|
||||||
| Updated: Monday, January 30, 2006 02:33 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العاشر الرحلة إلى أمريكا روائياً 1ـ صنع الله إبراهيم أمريكانلي(1): يبدأ الدكتور شكري ـ وهو الأستاذ المصري الزائر في معهد التاريخ المقارن بجامعة سان فرانسيسكو ـ رواية (أمريكانلي) بهذه السطور: "انتهيت من قهوتي ووضعت الكوب الخزفي في الحوض، ثمَّ نزعت قمة ماكينة القهوة وأفرغت مخلفاتها في وعاء القمامة. نظفت الطاولة الخشبية المرتفعة إلى مستوى الصدر ثم انتقلت إلى السطح الرخامي للخزانة المثبتة في الحائط. أزلت تنف الخبز وأزاحت الستريو جانباً...". رواية أم تلخيصات؟ وبمثل هذا السرد التفصيلي المبهظ سيوالي الدكتور شكري سرد يومياته من نهاية عام 1998، في المطاعم والحدائق والشوارع والجامعة والحوانيت والحفلات والأعياد... لكأن عين الكاميرا تتوسل الشمولية والإغرابية وهي تصف فضاء الرحلة وبشرها، فتفتت العالم الموصوف إلى أشياء منعزلة وظاهرات وأحداث متجاورة ومتتالية ـ كما هي رواية الرحلة بتعبير محمد برادة ـ وحيث تفتقد الذات المبصرة، وتتسيّد الذات الواصفة التي لا تترك بياضاً، إذ لا يكاد عنصر ينفلت من الوصف. لكن رواية (أمريكانلي) ليست رواية رحلة وحسب، بل هي أيضاً رواية بيوغرافية بامتياز. فبالأسلوبية التي يعلنها مفتتح الرواية، يروي الدكتور شكري أيضاً سيرته الذاتية كمؤرخ، والمنهج الذي اعتمده في البحث التاريخي، وذلك هو السيمنار الذي يشرف عليه، حيث ستتطعم أسلوبية المفتتح بأسلوبية البحث الأكاديمي عبر ما سيكلف الدكتور شكري طلبته بإعداده، وعبر المحاضرات التي سيبهظ الرواية بها. في هذه السردية السيرية للحاضر (المقام الأمريكي) وللماضي (مصر)، وبالتعشيق مع السردية التاريخية للعالم (!) تلهث القراءة خلف الرواية، منذ بدأ الدكتور شكري طفلاً بتمزيق كتب التاريخ، إلى ولعه بالمجلات الملونة وروايات الجيب، إلى دراسته الجامعية وتكوينه الثقافي ومغامراته العاطفية والجنسية، وما استقر في نفسه ـ وهو يصير المؤرخ الأكاديمي ـ من وحدة البحث عن المرأة والبحث عن التاريخ، ممَّا سيبدو كأنه غاية كبرى لرواية (أمريكانلي). ولأن الدكتور شكري ستيني، فستكون اعترافاته (الفضائحية) مجلى لوعي الذات والنحن منذ أربعينات القرن العشرين حتَّى منتهاه، كما ستكون سردية شهوره المعدودة في سان فرانسيسكو ـ وضمنها رحلته إلى نيويورك ـ والسردية التاريخية، مجلى لوعي الآخر الأمريكي والأوروبي بخاصة، وفي العالم بعامة. إلى ذلك تنطوي (أمريكانلي) على الكثير من عرض ونفد الرواية، ومن ذلك ما يحدث به الدكتور شكري عن روايات ساباتيني وروايات فورسيت ورواية بوريس فايان (سأبصق على قبوركم)، ورواية الأمريكي المعاصر المور ليوناردو (أربعون جلدة بلا واحدة)... وسيحتال الراوية على طول عروضه النقدية هذه بالتقطيع أحياناً مثلما سيفعل في عروضه النقدية الأخرى لكتب في التاريخ وعلم النفس والسياسة و.. وللأفلام التلفزيونية والسينمائية. فمن مؤلفات هاوبسباوم وألبرت حوراني إلى كتاب (الشخصية العصابية في عصرنا) لكارين هيرني، إلى موسوعة جمال حمدان وكتابات أحمد صادق سعد وما كتب هيجل وفوكوياما عن نهاية التاريخ, إلى كتاب فرناندو بروديل (الحضارة المادية والاقتصادية والرأسمالية) إلى مؤلفات طه حسين وشهدي عطية، إلى مؤلفات ومشروعات مؤلفات الدكتور شكري نفسه عن القرامطة وعن الفتح العربي لمصر وعن المردفات من قريش ( أي اللواتي تزوّجن زوجاً بعد زوج ) وعن الملكية الفردية في مصر.. من كل ذلك، ومن الأبحاث التي يعدها طلبة الدكتور شكري، يأتي تشبه رواية (أمريكانلي) بالبحث الأكاديمي على الروائي فيها، ليصح القول بالخيبة المزدوجة للروائي والمؤرخ، كلّما حاول أحدهما أن يحل محل الآخر، مهما يكن من صحة ما يذكر (سابك) من قول أستاذه الدكتور شكري في أن الأدب غالباً ما يكون أكثر صدقاً في التعبير عن التحولات التاريخية. شخصيات أم قنوات: بهذا الصنيع الذي قد لا يكفي وسمه بالتناص وبالتطريس، تبدو أغلب الشخصيات في (أمريكانلي) قنوات لتصريف سطوة الذات بصفتها بؤرة للحكي وللقيم. ومن نجا أو نجت من ذلك بمقدار أو آخر، فإنما بفضل حرفية الكاتب. على أن مهارة الوصف وحشد التفاصيل يقلصان المسافة بين عالم الرواية وعالم الممكنات، وهو ما تستوي فيه النكرات العابرة وغير المسماة ـ وما أكثرها ـ مع الشخصيات المعرّفة في (أمريكانلي). وهكذا تتقزم الشخصيات أمام القضايا الكبرى وذات المثقف المؤرخ ـ وهو صاحب الصوت السارد الكلي المعرفة ـ لتقوم الخطية في الحكي رغم كل محاولات التمويه من الاسترجاع والاستباق وسواهما، كما يعبر سعيد بنكراد بصدد الإرغامات (الموجهات) السردية، ليصل إلى أن كثرة الكلام والمعارف في رواية الصوت المركزي المتسلط ليست غير "ديمقراطية مغشوشة" حيث لك الحق في أن تقول وتفعل ما يريد الصوت الخالق للنص، وكفى. أولاء هم طلبة الدكتور شكري روزيتا المهتمة بالدراسات الجنسية، ولاري الذي يهيئ رسالة عن المؤرخين الجدد في "إسرائيل"، وميجان التي ستقارن بين مشروعات النهضة في بارجواي ومصر، وسابك الذي سيحاضر في فكرة أمريكا كاستبدال شعب بشعب، وشرلي التي ستحاضر في تغيير المعايير الخاصة بالنشاط الجنسي في الولايات المتحدة بين الستينات والتسعينات (من القرن العشرين)، وفادية التي ستحاضر عن القاهرة كنموذج لقراءة مدينة.. فهؤلاء، إما عليهم أن يصغوا لسيرة أستاذهم، أو أن ينطقوا بما يعضد أفكاره ورطاناته، وإذا بهم (قنوات) مهما يتيسّر لهذا أو لتلك من (أنسنة) كأن يسرد الدكتور شكري قصة والد ميجان أو قصة والد شرلي، أو إذ تقوم العلاقة بين شرلي وأستاذها، كمثال من عشرات الأمثلة على ما تذخر به الرواية من العلاقات والفانتازيات الجنسية غير الطبيعية، سواء كان ذلك في أفلام البورنو التي يعرضها ـ يلخصها الدكتور شكري، أو ما يروي من سيرته مع عايدة ونبيله ورجاء والأمريكية بربارة... وحضور الجنس بهذه الصيغة المرضية هو الأكبر في روايات صنع الله إبراهيم بعامة. وليس أمر الشخصيات الأخرى بأفضل، فإستر الإسرائيلية المتزوجة من عربي إسرائيلي، والمتخصصة في تاريخ الشرق الأوسط، وشريكة الدكتور شكري في مكتبه، ستكون وجهاً ما من وجوه شكري في معارضتها للسياسة الإسرائيلية. وشادويك تقدم المعلومات عن الحاضر الأمريكي، فتوفّر على الدكتور شكري بياناً بعورات أمريكا. فيما يظل السؤال معلقاً هنا، كما هو بصدد الحشد المعلوماتي الهائل في الرواية، عمَّا فات الكتابة من تسريد المعلومات والبيانات والتلخيصات، ما دامت هذه الكتابة تتسمى رواية. لكأن مدونة الرحلة والمدونة التاريخية بلغتا من الضغط حداً بات همُّ الكتابة معه أن ترميها عن ظهرها إلى ظهر القارئ، فضلاً عمَّا يشي به ذلك من أن الكاتب قد عزّ عليه أن يتنخلّ ويتخيرّ ممَّا أعدّ للرواية. وهنا يتسلل إلى الرواية ما سعى إليه الكاتب يوماً من أجل كتابة سيناريو عن القرامطة بالتعاون مع عمر أميرلاي ومحمد ملص. كما تسلل إلى الرواية سيناريو فيلم تهاني راشد (أربع نساء في مصر). وإذا كان هذا السيناريو يشير إلى تعدد الطبقات السردية في الرواية، فقد سبقته الإشارة إلى ذلك منذ البداية، حيث بدا البناء الروائي من متن وهامش. أمَّا المتن ففيه طبقة ليوميات الدكتور شكري في رحلته الأمريكية، وطبقة لما أعده الطلبة للسيمنار، وطبقة لسيرة الدكتور، وطبقة للمونولوج والفلاش باك معاً، وقد جاءت هذه الأخيرة بحرف مختلف لتقدم ما يخفيه الدكتور عن طلبته من سيرته وهواجسه وتعليقاته على الحاضر. لكن هذا اللعب كله ظل محكوماً بسطوة الذات الساردة، فكان أن أعطى هذا الاستقطاب الأحادي للرواية معنى أحادياً. وأما الهامش فقد جاء كما يليق بالبحث الأكاديمي، معرفاً بشخصية أو بكاتب، أو مؤرخاً لحدث، أو كمقتطف من مرجع ومصدر. ولقد لعبت الرواية العربية ـ كسواها ـ هذه اللعبة في الانبناء من متن وهامش وفي تعدد الطبقات السردية، فتألقت أيما تألّق، كما في رواية رجاء عالم (حبّى) ورواية أهداف سويف (خارطة الحب). لكن اللعبة تطوحت برواية (أمريكانلي) جراء ورم الذات الذي أصاب هذا المثقف الدكتور شكري. حين يحكم الأيديولوجي الوعي: فعلى الرغم ممَّا تهتكه الأنا من النحن، ولاسيما بالمقارنة مع الآخر الأمريكي ـ كما في إشارة المرور أو اعتراضات الطلبة في الجامعة أو الخدمات البنكية... ـ فإن تلك الأنا / الذات الساردة تحكم وعي العالم برمته، حين ترسم الذات بعينيها أو بعيني الآخر، وحين ترسم الآخر بعينيه أو بعيني الذات. وهذا التعبير عن وعي الذات والعالم، كما جاء في الرواية، يعضد ما ضاقت به من (الفكرية)، فجاءت رواية أطروحة بامتياز، مثلما جاءت رواية رحلة ورواية بيوغرافية بامتياز. ورواية الأطروحة بعامة ذات منطلق أيديولوجي محكم ومسبق، يجعل من النص إخراجاً سردياً لمقولات وأفكار وعقائد. على أن ما ظلت تفتقر إليه رواية (أمريكانلي)، هو تسريد جهاز الأيدولوجي العتيد، كافتقارها إلى تسريد الجسد وتسريد المعلومات. لقد علّم تاريخ وتطور السّرد الروائي أن ليس لـ (فكرة) الكاتب أن تحمل وظيفة تفسيرية بالنسبة للعالم الروائي، بل أن تدخل في نسيج هذا العالم كتكوين بين تكوينات، وكلمة بين كلمات، تقص وتصور وتخبر وتعالج علاقة ما جديدة مع مادتها. فالفكرة تحيا روائياً بقدر ما تقيم علاقات حوارية مع سواها، وبقدر ما تتأنسن ـ هل يكفي هنا التذكير بدوستويفسكي؟ ـ أمَّا ما بدا في رواية (أمريكانلي) فهو أمر آخر، لا يكفي التبرير له بالمغامرة التجريبية، على الرغم من التاريخ المشهود لصنع الله إبراهيم فيه بالمغامرة التجريبية. ولعله يكفي لبيان ذلك هذا الذي جاء في (أمريكانلي) عن مؤتمر الثقافة العربية عشية القرن الحادي والعشرين والذي ينظمه الدكتور المصري ماهر لبيب مدير معهد التاريخ المقارن، ومن استضاف الدكتور شكري واقترح عليه موضوع السيمنار. لقد وفرت الرواية للدكتور ماهر من الخصوصية والفاعلية ما جعله شخصية روائية، مثل الدكتور حلمي عبد الله، الحاضر والغائب، وغريم الدكتور شكري منذ الصبا. لكن مثل هذا الحضور لم يتأت للشخصيات الأخرى التي جسدت الذات ـ النحن، شأنها شأن أغلب الشخصيات التي جسدت الآخر. وهكذا بدا المشاركون في مؤتمر الثقافة العربية قنوات لهجاء ما يشيرون إليه في المشهد الثقافي العربي. وهذا المؤتمر يموله ويفتتحه (الأمير جاسم)، وهو ما يتصادى مع الفعل الثقافي النفطي الذي صورته روايتا بهاء طاهر (الحب في المنفى) وغادة السمان (ليلة المليار) ، مثلما يتصادى قول الدكتور شكري بنعمتي الكعبة والنفط مع قول نفيطيان بكتاب النفط وكتاب الله، وذلك في رواية هاني الراهب (رسمت خطأ في الرمال). من النسبة العامية يأتي عنوان رواية (أمريكانلي). وبفكرة علي محمد علي يأتي فرط العنوان إلى عنوان ثان هو (أمري كان لي) مصطنعاً توجيه القراءة عبر الدروب الوعرة للرواية، والتي كان منها ـ إضافة إلى كل ما تقدم ـ درب البوليسية في رسائل الغواية المغفلة التي كان الدكتور شكري يتلقاها، كما كان من تلك الدروب ذلك الاتكاء على الصحف، كتكرار ضعيف لما جربه الكاتب في روايته (ذات). ولعل للقراءة بعد هذا أن تجأر بالشكوى من الفن الذي يتقزم والمثقف/ المؤرخ الذي يتورم في رواية (أمريكانلي)، وهذا دون الإشارة إلى ما ينوف على خمسين خطأ نحوي وإملائي من قبيل (إن أبيها) و(أن يفعلونه) و(لن يأت).... 2 ـ أنيسة عبود: باب الحيرة(2): منذ الكلمة الأولى (لأعترف) تبدو رواية أنيسة عبود (باب الحيرة) رواية اعترافات لبطلتها الفنانة التشكيلية زينب خضر. وستعود تلك الكلمة ومترادفاتها مراراً لتفتح القول وتوقع له، مثلها مثل كلمة (بصراحة)، حيث يتعلق غالبً ما تضمر هذه الكلمة من الاعتراف بالحاضر، بينما يتعلق الاعتراف الصريح ـ غالباً ـ بالماضي، ما يجعل من فعل الاستذكار فعلاً حاسماً، مع التشديد على أن الرواية تأخذ باشتباك السرد والحوار والمونولوج والضمائر، لتشتبك الأصوات والأزمنة حدّ التتويه أحياناً، على الرغم من أن شخصيةً قد تروي فصلاً، أو أقواساً قد تحصر قولاً. و (باب الحيرة) هي أيضاً رواية رحلة بامتياز. فالحاضر هو زمن رحلة زينب إلى أمريكا للمشاركة في مؤتمر للفنانين العرب ولعرض لوحاتها في بعض الولايات، وهي الرحلة التي ستطلع بالشخصيات الأخرى في الرواية، بالاشتباك مع الماضي الذي يطلع بباقي الشخصيات من الوطن (سورية) بخاصة. هكذا تروي زينب علاقتها بآرام مهندس السدود الذي يحاضر في سورية محذراً من بوادر كارثة، والذي سيحضر في مهاتفاته وزينب طوال الرحلة، وفي استذكار العاشقة التي تكتب النقد الأدبي أيضاً، ولم تسافر من قبل خارج البلاد. ولأن الأشياء تتداعى في دخيلتها بلا سبب تدركه ـ كما نقرأ ـ يزاحم حضور آرام حضور كثيرين وكثيرات طوال الرحلة، وفي مقدمتهم الملازم وائل، الذي كان خطيب زينب، وقُتلَ فيما عرف في سورية منذ أكثر من عشرين سنة بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب، والتي كانت أدمى لحظات الصراع بين السلطة والتيار الإسلامي المتطرف، ولم يسبق أن قاربتها قبل (باب الحيرة) سوى (الشرنقة) لحسيبة عبد الرحمن. إثر مصرع وائل هدد والده زينب بالقتل إن تزوجت. ولا زالت تخشى أن يرى الوالد وجه آرام في عينيها، فيحزّ رقبتها. وقد جعل مصرع وائل صديقه حسان ينسكن به، ويحاصر زينب بحبه، حتَّى أخذه التنين البحري الذي هاجم المدينة (جبلة). أمَّا زينب التي استطاعت أخيراً الخروج من أسر وائل إلى حب آرام، فترمي في البحر ثياب وائل، وتطلب من صديق أن يرمي اللوحة التي رسمتها لوائل وهي تلوب: "لماذا عليّ أن أحمل أعباء الذاكرة والذكورة؟". وإذا كانت لازالت في رحلتها تحمل (الزر العسكري) المتبقي من وائل، فهي تخاطبه: "لست عذراءك"، وترنو إلى آرام المتزوج، والذي لا يعد نفسه روحياً مسؤولاً عمَّا يجري بينه وبين زينب التي لم تسمع رجلاً قبله يقول لها: "لا تفعلي شيئاً لا تقنعين به"، فكان معه خروجها من باب الأنا إلى باب الهو، ومن باب زينب الضيق إلى باب زينب الواسع، أو من باب وائل إلى باب آرام الذي تسميه أيضاً (مون)، أو من باب الماضي إلى باب المستقبل. في رحلتها تحمل زينب قميص آرام، وتتشمم رائحته. وستعجّ الرواية أيضاً بروائح شتى (المطر ـ عطر رولاـ عطر كاظم ـ الضبع ـ النبيذ....) كأنما تلوح لرواية باتريك زوسكند (العطر)، ومثلما بتنا نرى في روايات عربية شتى. مع التنقل بين المطارات والمدن، يتركز الحدث الأساسي في رواية (باب الحيرة) بمحاضرات زينب وسواها، وباللقاءات في المطاعم أو البيوت أو الفنادق، حيث الشراب والحوار في الذاتي والعام، وحيث تنسج العلاقات بين رفاق الرحلة (العماني كاظم ـ رولا اللبنانية ـ عزة وعبد المعطي المغربيان ـ صخر الأردني ـ ليلى الإماراتية ـ السوري سامي ـ ومرافق الرحلة عمار الحسين). وسينضاف إلى أولاء عرب وأمريكيون، لتصخب الرواية بالجميع، وهم يتدافرون على صفحاتها، فيما تظل زينب قطب الأقطاب. كانت رولا أول من التقتها زينب في مطار شارل ديغول، حيث سيترجعّ بعد لقائهما بالجزائري عبد الله حديث الإرهاب في الجزائر كما في العالم. ورولا الجنوبية وحاملة الدكتوراه المقيمة في ألمانيا، تزور الولايات المتحدة لتحاضر في بعض جامعاتها عن بيئة الشرق الأوسط. وسترمي بمفتاح الرواية منذ البداية، إذ بدأ رفاق الرحلة يتخلون عن حذرهم بفعل الشراب، ويفصحون بما يخافون في بلدانهم، فتقول رولا: "كنا لا نتورع أن نعترف بأشياء ظننا أننا تركناها في بيوتنا، وجئنا أمريكا عراة من الخوف على أسرارنا". وبالطبع تظل زينب هي الممسكة بهذا المفتاح. فإذا كانت تناجي حبيبيها البعيد: "أنا لا أجيد السرد يا آرام. أعني سأقص هذا التاريخ عن طريق لوحاتي" فهي ستؤكد أنها تتذكر كل شيء، وأننا نستنجد بالتذكر لأننا نخاف من النسيان، وستكمل الساردة إذ تتحدث عن زينب: "تريد أن تفرش نفسها وبلدها وتاريخها وأسرتها وراء المحيط، وتتصفح ماضيها وتختار ما تشاء وترمي البواقي في شوارع أمريكا". يتضاعف رهق هذه الحمولة في الرحلة بما سينضاف عن الآخر الأمريكي والإرهاب والعولمة و.. فتصرح زينب كالساردة كل حين بحيرتها من أين تبدأ، فتسرد قصة العم يوسف والنزوح من اسكندرون واغتصاب الدرك لفاطمة، أو قصة غرق إبراهيم شقيق زينب، أو قصة زواج أبويها، أو قصة رولا في سجن أنصار وعجز زوجها جنسياً وإعاقة ابنتها وهجرتها، أو قصة عايدة الفنانة التشكيلية السورية أيضاً والمقيمة في أمريكا، أو قصة الفنان والشاعر الأمريكي ميل صديق عايدة، أو قصة السوري الإسلامي مهران الذي صار مهرب آثار ويقيم في أمريكا، أو قصة مريم وزواجها من فاضل الذي اغتاله ـ كصديقه وائل ـ الإسلاميون في عيادته، أو قصة الدكتور صلاح ـ شقيق زينب ـ الذي صار تاجراً في بلغاريا.. وسوى ذلك الكثير ممَّا أبهظ الرواية باستطراد الحكي والتذكير، مثلما أبهظتها محاضرة رولا في جامعة جورج تاون، أو خطابية زينب في أمريكا وفي الوطن. وتبدو لعبة الأبواب كأنما جاءت لتخفف من ذلك الإبهاظ، وتنظم ذلك الحشد، فالأسماء أبواب، ولكل باب حكاية طويلة. وإذا كانت أم زينب تقص عليها سيرة أبواب المدينة (باب البحر ـ باب الجبل) فزينب تفتح ما لا يحصى من الأبواب، وتوشي بعضها بمسحة صوفية أو ترميزية، كباب الوقت وباب اليقين وباب السؤال. وبأكثر الأبواب توشية بتلك المسحة، تتعنون الرواية (باب الحيرة). وقد يكون للمرء هنا أن يستدعي لعبة الأبواب في مجموعة سعود قبيلات القصصية (بعد خراب الحافلة) حيث باب السراب وباب اليباب وباب الضباب وباب الخراب، وتلك هي اللعبة أيضاً في رواية الزاوي أمين (رائحة الأنثى)، بل تلك هي لعبة البوابات في رواية مها حسن (لوحة الغلاف)، وكل ذلك ممَّا صدر في السنتين الماضيتين، فما الأمر؟ وما أمر التقمص الذي يتواتر في الرواية العربية (ضحى: بهاء طاهر ـ فردوس الجنون: أحمد يوسف داوود ـ وروايتا سليم مطر: امرأة القارورة، التوأم المفقود ـ حبّى: رجاء العالم ـ قصر المطر: ممدوح عزام ـ صيد الحضرمية: إبراهيم اسحاق إبراهيم، و...)؟ لقد لعبت رواية أنيسة عبود الأولى (النعنع البري ـ 1997) لعبة التقمص. وهاهي روايتها الثانية (باب الحيرة) تلعبها أيضاً، فوائل يتقمص حسان ـ أم العكس؟ ـ وديك الجن يسعى في شوارع نيويورك، والعم يوسف يعي الأجيال الثلاثة التي عاشها. ويتسيّد لعبة التقمص أبو ذر الغفاري، فهاهو في مجلس الشيوخ حيث تتعطل أجهزة الإنذار، كما تتنبه الأجهزة في مطار سان فرانسيسكو لكل فكرة تخلعها زينب، وهو ما يواجهه في مطار جنيف بطل رواية سليم مطر (التوأم المفقود). بل إن لعبة التقمص في (باب الحيرة) تكاد توحّد بين زينب ورولا، فالعجوز الذي يقدم لهما الطعام في مطار شارل ديغول يخاطبهما مذهولاً: "كأنكما امرأة واحدة لشدة التشابه". وزينب التي ترسم رولا هاجسة: "فإن لم أقتلك أولاً، ستقتلينني..، أنت"، تتنبه إلى أن لرولا مثل ساعتها ومثل أساورها. بيد أن هذه المماهاة بين الشخصيتين تنتأ مرة، وتقع في السذاجة مرة، جراء سلطة الساردة، فإذا برولا التي تبكي دائماً، تلك اللازمة التي لزينب نفسها (بصراحة)، وإذا بكاظم نهب المرأتين، وإذا برولا لا تقدر أن تحب لأنها تبحث عمن أحبته وفقدته (الفدائي عزمي)، في كل رجل، مثلما كانت زينب تبحث عن وائل في كل رجل قبل ظهور آرام. وكما تغيرت زينب من قبل، تتغير رولا. وكما صار سامي "لا ينام الليل" لتعلقه بزينب، هو ذا الأمريكي جورج يترك مؤتمر سان فرانسيسكو ليلحق برولا إلى نيويورك هاتفاً بها: "مستعد لأنَّ اذهب معك إلى آخر الدنيا". غير أن اللعبة الكبرى في الرواية هي لعبة الصراحة في بيت عايدة، حيث يسرد ـ يعترف ـ كلّ قصته، والكؤوس تترى كيوميات الرحلة بين قصة وقصة، طوال النصف الثاني من الرواية. هنا، كما فيما سبق، تبدي زينب وتعيد في أمريكا، فإذا بها جدران بلا ناس، وقتها للجنس ولا وقت فيها للصداقة، ولأنها ذات وجهين، لا تقدر زينب على التفاهم معها، وكلما لمحت وجهاً أميركياً تتذكر جريمة وفيلماً. وإذا كان والد زينب ينعت هذا الزمن بزمن البيتزا والهمبرغر والكابوي، فزينب تنعت أمريكا التي تنادي بحقوق الإنسان وتمزقها، ببلد الخوف والمسدسات والأجساد المجنونة، وتتنبأ بزوال هذه الإمبراطورية الوحيدة المسيطرة الآن، وتحسّ فيها أنها تسير على قنابل موقوتة. وبين حين وحين تعترف بجمالها مرددة ما قاله ماركيز في جمال نيويورك وتوحشها. وبالكاد تفسح الرواية لصوت آخر أمام تلك الهجائيات، كأن يقول سامي: "اعتدتم أن يكون لديكم شماعات تعلقون عليها كل شيء". ولعل أحدهم كان على حق إذ عقب على زينب في المؤتمر الصحفي الذي تعالى فيه الفنانون الأمريكيون على الفنانين العرب: "الفنانة تحكي سياسة ولا تحكي فنا". ولزينب هجائيتها أيضاً للذات على الرغم من النرجسية الوطنية، كأن تتغنى بما بلغته المرأة في سورية ومنه إمكانية العيش وحدها، لتقول بصدد عايدة أنها لو كانت في سورية لتعرضت للرجم "أو ترتدي قناعاً للكذب". أو كأن تتغنى بفيضان شعور السوريين القومي والعروبي أمام الأخوة العرب، ثمَّ تسلق زميلها المحدث النعمة الذي ينظّر في الشاشات للديمقراطية ويدعو لإقامة حزب ديمقراطي. ولأمرٍ ما تعرّب زينب هجاءها للذات، فأغنياء هذا الزمن هم أغنياء السلطة والحرامية الجدد، والذي قبضوا ثمن مقابر النفايات الدولية رجال مهمون في البلدان العربية... وكما هو الأمر إذن في التخييل الروائي العربي، تؤكد رواية (باب الحيرة) الصورة السالبة لأمريكا، ونقد الذات في حضرة الآخر. لكن ذلك يأتي غالباً في هذه الرواية تحت وطأة الرغبة في قول كل شيء، وفي زحام الشخصيات، وما يعتور الإهاب اللغوي. حتَّى إذا بلغت الرواية نهايتها، بدت كأنها ضاقت بما تحمل، فإذا بالطائرة التي عادت بكاظم تسقط، والجزائري عبد الله يقتله المتطرفون في زيارته لوطنه، وأم زينب تموت أثناء الرحلة، فالموت العميم يختم الرواية، فلا يبقى من هذه النهاية غير أن ترى زينب ـ بعد إيابها من أمريكا ـ مدينتها ضيقة عليها، وتقول: "لم تغيرني أمريكا. غيرتني المقارنة بين الإنسان هنا والإنسان هناك. نحن نعيش من قلة الموت". 3 ـ ماري رشو: أول حب آخر حب(3): ما كاد عود الرواية العربية يستوي حتَّى شغلتها العلاقة بالآخر الأوروبي الذي ظل لعقود فرنسياً وإنكليزياً، منذ (عصفور) توفيق الحكيم و (قنديل) يحيى حقي، ثمَّ تعدد هذا الآخر، وتعقدت العلاقة معه، وكان من ذلك الانتقال بها من موطنه إلى موطن الذات أو النحن. وهكذا ظهر في هذا الشطر من الرواية العربية ـ والذي سُمي بالرواية الحضارية ـ الآخر السويسري على يد عبد الحكيم قاسم وسليم مطر كامل وجميل عطية إبراهيم وبهاء طاهر، والصيني على يد حنا مينة، والإيطالي على يد عمارة لخوص وصلاح الدين بوجاه، والمجري على يد أسعد محمد علي وحنا مينة أيضاً... وصولاً إلى أمريكا فيما كتب حليم بركات، وكل ذلك على سبيل المثال. في هذا المشوار الروائي جاءت متأخرة خطى الروائية العربية، وتميز من ذلك ما كتبته سميرة المانع عن الآخر الإنكليزي، وغادة السمان عن السويسري، وحميدة نعنع عن الفرنسي ـ وكل ذلك على سبيل المثال ـ وصولاً إلى ما كتبته ماري رشو عن الأمريكي في روايتها (أول حب آخر حب)، وهي التي سبق لها أن خاضت هذه التجربة في روايتيها: "هرولة فوق صقيع توليدو ـ 1993) و (توليدو ثانية ـ 1993). من اللاذقية (سورية) إلى ديترويت وتوليدو ولاس فيغاس في الولايات المتحدة، حيث يبدو الوطن أطيافاً وذكريات يحملها الجيل الأكبر من الماضي إلى الحاضر الأمريكي الذي لا يعرف الجيل التالي سواه، ومن هذا الجيل نبدأ، كما بدأت الرواية، بحفل عيد ميلاد (جينا) الثلاثيني. فمع صديقاتها (ساندي وتينا وميكي) يقوم الحفل في جولة على البارات، حيث لا رجل إلا سائق الليموزين، كما جرت عادة هذه المجموعة من الشابات في عيد ميلاد كل منهن. ومن هذه البداية تشرع الرواية بإضاءة شخصياتها، فجينا التي تتحرش بالسائق، لم تعرف غير مطلقها السادي كاظم، والذي أورثها بشذوذه المازوشية، وانتهى زواجها منه بعد حصوله على الجنسية الأمريكية وإنجاب ولدين، لكن علاقتهما لم تنقطع. وساندي المدمنة على الميروانا، أنجبت ولداً من المجهول، وتزوجت زاهي الذي احترم عقد زواجه منها لعامين مقابل حصوله على الجنسية الأمريكية أيضاً. لكنه طردها عندما ضبطها مع آخر في بيته، فراحت تبتزه، وتسعى كما يسعى لمعرفة والد ابنها. وكما سنرى زاهي يتزوج من ابنة مدير الجامعة الطبية المتفوقة، سنرى ساندي تخطط لعامين قادمين بالزواج من صيني مقابل الجنسية العتيدة. أمَّا تينا التي ابتدأت بالرقص والتعري في ملاهي الرجال، على الرغم من تفوقها في الجامعة، فقد تزوجت منذ ثلاث عشرة سنة، وظلت تسكنها عقدة صديقها الأول وعصا البيسبول، كما ظل زوجها يحضر فترات عملها حتَّى يكتشف سرها مع العاشق. وستنتهي إلى العمل عينه، ولكن في ناد للسحاقيات. وليست الشقراء ميكي في حال أحسن، وهي التي تزوجت من نبيل الطالب المدمن على المخدرات والسهرات، والذي ينفق على ميكي ومن أنجبت من صديق آخر، فيما والده يمده بالمال، إلى أن يحضر في النهاية ليعود بولده إلى الوطن. إلى هاته الشابات الأربع ثمَّة شابات كثيرات وشبان أقل تعج الرواية بهن وبهم: تلك هي (ميري) ذات الأربع وعشرين سنة، والتي تعمل في مطعم الشخصية المحورية هند، ولم تتزوج، لكنها أنجبت (من الزمن) أبناءها الذين تعيلهم ولا تعرف عن آبائهم شيئاً. وتلك هي (شيري) التي تعمل في مطعم (ليلى) ووعت الحياة في مصح للأمراض النفسية، وتخشى الشبان والجنس، كما تخشى الحب وإن كانت تعتقد به، وتحب المال كي تنفقه، وتقيم مع صديقتها المثلية. أمَّا (جمانا) فيملأ خلواتها الوطن والهجرة إلى أمريكا منذ أعوام. وعلى الرغم من مقتها الرجال، تنسكن بحب جورجي وتعيد إليه أمله بعدما ضيع في المهجر ـ أمريكا عشرين عاماً، وتبرئه من إدمان المراهنات قبل أن يتزوجا. وأخيراً، وليس آخراً، نذكر (نور) التي يحضرها كاظم من الوطن ليتزوجها بتحريض أمه، ويدفع بها إلى الانتحار، وفي المآل تنجو من الزواج ومن الموت. مقابل الجيل الشاب يأتي الجيل السابق الذي ظهر أكثر من قبل في رواية ماري رشو (هرولة فوق صقيع توليدو). ومن هذه الزاوية تبدو رواية (أول حب آخر حب) جزءاً تالياً للرواية السابقة, وتبدو (هند) في الروايتين شخصية محورية، وهي التي صارت جدة في الخامسة والأربعين، تلعن اليوم الذي وطأت فيه هذه البلاد (أمريكا)، وتنهض من جديد، إثر طلاقين فقدت في آخرهما البيت والعمل. في السادسة عشرة تزوجت هند من ابن عمتها جاد الصغير الذي جاء بها من الوطن إلى توليدو، وعذبها كما عذب زوجته السابقة. وقد ظلت هند تسانده بعد طلاقهما وزواجها الثاني من شقيقه جورج الثري الظنون الأرمل. ولا تفتأ هند تحمل ماضيها في اللاذقية، من ذكرى الجدين إلى ذكرى انفصال أبويها إلى ذكرى الدكتور فريد ـ أول حب ورفضها لـه. على أن هنداً باتت تنتمي بالقدر نفسه إلى مآلها الأمريكي، حيث ابنتها لين وحفيدتها ومطلقاها وعملها وصداقاتها، وبخاصة مع من يكبرونها: الستينيان اللذان يحبانها: هانك وبيل، ومع الزنجي كولمان الذي سيفوز في الانتخابات ويغدو السيناتور الأسود، بفضل هند وأمثالها، وعلى الرغم من الحملة الظالمة ضده. وسيتوج مآل هند الأمريكي بآخر حب للكهل خالد الذي يشبه رجلاً في الذاكرة ويعمل في الصحافة ويحاضر حول الهجرة والشباب العربي. غير أن حب هند الأخير يظل معلقاً كأول حب، وهو يختم الرواية بالحفل السنوي للجالية العربية، وهند تلوب بانتظار العاشق المعشوق الذي لا يأتي. سوى هذه الشخصيات الروائية، ومن الجيلين أيضاً، ثمَّة عدد يقاربه. والرواية بالتالي تعج بشخصياتها، حتَّى يجد المرء نفسه تائهاً بين أسمائها وحيوات ـ قصص كل منها. وهي، كما بدا، تنتمي في الغالب إلى الأمريكيين من أصل سوري، سواء منهم من أنجز أمركته ـ من الشباب والشابات بخاصة ـ أو من لا زال سورياً مهاجراًً وإن شاخ في المهجر. وعبر أولاء، كما عبر سواهم من الأمريكيين، تنتأ فسيفساء المجتمع الأمريكي، وتعدديته، وغنى وتعقيد وتناقضات فضائه، من دون أن تنشغل الرواية بالسياسي، سوى ما كان من انتخاب السيناتور الزنجي. واللافت هن هو اختفاء ما يتصل من السياسي بالأصل السوري أو العربي، سوى الإشارة الإيقاعية التي يرسلها ذلك المقطع من الأهزوجة الشعبية الموروثة من سنوات مقاومة الاستعمار الفرنسي في سورية (طيارة طارت بالليل). ومقابل ذلك، يطغى اشتغال الرواية بالإنساني والاجتماعي في الفضاء الأمريكي، وبخاصة من الزاوية النسوية، حيث ما تشخصه هند من تفشي الاكتئاب جراء العزلة، ومن حلم الأمريكي بملء الوقت لأنَّ الفراغ يعني الوحدة والنهاية، وحيث سخرية الأمريكيات من حرص صديقاتهن العربيات على البكارة، وزواج الإكراه أو المقايضة من أجل الجنسية ـ لنتذكر زواج جينا من كاظم وساندي من زاهي ـ وغمر الفتيات اللواتي ينحصر همهن بالملذات الجسدية فقط. لقد استأثر البعد الجنسي في العلاقة مع الآخر بالرواية العربية، ولاسيما في بداية مشوارها الذكوري. ولئن غدا وعي الذات والعالم هو الحامل الأكبر لهذا الشطر من الرواية العربية، فيما كتب منها الكاتب وفيما كتبت الكاتبة، فقد بات البعد الجنسي ـ وبنسب متفاوتة بالطبع ـ واحداً من عناصر ذلك الوعي، وهو ما يتجلى بقوة في رواية ماري رشو (أول حب آخر حب)، مع التركيز على علاقة المرأة بجسدها، وعلى العطب في البعد الجنسي، سواء في المؤسسة الزوجية (المدنية أو الدينية) أو في العلاقات الحرة. وإذا كانت سلطة الساردة تطغى في رواية ماري رشو، فقد خفف من هذا الطغيان قصر الجمل، والتقشير من المجازات، والتألق في رصد المشاعر، واعتماد الوصف على الملاحظة الدقيقة واللمحة الخاطفة، كما خففت مواطن الحوار ـ على قلتها وتباعدها ـ من طغيان السرد. وتلفّح ذلك كله بالنكهة الغامضة والمميزة لنظرة الأنوثة ولكتابتها. (1) دار المستقبل العربي، ط1، القاهرة 2003. (2) دار كنعان، ط1، دمشق 2002. (3) دار الحوار، اللاذقية ـ سورية ـ 2002 |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |