|
قالَتْ: متى عودُنَا والعينُ دامِعَةٌ
|
|
فقلت: حسبُكِ، قدْ هيِّجْتِ أَشجاني
|
|
قالتً: لقد بعدَتْ عنا مرابِعُنَا
|
|
فأينَ أهلي، وأحبابِي، وخُلاَّني
|
|
وأينَ ناعورةُ العاصي ومقصَفُها
|
|
وأينَ نبعُ الشذى في عُشِّنَا الهاني
|
|
وأينَ سِحْرُ رياضٍ في تَأَلُقِها
|
|
هامَ الخلودُ، وغنَّى كلُّ فَيْنَانِ
|
|
وأين أمّي مع الأشواقِ تحضُنُنِي
|
|
وأينَ أَيْنَ أبي يرنو وإخواني
|
|
فقلتُ: حسْبكِ يا أُمَّ البنينَ، فقَدْ
|
|
أيقظْتِ كامِنَ إحساسي ونيراني
|
|
الدَّار داري، وذِكراها تؤرِّقُني
|
|
وفوقَ ملعبها أهلي وأقراني
|
|
ومِنْ نداها رضعتُ الحبَّ بوحَ هوىً
|
|
ومِنْ لَغاها سَمَتْ للأُفْقِ ألحاني
|
|
فكيفَ أسلُو، وجمرُ البُعدِ يُحرقُني
|
|
وكيفَ أَنسَى وفي الأحشاءِ تَحْنَانِي
|
|
لكنَّ لي منهلاً أسعى بموردِهِ
|
|
بينَ الشِّعابِ أُنادي كلَّ ظمآنِ
|
|
في غورِهِ الضّادُ قد تاهت بفتنَتِهَا
|
|
وفي جِواهُ فُنونٌ ما لها ثانِ
|
|
وفي الجزائرِ أغراسٌ قدِ احترقَتْ
|
|
شوقاً إليَّ، فهل يُرضيكِ نُكراني؟
|
|
قالَتْ: أراكَ تذيبُ اليومَ في شُغُلٍ
|
|
وتقطعُ العمرَ في هَمٍّ وحِرمانِ
|
|
فهل تراكَ بذلْتَ الروحَ مُجتهداً
|
|
في أرضِ طِيبٍ جَنَاها فيضُ شُكرانِ؟
|
|
فقُلتُ: مائيَ مبذولٌ لِشَارِبِهِ
|
|
ولستُ أرجو عليهِ أيَّ إحسانِ
|
|
في كلِّ رُكنٍ زرعتُ العِلْمَ مؤْتَلِقاً
|
|
في كلِّ ليلٍ سرى ضوئي وألواني
|
|
"عباس
لَغْرُورَ"([1])
قد فاق السَّنَا، وسَمَا
|
|
طلابُهُ، مذْ وَعَوْا فِكري ودِيواني
|
|
أوقدْتُ نارَهُمُ في قلبِ مُظْلِمَةٍ
|
|
فآمنوا بُحروفي أَيَّ إيمانِ
|
|
فالكُلُّ ينعَتُنِي، والكُلُّ يعرِفُنِي
|
|
والكلُّ يُسمعُني آياتِ عِرفانِ
|
|
والله يَعْلَمُ، والأحداثُ تشهَدُ لي
|
|
أنِّي المجلِّي وأنّي صِنْوُ لُقْمَانِ
|
|
علمي غزيرٌ، وشعري بوحُ أُغنِيَةٍ
|
|
ومِزْوَدي عامِرٌ يزهُو بوِجداني
|
|
جبال "باتنةٍ" غنَّتْ بِمَوْهِبَتِي
|
|
ونخلُ "بسكرةٍ" زاهٍ بِرَيْعَاني
|
|
وحينَ أمضي إلى العاصي وملعَبِهِ
|
|
سيذكُرُ الكلُّ أنغامي وأفناني
|
|
وسوفَ تبكي ذرا "الأوراسِ" في وَلَهٍ
|
|
فراق قلْبٍ رحيبِ الدَّفْقِِ إنساني
|
|
كذا أنا قِمَّةٌ تسمو معانِقَةً
|
|
حُرَّ السَّمَاءِ أُنَاجيها وتَغْشَاني
|
|
وألثُم النورَ، والأضواءُ تلثُمُني
|
|
وأُبْعِدُ النفسَ عن حِقْدٍ ونُقصانِ
|
|
أَعيشُ في عالَمِ الأبرارِ مُبْتَهِجَاً
|
|
شفيفَ نَفْسٍ نَأَتْ عن رِجْسِ كُفْرَانِ
|
|
فلا أرومُ متاعاً مِنْ جنى أَحَدٍ
|
|
ولا أُقابلُ إِحساناً بعُدوانِ
|
|
قالتْ: رويدَكَ قَدْ أُنْسيِتَ أنَّ لَنَا
|
|
حقّاً بشعرِكَ يندَى ذوبَ ألوانِ
|
|
وأنَّ ملعَبَنا غافٍ، وأنَّ لَنَا
|
|
أهلاً، وداراً خَلَتْ من كلِّ ريحانِ
|
|
وأّنَّ أُمَّكَ ما تنفَكُّ دمعَتُهَا
|
|
كَمَاءِ مُزْنٍ على الأَيَّامٍ هتَّانِ
|
|
وأنَّ صحبَكَ قدْ ضاقوا بندوتِهِمٍ
|
|
فليسَ تُبْصِرُها في الشَّهْرِ عَيْنَانِ
|
|
وأَنَّ خمساً مَضَتْ في دار غربَتِنَا
|
|
فهلْ لمركَبِنَا عودٌ لِشُطآنِ؟
|
|
فقلتُ: عفوَكِ، والأَحداثُ تُرمِضُني
|
|
غداً أعودُ لأصحابي وأوطاني
|
|
غداً أُعانِقُ أمِّي في تَلَهُّفِهَا
|
|
غداً جِنانِيَ ألقَاهَا، وتلقانِي
|
|
هيهاتَ أسلو، وأفق الدَّارِ في خَلَدِي
|
|
ذكراهُ، صورتُهُ في عُمْقِ وِجداني
|
|
لكِنَّ قلبيَ باقٍِ في تَسَعُّرِه
|
|
وذلكَ الحبُّ أضناهُ وأضناني
|
|
أُحِسُّ في غورِهِ شوقاً يُؤَرِّقُهُ
|
|
واسْتَشِفُّ جواهُ فيضَ أحزانِ
|
|
فأمضَغُ الحُلُمَ البَّراق في شَغَفٍ
|
|
وأخنُق الدمعةَ الخَرسَاءَ في آنِ
|
|
غداً أُقابلُ خُلاني، وها أَنَذَا
|
|
أُوَدِّعُ اليومَ أبنائي وخُلاّني
|