الوَلَد ذو اللسان الطويل ـــ عارف الخطيب

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الوَثبَة

أنا أشعبُ الصغير، أعرفُ أسراراً كثيرةً، وأحبسُها في صدري، فأنا أعرفُ عدداً من زملائي، لا يجلبونَ معهم إلى المدرسة أيَّ طعامٍ، ولا يضعونَ في محافظهم، إلاّ الكتبَ والدفاترَ، وكلَّ ما لا يمكنُ هضمُهُ، وأعرفُ زملاءَ آخرين، لا تخلو محافظُهم من طعام، ولكنْ حينما أسألُهم عمّا معهم، يتلعثمونَ، ويكذبون.‏

وإذا مرَّ تلميذٌ بجانبي، وهو مُعرِضٌ عنِّي، كأنَّهُ لا يراني، أعرفُ أنَّهُ يحملُ شيئاً، يخافُ عليهِ منِّي، وهو ذاهبٌ ليأكلَهُ بعيداً عنّي.‏

ما أغباهم، أسرارُهم مكشوفةٌ، ونواياهم مفضوحة..‏

وفي هذا اليومِ، اكتشفْتُ سرّاً خطيراً، يتعلّقُ بزميلي غزوان..‏

أتريدونَ معرفتَهُ؟ اسمعوا إذنْ..‏

منذُ عدَّةِ أيّام، وأنا أُراقبُ غزوانَ، فأراهُ كلَّ يومٍ، في الفرصةِ الثانية، يتسلَّلُ إلى زاويةٍ بعيدةٍ، عندَ سورِ المدرسةِ، ويُديرُ ظهرَهُ، فيمكثُ مدَّةً، ثمّ يعودُ، ليلعبَ مع زملائِه.‏

وتساءلْتُ مدهوشاً: ماذا يعملُ هناك؟!‏

ذهبْتُ إليهِ خلسةً، وحينما اقتربْتُ منهُ، تسلَّقْتُ سورَ المدرسة، وسرْتُ عليه حذراً، وعندما صرتُ فوقَ رأسهِ، وقفْتُ أُراقبُهُ من الأعلى، فوجدْتُهُ يلتهمُ هريسةً لذيذةً... يا لَلنذل!‏

ظللْتُ أُراقبُهُ صامتاً، وهو يأكلُ، ويتلمَّظُ، كانَ ذلكَ فوقَ طاقتي، بسطْتُ يديَّ مثلَ جناحيْ طائرٍ، ثمّ وثبْتُ عليهِ، فركبْتُ كتفيهِ.. أفلتَ من تحتي، انطرحْتُ على أرضٍ صلبةٍ، أصرخُ صراخاً مُؤلماً.. لقد انكسرَتْ ساقي!‏

هرعَ إليَّ المعلِّمُ والتلاميذُ، وبعدَ قليلٍ، كانَتْ سيّارةُ الإسعاف، تحملُني إلى المستشفى..‏

أنا أرقدُ الآنَ، فوقَ سريرٍ أبيض، ورجلي اليمنى ممدودةٌ، كجذعِ شجرةٍ يابسٍ، من كثرةِ الجبسِ والضمائدِ، وفي كلِّ يومٍ، يزورُني عددٌ من زملائي وأقاربي، وعندما يسألونني عن سببِ كسرِ ساقي، أقولُ لهم: وقعْتُ!‏

ولا أزيدُ على ذلكَ شيئاً.‏

وبعدَ أنْ ينصرفوا، أبقى وحيداً، معَ المرضِ والملل.. ماذا أعمل؟‏

التفتُّ حولي، شاهدْتُ كتاباً، جاءَني هدّيةً، تناولْتُ الكتابَ، وبدأْتُ أقرأُ فيهِ..‏

مرَّ الوقتُ، ولم أشعرْ بمرورهِ.‏

هربَ المللُ، ولم أشعرْ بهروبهِ.‏

قرأتُ، وقرأتُ، ولم أشبعْ من القراءة.‏

يا لَلعجبِ، إنَّني أشعرُ بمتعةٍ، ما بعدها متعة!‏

وجاءني الطعامُ، فتناولْتُ منهُ قليلاً، ثمّ خاطبْتُهُ قائلاً: تبّاً لكَ أيُّها الطعام، كم سبَّبْتَ لي من أمراضٍ وآلام، وصدقَ مَنْ قال: "لا تكنْ أشعب فتتعب".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244