصيات، ولكل منها قصتها الفرعية. وقد عوّلت الرواية على الاستباق لإكمال كثير من تلك القصص. وبالتالي لمتابعة مصائر الشخصيات حسبما تقلّبت بها الحرب، بينما كان التعويل على الاسترجاع، وبدرجة أدنى، لاستحضار ما يلزم من الماضي. وعلى الرغم من العناية الفائقة طوال الرواية بجّوانية الشخصيات، فقد أفسحت الحرب للكثير من الحوارات السياسية، وعلى نحو نتأ فيه أحياناً الضغط الأيديولوجي على الرواية، فهل كان ذلك لأن أغلب شخصيات الرواية يتوزعها ـ رجالاً ونساءً ـ الطب والصحافة والكتابة والماضي النضالي؟‏

تتعدد الانتماءات الجغرافية لشخصيات الرواية، كما يتعدى الفضاء الروائي الكويت، وإن تكن هي الأساس. ومن بين الجميع لا تعّين الرواية انتماء مجدي وندى التي نشأت في الكويت، ودرست الطب في مصر وفرنسا. وقد ربطتها المظاهرات الجامعية في سبعينيات القرن الماضي في مصر بمجدي، فكان الزواج في الكويت. لكن الرجل انقلب على ماضيه النضالي فبات الزواج اغتصاباً، وبعبارة ندى: "دخل حياتي ليحتل الفتحات التي كنت أتنفّس منها"، لذلك ستلوب: "لو ترك فسحة بين أناه وأنا. كنت سأحب ضمير نحن". حتى إذا جاء الاحتلال العراقي قامت بين الزوجين هدنة لم تطل، فقررت ندى الطلاق رغم أن مجدي لا يحتمل انفصالها عنه كمخلوق مستقل.‏

هكذا وعلى إيقاع الحرب، تتفسّخ العلاقات بين أغلب شخصيات الرواية، كما ستفعل الحرب فعلها في تلك الشخصيات، لتكشف عوراتها أو نبلها أو تبدلاتها. فعلى المستوى العام تشخص الساردة سرعة تعلم سكان البلاد للصمت، ودفع البلاد لثمن التخطيط الحديث للفضاء، وهو ما يسرّ على الجيش العراقي بسط سيطرته والإجهاز على الدولة، فلم يبق ما يدل عليها خلال يومين سوى إشارات المرور. كما أقفلت المطاعم وانقطعت الاتصالات الدولية. وتمضي الساردة إلى أن الحرب جاءت كإيقاع مختلف يخترق الرتابة التي حكمت الحياة اليومية من قبل.‏

بتخصيص ذلك وسواه من السرقة والتهريب والتجارة تتوزع الشخصيات بين ثلاث فئات: الكويتيون، العراقيون، الآخرون من عرب وأجانب.‏

في رأس الفئة الأولى يأتي الطبيب عبد الرحمن الذي يكتب في السياسة والأدب، وكان مؤيداً للعراق في حربها مع إيران، وهاهو الاحتلال يحسبه مؤيداً له فيدعوه إلى الكتابة في جريدة النداء، فيتخفى في ديوانية أقارب لـه. وقد جعلت الرواية من شخصية عبد الرحمن نهزة لها في تقديم قصة والده النقابي وفي تعرية التراتب القبلي كحقل ملغّم حال دون دخول الوالد مجلس الأمة، كما حال بين عبد الرحمن وبين بنت النواخذة التي رفضه ذووها، فتراجعت إلى حين. وعندما عادت تحاول وصلاً لم يستجب، لكنها ظلت جرحه المقيم الذي ستنكأه الحرب، بينما يعمل عبد الرحمن لمقاومة الاحتلال. ولقد كانت الجلسة التي تعوّد عبد الرحمن أن يجمع فيها أصدقاءه من المثقفين والمسيسين الوافدين، نهزة الرواية لتقديم ما طرأ بين أولاء جراء الحرب. فعبد الرحمن يتفهم مساندة الفلسطيني للعراق وهو الذي لم يكن يُسْمَحْ لأولاده بدخول المدارس الكويتية، لكن عبد الرحمن يندد بمساندة أغلب الشعوب العربية للعراق. والأستاذ الجامعي الفلسطيني سليم يعلل ذلك بمعارضة الناس للسياسة الأمريكية. وإذا كان عبد الرحمن يتساءل: "وإذا كانت أمريكا ستحرر لي بلدي؟" فالجراح المصري سعد يرى ذلك خدعة ستخرج العراق وتدخل أمريكا. لكن الكويتي الصحفي مشعل يتصدى لسعد وسليم: "لا يجوز أن يفتي الغرباء في وضع بلد هم ضيوف فيه"، بل ويهدد: "سنقرر في المستقبل من الذي سيبقى في البلد". وإذا كان ذلك سيدفع بسعد إلى أن يؤكد أنه ضد الاحتلال أياً كان، فسليم يفضل احتلال جيش عربي على غيره.‏

يواصل عبد الرحمن ـ الذي كان قومياً عربياً أثناء دراسته الطب في القاهرة ـ سبيله في مقاومة الاحتلال إلى أن يضطر إلى الهرب إلى السعودية، حيثُ ستتجدد جلساته مع آخرين، وجوه بعضهم أميركي الصنع، بتعبيره. أما الحرب فيرجّع دويّها الدويَّ الذي كان البحر يسربه بالأمس عندما كانت الحرب بين العراق وإيران. ومثل عبد الرحمن سيكون لكلٍّ أسبابه التي صنعتها الحرب، ليعود من حيث أتى. لكن سليم الذي انخرط في المقاومة الفلسطينية في الأردن ثم في لبنان، ترفضه البلاد جميعاً، وابنته وابنه يحنّان إلى نشأتهما في أمريكا، وزوجته نايفة عازمة على السفر مع ولديها. وقد أفضى كلّّ ذلك بسليم إلى الجنون كما سيكمل الاستباق قصته، فيودع مستشفى الأمراض العقلية بعد انتهاء الحرب، ثم يرحّل إلى موطنه في غزة، وتطلقه زوجته.. والاستباق أيضاً سيكمل قصة عبد الرحمن بعد انتهاء الحرب، حيث يعود إلى الكويت، ويعقد جلساته في فندق شهير، وتنضم إليه فتيات روسيات "انفرطت هيبة بلادهن في خضم ضجيج حرب الخليج".‏

مقابل نهوض الساردة غالباً بقسط عبد الرحمن ورهطه كما تقدم، يتعلق الباقي من الرواية بندى، سواء أتولت هي السرد أو سواها. فمنذ البداية يحضر شقيقها زياد الذي يرى صدام حسين الآن عقاباً من الله، ويدعو شقيقته إلى الرحيل، بينما كان يرى صدام في حرب الخليج الأولى عقاباً من السماء للمجوس الكفرة. وفي أول استباق في الرواية ستجلو ندى عودة زياد خالي الوفاض، بعدما سرق معاونه البضاعة التي هرّبها هو إلى بغداد، فزياد يبرر لنفسه التهريب، ويأخذ على سواه السرقة، وهو الذي شهد نهب قصور الشيوخ. وكأنما أراد أن يعاقب نفسه، رحل تاركاً بيته لنهب الجيران.‏

بالمقابل هو ذا صهر مجدي، المهندس الهارب من ملاحقة بلده للمتدينين، يرى الشيطان الأكبر (أمريكا) أخطر من الشيطان الأصغر (صدام) الذي يدافع عن الإسلام، بينما كان ضد صدام في حربه مع إيران، لأنها دولة مسلمة. أما مجدي نفسه فسوف تصيبه رصاصة لأنه حاول أن يملص من حاجز عراقي كيلا يفتضح أمره مع من كانت بصحبته. وحين يعود إلى البيت رافضاً طلاق ندى، ستكون لـه (وصلة) مع صديقتها صغرى التي تقتحم بيتها، وتكرع الوسكي، ويسعدها أن الكحول صار متاحاً بعد الاحتلال، بعدما كان لا يباع إلا في السوق السوداء وبثمن باهظ. وقد وفّرت الرواية لشخصية صغرى ما يفردها، كما بدا مع الشخصيات النسائية جميعاً، وأياً يكن حضورها. فصغرى الإيرانية الأصل تهرب الأسلحة للمقاومة في سيارتها "متسلحة بالجسد والدسائس تبحث عن مجد وطني" كما تعلق ندى. وصغرى ترى كلّّ الرجال ضعافاً أمام أجساد النساء. أما كفاية الإيرانية الأصل فلا تطيق أن ترى أشخاصاً أعلنوا فجأة أن "بلدي ليس ببلدي". وستقوم كفاية بنقل الرسائل بين المقاومة ومن هم في الخارج، لكن ذلك كله لا يحجب عنها حقيقة الوافد والمواطن في الكويت، فتحضّ ندى على الرحيل وهي تسألها: "إذا تم تحرير البلد، هل تعتقدين أنه سيسمح لك بالبقاء فيه دون قيود لمجرد أنك صمدت في هذا الظرف؟".‏

لسؤال كفاية تشكيلاته العديدة التي تنتهي إلى أن الغريب يظل غريباً، سواء أنشأ في الكويت مثل ندى، أو كان الأب أو الجد إيراني الأصل مثل كفاية وصغرى، ومثل أمينة التي رفض أهلها زواجها ممن تحب، لأنهم يعلونه في السلم الطبقي. فالأصل يشتبك مع الموقع الطبقي والانتماء القبلي. لكن أمينة تحمل من الحبيب سراً وتلجأ إلى ندى لتخلصها من الحمل. وبالطبع، سيبلغ سؤال كفاية أقصاه حين يتعلق بمن هم من أصل عراقي، كما يتجلى في مقاطعة أهل أمينة لجيرانهم العراقيين، على الرغم من أن واحدهم (عمار) هارب من صدام، وشقيق له حارب في كردستان، وآخر فرّ إلى السويد..‏

غير أن الإحراج الأكبر يتعلق بالعسكري العراقي. وهنا يبدو امتياز الرواية برهانها على الإنساني وإقصائها للأيديولوجي في تشكيل الشخصية، بخلاف ما غلب على روايات آخرين عن حرب الخليج الثانية (وليد الرجيب ـ إسماعيل فهد إسماعيل..). ففي صباح الحرب يستوقف حاجزٌ ندى في سبيلها إلى المستشفى، ويخاطبها العسكري: "يا هلا ببنات العم". ويطلب عسكري (شخاطة) ليشعل سيجارته، ويدعو: "الله يرد لكم بلادكم بالسلامة". وترسم ندى هذا العسكري في بدلته التي ربما كانت من مخلفات الحرب السابقة: "جسد عجوز لرجل في العشرينات من عمره. لو أنني أعطيته منديلاً ورقياً ليمسح وجهه المتعرق على الأقل". وهذا هو آزاد العسكري العراقي الذي أصابه رصاص المقاومة، يتضرع لندى كي تخدره أسبوعياً، فيعنفه رئيسه. وهذا هو طالب الذي أعارته ندى جزءاً من رواية عبد الرحمن منيف (مدن الملح) يناشدها أن تساعده على الفرار، وهو الذي أعدم أبوه في السجن، وله شقيق أسير في إيران.‏

مع تزايد الحشود على الحدود صار الجنود العاديون أكثر عصبية، بينما كانوا في البداية أقل خشونة من حرس القصر. وإذا كانت الرواية لن تُعني بتخصيص ذلك، فقد مضت بالمستوى السابق لبناء الشخصية والعلاقات (العسكري العراقي) إلى ما هو أعمق وأبعد كلما تعلق الأمر بالمرأة. فإلى شخصيات ندى وكفاية وصغرى وأمينة.. تلك هي المظاهرة النسائية الكويتية ضد الاحتلال، وتلك هي حلقة الأنوثة التي ضمت ندى والخادمة إيزابيل ونوال التي أسر زوجها رجل الأعمال، وتلك هي أم جميلة التي كانت عبدة فأُعتقت، والممرضة لمياء التي تخشى العودة إلى بلدها حيث زوجها وأولادها: "لن يحتملوا وجودي بعد توقف بئر النفط الذي هو أنا"... وبالطبع، بدا هذا الوشم الأنثوي أقوى في الشخصية المحورية ندى، ولاسيما في علاقتها بالزوج (مجدي) وبالعاشق (سعد).‏

ولئن كانت كثرة الشخصيات النسائية، ككثرة الشخصيات الذكورية، قَدْ جعلت الرواية تبدو مراراً كميدان مزدحم، وأثقلت بالتالي على الرواية بالعابرين والعابرات، فقد بدت الحرب إطاراً ومحركاً، يشظّي ويلملم الذوات والفضاء والقصص، ليصحّ في الحرب كما يصح في بناء الرواية ما تصدرها من جلال الدين الرومي: "الحقيقة/هي مرآة سقطت فاستحالت كسراً كثيراً/ وكلّ من يجد قطعة منها، يعتقد أنه وجد الحقيقة كلها".‏

4 ـ زهرة ديك: في الجبة لا أحد(5):‏

تروي الكاتبة الجزائرية زهرة ديك في روايتها (في الجبة.. لا أحد) أن المواطن الجزائري (السعيد) آب إلى بيته يملؤه نوع من الفرح الطري، وهو يحمد الله على أنه سلم هذا اليوم أيضاً من رصاصة قاتلة أو من سكين حادة.‏

و(السعيد) الأربعيني المتوسط الطول والثقافة، مذبذب العقيدة والعواطف، بل والشهية، ما عدا شهوته للنساء. و(السعيد) يرغب في وطن شرطه الوحيد أن يكون خالياً من الكواسر. فالمدينة ـ الجزائر ـ كما تروي الكاتبة سقطت في قبضة الوحوش الآدمية، وتأكل لحم أبنائها حياً. ولذلك يأوي (السعيد) إلى بيته على بعد خمس عمارات وثلاثة دكاكين ومطعمين وكشك ومقهى ومسجد ـ كما تبدأ الكاتبة روايتها ـ وقد قرر أن يؤمن بحقيقة طالما خانته جرأته على الاعتراف بها، هي فقدانه لأية قدرة على السكينة. وإيمانه يطّرد مع يقينه بأننا نتعلق بالأوطان كلما آلمتنا، مثلها مثل النساء "نحبهن مهما قسون علينا، ولا نعشقهن إلا إذا مارسن عذابنا ألواناً".‏

سأنحي اختلافي مع هذا الرجل في هذه المازوخية، لأصغي إلى تساؤله عن الوطن: هل هو قدر أعمى وحتمية لا فكاك منها؟ هل الدم مطر هذا الوطن؟ ولعل لي أن أقرن هذا التساؤل بعنوان رواية أخرى للكاتبة هو (بين فكي وطن). والمناط في روايتيّ زهرة ديك هو هذا الشعب الذي يصفه (السعيد) بأنه أكبر الشعوب حزناً وصمتاً وقلقاً ومقدرة على الصبر والغموض. وإذ نعلم أن زمن الروايتين هو بداية اندلاع الحرائق في الجزائر في العقد الأخير من القرن الماضي، ندرك سر الوحدة الموحشة التي أطبقت على (السعيد) في بيته، ليعي لأول مرة أن البيت يؤدي وظيفة السجن كما لا يؤديها أي سجن، وأنه تحول إلى مصيدة قاتلة مذ انهال الطرق على الباب، وقُطع الهاتف، وأَزِفَت الآزفة، فانداحت الرواية.‏

هكذا، وفي أقلّ من يوم، وبين نهار وليل، ستحكي الساردة العتيدة حكايا هذا الرجل منذ طفولته إلى يومه الأخير، بينما يوقّع للسرد طَرْقُ الطارقين للباب، فيفجّر ذكرياته وهواجسه وأحلامه وأفكاره، وهو الذي لم يأبه بتهديدات وتحذيرات الجماعات (الإرهابية) و(المجرمة)، ورفض نداءها بالانضمام إليها، فجاءت لتقضي عليه كما قضت ـ فيما يستذكر ـ على العالم جيلالي اليابس وعلى الكاتب يوسف السبتي وعلى الفنان الشاب حسني وسواهم من المثقفين الجزائريين الذين رسم وجوه بعضهم.‏

فـ (السعيد) الذي يواجه الاغتيال أعزل، أخذ ـ في طفولته في القرية ـ عن ساحر هندي تقنية خاصة في التصوير والرسم، كما تعلّم تقنية الإضاءة المسرحية، ليعمل تقنياً وحارساً في مسرح المدينة الذي كان هدفاً أثيراً للقتلة.‏

على الإيقاع القاتل القادم من الباب تومض لـ (السعيد) صور أبيه وأمه وزوجته التي فاز بالطلاق منها، كما تومض صور عمله دليلاً سياحياً ومن عرفهنّ أثناء ذلك، إلى أن يبلغ المسرح، ويمتلئ البيت بالصور واللوحات، ويمتلئ (السعيد) كالمدينة بالرعب، كما يمتلئ يوم الرواية بطرقات القتلة.‏

في لجّة هذا اليوم تطلع من أعماق السعيد كليوباترة: الحب الذي يسكنه وتنفجر به مخيّلته ليواجها معاً الموت المحقق. وفي حضرة المرأة ـ الحقيقة القاتلة كالوهم القاتل ـ تنجز الرواية حكاياها، عامرة بالخوف والغرابة، ويكون كلّّ ذلك في الفصل الأول الذي تردفه الساردة بفصل ثان قصير فائض عن الحاجة، بعدما استوفى الفصل الأول الحاجة كلها. وهكذا يتأرجح بناء الرواية الذي يتوالى فيه صنيع الكاتبة في روايتها الأولى (بين فكي وطن) من حيث التأرجح بين الالتماعات وبين السذاجة. وهنا، ينبغي التنويه بلعبة الشبكة في رواية (في الجبة.. لا أحد) حيث راكم (السعيد) الأشياء، أي ذاكرته المعلقة، أي (الحكايا)، وحيث لجأ مع حبه إلى جوف الأبدية وقد تعب الخوف من الخوف ولم يتعب الباب من أن يظل باباً تنهال عليه طرقات القتلة. ومثل هذا اللعب الروائي في (الشبكة) هي أيضاً لعبة اللوحات والصور في غرف البيت، ولاسيما لوحة (السعيد) المفضلة التي حرضه عليه قول لورانس بلوك: "لتقتلْ وتخلق". فهذه اللوحة هي مسقط خوف (السعيد) ومنبت أوهامه، وهو الذي صار يمارس القتل كما تروي الرواية: "شنقاً وذبحاً ورفساً وجوعاً وشنقاً وكرهاً وحباً واحتقاراً وشماتة وتهشيماً وإقصاءً وعطشاً وغباءً وذكاءً وعلماً وجهلاً.. أقتل بكل ما أوتيت من ضعف وبكل ما أملك من قوة.. بالأسنان أقتل بالأرجل أقتل بالضحك أقتل بالبكاء أقتل، وباختصار: لقد صرت إمبراطور القتل".‏

غير أن سطوة السارد غالباً، والسذاجة أحياناً، تحاصران مثل هذه الالتماعات في الرواية، إلى أن يقرر الباب أن يتعود الطرق، ويقرر (السعيد) ألا يكون هو نفسه، وتنتهي الرواية منضافةً إلى الدفق الروائي في الجزائر طوال العقد الماضي، شاهداً على الحرائق ومكتوباً بها، متعثراً مرة ومبدعاً مرة، وهو ما يستوي فيه الطاهر وطار وواسيني الأعرج وأمين الزاوي وجيلالي خلاص وبشير مفتي وسواهم من السابقين واللاحقين، وكذلك اللاحقات من بنات شهرزاد: رشيدة خوازم وأحلام مستغانمي وياسمينة صالح وشهرزاد زاغز وفضيلة فاروق و.. زهرة ديك.‏

5 ـ حسن قاسم الساعدي: رقصة الطائر المذبوح(6)‏

سواء أكان في رواية (رقصة الطائر المذبوح) من سيرة كاتبها حسن قاسم الساعدي قدر أو أكبر، فهي سيرة راويها وشخصيتها المحورية: العراقي يونس الذي خاض كالكاتب حرب الخليج الثانية، وهذا وحده يشبك بين السيري والروائي في رواية (رقصة الطائر المذبوح) ابتداءً من الطفولة التي تتعنون بموت القطط وبثلاثي الأقران الذين يتعلق بهم يونس تعلقه بالقطط: نشأت (النوش) وحبيب (الحب) وجميل (الجومة).‏

لكن العنوان الأكبر الذي تحمله طفولة يونس هو اعتقال أبيه ثم إحضار الملثمين لجثته. فمن هذا العنوان ستبدأ حياة أخرى للطفل، يندغم فيها حذر الجيران والأقارب من أسرة المعتقل، وإحراق العم لكتب المعتقل ودفنه لبعضها في الحديقة، وزواج الأم وموت رفيق الطفولة وعشق الطفولة لليلى التي تسورها مسدسات الدولة، فأشقاؤها ضباط عتاة.‏

وكما يجعل موت الأب من الطفل قاتل القطط المحترف، سيفلش مراهقته حتى يسود شارباه، فتأمره أمه بحلاقتهما لينجو من السوق إلى الحرب التي ستمهل ولكنها لن تهمل، لكأنها القدر المقدور الذي سيظفر بيونس بعدما ينتسب إلى الجامعة.‏

منذئذٍ، وفيما ينوف على ثلثي الروائية، سيغدو تأهيل المجنّد في المؤسسة العسكرية، ثم الحرب، مدار الرواية الذي يتقاذف يونس والنوش وصديق الجامعة المسيحي (ميلاد) وسواهم. ومن علامات ذلك التي تهتكها الرواية هتكاً، تعاطي السيكوتين كمخدر، وتحرش الضباط بميلاد، ونشيد المسير تحت الكابلات في صباحات التدريب: "يقولون عدنا سلاح أمريكي/ يقولون نضربْ ضرب تكتيكي". ومن تلك العلامات البالغة للدلالة على النخر العظيم وعلى الهتك العظيم ما آلت إليه ليلى بعد موت زوجها إذ "فقدت كلّّ شيء، حتى الإحساس بالحياة نفسها. خفتت جذوة ما بسبب الحرب".‏

أما الحرب فستكون لها صورتها الورائية المؤثثة بتفاصيل الحياة العسكرية اليومية في المعسكرات وعلى الجبهة، والمؤثثة أيضاً وأيضاً بالمعاناة والذكريات، مما يجعل المحارب يفكر بالانتحار ويهجس: "لو قيض لي أن أعيش حياة أخرى فسوف أرفض بشدة القيام بتمثيل دور الإنسان".‏

فيونس يحارب بجسده الموميائي المقمط، مثله مثل الآخرين، ومنهم الجنود الذين قضوا نصف خدمتهم في سجون وحداتهم بسبب غيابهم المتكرر، ومنهم المدمنون على الأقراص، ومنهم (النوش) الذي يراه يونس ولداً عجيباً يمثل الحرية في أبهى صورها، ربما فقط لأنه يكن للضباط كرهاً بالغاً ويعدهم سبب هروبه وما يجره الهروب. أما غاية هذه الصورة المروعة فهي الشواء الجماعي الذي ينتظر الجميع، والجميع يراهم يونس "مجرد حيوانات". وسيتضاعف الأمر هولاً بعد أربعين ليلة من القصف. وبعد الانسحاب وبعد الوقوع في الأسر بين مئات الآلاف، حيث تُصنف المعسكرات بحسب الجيش الآسر، فتكون للدول العظمى حصة الأسد. وكما كانت الجرافات الأمريكية تخترق حقول الألغام، وكما كانت الحيوانات المدرعة تطمر من تطمر، سيتبع الآسرون سياسة تجويع الأسرى، لا لأمر إلا الانتقام. لكن الأسرى سيضربون لأول مرة في حياتهم دون أن يخشوا القتل جزاء على الإضراب. وستفرد الرواية شطرها الأخير لما قضاه يونس في مشفى الأسر بعد معسكر الأسر. وستوالي الرواية هتك الحلفاء الذين أحرقوا هويات الأسرى ودفاترهم العسكرية وساعاتهم ونقودهم، وانهالوا عليهم بالعصي الكهربائية وكبلوهم بخيوط البلاستيك، حتى جاء قائد القوات المشتركة ليحاضر فيهم تحت عنوان (حدود الضيافة). وسيكون للصليب الأحمر نفسه نصيب من هتك الرواية، بينما النهاية تقترب من المتاهة، ويونس يعتلّ بعلّة عجيبة ينعجن فيها عصاب الخوف بالكوابيس حتى يستحق يونس لقب العقدة ولقب فأر الصحراء.‏

لقد تابعت بقدر ما أتيح لي ـ وهو قدر محدود على كلّّ حال ـ رواية الحرب في العراق، بعيد نشوب الحرب العراقية الإيرانية. وإذا كان الصدى الأيديولوجي الطاغي في الكثير مما تابعت قَدْ آذى الفن أو أتى عليه، فقد ظل سؤال النقد إزاء ذلك قائماً بالنسبة لي. ومنه ما لازلت أذكره من كتابات عبد الله إبراهيم ومحسن جاسم الموسوي خلال الثمانينيات من القرن الماضي. على أن الأمر كله قَدْ تبدل فيما يبدو مع ظهور الفعل الروائي لحرب الخليج الثانية. وهنا تأتي رواية (رقصة الطائر المذبوح) شأنها شأن ما سبقها لمن سبقوا حسن قاسم الساعدي، وحيث تراجع طغيان الأيديولوجي ليتقدم الفن المعجون بالمأساة الفردية والجماعية، الجسدية والروحية، كما هو الشأن في غرر الإبداعات التي فجّرتها الحرب عبر التاريخ.‏

6 ـ أمين الزاوي: يصحو الحرير(7)‏

بعد الاستهلال الأول بالشعر العامي الجزائري، يأتي الاستهلال الثاني في رواية أمين الزاوي (يصحو الحرير) متيمناً بالكاتب السردي التراثي إذ يفتتح كتابه، فيدعو للقارئ بالحفظ والبقاء، ثم ينبئ أمين الزاوي القارئ أن النساء منازل والقمر منازل، وأن منازل النساء تتعلق بمواقيت الزراعة والإخصاب والحج و... أما كتاب الزاوي (روايته) فمسطّر لمنازل امرأة "حكايتها على لسانها، والمحكية كاللسان لا عظم فيه، وهي مروية من أقاليم العشق وصهده وفتنته والرحلات ومصاحبة الرجال ومعاملاتهم التي هي فن كفن القتال وفن القنص وركوب الخيل وفن الكذب".‏

بهذا الاستهلال نفسه سيختم الكاتب روايته مبدلاً ببعض الكلمات، ومعلناً اسم المرأة ـ بطلة الرواية: (حروف ـ الزين) وهو الاسم الذي سماها أبوها به على كبر ـ كما تخبرنا في بداية الرواية ـ بدلاً من اسمها الحقيقي (شريفة). ومنذ البداية، ستبدي (حروف ـ الزين) وتعيد في (الحكاية)، فأن تحكي، فهذا يعني: "أنني أنتزع عن جسدي المصبوب هذا كلّّ أشيائي الداخلية"، والمرأة عليها أن تحكي، وألا تصمت، مثلما عليها "أن تختار قبرها منذ أن تصعد أنوثتها في دمها الأول". وستكرر (حروف ـ الزين) وهي تروي الرواية، الوعد بحكاية قادمة، بينما هي تحكي أخرى، كما ستسأل القراء: "هل أحكي لكم؟ أتسمعون حكاية امرأة تخاف أن تسمعوا حكايتها؟ هل تخافون الحكاية أم تخافون المرأة؟".‏

بهذا التوحيد للحكاية بالمرأة سنتعرف على هذه الأربعينية الفنانة التشكيلية والشاعرة التي تكتب بالعربية والفرنسية، والتي ينازعها السارد الذكر ـ أليس بالكاتب المختبئ خلفه؟ ـ حكي الحكايا وسرد الرواية، ولو بحدود، كما تنازعها ذلك شخصيات روائية عديدة. وبالارتجاع المتشظّي على مدى الرواية سنتعرف على أسرة حروف ـ الزين، وفي مقدمتها الأب العاشق للقرآن وشعر المتنبي ورحلة ابن بطوطة. وقد نفرت البنت من أبيها لأنه مزواج مطلاق (ست مرات) ولمعاملته السيئة لزوجاته، ولاسيما لطلاقه والدتها. لكن حروف ـ الزين تحب جاكلين الفرنسية التي أعقبت الأم، والتي كانت تحكي حكايا جميلة عن مدن جميلة، لا تشبه حكايا الأم "إلا أن حكايا أمي كانت أجمل". وقد ضرب الأب الفرنسية ثم طلقها، فظلت البنت تتردد عليها حتى رحل الأب بأسرته إلى الجدة في مدينة ندرومة: المدينة التي انصهر فيها الجمال العربي بالجمال العبري. وهناك تظهر شخصية العم إدريس، وكان اسمه قمر الدولة قبل أن يفقد عقله عندما شاهد مجموعة رجال تلقي بيهودي في (البرمة) حيث الماء تغلي.‏

إلى (بشار) الصحراوية، ينتقل الأب بأسرته مجدداً، بعد خيبته في استعادة أم حروف ـ الزين التي تزوجت، فكرهتها ابنتها، وتعلقت بالأب الذي تزوج في مقامه الجديدة، ثم طلق وعاد إلى ندرومة ليتزوج من التي ستحرم الغناء على البنت اليافعة، وسيطلقها الأب ويمضي بأسرته إلى المدينة (وهران) حيث يدخل في اكتئابه، بينما تعشق المراهقة جبران خليل جبران، وتتزوجه، حتى إذا اكتشفت أنه ميت كانت رضّة أخرى لها، كرضّة زواج أمها من قبل، وكرضّة تلصصها على الجيران من بعد، وكرضّة شقيقها الذي يعدّ أنوثة شقيقته لعنة سقطت على رأسه وعلى رأس العائلة، بينما لم تشعر البنت إزاء والدها بعقدة الأنثى. وإذا كانت حكايا حروف ـ الزين ستعبر بالشقيق عبوراً، فهي ستسهب في توأمها فاطمة التي تزوجت من يعقوب البربري، وإن كانت تحب شقيقه، وهي التي كانت ترى في حروف ـ الزين "نصفها الضائع، توازنها، عشنا في الرحم ملتصقين وفي الحياة كذلك".‏

من الماضي ستأتي حروف ـ الزين أيضاً بجديتها لأبيها، والتي كانت تحكي لها الحكايا بالعربرية ـ العربية البربرية ـ على العكس من جدتها لأمها المتعصبة للغتها البربرية، والحاضرة بقوة في اللوحات الزيتية لحروف ـ الزين. وسيكون أول ما يحضر من الماضي حكاية رحلة حروف ـ الزين إلى استنبول، حيث تلتقي بالبرازيلي ذي الأصل اللبناني (انطونيو). وستحكي له حكاية (بقرة اليتامى) استجابة لرغبته في أن تحكي له حكاية بالعربية التي لا يفهمها. وفي شطر الرواية الأخير ستحكي حروف ـ الزين ليعقوب بعد طلاقه من شقيقتها، حكاية رحلتها مع حبيبها (ممو العين) إلى بلد المعاصي (الشام). وهنا ستندغم حكاية الجار الشامي (صموئيل الناشف) وعمته الإسكندرونية العجوز التي تتعلق بجارتها الجزائرية..‏

تسوق الرواية هذا الدفق من حكايا الماضي، فيما هي تسوق حكايا الحاضر في زمن غورباتشيف والبيرستريكا والمارلبورو، وصولاً إلى زمن الإرهاب المتأسلم في الجزائر. وهنا تتركز الرواية في شخصيات يعقوب وممّو والعم مزيان. أما يعقوب الذي يدّرس العربية ـ والبربري المنخرط في الحركة الثقافية البربرية M.C.B ـ فهو عاشق حروف ـ الزين، وهي المتواطئة على عشقه الذي سينتهي به إلى طلاق شقيقتها. لكن المتواطئة عاشقة لذلك المجند الذي يحمل الليسانس ويؤدي الخدمة العسكرية في (بشار) الصحراوية. إنه ممّو العين كما تسميه عاشقته التي لقبته أيضاً (عجلي الجميل). وهي تخبرنا سلفاً بالمثلية التي تربطه في الثكنة بضابط من الجيل الذي حارب فرنسا. ومثلما سيحكي ممّو حكاية هذا الضابط، سيحكي أيضاً حكاية أخته التي دُفِنت حية. ولأنه مسكون بهذه الحكاية، تطرده حروف ـ الزين، ثم تلحق به إلى (بشار)، وتجمعها السيارة بالصحفي الأمريكي الذي يحكي حكايته وحكاية أبيه وجده المثلييَّن.‏

عن ممّو ستسأل العاشقة صاحب الدكان العجوز الذي يفيض في حديث الذباب، قبل أن يرمي بخبر الحافلة التي صادفها حاجز مزيف للإرهابيين على طريق بشار ـ وهران، فذبحوا من في الحافلة. وهكذا تعود العاشقة خائبة، ليباغتها المذيع باسم ممو بين المذبوحين. وكانت حروف ـ الزين قَدْ أشارت في البداية إلى الإرهابيين، وهي ترقب من شرفتها المظاهرة المحفوفة بشبان ملتحين يهتفون بهتافات الجبهة ـ هل هي جبهة الإنقاذ؟ ـ ويرتدون اللباس الأفغاني وأحذيتهم توحي أنهم من ضواحي المدينة.‏

في المظاهرة ستلتقي نظرات حروف ـ الزين بنظرات واحد من أولاء، تصفه بالمكحّل والمخنث والمسوّك، كأنه غلام من رسوم الواسطي. وسيغدو ذكر هذا الشاب إيقاعاً متنائياً للرواية، يشتبك بإيقاع الهاتف المجهول الذي تتلقاه. وبعد الفجيعة بذبح ممّو، ترى المفجوعة وهران ـ سويسرا الجزائر ـ تلك الكذبة السويسرية المختنقة بالحموضة والرطوبة وإطلاق الرصاص وأخبار الموت. وتستذكر حروف ـ الزين من المثقفين الذي اغتالهم الإرهابيون في الجزائر بختي بن عودة والطاهر جاووت و.. وتمضي إلى صاحب رواق (ماتيس)، أي إلى حكاية العم مزيان التي سيتوزع حكيها مع السارد ومع حروف ـ الزين، ابتداءً من عهد صاحبة الرواق الفرنسية كلوديل، والتي عادت إلى بلدها بعد الاستقلال تاركة الرواق لعاشقها العم مزيان الذي طلقته زوجته لأنه لم يستجب لإلحاحها على تبديل الرواق إلى متجر. لكن هذا الصمود سينهار أمام تهديدات الحزب الحاكم، أولاً بإبدال اسم ماتيس باسم شهيد، ثم بإزالة الأوثان ـ التماثيل، كما فعل الإرهابيون بتماثيل الحدائق العامة، إذ ألبسوها جلابيب وفساتين تستر عريها. وهاهو العم مزيان يخاطب حروف ـ الزين التي تقرعه على تحويل الرواق إلى متجر: "هذه هي بلادك، بلادك التي حاولت أن تقنعيني من خلال حزبك الماركسي أنها تمر بمرحلة سميتموها: المرحلة الوطنية الديمقراطية". لكن الرجل سيعيد المتجر رواقاً كما كان، ويقيم لحروف ـ الزين معرضاًَ فيه، فيسارع الإرهابيون إلى تفجيره، وتنقفل الرواية على الفنانة التي أدركت الآن حجم الفراغ والجحيم، ومساحة الكلمات البكماء.‏

لقد تقدم الفنان التشكيلي والفنانة التشكيلية إلى البطولة الروائية منذ حين، وهاهي رواية أمين الزاوي (يصحو الحرير) تقدم حروف ـ الزين هاتفةً: "أريد أن أتقيأ كلّّ شيء"، ومخاطبة القراء: "ألم أقل لكم إن النساء منازل والقمر منازل"، وهي إذاً صاحبة ما رأينا من الاستهلال الثاني للرواية، ومن الخاتمة، مع أن السارد يوقّع باسمه هذه الخاتمة وذلك الاستهلال. ولعل هذا ما يعجل بالسؤال الأكبر عن مدى تقنّع الكاتب بقناع بطلته، وبخاصة أن السارد سينازعها حكي الحكايا، كما يفعل ممّو العين والعم مزيان والصحفي الأمريكي والضابط العاشق لممّو وصموئيل الناشف. وإذا كانت غواية الحكي والحكاية توقع بأولاء كما توقع بالفنانة، أي إذا كانت هذه الغواية توقع بالرواية، فمن المهم أن يُشار إلى ما جرّه الحكي من استطراد، كالحضور العابر لتوفيق زياد في إذاعة "إسرائيل"، أو الحضور العابر للماركسي اليمني ساخراً من الماركسيات العشائرية العربية. وربما كان من ذلك النصّ الفرنسي للملصق على زجاجة النبيذ، إذ يكرر قراءته ممّو العين، موهماً بلعبة التناص التي ستأتي بحوار الفنانة مع سائق سيارة، وبسطور من سيرة رابعة العدوية، ومن رواية كافكا (أمريكا) ـ وكل ذلك بالفرنسية وبلا ترجمة ـ فضلاً عن الإشارات إلى هنري ميلر وإلى مالك حداد ولوكليزيو، لكأن حروف ـ الزين تستعرض ثقافتها. لكن الأهم من ذلك هو حضورها الروائي كفنانة تشكيلية، تتمنع عليها اللوحة المزمعة في بداية الرواية وهي تهدد القراء: "إذا قفلتم فمي فسأرسم" و"سأمارس كلّّ شيء بمنكر الألوان". وعندما تقترب النهاية، تبدو الفنانة تهوي في قاع حالة تشبه النضوب أو فقدان الوزن والكتلة والشكل، فتعجز عن مواجهة القماش والكتلة الجبسية التي تحاول تشكيلها، فإذا بالكتلة مبهمة وقابعة في صمتها ومكرها وسبرها كالجريمة الغامضة. إنَّها الكتلة ـ التمثال ـ التي تبحث عن جسد تلبسه وروح تكونها.‏

في هذه التجربة الروحية المريرة تعيش الفنانة مع الغزالة التي جاءها بها ممّو العين، محشوة بالتبن والنخالة. وباغتيال ممّو وتفجير رواق العم مزيان، تبلغ هذه التجربة ذروتها، فترى الفنانة الغزالة تتحرك، فيها التمثال ـ الكتلة ـ يعلوه رأس العم مزيان، متوجاً صراع الفن والإرهاب. وإلى أن تصل الرواية إلى هذه النهاية، ستكون حروف ـ الزين قَدْ أبهظتها بِحِكَمِها في الذكورة والجنس والحب، كقولها: "ضعف الرجال قوة لا تماثلها قوة" و"غواية الألوان كغواية الرجال". و"الرجال منافقون"، والحب "إذا لم يقتل أحد الطرفين، فإن مصيره الموت". وإذا كان حضور الجنس هنا يباري في شذوذه ما لـه في روايات صنع الله إبراهيم (ممّو والضابط ـ صموئيل وعمته ـ الجار والكلاب..) فحروف ـ الزين ترى نفسها غرضاً جنسياً لأي ذكر، وأولهم صهرها يعقوب الذي تلمس فيه بعد يأس منها استعداداً للانخراط في منظمة إرهابية، كي يصفي حسابه مع منافسه عليها ممّو العين. وهذه هي أيضاً الفنانة تتهرب من نظرات العم مزيان الخارقة التي كانت تذكرها بنظرات جارها المعلق بكلبة. وهاهو الطفل الذي تشتري منه السجاير يعريها بنظراته، وهاهو السائق في الرحلة إلى (بشار) يكاد يأكلها: "يمصمصني بعينيه اللتين تشبهان عيني نسر وحشي جائع"، وهاهم جميعاً في الشارع: "مصمصوني بعيونهم التي فيها أنياب كبيرة ومخالب نسور من فصيلة الحمير".‏

أحمد زين: تصحيح وضع(8):‏

بدون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً: هكذا قال باشلار. أما عبد الله البردوني فقد قال: عرفته يمنياً، في تلفّته خوف، وعيناه تاريخ من الرمد. وهذان القولان اللذان يتصدران رواية أحمد زين "تصحيح وضع" ليسا فقط عتبة أو مفتاحاً، بل لعلهما أيضاً أو أولاً خفق هذه الرواية في فضاء يترامى بين ديترويت الأمريكية والرياض والدمام السعوديتين واليمن، ناهيك عن البحر وعن الإمارات (أبو ظبي ودبي). ويترامى خفق الرواية أيضاً بين بداية الهجرة اليمنية إلى الولايات المتحدة منتصف القرن الماضي وبين العهد الإمامي اليمني وحرب الجمهورية اليمنية ـ من ينسى مصر هنا؟ ـ وحرب الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، وصولاً إلى بؤرة الرواية التي تشكلها حرب الخليج الثانية. وهاهنا، قَدْ يكون من المهم أن يسرع القول إلى أن رواية (تصحيح وضع) تخفق أيضاً أو أولاً في فضاء الرواية العربية الحداثية، وبخاصة ما آل إليه التجريب الروائي العربي في هذا الفضاء في العقدين الأخيرين. وهنا يقوم التحدي أمام رواية مثل (تصحيح وضع) بين تجريبيتها ونشدانها الحداثي، وبين ما يبدو للوهلة الأولى من نزوع الفضاء والزمن الروائيين المتراميين إلى الاستجابة التقليدية التي أرساها تاريخ الرواية العربية وغير العربية.‏

أما عتلات هذا التحدي أمام رواية (تصيح وضع) فقد جاءت في ثنائية الفرد والجماعة، وفي الثنائية الجيلية، وفي ثنائية الذاكرة (الماضي) والشهادة (الحاضر)، وقبل ذلك كله وبعده: في السؤال اليمني ـ الإنساني عن الوطن والمغترب، عن البيت الباشلاري، حيث يتكثف (المعنى) بعد أن تكون الرواية قَدْ فككته وفتتته حدَّ الهباء.‏

هو ذا (شائف) يتملى البطاقة التي أرسلها شقيقه الأصغر من ديترويت، حيث اليمنيون المهاجرون الغارقون في عيش وأعمال الهامش والقاع، ورغم ذلك تقول البطاقة: "خيّ الأكرم: بدأت أحب هذه البلاد، فهي لا تمنّ علينا بما تقدمه". وهذا الشقيق الذي يسعف شائف بحوالات الدولارات، كان اشتراكياً (الحزب الاشتراكي اليمني)، ويحسب عدن موسكو، ويقدس قرية الزعيم الرمز عبد الفتاح إسماعيل (الحجرية). لكن الشاب عاف كلّّ شيء بعد أحداث يناير 1986 وهاجر. وأما شائف فهو على إيقاع أحداث آب ـ أغسطس 1990، نهب ما سيعصف باليمنيين في السعودية جراء احتلال العراق للكويت، ونهب ذكرياته قبل عهده بالبحار في ستينيات القرن الماضي، وبعدما طافت به السفينة (أفريقيا)، وبعدما ألقى مرساته في الرياض، حيث يدّارى في الليل خوفاً من القبض عليه، شأنه شأن من بدأ ترحيلهم بعد الذي كان من مناصرة الحكومة اليمنية للعراق.‏

هذا (الحاضر) الذي سيتطاول سنوات قليلة بعد حرب الخليج، هو ما ستتقلب فيه معارف ونكرات الرواية، بالاشتباك دوماً مع الماضي، مع الذكريات الفردية والجماعية. وستتوزع كتابة ذلك في الرواية بين الفصول التي يرويها الراوي بضمير المتكلم، وبين الفصول التي يرويها السارد بضمير الغائب، مرة للمعارف: للجدة وللشابة قبول ولقاسم وللخياط وللمهرب وللتاجر، ومرة للجماعة ـ النكرات.‏

وعبر ذلك تتطاير المفردات الطارئة بفعل الحرب والترحيل، من رخصة الإقامة إلى تصريح التنقل إلى طلب التجنس إلى التخفي والسجن والتهريب والحدود.. وستمضي بالسرد كلّّ مفردة من تلك المفردات إلى نبش الماضي وإلى الوقائع الجديدة، وبالتالي إلى تدمير الروح الفردية والجماعية، سواء في الوطن (اليمن) أم في المغترب السعودي.‏

من بين الجميع تظل الجدة وحدها صرحاً مقيماً مثل بيتها الذي سيؤوي من عادوا تهريباً أيضاً من الوطن (اليمن) بعد الحرب. وستظلّل ذلك ذكريات الجدة عن مضايقات عساكر الإمام أحمد، وعن صراع الملكيين والجمهوريين، وعن أيامها الأولى في المغترب، حين كانت الأرض (برخص التراب)، ولم يفكر مهاجر بشراء بيت. وعلى الرغم من السؤال عن توقيت مساواة اليمنيين بسواهم في إجراءات الإقامة، وعن علاقة ذلك بموقف الحكومة اليمنية من الاحتلال العراقي للكويت، وعلى الرغم من الحسرة على زمن كانت فيه الجنسية تعرض لمن يريدها، وبعضهم لا يقبلها كيلا يبدل جنسيته.. على الرغم من كلّّ ذلك تتصدر صورة كبيرة ملونة للرئيس اليمني صرح ـ بيت الجدة، وتنظر الجدة إلى الصورة معاتبة، لكن لسان حالها يقول: "لعله يرى ما لا نراه ويعرف ما نعجز عنه.. هو الراعي ونحن القطيع".‏

مقابل الجدة تأتي شخصية الشابة (قبول) التي ولدت في الدمام، ولا ذكريات لها في اليمن، والتي ستفجّر شهوتها أصابعُ الدركي الذي يفتشها على الحدود، حيث أدركت أنها تستطيع وحدها تغيير مصير أهلها. لكن (قبول) لا تعرف عن بلاد أبويها (الوطن) شيئاً.‏

بالرحيل وبعده أحست (قبول) أنه لم يعد لها وطن، وشعرت بفراغ أليم، وتساءلت: "هل الوطن مجرد أمكنته، جغرافيا، والناس هم حركتها، عافيتها؟ إذا كان ذلك نعم، فليس هناك وطن. ذلك ما بات يتأكد لها، حيث شاهدت وخبرت الحياة المختلفة في اليمن. لا وطن لها لأنه لا يوجد أناس ولا حركة، فقط أشباح، مخلوقات تفتك بها الفاقة". وشأن (قبول) هذا هو شأن سواها ممن لفظهم المغترب، وبينهم كثيرون كانت سفراتهم إلى اليمن نادرة وقصيرة. وهاهم جميعاً "يكتشفون بعد كلّّ هذه السنوات أن ما عرفوه عن وطنهم ليس أكثر من صورة باهتة". ففي صنعاء وتعز والحديدة وعدن طارت إيجارات الشقق والفنادق وأسعار السلع، وتكاثرت الخيام التي جلبها المرحّلون أو وهبتها لهم الحكومة، كما تكاثرت حجرات الزنك وأكواخ القش، بينما تجمع صورة صانعي الوحدة اليمنية: الرئيس ونائبه علي سالم البيض، وتصدح الأغاني الثورية لـ (الصقور) العائدين.‏

غير أن حرباً مختلفة قَدْ نشبت بعدما انتصرت قوات الحلفاء وحررت الكويت. إنَّها حرب صامتة داخل كيانات صغيرة، ليس لها جغرافيا ولم ترق فيها دماء. إنَّها حرب في عراء الكائن بينه وبين نفسه، حرب مع الذاكرة ستجعل صلاحية الوطن تنتهي بالنسبة لقاسم، وستجعل شائف يتساءل: "ما معنى أن مهاجرين يمنيين كثيرين في العالم لم تنطق شفاههم بأي لغة أجنبية غير لغة قراهم".‏

إنَّها غربة بلا معنى ولا بديل "فالوطن الذي نحتفظ به كصور عتيقة، ليس له أدنى شبه بمسقط الرأس ذاك، وربما هو مجرد ذريعة فقط حتى لا نتيه أكثر أو نتبدد بلا هوية في الخواء واللامكان". وبالسؤال عن المعنى الذي ستصير إليه الأوطان بعد عشرات السنين في المهاجر والمنافي، تبلغ لوعة شائف وحيرته مداها، مستبطنةً لوعة وحيرة الشخصيات الأخرى في الرواية، بينما السؤال يتشظى في الكون كله، وحسبي الإشارة إلى الفلسطيني بعد أكثر من نصف قرن من اجتثاثه من أرضه وقيام "إسرائيل" مقامه.‏

لقد تحرر الضمير المفرد المتكلم في (تصحيح وضعه) من حُبْسة الأنساق اللغوية المستعادة، ومن ضغوط المكان الفيزيائي ودفق الحالات المباشرة، كما شخّص مصطفى الكيلاني في التجريب الروائي العربي الحداثي. ولابد من الإضافة أن ذلك التحرر قَدْ فتح السردي على الأقاصي في الروح الجمعية، كما يدلل وصف حالات الجماعة في المسجد والشارع وسوق البطحاء وبيت الجدة ودورات المياه وعلى الحدود، حيث غدا المتخفون كائنات ليلية شائخة تنطق بأسماء قراها البعيدة، كما لو أنها تترنم بشيء غامض أخّاذ. ولئن كانت الأخطاء الإملائية والنحوية الزاخرة تنغّص على الرواية، فالأهم هو هذا التحرر من حُبسة الأنساق اللغوية ومن القيود التي يجسدها إرث رومنسي يسكن الكتابة الأدبية العربية، والكتابة الروائية تحديداً، ويعوق استمرار مغامرتها لتأسيس جماليتها الخاصة ووعيها المختلف للمكان والزمان. وهذا ما يضيفه مصطفى الكيلاني بصدد التجريب الروائي العربي الحداثي، حيث يتبدى نسب رواية (تصحيح وضع) بامتياز، بالإفادة القصوى من المنجز الروائي خلال العقدين الماضيين، ومنه ما هو لكتّاب كانت السعودية فضاء رواياتهم مثل إبراهيم نصر الله وجمال ناجي وإبراهيم عبد المجيد وعزت الغزاوي ويحيى يخلف.‏

(1) دائرة الإعلام والثقافة، ط1، الشارقة 2003.‏

(2) اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق 1998.‏

(3)ربما تنفع الإشارة هنا إلى كتاب محمد خالد عرب: المعالجة الفنية للتاريخ، دراسة في مدارات الشرق، دار الحوار، ط1، اللاذقية 1994.‏

(4) المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت 2000.‏

(5) منشورات الاختلاف، ط 1، الجزائر 2002.‏

(6) دائرة الثقافة والإعلام، ط1، الشارقة 2002.‏

(7) دار الغرب للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر 2002.‏

(8) دار الانتشار، ط1، بيروت 2004.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244