أسـرار التخييل الروائي ـــ نبيل سليمان

دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2005

Updated: Monday, January 30, 2006 02:33 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خاتمة:

منذ أكثر من عقد تبدو الرواية العربية في عرس، غير أن المنغصات لم تتأخر عن هذا العرس، وإن تكن الكثرة المبتهجة لا تأبه بها أو لا تراها. وقد جهرتُ منذ سنوات بأول أو آخر تلك المنغصات، وهو الاستسهال اللغوي وتفاقم الأخطاء الإملائية والنحوية. وحسبي أن أضرب مثلاً بروايات صنع الله إبراهيم (أميركانلي) ويوسف المحيميد (فخاخ الرائحة) وآمال بشيري (فتنة الماء) وأنيسة عبود (باب الحيرة)... ويتصل بهذا الأمر الإيثار المتفاقم للعاميات في إدارة الحوار بخاصة بين الشخصيات، كما في المتون السردية.‏

لكن الخطر الأكبر هو ما تراءى لي منذ سنوات من تأزم الحداثة الروائية العريبة، عبر التتقين وعماية التجريب وشرنقة الذات وغواية الإكزوتيكا التي تلوح للترجمة إلى اللغات الأخرى، وسوى ذلك مما ناديت لتجاوزه بمنعطف روائي عربي جديد، يستثمر منجزات اللحظتين التقليدية والحداثية، ويتطلع إلى أفق مختلف(1). وها هو سعيد يقطين يكتب معززاً كل ذلك، ومحذراً من خسارة الرواية العربية للقارئ، ومن سعيها إلى القارئ المفترض وتضييعها للقارئ الحقيقي، ومن مغالاتها في التجريب وندرة النص الجديد اللافت، وهو ما سيجعل الرواية العربية تستنفد دورها، وتنتهي إلى ما انتهى إليه الشعر منذ عقود. وآية ذلك كما يرسمها سعيد يقطين هو بروز روايات عديدة وراوئيين جدد، وافتقاد الكتاب الحقيقيين والروايات الجديرة بالقراءة وسط هذا الزخم، حيث تتكرر التجارب ويقل الإبداع "فهل ينبئ هذا الوضع بالكارثة"(2).‏

لقد مضت السيرية قدماً في الرواية العربية، سواء أتعلق ذلك بالسيرة الذاتية أم بالسيرة الروائية ـ حيث قد يغدو الكاتب أو الكاتبة شخصية روائية ـ أم تعلق ذلك بما أدعوه السيرة النصية، أي سيرة كتابة الرواية. فقد تسفر السيرية عن اسم الكاتب، كما فعلت من خارج مدوّنة هذا الكتاب علوية صبح في روايتها (مريم الحكايا) أو وليد إخلاصي في رواية (سمعت صوتاً هاتفاً)‏

أو جمال الغيطاني في روايتيه (دنا فتدلى) و(رشحات الحمراء)، حيث يوالي مشروعه السيري (دفاتر التدوين) والذي ظهرت فيه من قبل رواية (خلسات الكرى). وقد يكتفي الكاتب أو الكاتبة بالمبثوث من السيرة خارج النص، مع التعويل على ضمير المتكلم، أو بدونه. وقد يعزز ذلك بالإشارات في النص، كما في رواية ميسون صقر (ريحانة) ورواية صنع الله إبراهيم (أميركانلي). أما حضور الكاتب أو الكاتبة كشخصية روائية فقد يتضافر مع السيرة النصية، كما في رواية ظافر ناجي (حاجب المقام). وقد تشتبك السيرية ـ كيفما كانت ـ بالوثائقية، حيث يتسيّد التناص، فيميل بالرواية إلى البحث الأكاديمي في رواية (أمريكانلي)، أو يظل لعبة روائية كبرى كما في رواية ميسون صقر نفسها، وفي رواية فوزية شويش السالم (حجر على حجر) أو رواية صفاء عبد المنعم (ريح السموم)، وحيث تتذيل الرواية بالمصادر التي جاءت الوثيقة الروائية منها، عارية أو معجونة بالسرد. وكل ذلك من علامات الحفر الروائي.‏

وتلك السيرية ـ كيفما كانت ـ تشتبك دوماً بسيرة المجتمع، أي بتحولاته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، بحسب الزمن أو الشرائح الزمنية التي يختارها الكاتب أو الكاتبة، وعلى نحو وثيق الاتصال بالمجتمع الأكبر: بالعالم. ولئن كان رهان الرواية العربية على السيرية بعامة يبدو كبيراً لا يفتأ يكبر، فرهانها الأكبر يبدو على السيرة المجتمعية. وقد يأتي ذلك كسيرة للمدينة، كما حاولت رواية منهل السراج (كما ينبغي لنهر) ورواية وليد إخلاصي (سمعت صوتاً هاتفاً)، وهو ما غذّت الخطى فيه رواية أحمد المديني (فاس.. لو عادت إليه). وفي قوام السيرة الروائية للمدينة، أو للفضاء الروائي أياً كان، تبدأ الحكايات والقصص والأخبار والعلاقات والصراعات والأطروحات.. ولا تنتهي. فحسن داوود في روايته (ماكياج خفيف لهذه الليلة) يجلو حقائق شخصياتها النسائية بخاصة، من تحت المكياج ـ القناع، على وقع للحرب اللبنانية، راجف من بعيد، فيما هشّمت القذيفة ذاكرة فاديا نصار وجسدها، كما أودت بزوجها وهشمت صديقتها وداد، ليعيد الزمن التالي تشكيل الجسد والعلاقات والدخائل، بالاشتباك مع ما يستعاد من الصداقة والحب والجنس، وأقله: النضال. وحسن داوود في هذه الرواية، يواصل تألقه المعهود في كتابة ذلك الشطر المتصل بالمرأة من السيرة المجتمعية. وهو الشطر الذي ما فتئتْ تكتبه الكاتبة، وما فتئ الاختلاف يكبر في كتابتها عن كتابة الكاتب. ومن ذلك رواية غادة السمان (سهرة تنكرية للموتى) التي تعود بشخصياتها من باريس إلى بيروت لتجلو ما طرأ جراء الحرب. ومن تلك الشخصيات (منير) الذي عاش في رواية الكاتبة (بيروت 75) وخليل الدرع الذي عاش في روايتها (ليلة المليار). وتوالي غادة السمان لعبتها الروائية الأثيرة في المزاوجة بين المونولوج والسرد. أما رواية مسعودة أبو بكر (وداعاً حمورابي) فتنادي من رواية صنع الله إبراهيم (ذات) تقنية الكولاج والمونتاج (أخبار الإذاعة والصحف..) كما تنادي حرب الخليج الثانية والنفط إلى تلك القرية التونسية (الراجين). وعن مثل هذا الفضاء تكتب رواية (رأس المحنة 1+1=5) لعز الدين جلاوجي حيث يتلقف غول المدينة المهاجرين من القرية. وسواء في هذه الرواية أم في رواية عز الدين ميهوبي (التوابيت)، تأتي الكتابة مكوية بنيران الجحيم الجزائري المندلع منذ أكثر من عقد، كما هو الشأن فيما صدر منذئذ من الرواية في الجزائر. وفي مصر، يتوالى الرهان الروائي على السيرة المجتمعية، فيما كتب محمد البساطي أو يوسف أبو رية أو خيري شلبي أو يوسف القعيد وسواهم من الكتّاب المبرزين الذين أخذت مناكب الكاتبات تدافع مناكبهم سنة فسنة، ومن ذلك هي ذي الرواية الأولى لعزة رشاد (ذاكرة التيه) التي تكتب من السيرة المجتمعية فصلاً للتقلب بالمرأة في هجرة أسرتها من بور سعيد إلى القاهرة إلى الخليج، وفي أسلمة الشقيقين والزواج والطلاق، فالبداية الجديدة لتكون من جديد، بحب جديد وعمل جديد. وهي ذي رواية أمينة زيدان (هكذا يعبثون) التي تبدأ من المومياء ـ القرية البركانية (غبة الغوص) لتمضي في القاهرة، حيث يعصف بالشخصيات الخواء والجنون والانتحار جراء التحولات العاصفة بالمجتمع، فإذا بالحب غول، كالحرمان والموت والجنس.‏

أما سحر الموجي فتكتب في روايتها (دارية) فصلاً آخر للتقلب بالمرأة بين الزواج والعمل والأمومة والشعر والطلاق والحب. ويصل هذا الفصل عبر شخصية البطلة بين الفضاء المصري والفضاء الألماني. وحول العنوانات نفسها تقوم رواية عائشة أبو النور (الحب من قبل ومن بعد): أليس هذا بوشم الأنوثة روائياً؟‏

سواء تعلق الأمر بالعقود السالفة القريبة المشتبكة غالباً بالحاضر،‏

أو بالقرون، لتكون أسئلة الحاضر والمستقبل هي المنوطة، يأتي الحفر الروائي في التاريخ مبهظاً في رواية (أمريكانلي) لكنه يوالي اللعب لدى ربيع جابر في مشروعه الروائي الكبير، ولدى ميسون صقر في روايتها (ريحانة)، التي تشكك في التاريخ الرسمي المقروء السلطوي، وتسند حكاية التاريخ للمرأة، فإذا بالمقتطفات المتعلقة بالقواسمة وتاريخ الحصن تندغم في النسيج الروائي، مثلها مثل تاريخ النوبة وسيرة العبدة ريحانة أو سيرة شمسة، أو ما توالى في مصر والشارقة وأفغانستان خلال العقود القليلة الماضية التي بدا تعلق روايات بها أكبر. فسميحة خريس في رواية (الطوفان) تحفر في تاريخ مدينة عمّان منذ كانت فيلادلفيا إلى مطلع القرن الماضي، ومثلها يفعل هاشم غرابية. ووليد إخلاصي يرسم حلب في ذلك الزمن الهارب إبان الاستعمار الفرنسي والاستقلال؛ في الشطر المبكر من سيرته. أما عز الدين جلاوجي فيبدأ في روايته (رأس المحنة 1 + 1 = 5) من مقاومة الاستعمار الفرنسي في الريف الجزائري، بينما يعود يوسف المحيميد في روايته (فخاخ الرائحة) إلى أمس العبيد في السعودية والسودان. وقد تكون الآثار وتهريبها في بعض الروايات تلك القطبة التي تضفر التاريخ بالراهن، كما في رواية (قدم الحكمة) أو رواية (ريح السموم)، ومثلما سبق في روايات إدوار الخراط وأهداف سويف.‏

على مستوى آخر، تبدو الحفريات الروائية في التاريخ معوّلةً بخاصة على التناص الصريح، كما هو الأمر في روايات صنع الله إبراهيم وفوزية شويش السالم وميسون صقر وصفاء عبد المنعم. ولكن للتناص أفعالاً أخرى، منها تعلّقُ الرواية بما سبق من رواية أو أكثر لصاحبها، فأحمد المديني ينادي في (فاس.. لو عادت إليه) روايته السابقة (مدينة براقش)، مثلما هو الأمر في رواية غادة السمان (سهرة تنكرية للموتى)، ومثلما تناذي رواية (حجر على حجر) ما تقدمها للكاتبة، ومن أفعال التناص أيضاً ذلك الحضور للشعر في روايات المديني والسالم وجلاوجي، والذي يبلغ مداه فيما تثبت رواية (دارية) لسحر الموجي من شعر بطلتها. وإذا كانت السيرة النصية كالتناص، من علامات اللعب الحداثي الروائي، فذلك هو أيضاً الفعل الصوفي في الرواية، مما اشتهرت به روايات جمال الغيطاني وعولت عليه رواية ظافر ناجي (حاجب المقام)، وتلامح في روايتي أحمد المديني ونجوى شعبان. ويتصل بالفعل الصوفي ما يشغل الروايات من العجائبي والغرائبي والخارق، والذي بلغ مداه في رواية كمال الخمليشي (حارث النسيان).‏

وتنبغي هنا الإشارة أيضاً إلى اللعب بطوبوغرافيا النص، سواء بالخطوط المائلة أم الغامقة ـ كما في روايات عزت القمحاوي وظافر ناجي وأحمد المديني ونجوى شعبان ـ أو في تيمّن كتابة سطور السرد بسطور كتابة الشعر الحديث، وهو ما حكم رواية (حجر على حجر) بطولها، وحكم فصل (خارج الزمن) من رواية نورا أمين. وقد يقال هنا إن نصف حجم كل من الروايتين كان سيتبدد لو كتبت السطور كالمعتاد، فلا تخسران شيئاً، وفي كل ذلك، كما في أغلب الروايات المشار إليها، ظل فعل الشعر عابراً.‏

لا زال هناك الكثير مما ينبغي قوله في العرس الروائي العربي، ومنه قيام روايات عديدة كلياً أو جزئياً على الرحلة، كما في روايات (أمريكانلي) و (حجر على حجر) و (دارية) و (ذاكرة التيه) و (فخ الأسماء) و (وداعاً حمورابي) و (فخاخ الرائحة). ومثل الرحلة هي الحكاية، كما في روايات (قدم الحكمة) و (فخاخ الرائحة) و (أريانة). ولأننا في غمرة العرس الروائي، فمن السذاجة ـ على الأقل ـ بمكان أن تكون الإحاطة هدفاً، وبالتالي، فصوت النذير في هذا العرس، قد يتبدد أمام تمثيلاته التي رأينا في هذا الكتاب، فكيف بالأمر خارجه!.‏

ومع ذلك، أراني ألوّح بما كتبت منذ سنوات، وآنس إلى ما كتب سعيد يقطين مشخصاً التحدي الذي يواجه الرواية العربية، بالاستمرار في تجديد إمكاناتها وتقنياتها وعوالمها الحكائية وأشكال تعاملها مع التبدلات الواقعية الكبرى. فعلى الرغم من كل ما حققته الرواية العربية خلال عقود قليلة، أدركتها المنغصات. وفي الكثير من التمثيلات السابقة للعرس من ذلك ما فيه، كما رأينا. وقد شرعت بعض الأصوات الروائية الجديدة تصدع بذلك بدعوى التجاوز والقطيعة مع ما سبق، وهي الدعوى التي لا تؤكدها غالباً نصوص أصحابها. إلا أن الأهم هو أن ترتقي الكتابة الروائية العربية، وأن يرتقي نقدها أيضاً، إلى مستوى التحدي، بتجديد الذات والتجربة قبل فوات الأوان. وهنا يصير النذير بشيراً وهو يومئ ـ مثلاً ـ إلى قراءة المبدع لتجربته قراءة نقدية، والتبصّر في التحولات المحلية والكونية، أو إلى نضج مساهمة الكاتبات، أو إلى غير ذلك من أسرار التخييل الروائي.‏

(1 ) في كتاب: بمنزلة البيان الروائي ـ 1998.‏

(2 ) مجلة علامات، العدد 20، الرياض 2003.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244