|
||||||
| Updated: Tuesday, August 16, 2005 11:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث: صورة المتلقي الضمني في النص إن النص كائن حي، شأنه في ذلك شأن الكائن البشري، يحمل مثله بصمات وملامح إنسانية تعبّر عن مؤلفه الأصلي، سواء أكان المؤلف فردياً أم جماعياً، كما أنه ينقل الجينات الوراثية لعصره الفني. يعني هذا أن النص يتحول إلى صورة أيقونية تجسّد ملامح مؤلفها وتتطابق معه لتصبح بعد ذلك الصورة نفسها لمتلق ضمني وجناساً خطياً له([1]). انطلاقاً من هذا التصور يمكن القول: إن كل القصائد في تاريخ الشعر العربي تولد في إطار عقدة للقراءة والتلقي تأخذ في اعتبارها توقعات المتلقين وردود أفعالهم، بل إنها تتمثل صورة نموذجية لهؤلاء فتضمنّها بنياتها النصية. ويرتبط هذا المتلقي بأفق انتظار لـه مقاييس جمالية وأعراف فنية تتراكم عبر أزمنة تاريخية متعاقبة. وهذا يعني أن تكوين النص الفني يظل مرتبطاً باستجابة المتلقي، "فإن يكوّن المرء نصاً ـ يقول أمبرتو إيكو ـ يعني أن يضع حيّز الفعل استراتيجيته ناجزة تأخذ في اعتبارها توقعات حركة الآخر شأن كل استراتيجية... لذا نراه يستشف وجرد قارئ نموذجي:([2]) ويشير ريفاتير إلى أن "الظاهرة الأدبية لا تتحدد بالعلاقة بين المؤلف والنص، بل بالعلاقة بين النص والقارئ".([3]) ولهذا نجد أن بعض النصوص وخاصة تلك التي تتميز بجدتها تعمد إلى تأسيس قارئها ورسم ملامح صورته التي تأمل في وجودها. وفي هذا الحال تساهم النصوص أيضاً في إنتاج كفاية قارئها([4])، أو توسيع ذخيرته حسب تعبير إيزر. نريد أن نصل من خلال هذا التصور إلى أن الشعرية القديمة تضم صنفين من النصوص يتميز كل صنف عن الآخر بخصائص فنية ذات صلة بمتلق نموذجي يكون حضوره أمراً ضرورياً في النص وهو ينقسم بدوره ـ تبعاً للنص الذي يتلقاه ـ إلى متلق تقليدي يتحرك وفق أفق انتظار الذوق الأدبي القديم أغراضاً وطريقة وتعبيراً، يستجيب لـه ولا يخرقه، وإلى متلق جديد ينتهك معايير هذا الأفق ويدخل معه في صراع محدثاً بذلك فجوة أو مسافة جمالية، وبذلك نكون إزاء نمطين شعريين مختلفين: يتضمن كل نمط متلقياً محدداً، لـه صورة وملامح بشرية ذات خصوصية نوعية. 2 ـ ملامح المتلقي في ديوان سقط الزند: إن أول قراءة في ديوان سقط الزند تبين أن متنه يتوزع بين صنفين من القصائد: أحدهما ذو أسلوبية بسيطة ذات مصدر عربي صرف كما يقول أحمد أمين، لا نكاد نلمس فيها أثراً من حضارة ولا "عمقاً في تفكير، ولا إمعاناً وفلسفة في تعبير".([5]) وفي مقابل هذا الصنف ثمة آخر يحتاج فيه ذهن المتلقي إلى أن ينحرف شيئاً ليفهمه([6])نظراً لما يحويه من نظرات فلسفية وتأملات فكرية تدل على أن القارئ الضمني الذي يتلقى الشعر، قد انتقل من البساطة الفطرية وارتقى سلّم التعقيد الحضاري، فأصبح متلقياً على قدر كبير من النضج والرقي الفكري، ومع هذا القارئ يغدو الموضوع الجمالي مقترناً بالوظيفة المعرفية، بدل الوظيفة الجمالية ذات النظرة الشهوانية والمنزع الحسّي. فالصنف الأول يمثل الشعرية التقليدية التي يتم الحرص فيها على اللذة الجمالية ذات الجذر العربي المحض، قوامها إرضاء الحسّ الجمالي الذي ساهمت فيه عصور وأجيال فنية رسمت سنّته الثقافية وفق ذوق فني تقليدي يعبّر عن "لا وعي جمعي" لشعرية جاهلية انتهى زمنها الفيزيائي، واستمر زمنها الفني في لا وعي الشعراء اللاحقين، ومن أمثلة هذا النمط نجد: القصيدة الرابعة([7]).
وكذلك قصيدته السادسة عشر:
لقد وقف المعري نفسه إزاء هذا النمط في مرحلة نضجه موقف الشاك والمتردد عند إقرائه إياه لتلامذته، كما صرح بذلك تلميذه التبريزي في قوله: "قرأت عليه كتباً كثيرة من كتب اللغة، وشيئاً من تصانيفه فرأيته يكره أن يقرأ عليه شعره في صباه الملقب بـ"سقط الزند"، وكان يغير الكلمة إذا قرأت عليه، ويقول معتذراً من تأبّيه وامتناعه من سماع هذا الديوان "مدحت فيه نفسي، فأنا أكره سماعه".([9]) أما النمط الثاني من شعر أبي العلاء في سقط الزند "فهو الذي يحرص على تقديم حقائق معرفية في الشعر بدل الاهتمام بالعبارة المنطوقة وما تخلفه من نشوة وطرب. وبهذا تتغير وظيفة الشعر عما كانت عليه في النمط الأول حيث يصبح الشعر "لعبة معرفة، تستحضر المشاعر وعلاقاتها الخبيئة إلى حال الوعي، وذلك بتسميتها بأسمائها"([10]) ويصبح الشاعر كمن يصنع عالماً فنياً تخييلياً يستقل بكائناته وأحداثه وشخوصه الفنية وتقدم إلى القارئ على نحو معين ووفق نظرة تتماثل بنيوياً مع رؤية مؤلف النص. لقد ضمّ ديوان سقط الزند نماذج من هذا النمط، مثلت المرحلة الثانية من حياة شعر المعري، وما تميزت به من تجديد في الموضوع الجمالي هدفه الأساسي هو تأسيس أفق انتظار جديد للشعرية العربية، يقوم على الصدق بدل الكذب الذي يعد عماد النمط الأول وأسه المتين، ومن نماذج هذا النمط نجد داليته في رثاء أبي حمزة الفقية:
والقصيدة العينية:
والقصيدة اللامية:
فمن خلال هذين النمطين نكون إزاء متن شعري ثنائي التوجه في طريقة تعبيره وأدائه، يتضمن أولهما متلقياً انفعالياً فطري الغريزة والذوق، ويتضمن الآخر متلقياً ـ قارئاً أكسبته الحضارة ذخيرة فنية واسعة. وهذان النموذجان يختلفان اختلافاً بيَّناً كما يختلف الشيء عن الفكرة([14]). وتبدو هذه القسمة أكثر جلاء حينما نقابل بين نموذجين شعريين من هذا المتن. لقد أجمع النقاد القدماء ـ ممّن التفتوا إلى شعر المعري ـ على أن بعض القصائد في سقط الزند هي من جيّد شعره، لكونه سار فيها على طريقة العرب ونهج نهجهم، وكادوا يجمعون أيضاً على أن أفضل مافي هذه القصائد قصيدة يقول فيها مطلعها:
فقد ذكر الصفدي أن أحسن شعره هو سقط الزند، واختار منه نماذج كثيرة موزعة على أغراض الشعر العربي من مدح وفخر ورثاء، وكان مما استحسنه من هذا الشعر قصيدته السابقة([16]). كما أن العبَّاس المكّي صاحب نزهة الجليس استحسن أيضاً هذه القصيدة وجعلها ضمن مختاره الشعري ـ والمختارات الشعرية عند العرب هو جهاز مفاهيمي لتلقي الشعر، يترجم شعوراً داخلياً ويحوله إلى استجابة فعلية تتجسد في انتقاء النصوص الجميلة وفق معيار جمالي ضمني ـ وبسبب هذه القصيدة استحق المعري الثناء من قبل العباس، فذكرأنه "فاضل سار ذكر فضله في البراري والبحور، وأجمع على تقدمته الجمهور، بأنه فارس المنظوم والمنثور، أقرّ لـه بالبلاغة والأدب كل بليغ وأديب، ويشهد لـه قوله من لاميته التي هي أحلى من لام عذار الحبيب، وأغلى من اللؤلؤ النفيس الرطيب:
هكذا يجمع كل الذين تلقوا شعر المعري على استجابة واحدة، وحكم مطرد يتكرر من ناقد إلى آخر عبر أزمنة فنية عديدة يتجسد في أحكام جمالية تعبر عن إعجاب بهذا النمط وافتتان بشعريته، ولكنهم في مقابل ذلك لم يستجيبوا لنماذج أخرى استجابتهم للنمط الأول، مما يدل على أن لها متلقياً جديداً خلع عنه لباس البداوة، وتزود بعلوم ومعارف عصره، فغدا متلقياً ناضجاً ومتميزاً عمن سبقه عميقاً في تفكيره يحظى بنصيب من الفلسفة والتأمل، فأصبح الشعر عنده يمر عبر منافذ الفكر والعقل بدل مروره من منفذ العاطفة وحدها. فهذا النموذج هو الذي خرج فيه المعري عن نهج القدماء، طريقة وأسلوباً ومضامين، وهذا ما جعل النقاد ـ ممن ظلوا خاضعين للذوق القديم ـ ينبّهون إلى هذا "المنزع البديع" الذي ابتدعه المعري وخرج به عن طريق القدماء. وهذا ما نبّه إليه البطليوسي أحد شراح "سقط الزند" عندما أشار في مقدمة شرحه إلى أن شعر المعري ـ وهو بلا شك يقصد النمط الثاني ـ "قوي المباني، خفي المعاني، لأن قائله سلك به مسلك الشعراء وضمّنه نكتاً من النحل والآراء، وأراد أن يُري معرفته بالأخبار والأنساب، وتصرفه في جميع أنواع الأدب، فأكثر فيه من الغريب والبديع، ومزج المطبوع بالمصنوع، فتعقدت ألفاظه، وبعدت أغراضه".([18]) لقد وقف القدماء من هذا النمط موقف الرافض المتردد، ولم يتقبلوه التقبل الحسن منذ ظهوره عند أبي تمام وهو لا يتجاوز بعد البيت أو البيتين، ثم عند المتنبي في شكل مقطوعات مستقلة أو ضمن أغراض تقليدية عرف كيف يغير من خطها التقليدي وذلك بإقحامه الجانب الذاتي في بناء القصيدة، قبل أن يتحول ذلك إلى ظاهرة شعرية لفتت إليها الأنظار عند المعري في ديوانيه سقط الزند واللزوميات. ولذلك أبدى هؤلاء عزوفاً عن هذا المنحى وأعلنوا غير ما مرة أن طريق الشعر غير طريق الفلسفة، إشارة منهم إلى كل شعر ابتعد عن وظيفة التسلية والطرب وتحول إلى شعور نحو العالم، إما عن طريق المزج بين الشعر والفكر أو بين الشعر والنثر أو بين الحكمة والشعر، فهذا النوع من التعالق قد شكّل منحى فنياً جديداً خرج عن أفق انتظار الشعر القديم، الذي لم تكن وظيفة الشعر فيه تتجاوز يومئذٍ اللهو واللعب الفني([19]). إن مما يرمز إليه هذا المنحى ـ انطلاقاً من المقولة التي تطابق بين الرجل وأسلوبه ـ هو الإشارة إلى ظهور متلق جديد يعيّن ملامحه الإنسانية ويحددها أسلوب فني خاص، لأن الأسلوب هو الرجل مؤلفاً كان أم متلقياً. والتقنيات التي اعتمدها المعري في هذا النمط الجديد هي من العلامات الدالة على تحول في الذوق الفني الذي يعبر في الوقت نفسه عن نوع متلق قارئ تستهويه خاصيات أسلوبية جديدة غير التي توجد في نص الفصاحة الذي كان يفترض متلقياً نموذجياً غايته القصوى من النص هي التلذذ والشهوة انطلاقاً من مقومات فنية تنتمي إلى عمود الشعر. فهذه المعايير الجمالية لجأت إليها العرب لتفاضل "بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض"([20]). إن غياب مثل هذه المعايير في بعض نصوص المعري، بعد أن استبدلت بها أخرى يدل على تغيير في وظيفة الشعر ترتّب عنها ذوق وأعراف فنية جديدة تشير إلى متلق جديد. ولعل هذا ما لفت نظر ابن سنان، مما جعله ينفي الفصاحة عن هذه النصوص التي أصبحت آنذاك تشكّل منحى شعرياً جديداً. يقول ابن سنان الخفاجي: "وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن، ويستعملُّه في شعره كثيراً. ومنه قوله:
فألغز بقوله: "جوار" عن الجواري من الناس، وهو يريد بنهود: نهوض. أي كأنهن يجرين في السراب وما لهنَّ على الحقيقة نهوض. وأراد بقوله: "تمجّس الحرباء"، أي صار لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها تسجد لها. وجعل الرواهَب النعام لسوادها. "يهود"، يرجع وهو يلغز بذلك عن اليهود، فلمّا ذكر المجوس والرواهب. وكذلك قوله:
لأنه يريد بالجد الحظ، وبالعم الجماعة من الناس، وبالخال المخيلة. وقد ألغز بذلك عن العم والجد والخال من النسب، فهذا وأمثاله ليس من الفصاحة بشيء، وإنما هو مذهب مفرد، وطريقة أخرى".([21]) ألا يرمز مثل هذا الكلام إلى أن المعري ماكان بإمكانه أن يستحسن هذا الفن ويستبدله بنص الفصاحة لولا أنه كان يتخيل متلقياً جديداً بدل المتلقي القديم الذي كان يتلقى الشعر وفق مذهب فني يعتمد على جرس الألفاظ ورمزية الأصوات وإيقاعية الوزن وموسيقاه، وكذا نغمات الإلقاء الشعري وقوته التأثيرية، وكلها خصائص فنية تقوم على علاقة طبيعية بين الدال ومدلوله، أو بين مبنى العبارة ومعناها. أما المتلقي الافتراضي الذي يتصوره المعري فتوحي به المعاني الذهنية البعيدة التي يتضمنها نصه الجديد في بنيته الغيابية، الأمر الذي يشير إلى أن غاية هذا المتلقي لم تعد تقف عند النص الظاهر، بل تتجاوزه إلى الباطن حيث يوجد ظل النص الذي يقوم على العلاقة الاستدعائية والإيحائية بين الدال ومدلوله وبين الرمز ومعناه. وتعد دالية المعري في رثاء الفقيه الحنفي من أكثر الشواهد الشعرية ترديداً في هذا المضمار، لأنها تجسد بعض خصائص قصيدة الرؤية التي تنتمي إلى شعرية المكتوب. وتظهر ملامح هذه الخصائص في القصيدة منذ مطلعها الذي يتداخل فيه الرمز الأسطوري مع التجريد الفلسفي، وتلك طريقة جديدة لا قبل للقصيدة العربية بها.
يلفت انتباه المتأمل في هذا النموذج الشعري مجموعة من الموضوعات الشعرية، التي كانت شبه غائبة في قصيدة اللذة. ويتجلى ذلك في التعبير عن قضايا إنسانية هي من جوهر الإنسان وصميمه، إضافة إلى التعبير عن قضايا موضوعية ذات طبيعة فلسفية معقدة. كل ذلك يشكل مجتمعاً وحدة موضوعية أدمجت في بنية نصية مركبة، اضطرت الشاعر إلى اعتماد تقنيات ورموز حكائية وتاريخية مشحونة بدلالات ومعان جديدة لم يكن حضورها في القصيدة القديمة يعتبر موضوعاً جمالياً. إن هذه القضايا الجديدة هي ما دفعت بالمعري إلى الإكثار من ظاهرة البيت المدمج في هذه القصيدة، الذي يكون قسيمه متصلاً بالآخر غير منفصل عنه. الأمر الذي يؤدي إلى قراءة القصيدة قراءة مرسلة لا تهتم إلا بالكم والقافية. حتى إن هذا المقوم قد شكل في القصيدة ظاهرة إيقاعية مهيمنة، قد بلغ عدد أبياتها سبعة وثلاثين بيتاً من مجموع اثنين وخمسين بيتاً. وربما يكون الإكثار من هذه الظاهرة راجعاً إلى طبيعة الأفكار المتناولة في القصيدة، وهي ذات طبيعة فلسفية لا يمكنها أن تستوعب في بنية شعرية، إلا ضمن مقوّم مرسل هو أقرب إلى النثرية منه إلى الشعرية. وهذا من شأنه ألا يشوّش على عملية الفهم عند القارئ الجديد الذي تتضمنه هذه القصيدة، وهو ـ كما يبدو من خلال الأسلوبية المعتمدة في القصيدة ـ قارئ ممتاز على سعة من المعرفة والاطلاع يمكّناه من تأويل النص انطلاقاً من النصوص الغائبة التي امتصها وجعلها من عندياته، وهي نصوص ذات ارتباط بأمشاج من الثقافات والعلوم. ندرك الآن، من خلال هذين النموذجين ـ أن المتن الشعري في ديوان سقط الزّند توجهه ثنائية شعرية تختلف تصوراً وبناءً. ينتمي طرفها الأول إلى شعرية المنطوق التي تتكون من قصائد اللذة وترتبط بممارسة مريحة للقراءة، كما تشير إلى ذلك وصية أبي تمام للبحتري، ويفهم من فحواها أن الذوق الفني الذي يتحكم في هذا الصنف يستجيب لعامل اللذة وحده، كما أن ميلاد قصائده ورواجها رهين بما تحدثه من نشوة في المتلقي وتوفير هزة الطرب لديه، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود عناصر تعبيرية ومضمونية تنتمي إلى فضاء نصي ذي خصائص ومقومات متعارف عليها. يقول أبو تمام: "واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه، فإن الشهود نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسنه العلماء فأقصده، وما تركه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى"([22]). أما الطرف الثاني فينتمي إلى شعرية المكتوب التي تضم قصائد الرؤية والتجربة التي يحصل بها كمال العلم قبل أن تحصل اللذة القوية التي تحققها نصوص اللذة. وربما يكون غياب عامل اللذة في النمط الثاني من أهم الأسباب التي زعزعت ثبات الذوق القديم فلم يحظ بالقبول الحسن من قبل القارئ النمطي. تنطلق قصائد اللذة من قاعدة أساسية تتحكم في بنيتها العميقة، وتتجسد في تكريسها لسلوك جمعي يجعل الأزمنة الفنية المتعددة زمناً واحداً، كما يوحّد القصائد الموزعة على هذه الأزمنة في قصيدة واحدة هي القصيدة المولّدة التي تفرعت عنها قصائد مشابهة في عصور لاحقة تحمل الجينات الوراثية للقصيدة الأم. وهي التي جعلت الشعراء الذين ينتمون إلى هذه الشعرية طبقة واحدة ذات انتماء إلى فضاء شعري واحد. فالتعبير عن قيم جماعية متشابهة هو ما جعل غالبية الشعر العربي ترديداً لقيم جماعية وليس تعبيراً خالصاً عن عوالم فردية. وهذا يعني أن شعراء هذا النمط ـ انطلاقاً من بعض السمات المتشابهة ـ يجمعهم "لا وعي جمعي" واحد، هو المسؤول عن توحيد قيمهم وثباتها تلك التي يتصرف في حدودها كل شاعر، سواء كان جاهلياً أم أموياً أم عباسياً ويحرص على التغني بها وتمجيدها والمحافظة على بقائها واستمراريتها. وستظهر معالم هذه الفكرة واضحة في شواهد شعرية منتزعة من قصيدة المعري في الفخر تلك التي لقيت استحساناً من قبل النقاد القدماء:
ولا يخفى أن لهذه الشواهد الشعرية علاقة قرابة قوية تربطها بقيم ذات أرومة عربية كثفها الشاعر في مطلع قصيدته، ثم نثرها ذرات بعد ذلك وفصّلها في شكل صور بيانية في بقية القصيدة. وتختزل هذه القيم في أربع خصال هي: العفة، والشجاعة، والحزم، والجود. وكلها معان يحصل بها ـ حسب الشعرية القديمة ـ الشرف ويتحقق المجد ذلك الذي أكثر من ذكره الشعراء وتعاوروه في حقب زمنية متباعدة. إن ما يلاحظ على هذه القصيدة هو خضوعها لتقاليد فنية ومعايير جمالية ترتبط بنظام دلالي واحد، فرض سلطانه على قصائد اللذة منذ أن تراكمت لها أعراف وتقاليد أدبية ذات نفس جاهلي. ويتحدث المستشرق مونتغومري وات عن العناصر التي يتكون منها هذا النظام فيقول: "لم يشعر العالم العربي في غالبيته عشية ظهور الإسلام بالتضاد المجرد بين الخير والشر، فقد استعيض في البلاد العربية الوثنية عن هذا المفهوم بالتضاد بين الشرف أو العرض والعار، وقد كان من الممكن لهذا التضاد أن يساعد في الوسط القبلي على تشييد قواعد أخلاقية".([23])ولقد استطاع هذا النظام أن يبسط نفوذه على الذوق فتناسلت من عقبه قصائد ومقطعات شعرية تعددت بناها السطحية، ولكنها توحدت في بنية مركزية ثابتة، تتحكم فيها ثنائية التضاد بين الشرف والعار. ثم استمر هذا النظام بعد مجيء الإسلام فبقي سارياً في فضاء الحضارة العربية الإسلامية، يردده الشعراء رغم اختلاف عصورهم، فليس غريباً إذن أن تتناسل من قصيدة واحدة هي القصيدة المولّد نماذج شعرية عليا (Archetypes) ومن هنا نفهم لماذا علقت قصيدة المعري في الفخر بقلوب المتلقين فاستحسنوها وجعلوها في متخيرهم الشعري، لكونها ارتبطت بنظام دلالي وببنية مركزية قارة، واستجابت لذوق أدبي سائد، بل إنها استطاعت أن تستوعب نصوصاً تنتمي إلى هذا النسق الفني، فكانت كمن يحمل بصمات الأجداد وينقل جيناتهم الوراثية، ولم يخف شيء من هذا القبيل على شراح المعري أنفسهم، فأكدّوا جميعهم أن خلف هذه القصيدة نص غائب ذو نسب في العروبة عريق، وأن ذاكرتها حبلى بنصوص قديمة، حاورتها وشكلت معها فضاء نصياً لم يجد الشراح عنتاً في تحديد نماذج منها، ظلت مترسبة في بنية النص الجديد، مما جعله مشدوداً إلى النموذج الشعري الأعلى الذي تتحكم في خلفيته قاعدة سلوكية جماعية ظلت "مسجلة في كلمة المروءة التي تحدد أفقها التصوري الفضائل الآتية: الشجاعة والكرم والثبات في الملمّات والحلم أمام الإهانات واحترام العهود".([24]) مما يؤكد انتماء قصيدة المعري إلى بنية تقليدية حضور ملفوظات شعرية وقيم معنوية ذات أصول أعرابية غير مشوبة بشيات الأفكار التي تنتمي إلى بيئات ثقافية مستعارة. فخطاب الآخر الذي حظي باستقبال حار داخل بنية القصيدة هو خطاب عربي محض، سواء في أساليبه وقيمه الفنية أو في تصوراته ومضامينه المعنوية. وهذا ما أشار إليه شراح سقط الزند أيضاً، فقد ذكر الخوارزمي أن القصيدة قد تضمنت أمثالاً عربية مشهورة حاورها المعري وأدمج معانيها الذرية في بنية القصيدة، كما يظهر ذلك من خلال الشاهد الشعري الرابع. وتتلخص معاني هذه الأمثال في صيغ مسكوكة من قبيل: أجود من حاتم"، و"أبخل من مادر" ومادر رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة سقى إبله فبقي في أسفل الحوض مَويْهٌ فسلخ فيه ومدر الحوض بالسلاح، أي لطخه به، فلقّب بذلك([25]). ومنها أيضاً "أبلغ من قس"، ويعد قس أحد حكماء العرب وكان خطيباً بليغاً، وفيه يقول الأعشى:
ومنها كذلك "أعيا من باقل"، وهذا مثل يضرب في العيّ. فقد كان باقل رجلاً من إياد اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً، فقيل له: بكم اشتريته؟.. فمدّ يديه ـ يريد عشرة دراهم ـ ودلع لسانه يريد درهماً آخر، وكان الظبي تحت إبطه فشرد([26]). وإلى جانب الأمثال العربية ساهمت الذاكرة الشعرية أيضاً في ميلاد القصيدة وفي بنائها الفني، فكانت ـ كما مرّ سابقاً ـ أمشاجاً من الأشعار القديمة المفتتة، وجعل منها المعري نموذجاً شعرياً للاقتداء وقاعدة للتمثل مع شيء من التغيير في الصيغ والأشكال، ولاشك أن النظم على غرار النماذج العليا وضع الشاعر في إطار ثابت من التقاليد الأدبية، وفرض عليه معاني ومضامين مرتبطة بأغراض شعرية متداولة.والشواهد الشعرية الخمسة التي انتزعناها من القصيدة تشهد أن خلفها نظاماً شعرياً قديماً يوجهها ويتحكم فيها مبنى ومعنى. كما تبين أيضاً وظيفة الرواية الشعرية في إنتاجية قصيدة اللذة باعتبارها مصدراً أولياً لعملية الإبداع الشعري، وباباً يلج منه الشاعر في مبتدئه قبل أن يصير فحلاً مفلقاً، ولقد ظل الشعراء يحافظون على هذه السنّة الأدبية منذ الجاهلية الأولى وإلى عصور متأخرة، ولذلك نجد كثيراً من القصائد التي تلي مباشرة مرحلة الرواية تحمل آثاراً واضحة المعالم من الشعر المحفوظ، شعر الأساتذة والشيوخ، وقد وردت عند البطليوسي إشارات وتنبيهات تصب في هذا الاتجاه وتلمح إلى شيء من هذا القبيل . فقد ذكر أثناء شرحه للشاهد الشعري الخامس أنه لا يخرج عن منظومة الصور البلاغية كما كرّستها السنّة الأدبية. فقد "شبّه سواد الليل بالهجر لأن الهجر يوصف بالسواد والوصل بالبياض، وكذلك تقول العرب لكل شيء حسن أبيض، ولكل شيء قبيح أسود، وإن لم يكن هناك سواد ولا بياض، قال الأخطل:
وشبه الفجر لشدة تشوقه إليه وتأخر طلوعه، بحبيب وعد بالزيارة وهو يمطل بها، وهذا المعنى موجود في قول أبي الطيب:
لقد حرص البطليوسي في شرحه لهذه القصيدة على الموازنة بين صورها البلاغية وبين بلاغة العرب، وانتهى به الأمر إلى الإقرار بأصالة هذه الصور، وانتمائها إلى بنية ثقافية عربية إلى درجة تكاد فيها تقارب الصور البلاغية عند فحول الشعراء من أمثال امرئ القيس كما يظهر من خلال هذا النموذج الشعري: يقول المعري([28]):
ويشير البطليوسي إلى أن التشبيه المضمّن في البيتين متداول ومألوف، سبقه إليه شيوخه وأساتذته في مقدمتهم امرؤ القيس من العصر الجاهلي والمتنبي من العصر العباسي. يقول موضحاً ذلك: "وجعل الليل لسواده ومافيه من النجوم كزنجي شاب رأسه وجعله كهلاً إشارة إلى شدة الظلام واستحكامه وعند ذلك يكون أشد على راكبه. وقوله: "وأوثق حتى نهضه متثاقل"، جعل الليل لطوله كأنّه موثق لا يبرح، كما قال أبو الطيب:
وأول من أثار هذه المعنى امرؤ القيس بقوله:
إن هذه النصوص المضمنة، الموازية لبنية القصيدة مما ألمح إليه شراح المعري، هي ظاهرة شعرية أفرزتها طبيعة الرواية التي كان يعتمدها كل الشعراء مصدراً بدائياً لقصائدهم. وبذلك تكون الرواية عنصراً ثقافياً وتربوياً"، يزود الشاعر بالقيم والأفكار والصور، ويسبك موهبته ضمن أطر التقاليد العربية في التفكير والتعبير حسب ما تبلورت في نظرية عمود الشعر".([30]) ومادامت قصيدة اللذة ترتبط بنظرية عمود الشعر، فسينتج عن ذلك لا محالة اهتمامات شكلية وجمالية، من شأنها إحداث اللذة الفنية، لأن مقصدها يكمن بالأساس في إرضاء المتلقين ولا يتحقق ذلك إلا بواسطة ثوابت فنية تشكل أفق انتظارهم، ولقد لعب ما يسمّى الأداء البلاغي دوراً كبيراً في رسم معالم هذا الأفق، كما أن جودة النصوص تقاس بمدى التزامها بهذه المعالم، وتوظيفها لهذا الأداء الذي هو عبارة عن "مجموعة من الوصفات التي تصلح لإتاحة إصدار الخطاب إلى الخارج إصداراً جسدياً"([31])، محولة إياه إلى نص ظاهر يعتبر خليطاً شهوانياً من جرس وإيقاع وصور بلاغية تلتصق ببنية ثقافية ذات أصول عربية. لقد حاول المعري في نصوصه الشعرية المسماة بنصوص الرؤية أن يزحزح البنية النمطية للقصيدة العربية وأن يخرق أفق انتظار متلقيها، وذلك بما استحدثه من قيم أدبية لم تألفها القصيدة في عصورها القديمة، وأول تغيير يمكن تسجيله هنا يظهر من خلال استبدال نظام دلالي يستند إلى قاعدة الصراع المطلق بين الخير والشر بالنظام الدلالي الذي يقوم على صراع القيم القبلية المتمثل في ثنائية الشرف والعار. فهذه القاعدة ومعها الحوار مع بنيات ذهنية أخرى والصراع مع الإلحاد ومع مذاهب وعقائد تنتمي إلى شعوب مختلفة كل ذلك يصور في هذه النصوص داء عصرحقيقي و"أن الشعر الذي يرسم ذلك الداء هو مهما بلغت لغته الكلاسيكية ذو نعمة مختلفة بين الاختلاف عن نغمة جميع الأشعار التي سبقته".([32]) فقصيدة المعري في رثاء الفقيه الحنفي، فهي تمثل نموذجاً للقصيدة التي خرقت بنية الشعرية التقليدية لتعيد في الوقت نفسه بناء أفق شعري جديد. يتجلى ذلك أولاً في الخروج عن المعايير التي وضعها النقاد العرب للغرض الشعري. لقد تواضع النقاد القدماء على أن الرثاء هو مجموعة من رصد فضائل المرثي، والتغني بمآثر ما ترك وراءه من كرم أو نبل أو شجاعة، أو نقول بتعبير آخر ـ وحسب مفهوم قدامة بن جعفر ـ : إن الرثاء لا ينفصل عن المديح إلا في حقل دلالي معين، يدل في الرثاء على أنه "لهالك، مثل كان، تولى، وقضى نحبه، وما أشبه ذلك"([33]). وإذا كانت كثير من قصائد الرثاء في تاريخ الشعر العربي تستجيب لقانون الغرض كما حدده قدامة بن جعفر، فإن هناك قصائد أخرى لا يصدق عليها البتة هذا التعريف ولا تخضع لمقاييسه، كما هو ديدن قصيدة المعري السابقة في الرثاء الذي حولته إلى غرض فلسفي تأملي، يهيمن عليه البعد الكوني والإنساني وتطغى عليه النظرات العقلية التي تتجاوز بكاء الفرد الواحد لتشمل الجنس البشري برمته بل لتشمل الحياة قاطبة. فهذه القصيدة لا تملك من الرثاء وفق الطريقة التقليدية إلا أبياتاً قليلة، هي التي ارتبطت بفضائل الشخص ومآثره. أما بقيتها فهي عبارة عن تأملات فلسفية في الكون والحياة والمصير. ولا تتجلى جدة القصيدة في خروجها عن معايير الغرض فحسب، بل تتجلى أيضاً على مستوى البناء الفني وذلك بتوظيف تقنيات جديدة كالاعتماد على القناع التاريخي والرمز الحكائي و المقولة الفلسفية المجردة، وهذا من شأنه أن يجعل بنية القصيدة خليطاً من مكونات متعددة، يمتزج فيها ماهو معرفي بما هو فني في علاقة جدلية تربط بين المتعة الجمالية ولذة المعرفة. وانطلاقاً من هذه العلاقة تتحول بنية الشعر من بنية جمالية "تشرح بدءاً من الحساسية والانفعال".([34]) إلى بنية تشرح عقلياً لأنها تعنى بالمقولات التجريدية وبالمفاهيم والموضوعات المعرفية. وهذا مما يضيف إلى المفهوم الشكلي للشعر متمماً دلالياً ومقصدياً، لم يحظ باهتمام كبير في تعريف القصيدة القديمة. ومن ثم يصبح رسم الشعر هو: الكلام الموزون المقفى الدال على المعنى وفق موقف ورؤية للحياة، كما تجسد ذلك قصيدة المعري في الرثاء:
وتؤكد هذه الشواهد أن القصيدة لم تعد تشكل تجسيداً لغوياً مغلقاً يستند إلى نمطية ثابتة، وإنما هي انفتاح خارج اللغة والنمطية على مجال التجربة، وهي تتوزع مابين تجربة واقعية معيشة ومابين تجربة معرفية مكتسبة، تجسدها الإحالات القرآنية والتاريخية كما في الشاهد الثاني، إضافة إلى الاستعانة برموز حكائية للإشارة إلى معان عاطفية وشعورية تنسجم والوحدة العضوية للقصيدة، وتتعالق مع سياقها العام الذي يتحدث عن الحزن والحداد. وهذا ما استدعى توظيف مثل هذه الحكاية التي وردت في الذهنية العربية القديمة وهي تتحدث عن "فرخ تزعم العرب أنه كان في عهد نوح فصاده جارح من جوارح الطير، فالحمام تبكي عليه إلى يوم القيامة".([35]) إن الإحالة على نصوص قرآنية واستدعاء رموز حكائية وتاريخية يضفي على قصيدة الرؤية طابعاً حوارياً وسجالياً جعلها تتعالق مع خطابات أخرى طلباً للتعضيد واستعانة بها من أجل التعبير عن رؤية ومقصدية، ومن ثم إقحام الشعر في الانشغال بالقضايا الإنسانية الكبرى. وبذلك تصبح القصيدة صورة أيقونية لظل بشري، الأمر الذي يؤشر على تحول في وظيفة الشعر والانتقال به من نص عقيم لا خصوبة فيه ولا إنتاجية إلى نص مليء بالتجارب والحقائق، نص خصب منفتح على الحياة والوجود. ولقد تجلى ذلك عند أبي العلاء في شبه ثورة فكرية تناولت الأوضاع الاجتماعية في الأخلاق والسياسة والعادات والتقاليد. وكان النقد فيها على جانب كبير من الصدق والانسجام بين الموقف الفكري والبنية الفنية للقصيدة، كما تجرى ذلك في نمط شعري جاء على شكل فلتات شعرية في ديوان سقط الزند، ثم انتشرت بعد ذلك انتشاراً واسعاً في ديوان اللزوميات. فلزوميات المعري شعر فريد في الأدب العربي، يخلو من المدح والرثاء والفخر وسائر الأغراض التقليدية وينصب على المجتمع وأهله ومنشأ الإنسان مصيره. ([36]) لقد نظر القدماء إلى نص اللزوميات نظرتهم إلى كائن بشري، يملك هو الآخر قلباً وباطناً يكون محشواً بالخبايا والأسرار، وفيه تعلق نية صاحبه ومقاصده. بمعنى أن هذا النص ينمو عبر تفاعل المحور التركيبي (Syntagmatique)، مع المحور الاختياري (Paradigmatique), فلكي ينمو النص حضورياً على مستوى التركيب يعمد الشاعر إلى محور الاختيار، وهو محور غيابي، ليختار منه ما يعبّر عن نيته ومعتقده. وبذلك يكون ظاهر النص صورة تطابقية تحيل على مافي باطنه. أي أن تكون دلالة النص موزعة على المحورين معاً، ينتمي شقها الظاهري إلى بنية الحضور، معتمداً على الامتداد المكاني كما يذكر دي سوسور. في حين يرتبط الشق الثاني بمحور اختياري يقوم على التداعي الترابطي الذي يكون محله في الدماغ،([37]) ليأخذ بعد ذلك صورة معجم شعري، تتوحد معانيه في حقل دلالي يترجم نية المؤلف وقصده ويرمز إلى معتقده الباطني. فانطلاقاً من هذا المفهوم يصبح نص اللزوميات عند القدماء مرآة تعكس كائناً ومخلوقاً ذاتياً، بل إنه يكتسي صيغة الأيقونية (Iconisme)([38]) عندما يتحول إلى جناس خطي ينطق باسم مؤلفه الشخصي، ويحدد بصماته الفكرية والعقدية في النص استناداً إلى مجموعة من المولِّدات (Ies matrices)، أو الكلمات المفاتيح التي يودعها في ثنايا النص. والقدماء إذ يستندون إلى مثل هذا التصور يعني أن لنص اللزوميات عندهم رؤية ومقصدية هي نفسها رؤية مؤلفها الأصلي كما وجد في الواقع وليس باعتبارها رؤية إيهامية ترتبط بشخصية تخييلية حيادية محتملة الوقوع فقط كما كان ديدنهم مع نصوص شعرية أخرى. ومما أجمع عليه القدماء بشأن اللزوميات هو أنها ليست لعباً ولهواً، ولا هي من قبيل الهيمان الشعري الذي يقول صاحبه غير ما يعتقد، وإنما هي لمحات شعرية أقرب إلى الصدق الواقعي منها إلى الكذب الشعري، ولذلك اعتُبرت ترجمة أمينة لما في متخيل مؤلفها من نية ومعتقد، رأى القدماء أنه قريب من مذهب البراهمة. يدل على ذلك تحريمه ذبح الحيوان وأكل لحمه، وجحوده بالرسل والشرائع والبعث. كل ذلك ظاهر جلي في كلامه ولأشعاره كما يقول ابن الجوزي([39]).ثم أورد مجموعة من الشواهد الشعرية تعزز ما ذهب إليه فعقّب عليها بقولـه: "وإنما ذكرت هذا من أشعاره ليستدل بها على كفره"([40]). وسيظل هذا الحكم سارياً عبر أجيال وقرون في تواتر واطّراد، ساقه القفطي بعد ذلك في معرض حديثه عن المعري قائلاً: "وكان لـه شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويُرمى بالإلحاد، وأشعاره دالّة على ما نزل به من ذلك. ولم يك يأكل لحوم الحيوان، ولا البيض، ولا اللبن، ويقتصر على ما تنبت الأرض، ويحترم إيلام الحيوان، ويظهر الصوم زمانه جميعه... ونحن نذكر طرفاً مما بلغنا من شعره، ليعلم صحة ما يحكى عنه من إلحاده".([41]). والقول نفسه أورده سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان بعد أن نسبه إلى ابن الصابي: "وله شعر كثير، وفيه أدب غزير، ويُرمى بالإلحاد، وأشعاره دالة على ذلك، ولم يك يأكل لحوم الحيوان ولا البيض، ولا اللبن... ونذكر طرفاً مما بلغنا من شعره الدال على إلحاده".([42]) وكلما بعدت المسافة الزمنية بين الشعر وعصره، نجد مثل هذه الأحكام التي يغلب عليها التعصب والهوى قد خفتت حدتها وحلّت مكانها أحكام يطبعها العدل والوساطة كما نجد ذلك عند علماء القرن الثامن الهجري، الذي يبعد عن زمان المعري بما يقرب من أربعة قرون. ([19]) لقد عدّ القدماء العلاقة بين الشعر و التجربة هي مما يخرج بالشعر من وظيفة اللعب والتسلية والدخول به في مجال الجد وهذا شيء يتنافى وطبيعة اللغة الشعرية عندهم. ولقد أشار القاضي الجرجاني إلى أن خصوم المتنبي كانوا يعترضون على شعره لما يتضمنه من آثار فلسفية وتجارب إنسانية، فأقرّهم على ذلك وضمّ كلامه إلى كلامهم، فقال: "وإنما تجد لـه المعنى الذي لم يسبقه الشعراء إليه إذا دقق فخرج عن رسم الشعر إلى طريق الفلسفة" الوساطة، ص: 182، أما الآمدي فيعتبر وجود التجربة وهيمنة الفكرة في مجال الشعر هو نوع من الخروج عن مذهب الأوائل، وهو مذهب لم يك من أنصار التجربة والحكمة بل إنه كان من أنصار اللعب الفني ولذلك سمى الآمدي كل شاعر خرج عن اتجاه اللعب صوب التجربة والفكرة فيلسوفاً ولم يسمه شاعراً. الموازنة، 1/ 422. |