الشاعر وليد قنباز ـــ مجموعة باحثين

أدباء مكرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2005

Updated: Tuesday, August 16, 2005 12:51 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الحبيبة والعشيقة

قالوا:حماةُ، فقلتُ: فجرٌ مشرقُ

 

والكوثرُ الرَّقراقُ فيها يُغدقُ

هي درَّةُ العاصي، وأروعُ ما رمى

 

في ضفَّتيْهِ، وما يزالُ يُنمِّقُ

هاروتُ قدْ نفحَ الرِّياضَ بسحرِهِ

 

فتبرَّجتْ ألقاً وحُسناً يونِقُ

لوحاتُها تُعطيكَ دفْقَ محاسنٍ

 

فالأُفْقُ منها راقصٌ ومصفِّقُ

وهي الفريدةُ في البلادِ جميعها

 

بمناظرٍ.. ومفاتنٍ.. لا تُلحقُ

فانظرْ ومَتِّعْ ناظريكَ بحسنها

 

فحماةُ للسَّبعِ الطِّباقِ تُحلِّقُ

 

***

 

ماذا سأذكرُ من روائعِ أمسِها

 

وشموسُها في كلِّ عصْرٍ تُشرقُ

"فأبو الفداءِ"([1]) حضارةٌ ومفاخِرٌ

 

وعلى مدى الدُّنيا جناحٌ يخفقُ

من قلَّدَ التَّاريخَ خيرَ مُصَنَّفٍ

 

إنْ كانَ "مختصراً"([2]) فذلك ألْيَقُ

ولـهُ بجغرافيَّةِ البُلدَانِ ما

 

قدْ صيَّرَ "البُلدان"([3]) سِفراً ينطِقُ

وعلومه تسمو بمخطوطاتهِ

 

وتحارُ أيَّ فنونهِ تتذوَّقُ

قدْ ساعدَ السُّلطانَ([4]) في استرجاعِِهِ

 

عرشاً بمصرٍ، والأصيلُ مُوَفَّقُ

فحباهُ جلِّقَ في ربيعِ فُتونها

 

وهوى حماةَ .. وأينَ مِنْها جِلّقُ؟

ومضى ليُرجعَ منْ حماةٍ ما مضى

 

فسَمَتْ بأيوبيَّةٍ تتفتَّقُ

أغلى كنوزَ الشِّعرِ .. ينهضُ شاعرٌ

 

ليصوغَ ما صنعَ الهمامُ الأسبقُ

والشِّعرُ أمرعَ في جوانبِ ملكهِ

 

وسما على الإغريق فيهِ المنطقُ

منْ كلِّ ثَبْتٍ عبقريٍّ نادرٍ

 

يأتي بفصلِ القولِ وهو مُوَثَّقُ

جلَّى "صفيُّ الدين"([5]) في ميدانِهِ

 

هو شاعرٌ ومؤلفٌ ومحقِّقُ

ما قرَّ في عاصيه "كابن نُباتةٍ"([6])

 

سهماً إلى سحرِ العيونِ يُفوَّقُ

أبقى على الأيامِ شعراً رائقاً

 

ومؤلفاتٍ بالبلاغةِ تنطقُ

والعبقريةُ في "ابنِ واصلَ"([7]) جُسِّدتْ

 

وعُلاهُ أجدرُ بالخُلودِ وأخلَقُ

تلكُمْ كواكبُ في حماةَ مدارُها

 

ولساحِها غُرُّ الأصائِلِ تُعْنِقُ

هجروا لها الأمصارَ ما قبلوا بها

 

بدلاً، فعاصيها أشَفُّ وأصدقُ

يهفو لموعِدها المعطّرِ مُشْئِمٌ

 

ويهبُّ للوعدِ المؤمَّلِ مُعرقُ

**

وكذا "ابنُ حجَّةَ"([8]) وهو في مصرٍ أبى

 

إلا حماةً نسبةً تتحقَّقُ

كمْ حنَّ للعاصي وناعوراته

 

وشدا بشعرٍ كالندى يترقرقُ

وغدتْ فنونُ العصرِ ترفُلُ بالحُلى

 

لمّا حكاها حرفُهُ المتأنِّقُ

وسما بها "ياقوتُ"([9]) في أعلامهِ

 

ومضى كنبعٍ في الثَّرى يتدفَّقُ

وأفاضَ بعدُ "بمعجميهِ" على الدُّنى

 

أدباً وبُلداناً بفكرٍ يَسْمُقُ

و"ابنُ المليكِ"([10]) وما أُحيْلى شوقَهُ

 

فحماةُ جنَّاتٌ وفجرٌ مشرِقٌ

أمّا "الهلالي"([11]) فهو نبعةُ قومِنا

 

ولِئنْ هجانا فهو صبٌّ مُشْفِقُ

يا درَّةَ العاصي وأنتِ عجّيبةٌ

 

يا سحرَ روضٍ في العوالِمِ يُورقُ

من لا يراكِ أميرةً ومليكةً

 

فالطَّرْفُ منهُ أحولٌ أوْ ضيِّقُ

أو ما رأى تلك النواعيرَ التي

 

ما مثلها قدٌّ أدقُّ وأرشقُ

فهي التي تنأى وتصبو للِّقا

 

وفؤادُها عند النَّوى يتمزَّقُ

ثكلى، تئنُّ وتشتكي محمومةً

 

ويثورُ منها جيدُها والمرفَقُ

وتروحُ تذري دمعها بتناثُرٍ

 

وعلى الضُّلوعِ وقلبِها يتفرَّقُ

وإطارها يجري بها متتالياً

 

أبدَاً يغرِّبُ في الهوى ويُشَرِّقُ

سَقَتِ البساتينَ البعيدة والقرى

 

فالجيدُ منها عاطِلٌ ومُطوَّقُ

سكَبتْ، وهبَّ لها الرَّبيعُ مُعانقاً

 

فالنهرُ يرسمُ والرَّبيع يُزَوِّقُ

هي جنَّةُ اللهِ التي قد زُيِّنتْ

 

لعبادهِ، وهيَ الجمالُ المُطْلَقُ

 

**

 

وحماةُ لؤلؤتي الفريدةُ، كلَّما

 

قلَّبْتُها في خاطري تتألَّقُ

نزلتْ على العاصي، ولولا كِبْرُها

 

في لجِّهِ الجذَّابِ كادتْ تغرَقُ

بسطتْ جوانِحها على شطآنِهِ

 

تحنو بدفء الأمَّهاتِ وتشفقُ

لوَّنتُ أحلامي بلونِ ضفافِها

 

فتماوجَ الفيروزُ والاستبْرَقُ

أفْقانِ هذا الكونُ: أفْقٌ أخضرٌ

 

غرقَتْ حماةُ بهِ، وأفْقٌ أزرَقُ

هي جنَّةٌ للناظرينَ، فمنْ رأى

 

قلباً بأجمل جنَّةٍ يتحرَّقُ

وهي الحبيبةُ والعشيقةُ ليسَ في

 

أفُقٍ سواها رائعٌ أو رَوْنَقُ

قالوا: جُنِنْتَ بحبِّها، فاجبتُهمْ

 

إنّي بحبلٍ منْ هواها مُوثَقُ

ولسوفَ أبقى هائِماً في حبِّها

 

ما دامَ في جنبيَّ قلْبٌ يخفقُ

17/9/1994



([1]) الملك العالم إسماعيل بن علي الأيوبي المكنّى بأبي الفداء ـ (672هـ ـ 1273م/ 732هـ ـ 1331م) حكم مملكة حماة بين عامي 710 ـ 732هـ/ 1310 ـ 1331م واشتهر بعلمه وجهاده وعدله إليه تنتسبُ مدينة حماة.

([2]) المختصر في أخبار البشر (في التاريخ) من أشهر كتب الملك العالم أبي الفداء ـ طبع عدة طبعات في أوروبا والبلاد العربية.

([3]) تقويم البلدان أو جغرافية أبي الفداء (في علم الجغرافية) الكتاب الثاني شهرة لأبي الفداء ـ طبع عدة طبعات في أوروبا ـ وصورت طبعة باريس في القاهرة وبغداد.

([4]) هو السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الذي ترك عرشه في القاهرة (مصر) وأوى إلى الكرك في الأردن نظراً لضغط المماليك عليه، وتغلب بيبرس وسلار عليه في عام 708هـ 1308م.. وبعد عام أخذ يسعى إلى استرداد عرشه، وكان أبو الفداء من أبرز من ساعده في ذلك، ووعده بملك دمشق، ولكن أبا الفداء أبى إلا حماة ملكاً وعرشاً، وتم لقلاوون النصر في عام 709هـ ـ وعودة أبي الفداء إلى حكم حماة في عام 710هـ.  1308م..

([5]) صفي الدين الحلي (عبد العزيز بن سرايا) ـ (676هـ 1277م/ 750هــ 1349م) سيد شعراء عصور الدول المتتابعة، أغرم بالبديع وكان أول من نظم البديعيات ـ له ديوان شعر ضخم، وديوان درر النحور "وكتاب" الدر النفيس في أقسام التجنيس "وكتاب العاطل الحالي والمرخص الغالي" وغيرها.

([6]) ابن نباتة المصري (محمد) ـ شاعر مصري (686هـ 1287م/ 767هـ ـ 1366م) ـ من أبرز شعراء عصور الدول المتتابعة ـ أقام في حمى الملك أبي الفداء ومدحه بروائع.. صاحب ديوان شعر مطبوع وله كتاب "سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون".

([7]) ابن واصل الحموي (محمد) ـ (605هـ 1208م / 697هـ 1297م) من أساتذة الملك أبي الفداء فقيه وأصولي ومنطقي ومؤرخ وأديب، وآثاره: تجريد الأغاني ـ مفرج الكروب في أخبار بني أيوب.

([8]) ابن حجة الحموي (أبو بكر بن علي)، أديب كاتب شاعر ـ وصل إلى منصب الكاتب الأول لسلطان مصر وسورية المؤيد شيخ المحمودي في القاهرة حنَّ إلى حماة بقصائد رائعة وهو الذي يقول:

أكرمْ بمصر نسبةً لكنْ أرى

 

وادي حماة ولُطفهُ لي أنْسَبا

     وله آثار حسان أهمها: خزانة الأدب ـ ثمرات الأوراق ـ كشف اللثام.. وغيرها.

([9]) ياقوت الحموي (575هـ 1179م/ 626هـ 1228م) مؤرخ وجغرافي عربي روميّ الأصل، اشتراه تاجر من حماة.. من آثاره الموسوعتان الكبيرتان: معجم البلدان ومعجم الأدباء.

([10]) ابن مليك (علاء الدين، علي بن محمد الحموي) شاعر محلق (840هـ 1436م/ 117هـ 1515م) وهو القائل في شوقه إلى حماة:

واهاً لأيامٍ لنا مرَّتْ بها

 

من بعدِها واللهِ عيشي ماحَلا

 

([11]) محمد الهلالي ـ شاعر حموي من أبرز شعراء سورية في  عصره (1235هـ ـ 1820م/ 1311هـ ـ 1894م) وله ديوان شعر مطبوع، واشتهر بمعارضة الشيخ مصطفى زين الدين لأشعاره.. غادر حماة وهجاها هجاءً مراً:

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244