الشاعر وليد قنباز ـــ مجموعة باحثين

أدباء مكرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2005

Updated: Tuesday, August 16, 2005 12:50 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ التكريم وبيادر العطاء - الأستاذ عبد الرزاق الأصفر

إنّ تكريم النابهين والنابغين سُنَّةٌ حميدةٌ ترعاها المجتمعات الواعية الناهضة، بها تُعَزَّزُ الفضائل، ويُشَجَّعُ الإبداع ويُكافأ الكشف والاختراع، ويجزَى الإحسان بالإحسان، وتمهَّد سُبُل التقدّم، وتُنصبُ للحمد آيات تستحثّ هِمَم الشّبان...

ونتساءل: كيف يكرَّم الكريمُ؟ ونعود إلى المعجمات، فإذا بها تفسِّر التكريم بالتعظيم... والواقعُ أنّ إلى جانب التعظيم فروقاً وإضافاتٍ تكمِّلُه: كعرفانِ الجميل، والتطلُّع إلى المزيد من العطاء، والمكافأةِ اللائقة، والتعبير عن الرضا والحبّ والاحترام، وتقديم الثناء في أبهى مظاهر الاحتفاء.. فإذا بالمكرّم يشعر بمنزلته العالية التي يمثلُّها في قلوب مواطنيه، ويقطف ثمرة ما قدّمه لهم حبّاًُ هو لديه أغلى من أي ذُخر، ووفاءً هو خير عزاء؛ فيزداد عن نفسه رضا، وفي عطائه مضيّاً، مقتنعاً بأنه ليس كمن يصرخ في واد، أو يبذُر في رماد.

وهذا، أيها السّادة، ما كان باعثَنا المحقّق لما أزمعناه، وبادرنا إليه اليوم، حين تنادينا جميعاً إلى تكريم فذٍّ من أفذاذنا، ومواطن بارٍّ من مواطنينا هو الأستاذ وليد قنباز، الذي ما فتئ يعطي أمتَّه، من كرْمِهِ الطيب، غدقاً لا مَنّ فيه ولا أّذىً، وفضلاً ليس له حدُّ ولا انتهاء، لا يَبْغي على ما يُسْدِي جزاءً ولا شكوراً سوى راحةِ ضميره النبيل وإرضاء الفضيلة والخير:

مَن ذا يكافئ زهرةً فوّاحةً

 

أو من يثيب البلبل المترنّما؟

وقد سخّر في سبيل أمتّه كل ما حباه الله، من المزايا العالية والمواهب الأصيلة، والعلم الجمّ، والخبرة الواسعة، والفضل المسَبَّل.

وأعطى الكثير الكثير في الوقت القصير ـ فاستحقّ أن يُعترفَ بفضلِه ويتبوّأ مكانه في منازل الكرماء، ورحاب العظماء الذين لهم نَضْفَر أكاليل الفوز والسّبق، ويحظَوْن بِطِيبِ الذكر ومُعَطّر الثناء...

)وأَنْ ليسَ للإنسانِ إلاّ ما سعى، وأَنَّ سَعْيهُ سوفَ يُرى ثم يُجزاهُ الجزاءَ الأَوْفى(

على أننا ـ أيها المكرّم ـ إنّما نعيدُ إليك بعض ما تستحقّ ونجزيك بمثل ما أسلفت. ألم تكنْ أنتَ من سَنَّ في مدينتنا تكريم الأدباء والأفاضل في حياتهم؟ لأن ذلك أَوْلى بهم من رثائهم بعد موتهم، ومازلت تردّد قول الشاعر الساخر:

يا أيها الأدبا موتوا لنكرمكم

 

إنْ يخبُثِ العيشُ قد تحلو المنيّاتُ!

وبذلتَ كل جهودك في تكريم الشاعر وجيه البارودي والشاعر عمر يحيى والمربّي هاشم الصّيادي، والأديب الصحافي مدحت عكاش، في احتفالات لا ننساها، ولا تنساهم بعدنا هذه المدينة؟

ثم عطفْتَ على المتوفَّيْن فوفّيتهم حقهم من الدراسة ونشر المآثر من أمثال ابن حجة وأبي الفداء وأسامة بن منقذ والهلالي وبدر الدين الحامد والشيخ سعيد النعسان، والشيخ طاهر النعسان، وصالح قنباز ومحمد الحريري وأمثالهم من الأعلام.

وهل تنسى مقالاتك المسلسلة في جريدة الفداء التي بعثت فيها من الرّقاد سِيَر أعلامٍ من مدينتك، كادت تذهبُ هباءً في طيّات النسيان كالمطران حريكة وسعيد جرابات وسعيد العاص... وآخر حلقة من هذه المقالات نُشِرَت لك منذ يومين عن المرحوم عبد القادر العلواني؟ فإذا بك تستدرك ما فات وتتلافى ما لحقهم من التفريط والإهمال، وتصِل حاضر هذه الأمة بأمْسِها، وتستروح من التاريخ ما يُنعش الذاكرة ويبعث الأمل...

وامتدّت جولاتك الموفقة هذه إلى أرجاء الوطن العربيّ فوافيتنا بدراساتٍ قيّمة عن محمد العيد آل خليفة أمير شعراء الجزائر، وأبي القاسم الشابّيّ، أمير شعراء تونس، والقرويّ أبرز شعراء لبنان والمهجر والعقاد وشوقي ضيف أديبي مصر العظيمين.. وغيرهم.

واتّسع نشاطك فرحت تقصد أفاضل الأدباء والفنانين لتوطّد معهم أواصر المعرفة والصداقة، وتقبس بعض الأضواء من مشاعلهم؛ فلقيت بدوي الجبل والشاعر القرويّ وأبو ريشة وشوقي ضيف ومحمد عبد الوهاب ونجيب السراج. والعماد الأوّل الأديب مصطفى طلاس واللواء الشاعر غازي أبو عقل وعدداً كبيراً من الشعراء والباحثين والعاملين في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، وكلاًّ جالست، وأخذت منه وأعطيت؛ وكان كلّ لقاء يتحوّل إلى تدوينْ وتوثيق وتأليف تعدّه لتعود به على أبناء وطنك ذخراً ثقافيّاً نفيساً. فما أشبهك بالنحلة تسلُك سُبُل ربها ذُلُلاً لتجني من طيّب الزّهر رحيقاً فيه شفاء للناس...!

وكيف ننسى دراساتك المصورة، الفريدة في بابها، التي كنت تجتنيها من أسفارك، تلك الاستطلاعات التي جمعت بين الترجمة الجغرافية والتاريخية والأثرية والدراسة الأدبية والفنيَّة، كنت تلقيها مشفوعةً بالصورة الشاهدة. وقد قدّمت منها على هذا المنبر الثقافي عدداً وافراً تضمنّت دراساتٍ عن حماة والعاصي والنواعير وشيزر وأفاميا والمعرة وأرواد وذخائر الفسيفساء في إنطاكية، ولو جمعت وطبعت لكان منها أنفسُ مجلّد فائدةً وإمتاعاً.

أما الإبداع الشعري فلكَ منه القِدْح المعلّى، صدقاً في العاطفة وعمقاً في التجربة، وصواباً في الفكر والرؤية، وفسحةً من الخيال وتألّقاً في اللغة والسّبك، وسحراً في النّغَم ـ إلى جانب ظرفٍ محبّب وإلقاءٍ آسِرٍ ندَرَ أن يكون له مثيل.. وكنت في أشعارك تعبرّ عن دقيق نَقْدِكَ وفيضِ حبك لقومك ومدينتك وأهلك وأصحابك..

وفي رحاب المجتمع كنت الكوكبَ السّاطع، والعضو الاجتماعيّ الفعّال. نظرت في المثالب فنقدْتها مدافعاً عن الشعب الطيّب؛ فكانت قصيدة الغلاء، وكانت الميني جوب والانتخابات.. فإذا بك ناقدٌ اجتماعي، يعرف موضع الداء فيصفُ له الدواء. ولك أيادٍ بيضاء في جمعية دار العلم العريقة التي أسّسها عمُّك الشهيد صالح قنباز ـ وشاركت في المنتديات، وكنت فيها النجم المتألق في ميادين الأدب والفكر والفن، وأسهمت في إنجاح المهرجانات الوطنية والاحتفالات الثقافية والأنشطة الشعبية والإعلامية، ومثّلتَ حماة في كثيرٍ من المناسبات فأحسنتَ التمثيل والأداء.

وحوّلْتَ مكتبتك وبيتك وبيوت زملائك إلى منتديات أخويّة علميّة خصيبة ضمّت أمثال قدري كيلاني وعبد الرزاق كيلاني وسهيل عثمان وأحمد درويش، وكاتب هذه السّطور، وأشهد أنه كان لهذه الجلسات أثرٌ في الحركة الثقافيّة. ولازمت وجيهاً البارودي ملازمة المحب المخلص الأمين، فكان لك أثرٌ في تألّقه الشعري واندياحه في المجتمعات الثقافية وطباعة دواوينه، وحفظت أشعاره عن ظهر قلب وكنت خير مرجع في أخباره ودراسته... وهكذا أنت، ضياءٌ في كل مكان، فليس يخفى بهاؤك، ولا يحتجب شعاعك. ولا أغالي إذا قلت: إنك بمفردك "مؤسسة ثقافية متجوّلة" أو كما قال فيك أحد عارفيك ومحبيك: "إنك ثروة قوميّة".

إننا نكرّم فيك الأديب والباحث والشاعر والمعلّم الغيور والناقد والإذاعي والصحافيّ والمحاضر، والوجه التلفزيوني صاحب البرامج الناجحة. والمفتّش الذي ينطلق من حسّ المسؤولية والحرص على التوجيه والتقويم قبل البحث عن العقوبة والتشهير.

فمن الواجب علينا بعد هذا كلّه أَنْ نبادِلك الحب والوفاء، ونقدِّم إليك بعض الجنى مما غرست كفّاك.

فاهنأ ـ يا أبا بشار ـ بما ترى في هذا الاحتفال البهيج، وما تسمع من صوت المحبة والوفاء فأبناء قومك لا ينسون جميل صنيعك وسيذكرون دوماً أنك وقَفْتَ حياتك وكلَّ فعّاليتك لأجلهم، ولم يشغلْك المرضُ عن حمل القلم، ومتابعة النضال حتى في أحرج لحظات محنتك، فبالدواء كنت تلتمس الشفاء، وبالكتابة كنت تجد السعادة والعزاء. وهكذا أبناء الحياة، لا يلقون السّلاح ولا يملّون الكفاح. ومن يستطيع ـ غيرَ الله ـ أن يمنع ينبوعاً من التدفق وشمساً من الضياء وهَزَاراً من البوح، وزهرة من الفُوح؟ إننا ندعو الله القدير أن يعجّل بشفائك ويجعل سفرك الذي أزمعت غداً ميموناً وعَوْدَك إلينا حميداً، لتستأنف في خدمة أمتك ما أسلفت، وثِقْ بأن قلوبنا معك حيث كنت وأنت تعلم أن أمتك ما نسيتك ولا جحدت أياديك في يوم من الأيام.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244