|
||||||
| Updated: Tuesday, August 16, 2005 12:50 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الغوص في بحار وليد - د.موفق أبو طوق بيني وبين الأديب الكبير وليد قنباز.. أواصر متينة, وصلات حميمة, وصداقة موغلة في القدم, وذكريات تعود إلى ربع قرنٍ أو يزيد. وعلى الرغم من أنني لا أذكر كيف التقيت وليداً لأول مرة, ومتى تمّ ذلك, وأين؟. إلا أنني أذكر بدّقةٍ أن اسمه كان مرافقاً لمخيلتي منذ نعومة أظفاري, فاسم وليد كان يتردّد في مجالس الكبار, واسم وليد كان يتردّد على ألسنة الطلاب والمعلمين, واسم وليد كان يتردد في الأمسيات والمحاضرات والندوات الأدبية, واسم وليد كان يتردّد أيضاً على صفحات جريدة الفداء المحلّية منذ مطلع الستينيات, عبر زاويته غير الدورية (ألوان), وعبر مقالاته المتكررة عن النواعير في حماة, وعبر أحاديثه الشائقة الثقافية والاجتماعية والتراثية.. ولعلّ واقع وليد.. يخالف ما قالته العرب قديماً: (تسمعَ بالمعيدي خيرٌ من أن تراه), فوليد في حال غيابه جميل, ووليد عندما يرد ذكره رائع.. ولكنك تراه أكثر جمالاً وكمالاً وروعةً حين تلتقيه, حين تستمع إليه وتستمتع بمحادثته ومسامرته, ولقد شاء الله أن تلحقنا حرفة الأدب، وأن نخطو خطوات على درب الكتابة والإبداع, فكان لا بد لنا من أن نتعرف إلى أدباءنا الكبار, الذين كانوا مالئي الدنيا وشاغلي الناس في هذه المحافظة المعطاء وكان وليد في مقدمة هؤلاء, فوجدناه أخاً كبيراً, وصديقاً ودوداً, ورفيقاً وفياً, وزميلاً غيوراً.. كان أسرعنا في هدم الحواجز الرسمية التي تفصل بين أدبائنا, وأسرعنا في إزاحة العقبات التي تحول بين قلوبهم المتحابّة, وأسرعنا في التصدّي لكلّ من يذكرهم بسوء أو يتعرض لإبداعهم بتجريح!. وعلى الرغم من بشاشة وليد ودماثته وحسن مسايرته, إلا أننا كنا نخاف منه!. أجل نخاف؛ وأكثر ما يخيفنا منه بصفتنا أدباء؛ هو متابعته للأخطاء اللغوية التي قد يقع واحدنا فيها حين إلقائه, وبخاصة تلك الأخطاء الشائعة التي تجري على اللسان من دون أن يدري صاحبها بها, لكنّ وليداً, المدافع عن العربية, لم يكن ديكتاتوراً في أحكامه اللغوية, بل كان يأتي بالكلمة البديلة, مشفوعة بالقاعدة النحويّة أو الصرفية التي ترجّح هذا الحكم أو ذاك, ولم يكن الخوف اللغوي من وليد مقتصراً على أدباء حماة، بل تعدّاه إلى الكثير من معارف وليد خارج المحافظة, وفي مقدمّتهم أولئك الذين يعملون في مجال الإذاعة والتلفزيون, فكم من مذيعٍ وقف وراء مايكرفون الإذاعة أو أمام كاميرا التلفاز وهو يتصور وليداً أمامه, واقفاً له بالمرصاد, يحصي عليه أنفاسه, ويعدّ له عثراته وهَناته، وأخصّ بالذكر أولئك الذين يتحدثون ارتجالاً, ولعلّ على رأسهم المذيع المعروف مروان صواف!!. في نهاية السبعينيات, وفي يوم شتائيٍّ بارد, كنا نذرع والأستاذ وليد- شوارع المدينة جيئة وذهاباً, لم نلق لبرودة الجوّ بالاً، فقد كنا مشغولين بحديثٍ ذي شجون وأشجان، حديث طليّ يتناول الشعر والشعراء في محافظة حماة.. وفي غمرة النقاش. وجدت نفسي مدفوعاً بسؤال داعب خيالي كثيراً: ـ لماذا أنت مقلّ في شعرك, بينما تستحوذ البحوث والدراسات جلّ اهتمامك؟!. أجابني, وابتسامته المحببة مرتسمة على شفتيه: "الشعر لا يولد في الوقت الذي أريد.. إنه لحظات انفعال ليس لها موعد, ولا حيلة لنا في إقبالها أو إدبارها.. ربما تأتي في العام كله مرّة, وربما تأتي في اليوم الواحد مرتين أو ثلاث مرات!!. أنا لا أريد أن أكون ناظماً, أضع القلم والورقة أمامي, ثمّ أرصف كلماتٍ موزونةً مقفّاةً أسمّيها شعراً, وهي في الواقع أبعد ما تكون عن الشعر.. في حياتي كلها لم أكتب إلاّ القليل من الشعر. ولكنه في رأيي شعر حقيقي, هو انفعال لا افتعال, هو قرض لا نظم, هو ولادة طبيعية لا قيصرية!." هكذا كان رأيه في الشعر. وكانت مقطوعاته الشعرية ـ على قلّتها ـ مهملة, ضائعة, مبعثرة هنا وهناك.. كانت كذلك, قبل أن يجمعها فيما بعد, ويخرجها إلى النور عقب سنوات طويلة من هذا الحوار ضمن ديوانين مطبوعين, لن أتناولهما الآن بالتحليل والدراسة, لأن حديثي الآن عن وليد, وليس عن شعره أو خصائص شعره. توجَّه وليد في أواخر السبعينيات ومطالع الثمانينيات, إلى كتابة التحقيقات المصورة في مجلة الفيصل, فبدأ بمدينة حماة التي خصّها بموضوعٍ مطوّلٍ في العدد 26 الصادر في شهر تموز 1979، وقد استعرض فيه نشأة المدينة وجغرافيتها وتاريخها وسورها وأبوابها وأوابدها ومتنزهاتها ومساجدها وقصورها ونواعيرها وأسواقها وأدباءَها ومكتباتها وصناعاتها, ثمّ أتبع تحقيق حماة بتحقيق عن شيزر وآخر عن أفاميه... وكان أسلوب وليد متميزاً في تلك التحقيقات, إذ إن نَفَسَه الأدبي امتزج بـ نَفَسه المعلوماتي. وكانت تحقيقاته مرفقة غالباً بنماذج شعرية أو مقاطع نثرية تؤكّد المعلومة الواردة, كما أنه كان يترك مساحة واسعة للحديث عن الأدب والأدباء, مستغلاً العنوان الجغرافي للدخول في واحات الشعر ودوحات القصة, ويتقصّد عرض أسماء زملائه الأدباء لإشهارها والتعريف بها في هذه المجلة التي كانت ذائعة الصيت وقتئذ, وتوزّع على امتداد الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه. وتحقيق حماة الذي نُشر في الفيصل؛ كان لـه صدى كبير لدى الأوساط المثقفّة في حماة.. وما زال لهذا الصدى امتداده الزمني على الرغم من مرور ربع قرن على نشر التحقيق, فمنذ شهور قليلة, اتصل بي أحد الأطباء المقيمين في فرنسا, وطلب مني تأمين نسخة من هذا العدد بأي ثمن, كي يُريَها أبناء الجالية السورية بخاصّة والعربية بعامّة, والذين يعيشون هناك. ولو استعدنا ذكرياتنا الأدبية؛ لوجدنا الشاعر الحمويّ الراحل سعيد قندقجي, يقدّم وليداً في إحدى محاضراته الاستطلاعية عام 1983, بقوله: لقد وجد وليد نفسه أخيراً, وهاهو ذا قد أدرك المحطة التي عليه أن يقف فيها, ويبدأ من خلالها. ولعل سعيداً قد أصاب بسِهامه وقتئذ بعض الحقيقة, ولكنه في الواقع لم يصبْها كلها!. فوليد قد أبدع فعلاً في تحقيقاته المصورة, وأحاديثه المطولة عن الآثار والأوابد وطبائع المدن.. ولكن هذا جزء من كلّ, وواحد من مجموع, واهتمام خاص لم يصرفه عن اهتماماته الأخرى التي تتعلّق بشؤون أخرى وآفاق ثقافية أخرى. فوليد شاعر مجيد, وناثر مبدع, ومؤرخ بارز, وخطيب مفوّه, وناقد لاذع, وباحث لا يشقّ له غبار, وعريف حفل من الطراز الأول, وهو يريد أن يتمسك بهذه الجوانب جميعها. ولا يريد لإحداها أن تطغى على الأخرى!. أحبّ وليد حماة, وأحبّته حماة, وبادلته وفاءً بوفاء, وإخلاصاً بإخلاص, وعرفاناً بعرفان.. حتّى أصبح ـ في الآونة الأخيرة ـ الوجه المرتبط بل الملتصق بحماة, فلا تُذكر حماة إلا ويُذكر وليد, ولا يُذكر وليد إلا وتُذكر حماة, ومعظم البعثات الإعلامية التي تأتي إلى مدينتنا, تسأل ـ أول ما تسأل ـ عن وليد قنباز, فإن وجدته, تنفست الصعداء, وأدركت أن مطالبها قد لُبيت, وبات كل ما في حماة بين أيديها بل رهن إشارتها. فعند وليد تاريخ حماة, وعند وليد آثار حماة, وعند وليد المشهد الثقافي في حماة. وعند وليد الكلمة الحلوة والتعبير الجميل والتعليق اللطيف, وكلّها خصال تشدّ القارئ وتجذب المستمع وتغري المشاهد. أجل.. فوليد لا يبخل بمعلوماته القيّمة, ولا يضنّ بما لديه من وثائق، ولا يبخس أحداً من أهل العطاء حقّه.. فهو يخرج ما في جعبته بكل أمانة, ويورد الأسماء بكل أمانة, ويعطي أصحابها ما يستحقونه من خصائص وميّزات.. بكلّ أمانة أيضاً!. وأخيراً.. ربّما على حماة أن تقدّم شكرها وتعبّر عن امتنانها لابنها البار: وليد قنباز, ولكن, هل هي مضطرة إلى فعل ذلك يا ترى؟. فنحن نذكر ما قاله الشاعر العربي الكبير عمر أبو ريشة أمام جمهور حماة عام 1977, حين عقّب على الكلمة التي ألقاها الأستاذ وليد في معرض تعريفه به: "كنت أودّ أن أشكر الأستاذ قنباز على حسن تقديمه لي, لكنني لن أفعل, إذ هل يُشكر الروض على أريجه, والزهر على عبيره, والورد على شذاه؟!!.".. أو ما في معناه. حماة... هل تحذو حذو أبي ريشة, أم تشعر بأن لوليد ديناً في عنقها عليها الوفاء به, في زمن قلّ فيه الوفاء, وانحسرت قيم ومثل كنا نعضُّ عليها بالنواجذ!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |