|
||||||
| Updated: Tuesday, August 16, 2005 11:52 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مقدمــة لئن اعتبر النقاد القدماء الأدب عموماً كائناً من كلام قائم مكتملاً ومستقلاً بنفسه في بنية لغوية اهتموا بأسرارها وشروط صناعتها، فإنهم ـ مع ذلك لم يهملوا الحديث عن صلة الأدب بحياة مؤلفه عند تحليلهم لأدب المعري، وذلك حين أرجعوه إلى شخصيته ومقاصده الذاتية، ونسبوه إلى مذهبه العقدي وإلى وقائع سيرته الغنية بالتجارب المثيرة. وإذا كان القدماء متفقين على أن النص الأدبي عند المعري، صورة أيقونية وجناس خطي دال على معتقد صاحبه، فإنهم اختلفوا حول طبيعة هذا المعتقد الذي يحيل عليه النص. فهو عند بعضهم يحيل على مذهب البراهمة، ويحيل على فلسفة الشك والحيرة والتشاؤم في نظر البعض الآخر وإن أولئك الذين التزموا الإنصاف والوساطة، هم أنفسهم تحدثوا عن صنفين من النصوص الأدبية عند المعري، يعكسان معاً شخصيته الحقيقية ويجسدان عقيدة صاحبه في مرحلتين مختلفتين من حياته. تطغى على المرحلة الأولى ـ وهي مرحلة الشباب ـ معاني الشك والحيرة، وتطغى على المرحلة الثانية عقيدة سليمة تتمثل في الدعوة إلى الحد من الشرور وتمجيد الله تعالى والعظات. إلا أن رد الأدب ـ بصورة انعكاسية ـ إلى شخصية توجد في الواقع العياني أمر لا يؤمن لُبسه، وتترتب عنه نتائج خطيرة. إذ إن العلاقة بين اللغة وفكر صاحبها أو معتقده ليست دائماً مبنية على التطابق صدقاً أو كذباً، بل غالباً ما تكون العلاقة قائمة على المخالفة. ولقد أشار المعري نفسه في "رسالة الغفران" إلى هذه القضية في معرض دفاعه عن المتنبي وتبرئته مما ألحق به من سوء معتقد بناء على كلامه، فقال: "وإذا رُجع إلى الحقائق، فنطق اللسان لا ينبئ عن اعتقاد الإنسان، لأن العالَمَ مجبول على الكذب والنّفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديُّناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً، يريد أن يصل به إلى ثناء، أو غرض من أغراض الخالية أمّ الفناء، ولعلّه قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون وفيما بطن ملحدون. ما يلحقني الشك في أن "دِعبلَ بنَ عليٍّ" لم يكن لـه دين، وكان يتظاهر بالتشيُّع، وإنما غرضه التكسُّب، وكم أثبت نسباً بتنسُّب، ولا أرتاب أن "دعبلاً" كان على رأي "الحَكَميِّ" وطبقته، والزندقة فيهم فاشية، ومن ديارهم ناشية. وقد اختلف في "أبي نواس": ادّعى لـه التأْلُّه وأنه كان يقضي صلوات نهاره في ليله، والصحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه"(1). وإذا لم يكن اللسان في كلام الحوار العادي ناطقاً أميناً دائماً، ولا يجسّد ما في الطوية من نوايا مبيّتة فإنه أولى في الكلام الأدبي وآكد. حيث من الصعب الحديث عن الحقيقة في كلام بُني على التخييل، واكتسب دلالته المعنوية من علاقة المشابهة والمجاورة لا من الإحالة على مرجع خارجي أو مقصد ذاتي. وإنه لمن الممكن أن يصور الأدب شخصية صاحبه، ويرسم ملامح ذاته بكل منحنياتها وأبعادها. إلا أنه لا يمكن التسليم بذلك كلياً وبصورة مطلقة، نظراً لاختلاف الأمزجة والأذواق وتباين النفسيات والمواقف. وإذا كان الأدباء يتأثرون بمحيطهم وببيئتهم الثقافية التي نشأوا فيها، فإن هذا التأثير يكون ذا أوجه مختلفة. فقد يأخذ عند بعض شكل تكيّف مع الوسط فيجيء أدبهم صورة شبه واقعية تنقل العالم الخارجي إلى عالم من الصور الخيالية، ولكنه قد يتحول عند بعضهم الآخر إلى نوع من التسامي عن الواقع. وهنا تكون ذات المؤلف موزعة بين عالمين متباينين: عالم متحقق يعيشه بذاته وكيانه ووعيه، وعالم فني لا يجسد إلا صورة خيالية تقوم بوظيفتها داخل حدود هذا العالم ولا تتعداه إلى الخارج. وحين تتحول الشخصية على هذا النحو، بحيث تصبح صورة أو قناعاً ذاتياً، فإنها لا تجد حرجاً في أن تستعير لنفسها بعض القسمات والألوان التي ليست لها في واقعها وبذلك ترتفع وتتسامى إلى ما فوقه، وحينئذ تصبح العلاقة بينها وبينه قائمة على التناقض والتضاد. إننا حين نجعل العمل الأدبي دائماً وثيقة مطابقة للشخصية الحقيقية قد نقع في الخطأ والوهم، حيث نخال أنفسنا نتحدث عن شخصية في الواقع من خلال شخصية من ألفاظ وكلمات لا ترتبط البتة بصاحبها المجسد في دنيا الواقع. وكثير من الدراسات الأدبية الحديثة مجمعة اليوم على الفصل بصفة قطعية بين الشخص وعمله الأدبي، لما هنالك من اختلاف بين صورة الأديب في الواقع وبين الصورة البشرية التي يجسدها عمله، فحالة الأديب النفسية قد تكون مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي تتجسد في العمل الأدبي. ومن الممكن أن يكون الشخص الذي تتسم أعماله بالمرح والتفاؤل مفتقراً إلى ذلك تماماً إذا ما تُرك عمله الأدبي جانباً. وقد يحيا شخص آخر تتسم أعماله الأدبية بعمق انفعالي وبرؤية مأساوية حياة هادئة معتدلة. إن من أخطر الأمور أن ننسب إلى الإنسان ما نجده في العمل الأدبي، ما لم تكن لدينا شواهد واقعية مستقلة عن تقنيات العمل الفني. وفي غياب مثل هذه الشواهد يمكننا أن نتعرض لخطر الوقوع في الخلط واللبس، إذ نظن أننا نقول شيئاً عن الأديب مع أننا في واقع الأمر نقتصر على وصف العمل وتفكيك شخصية من ألفاظ وكلمات لا من لحم ودم. إن هذا يعني أن ليس للأديب شخصية يعبّر عنها، بل إنه يملك أداة تجتمع فيها الانطباعات والتجارب بصورة تعددية، وإن هذا التعدد لا يسمح بالتعبير عن شخصية واحدة داخل العمل. فقد لا تجد التجارب والانطباعات التي ترتبط بالإنسان ـ الأديب أي مكان لها في العمل الأدبي. بينما تجد تجارب أخرى تهيمن بقوة في العمل ولكنهها لا تلتصق بشخصية الأديب كما هي خارج بنية العمل الأدبي. نريد أن نصل من خلال ما مرّ من كلام إلى أن الأدب لا يعكس شخصية حقيقة ثابتة لا تعرف التغير، وإنما الأدب كتلة من الأهواء والغرائز والميول لا تستقر على حال، بل إنها عرضة للظهور والخفاء والقوة والضعف تبعاً لمزاج الأديب نفسه. ثم إن الأدب أيضاً حلم قد يتخيل عوالم وأشخاصاً فينسب إليها مشاعر وهي لا توجد عياناً في الواقع الفعلي. ولعلّ هذا يشبه ما سمّاه القرآن الكريم بالهيمان، وذلك في معرض حديثه عن طبيعة الشعراء حين وصفهم بأنهم (في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون(. فهذا الوصف هو الأقرب إلى حقيقة الأدب كله ـ إنشائه ونقده ـ إذ لا يعدو أن تتحكم فيه الرؤية الحالمة وتوجهه المشاعر والانطباعات الوجدانية المتقلبة. واستناداً إلى هذا التصور يمكن القول: إن للمعري شخصيتين اثنتين: إحداهما بيولوجية ترابية وهي التي تعرضت للموت والبلى منذ قرون. والأخرى كلامية فنية نحتت لها عالماً جمالياً ثم استقرت فيه بصورة أخرى غير الصورة التي كانت عليها في واقعها التاريخي. وقد قيّض الله تعالى لهذه الشخصية خلوداً فنياً، تتعاقب عليها العصور والأجيال تسألها فتجيب، فإليها يجب أن نتجه بالسؤال لا إلى غيرها الذي قضى نحبه منذ قرون خلت. إذا لم يكن أدب المعري ترجمة أمينة لمؤلفه ولا يعبر على وجه الحقيقة عن مقاصده ونواياه، فعلى أي شيء يدل؟ وما هي طبيعة الذات التي يعبّر عنها ويرسم ملامحها وأبعادها؟ والذي نخرج به من خلال تتبع ما وُجد من آثار المعري الأدبية أن لمتنه الأدبي علاقة بالوجود الإنساني، فهو خطاب موجّه نحو كشف الإنسان والعالم، وموجّه أيضاً نحو الحقيقة والأخلاق، ومن ثم فوظيفته هي فهم الحياة بصورة أفضل. أو نقول بعبارة أخرى: عن المتن الأدبي عند المعري لا يعكس صورة مؤلفه وحده، وإنما هو متن يجسّد ذاتاً حوارية، من طبيعتها أنها تجمع بين صوت المؤلف وصوت المتلقي في نص واحد وليس لأي منهما امتياز على الآخر. ومعنى هذا أن العمل الأدبي عند المعري يقوم على أساس قانون التواصل الذي يتحول فيه الأدب إلى "رسالة تواصلية" تتكون من مرسل ورسالة ومتلق، مع فارق أساس هو أن هذه الرسالة هي ذات طابع فني قوامه الحواري التفاعلي الذي لا يعرف الانغلاق والسكون، لأنه منفتح على سياقات متعددة ومتنوعة. مما يدل على أن الرسالة الفنية التي تكون مصاحبة للعمل الأدبي لا يحددها سياق معين ولا تتحكم فيها ظروف الزمان والمكان. مما يجعل منها صورة لمتلق تجريدي تاريخي. إن مما يدل على أن التلقي هو القيمة الجمالية الأكثر هيمنة وحضوراً عند المعري، هو الدور الوظيفي الذي كان يشغله المتلقي في أعماله الأدبية، لا فرق في ذلك بين أدب إنشائي وأدب وصفي نقدي، ففيهما معاً نجد حضوراً بارزاً للمتلقي ووظيفته في إنشاء العمل الأدبي وتفعيله، بدءاً من المتلقي الضمني وانتهاء بالمتلقي الفعلي. فمن بين المفاهيم العامة الواردة عند المعري والمتعلقة بقضية المتلقي: 1 ـ تعريفه الشعر تعريفاً طريفاً يلح فيه على عنصرين مهمين في التجربة الشعرية: يتمثل أحدهما في الإيقاع وموسيقى الوزن. ويتجسد الثاني في التجاوب الغريزي للمتلقي وانفعاله مع شعرية النص، فيحدث لديه بموجب ذلك وقع جمالي يستجيب لـه طبعه وذوقه الفني، وهو ذوق تتحكم فيه عوامل كثيرة منها ما يعود إلى البيئة الثقافية والتاريخية، ومنها ما يعود إلى قواعد الجنس الأدبي الذي يمثل خيرة فنية توجه القراءة والتلقي الجمالي. 2 ـ إن المتلقي عند المعري كان يساهم أيضاً في تكوين النص الشعري وإنشائه. ولاشك أن شعرية النصوص في ديواني "سقط الزند" و"لزوم ما لا يلزم" تمّ بناؤها وفق صورة متلقيها الضمني. ومن طبيعة هذا المتلقي أن لـه صورتين مختلفتين: تتجسد الأولى في "المتلقي ـ الجمهور" المنحدر من المرحلة الشفوية، غايته الحرص على رسالة جمالية تنقل عبر قناة صوتية يتلقاها بغريزته السمعية فقط. وهذا النوع من المتلقي تصوره بعض النصوص الشعرية من ديوان "سقط الزند" وتحمل جيناته الوراثية. أما الصورة الثانية فتتجلى في "المتلقي ـ القارئ" الذي يعتمد حاسته البصرية ونظره العقلي لقراءة النص وتأمله ثم إعادة كتابته من جديد. 3 ـ إن العنصر الأكثر دلالة على قيمة التلقي ووظيفته الفعلية في بنية العمل الأدبي هو التلازم القائم بين الإبداع والنقد في كل الأعمال الأدبية، ويمكن ترجمته إلى تلازم بين المبدع والمتلقي في بناء العمل ونشأته. إذ للمرء طاقتان: إحداهما مبدعة، مستنبطة ضاربة في عمق المجهول متجاوزة الأعراف والتقاليد الأدبية التي تتحكم فيها قواعد الجنس الأدبي. وأخرى قارئة ومتلقية وظيفتها القراءة والتهذيب والنقد تارة، والتنظير من خلال العمل الإبداعي تارة أخرى. فهاتان الطاقتان متلازمتان في كل الأعمال الأدبية عند المعري. إذ نجد في الأديب قارئاً ومتلقياً، وظيفته الشرح والتفسير والنقد حتى يألف القراء التعامل مع النصوص ولكي لا يسيئوا فهمها إذا كانوا لم يرقوا بعد إلى مرتبة القارئ الممتاز. وهذا شيء نلمسه في كتابات المعري النثرية وذلك من قبيل "رسالة الغفران" وكتاب "الفصول والغايات" و"رسالة الصاهل والشاحج"، أو في الكتابات التي تهتم بشرح الشعر وتفسيره مثل "عبث الوليد" و"معجز أحمد". والشيء نفسه نجده في نصوصه الشعرية أيضاً. ففي الشاعر ناقد خبير بالنصوص وأسرارها الفنية. فهو ناقد عندما يفكّر في قصيدته، وعندما يختار المعاني والألفاظ عند انثيالها، وعندما تقرأ عليه قصائده في "سقط الزند" فيغير اللفظة ويستبدل بها أخرى، وذلك وفق منحى نقدي وجمالي جديد هو الذي كان يوجه قراءته لهذا الديوان في المرحلة الأخيرة من حياته، وهو المنحى نفسه الذي يكمن خلف شعرية اللزوميات، ولعل هذا ما دفع المعري إلى استهلال هذا الديوان بمقدمة نقدية، يوضح فيها معالم المنحى الفني الذي سلكه في كتابة نص شعري جديد يقوم على شعرية المكتوب بدل شعرية المنطوق، التي تقوم على نصوص اللذة وتتوجه إلى متلق ذي ذوق وجداني محض. ويعد ديوان "اللزوميات" نموذجاً للعمل الفني الذي يجسّد التلازم بين شخصية الشاعر وشخصية "المتلقي ـ الناقد" في تكوين النص الشعري. أو نقول بتعبير آخر: إنه يجسد التفاعل بين الكتابة والقراءة على أشد ما يكون التبادل والتفاعل. لقد أسعفتنا مثل هذه القضايا للقيام بدراسة المتن الأدبي عند المعري، وذلك في علاقته "بالأنا" التي تتحول من "أنا" المرسل إلى "أنا" المتلقي، ولها يتحول العمل الأدبي كله إلى رسالة فنية تنسلخ من سياقها الخاص إلى سياق أكثر شمولية. ونتيجة لذلك جاءت هذه الدراسة منصبة على علاقة التواصل والتفاعل التي تحصل بين النص والمتلقي وفق نظرية التواصل المبنية على عناصر التواصل اللغوي: المرسل والرسالة والمرسل إليه. ولقد بدا لنا قبل الخوض في الحديث عن علاقة النص بالمتلقي من خلال المتن الأدبي عند المعري، أن نمهّد لذلك بفصل نظري يعرض لقضية التجاوب بين النص والمتلقي، وما يترتب عن ذلك من وقع ومتعة جمالية تتمكن من النفوس تمكناً عجيباً يدفعها إلى إبداع القراءة التي يكتمل بها كيان النص ويتجدد بها تعامل الناس معه. والفكرة نفسها هي التي أسست عليها نظرية التلقي التي كانت محور الفصل الأول. وقد خصصناه لدراسة القضايا التي اهتمت بها مدرسة "كونستانز الألمانية" وخاصة عند يوس وإيزر وذلك مثل مفهوم أفق الانتظار، ومفهوم المسافة الجمالية، ومفهوم المتلقي الضمني والواقع الجمالي، وكلها مفاهيم ذات صلة بنظرية القراءة والتلقي الجماليين. أما الفصول الثلاثة التي تشكل بؤرة هذه الدراسة فقد كانت الغاية منها الاهتمام بوظيفة المتلقي وعلاقته بالنص الأدبي، وذلك من خلال المتن الأدبي عند المعري، الذي لم نكن نميز فيه بين ما هو إبداعي وما هو وصفي نقدي. ويرجع السبب في ذلك إلى أن المعري نفسه قد نحى هذا المنحى الفني الذي كان يجمع بين التجربة الإبداعية والتجربة النقدية في نص واحد يمكن أن نسميه "النص الجامع". ومعناه أن الإبداع الأدبي قد يتحول إلى نقد ضمني، كما أن النقد الأدبي يصير بدوره إبداعاً في حالة انتظار. وقد رأينا أن نوزع في هذه الفصول الثلاثة وفق الترتيب الآتي: اهتم الفصل الأول ب "المتلقي الخبير" في علاقته بالنصوص الشعرية، وقد تمّ فيه التركيز على بعض القضايا التي لها صلة بجانب التلقي الفعلي وممارسة النص عند المعري. مثل قضايا التنقيح الشعري والشروح والتفسيرات الشعرية، والتداول الشفوي للشعر. وقد استنتجنا أن المعري قد اهتم بتمحيص الروايات المختلفة التي كان يمعن فيها النظر فاحصاً مدققاً، تساعده في ذلك خبرة فنية وعلمية بالشعر واسعة. والتي كان من نتائجها تنخيل الشعر العربي وتمييز أصله من مزيده وصحيحه من فاسده وذلك وفق أصول منهج دقيق قوامه الضبط والدقة والتمحيص أرسيت دعائمه الأولى في بداية عصر التدوين. أما الفصل الثاني فكان موضوعه الاهتمام بجمالية الإيقاع والموسيقى في الشعرية العربية القديمة وأثرها في إحداث الواقع الجمالي عند المتلقي الانفعالي الذي كان يتميز بحس غريزي نابع من سياق ثقافي شفوي تستهويه أيقونية الصوت وجرس الكلمات أكثر مما تعزيه خطية الكتابة. ودرسنا في الفصل الثالث المتن الشعري عند المعري وعكفنا فيه على إبراز الإكراهات الفنية والجمالية التي يفرضها المتلقي على النص فيجيء حاملاً لبعض الجينات الجمالية الوراثية. وبذلك يغدو النص صورة أيقونية لملامح هذا المتلقي الذي يسكن النص ويندس في بنية الغياب. ولقد تبين لنا من خلال دراسة نصية وجود نوعين من المتلقي الضمني خلف النص الشعري عند المعري، لكل واحد منهما خصائصه الأسلوبية التي تجسد بنيته الذهنية وطبيعته التكوينية. ومادامت الفكرة المركزية التي انشغلت بها هذه الدراسة تنصب حول الوقع الجمالي الذي يحدثه العمل الأدبي في المتلقي، فإن ذلك يستدعي الاستئناس ببعض المفاهيم التي اشتغلت بها نظريات التلقي والتجاوب الجمالي وخاصة عند أصحاب مدرسة "كونستانز الألمانية". وبما أن نظرية التلقي هي في الأصل منهج مرن ومنفتح على مصادر معرفية متنوعة وعلى عدة مناهج، فهذا يعني أن المنهج المتبع في هذا البحث يميل هو نفسه إلى المرونة وذلك باستقاء بعض المفاهيم من تيارات أخرى للاستئناس بها في هذه الدراسة دون تعسف أو إكراه. أذكر من بين ذلك مثلاً المفاهيم التي تنتمي إلى المدارس البنيوية والشعرية والسيمولوجية كما تجسدت في أعمال بارت وكريستيفا وتدوروف وبنفنيست ويوري لوتمان وريفاتير وجيرار جنيت. ولقد جاء هذا البحث ثمرة لفكرة كبيرة راودتني منذ عشر سنوات ولكنه حين يخرج اليوم إلى الوجود يبدو في عيني صغيراً. فما أكبر الفكرة وما أعظم الطموح ولكن ما أصغر المولود. إلا أن الذي يشفع لي أنني اجتهدت وعملت واستنتجت. فإن كانت النتائج مرضية فهي بتوفيق وعون من الله تعالى، وإن كانت فيها زلات وشيات فهي من عندي "ولكل شيء إذا ما تمَّ نقصان" (وخلق الإنسان ضعيفاً(. الدار البيضاء في 8 جمادى الأولى الموافق لـ 9 يوليو 2003 (1) رسالة الغفران، ص: 419 ـ 420. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |