|
||||||
| Updated: Tuesday, August 16, 2005 12:50 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ وليد قنباز.. ذاكرة وطن - حنان دوريش أوَّل مرّة التقيت فيها الأديب الباحث وليد قنباز كانت فوق بساط أمسية مصيافيّة جميلة تركت صداها الطيّب في النفوس ردحاً طويلاً من الزمن.. وظلّت الشفاه تتناول خلال جلساتها ومشاويرها المسائيّة والصباحيّة ما تردّد وقتها من أشعار ونوادر ومفارقات جمعته وصديق عمره الشاعر الطبيب وجيه البارودي رحمه الله.. فقد حفظ قصائد دواوينه غيباً، وأطلقها في كلّ مناسبة مطعّمة بنكهة وفاء يحتذى به، وينزل على المسامع رطباً، سائغاً، مصفّى.. وكم غبطت الأستاذ وليداً على ذلك الوفاء، وتلك الحافظة المتألّقة دوماً.. وكم تمنّيت لو أنّني ملكت ذاكرة مثل ذاكرته.. لكن هيهات.. فأين نسياني من تذكرّه.. فأنا والنسيان صنوان لا يفترقان. لقد كانت تلك الأمسية مشروعاً موفّقاً لمعرفة دائمة بالأستاذ وليد قنباز، حيث تتالت اللقاءات والحوارات وتبادل الآراء فيما يخصّ المشهد الثقافي.. كنت ألتقيه في جريدة الفداء حيناً، وفي المركز الثقافي حيناً، وفي مقرّ المحافظة حيناً. وقد تعرّفته أكثر على درب مهرجان الربيع، حيث عملنا معاً في الإعداد لدليل المهرجان.. وفي الإعداد لخيمة الشعر، وتقديم الشعراء من داخل المحافظة وخارجها، فتعزّز احترامي له، وقرأت فيه "الإنسان" المحبّ للآخرين من خلال حبّه لموطنه الغالي الذي قال فيه:
إنّه اعتراف جلّي وواضح بنبل الانتماء لدوحة عظيمة ولد فيها، وترعرع فوق ترابها، وأمضى سنوات كثيرة من عمره يكتب عنها، وعن أوابدها ومبدعيها، باحثاً في طيّات التاريخ عن درر تليق بجيدها الجميل.. يحاورها، ويسامرها، ويغرق ريشته بمداد عطرها، لتكون بالنسبة إليه "ليلى"، ويكون قيسها المفتون. برعاية كريمة من الدكتور محمد سعيد عقيل محافظ حماة، وبلفتة تقديريّة من فرع اتّحاد الكتّاب العرب مع مديريّة الثقافة.. أقيم مهرجان تكريمي للأديب الشاعر والمربيّ الفاضل وليد قنباز.. وقد ضَمَّ برنامج المهرجان كثيراً من القصائد والكلمات اللائقة بمعلمٍ هامٍ من معالم الوطن العربي.. رضع لبان الثقافة الأمّ، وأخذ العلم عن موروث حقيقي، وبيئة أصيلة.. فلم يكن مُحْدَث معرفة.. إنّهم أهله وذووه ومكتبته الغنيّة التي توضّعت صدارة بيته، وحوت من نفائس الكتب والمراجع الفكريّة واللغويّة والتاريخيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة، ما تنوّع وندر.. فصارت المكتبة زاده وملاذه وانتماءه وحبّه... يبادلها الوفاء الذي بادله لمدينة حماة:
تتالت القصائد في المهرجان.. لامست الأفئدة، وداوت مواجع النفوس، وكانت بلسماً لكلّ حزين. فكلّ واحد من أصدقاء المحتفى به تناول فكرة، وجاء بجديدٍ لم يأت به سواه.. لكنّ خيطاً حريرياً عانق القصائد، وجمعها في طاقة واحدة نشرت عبير زهورها حبّاً وفرحاً وتكريماً.. ففي التكريم عدلٌ وإنصافٌ وإحقاقٌ واعترافٌ بجهد ثمين تطرّزه الأيادي بكمٍ جميلٍ من الامتنان لشخص وَفَّي ما يجب إيفاؤه.. وقدّم للوطن مساحة فكر يراوح بياضها في حيّز الانبلاج، وشمعة.. لو شكت من غشاوة، فإنّها تمنح للقادمين فرصة للعبور. اليوم يُكرَّم أديبنا الكبير وليد قنباز، باكورة المكرّمين.. الآخرون يقفون على الطريق، وكلّهم أهل لذاك.. ففي حماة نخبة لا يستهان بها من المبدعين الذين يشار إليهم بالبنان. أشعر بالفخر وأنا ألتقيهم، وأجالسهم، وأحاورهم، وأتزوّد من مخزونهم المعرفي. أطال الله عمر أديبنا المكرّم.. أدام عطاءه، وعافاه، وأبقى يده ممدودة لأجيال أتت بعده. فمازال يكتب، ومازالت أصابعه تقطر بلاغة. لم ينقطع عن البحث، وعن التمحيص، وعن المتابعة، من أجل إضافة ما يمكن إضافته إلى سجلّه الفكري الناصع. وكلّ ما يدونّه ينبع من نفس طيّبة، وروح سمحة، وثقافة عالية المستوى، ذات زخم فعّال، له تأثيره على المتلقي فما نكاد نقرأ مقالاً تناولـه، حتّى نصمت بعده، نريد أن نراجع ما جاء فيه، ونستخلص معنى هامّاً أراده... إضافة إلى الفكاهة الهادفة المعبرّة عن خفّة ظلّ هي من طبعه الجميل.. وليد قنباز حاضر بيننا أدباً وروحاً واسماً كبيراً، مثله مثل الذين سبقوه من أعلام الزمان... لن يَمَّحي ما نقشته يداه.. سيظل دلالة ماضية بقدر ما يملك من خاصيّة تستحق البقاء... وأمّا الزبد فيذهب جُفاء. |