|
كنْ مثلَه في العبقريَّةِ أو دعِ
|
|
واسمعْ لسحرِ بيانهِ تستمتعِ!
|
|
واسألْ حماةَ فإنَّها أدرى بهِ
|
|
ولغايةُ الإشفاقِ جورُ المبضعِ
|
|
وحماةُ سيِّدةُ المدائنِ عندَهُ
|
|
وأميرةُ المصطافِ والمُتربَّعِ
|
|
حسناءُ مترفةُ الجمالِ تميسُ في
|
|
ثوبٍ بدرِّ الكبرياءِ مُرَصَّعِ
|
|
كفلَ البقاءَ لها وزيّنَ أهَلها
|
|
نهرُ الخلودِ مسافراً في الأربُعِ
|
|
عاصٍ إذا ما سيمَ ضيماً طيِّعٌ
|
|
في المكرماتِ فيا لعاصٍ طيِّعِ
|
|
ولربّما يشكو الحبيبُ ودمعُه
|
|
خوفَ الوشاةِ مُخبّأٌ في المدمعِ
|
|
وادي حماةَ وإنّهُ وادي طُوىً
|
|
فاخلعْ نعالَك في "الدُّهيشةِ" واخشعِ
|
|
إنْ كنتَ رمتَ وصالَها وتمنَّعْت
|
|
فالقاصراتُ الطَّرفِ ذاتُ تمنُّعِ!
|
|
|
***
|
|
|
ووليدُ روايةُ الزَّمانِ وليتَ لي
|
|
كوليدَ حظَّ العبقريِّ الألمعي
|
|
لو تُنصفُ العطراتُ صغنَ حروفَه
|
|
مثلَ العقيقِ خواتماً في الإصبَعِ
|
|
لا يدَّعي ما ليس فيهِ تطاولاً
|
|
أبداً ويغفرُ هلوساتِ المُدَّعي
|
|
إنْ قيل في الشُّعراءِ فهو البُحتري
|
|
أو قيلَ في البُلغاءِ فهو الأصمعي
|
|
يا من رآهُ محدِّثاً في مجمعٍ
|
|
والسِّحرُ يسبي كلَّ من في المجمعِ
|
|
وإذا أردتَ طريفةً أو فكرةً
|
|
أو أيَّ شيءٍ كانَ أوثقَ مرجعِ
|
|
وتراهُ يسرفُ في النَّصيحةِ صادقاً
|
|
والطَّبعُ يغلبُ حيلَة المتطبِّعِ
|
|
وتظنُّ أنَّكَ فُزتَ في إحراجهِ
|
|
لكنْ يجيئُكَ بالجوابِ المُقنعِ
|
|
وكلامُه في كلِّ شيءٍ ممتعٌ
|
|
والفكرُ يرقى بالمفيدِ الممتعِ
|
|
ولئنْ تصنَّع أو تملَّق طامعٌ
|
|
في مغنمٍ ما كانَ بالمُتصنِّعِ
|
|
يبكي إذا ضنَّ الغمامُ بقطرةٍ
|
|
ورغيفِ خبزٍ للعطاشِ الجُوَّعِ
|
|
ويودُّ لو أنَّ الرِّمالَ تحوَّلتْ
|
|
حبَّاتِ قمحٍ فوقَ بيدرِ مُدقِعِ
|
|
وكثيرةٌ للدَّارسينَ صفاتُه
|
|
لكنْ سأوجزُ في خصالٍ أربعِ:
|
|
سمحٍ إذا خاصمَته فطِنٍ إذا
|
|
حاورتَه صافي السَّريرةِ طيِّعِ
|
|
|
***
|
|
|
خدعتْكَ أصباغُ السياسةِ مرَّةً
|
|
بل مرَّتينِ وأيُّنا لم يُخدَعِ؟
|
|
ألقيتَ رحلكَ ذاتَ يومٍ عندها
|
|
فوقعتَ في ما ليسَ بالمُتوقَّعِ
|
|
خُلُقُ الحسانِ يعيشُ في أعصابها
|
|
ولطالما شنَّعنَ غيرَ مشنَّعِ
|
|
ولربَّما شمستْ عليكَ وإنَّها
|
|
تنقادُ للهمَّازِ والمُتسكِّعِ
|
|
لا تُنفقِ السَّاعاتِ في استرضائها
|
|
إذ ليس في استرضائها من مطمعِ
|
|
لم يُخلقِ الشُّعراءُ إلاَّ للذي
|
|
خُلقوا لـه أعني خيالَ المُبدعِ
|
|
هذا زمانٌ إمَّعٌ لا يصطفي
|
|
في أغلبِ الأحيانِ غيرَ الإمَّعِ
|
|
ومنِ ارتقى في غير حقٍّ مُرتقىً
|
|
بسط الجناحَ على الجديبِ البلقعِ
|
|
ولقد يحضُّ على النَّزاهةِ والتُّقى
|
|
من كانَ مِن دنياهُ في مستنقعِ
|
|
نهِمٌ لو أنَّ الأخشبين ومكَّةً
|
|
لم توزنا ثرواتهِ لم يشبَعِ
|
|
وتجرُّ أذيالَ الطَّهارةِ مومسٌ
|
|
وشهودُها السُّفهاءُ ملءَ المخدعِ
|
|
ولكم تقلَّد من وسامٍ كاذبٍ
|
|
من لم يُسدِّدْ طلقةً في مدفعِ
|
|
ولكم تطاولَ أحمقٌ ثمَّ انتهى
|
|
لم يجنِ إلاَّ أنَّةَ المُتضرِّعِ
|
|
أمَّا دَعاةُ الشِّعر فاعذر إن أنا
|
|
نكَّبتُ ذكراً عن نقيقِ الضِّفدعِ
|
|
|
***
|
|
|
كم من أمورٍ واجهتني لم تجدْ
|
|
حلاًّ فكانَ إلى وليدٍ مفزعي
|
|
كم محنةٍ لم أدرِ ما أسبابُها
|
|
قد أَنْقَضتْ ظهري وقضَّتْ مضجعي
|
|
ولعلَّ بعضَ متاعبي لم تستقمْ
|
|
للبُرءِ لولا نُصحُ ذاكَ الأصلعِ
|
|
هو في اختيارِ النَّاسِ أكثرُ خبرةً
|
|
منِّي وأعرفُ بالأصيلِ وبالدَّعي
|
|
لكنَّ لي عتباً عليهِ وإنَّني
|
|
سأظلُّ أُخفي سرَّهُ في أَضلعي
|
|
عادتْ عليهِ بالنَّعيمِ أَناتُه
|
|
واقتادني نحوَ الجحيمِ تسرُّعي
|
|
ورآهُ حلواً من رآني حامضاً
|
|
والذَّوقُ يرسمُ صورةَ المُتجرِّعِ
|
|
ومنَ المرارةِ أنَّني عوقبتُ في
|
|
ما لم أقلْ وحصدتُ ما لم أزرعِ
|
|
ورأيتُ ما لا أرتضيهِ لناظرٍ
|
|
وسمعتُ ما لا أشتهيهِ لمسمعِ
|
|
أرنو إلى المتفرِّجينَ وأيُّهمْ
|
|
في مُخْصبٍ من موسمٍ لم يرتعِ؟
|
|
ولأرخصُ الأصحابُ مَنْ ألفيتُه
|
|
ما بينَ بينَ فلا عليَّ ولا معي
|
|
من كان يُهرَعُ إنْ أنا ناديتُه
|
|
ويلومُه أبواهُ إنْ لم يُهرَعِ
|
|
تكوي جلودُ الأدعياءِ مياسمي
|
|
ما قيمةُ النِّيرانِ إنْ لم تلذَعِ؟
|
|
لا كنتُ إنْ هادنتُ في حربي على
|
|
من لا يعفُّ ولا يحسُّ ولا يعي
|
|
إنْ شئتَ إنصافَ الرِّجالِ فلا تضْع
|
|
أشتاتهم أبداً بنفسِ الموضعِ
|
|
|
***
|
|
|
هذي حماةُ أتتْكَ قلباً موجعاً
|
|
تحنو على القلبِ الشَّجيّ الموجعِ
|
|
تبكي عليكَ دماً وأنتَ وليدُها
|
|
ألمُ الوليدِ يُثيرُ دمعَ المُرضِعِ
|
|
إنْ كرَّمتْك فإنَّما هي كرَّمتْ
|
|
ما في ثراها من تُراثٍ مودَعِ
|
|
نقَّبتَ عن أسرارِ من مرُّوا بها
|
|
وجلوتَ كلَّ مخبَّأٍ ومقنَّعِ
|
|
ووقفتَ كالعُشَّاقِ بينَ طلولِها
|
|
ورويتَ صمَّ صخورِها بالأدمعِ
|
|
أسهرتَ طرفَك باحثاً عن فكرةٍ
|
|
ندَّتْ فبتَّ ليالياً لم تهجعِ
|
|
كلِفاً بما تُخفي الطَّلاسمُ مولعاً
|
|
والوجدُ يفتُك بالمحبِّ المولَعِ
|
|
حدَّثَتها عن أردشيرَ وقيصرٍ
|
|
وأبي الفداءِ وذي القروحِ وتُبَّعِ
|
|
والأندرينَ وشيزرٍ وأفاميا
|
|
وأبي قبيسَ ولم تدعْ من موقعِ
|
|
وخزانةٍ صاغَ ابنُ حجَّةَ درَّها
|
|
فإذا كنوزُ الدَّهرِ في مستودَعِ
|
|
وحَّدتَ حاضرَها وماضيَها معاً
|
|
كالشِّعر لا ترضاهُ غيرَ مُصرَّعِ
|
|
فإذا بُثينةُ في جفونِ كُثِّيرٍ
|
|
وإذا المُحصَّبُ في مطالعِ "أشجعِ"
|
|
وإذا زها الماضي بقلعةِ شيزرٍ
|
|
ألفيتَ جامعةً بجانبِ مصنعِ
|
|
وفيَّتَ للإرثِ العظيم وحسبُه
|
|
إلاَّ نقيَّ حليبهِ لم ترضَعِ
|
|
فالبسْ رداءَ المجدِ غير مزاحمٍ
|
|
وأقمْ على الذَّرواتِ غير مودَّعِ
|
|
وحماةُ حسبُكَ أن تكونَ قصيدةً
|
|
في سِفْرها بل شطرةً في المطلعِ
|
|
لك في ضميرِ الشِّعر ذمَّةُ أمَّةٍ
|
|
ترعى العهودَ وبيعةٌ لم تُخلَعِ
|