الوَلَد ذو اللسان الطويل ـــ عارف الخطيب

قصص للأطفال ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 01:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ العضَّة الأخيرة

وصلَ ديبو إلى البيتِ، يلهثُ تعباً.. دخلَ غرفةً خاليةً، أغلقَ عليهِ البابَ، وجلسَ مهموماً، يخاطبُ لسانَهُ، ويقول:‏

يا لساني الطويل!‏

أفسدْتَ بيني وبينَ أصحابي، سوَّدْتَ وجهي، جعلْتَني مكروهاً منبوذاً.‏

كم مرَّةٍ أغضبْتَ أمِّي وإخوتي، ومعلِّمي وزملائي!‏

اتَخذْتُكَ سلاحاً فخذلْتَني، وطعنْتَ أصحابي.‏

لن أطيعَكَ بعدَ اليوم، سأُعاقبُكَ كلّما أخطأتَ.‏

وذنبُكَ اليومَ كبير، وعقابُكَ عليهِ كبير.‏

مدَّ ديبو لسانَهُ، وعضَّهُ عضَّةً شديدةً، صرخَ بعدها صرخةً شديدةً، ثمَّ سادَ الصمت.. سمعَتْ أمُّ ديبو الصرخةَ، هرعَتْ إلى غرفةِ ابنها، وحينما فتحَتِ البابَ، فتحَتْ عينيها مذعورة!‏

كان ديبو مطروحاً على الأرض، والدمُ ينزفُ من لسانهِ.. أسرعَتْ أُمُّهُ إليهِ، انحنَتْ عليهِ، وقالَتْ مُشفقةً:‏

ـ مَنْ فعلَ بكَ هذا؟‏

فتحَ ديبو عينينِ ذابلتينِ، يرنو إلى أمِّهِ صامتاً..‏

سألَتْهُ أُمُّهُ ثانيةً:‏

ـ أخبرْني كيفَ حصلَ لكَ هذا؟‏

لم يقدرْ ديبو على الكلام، فمدَّ لسانَهُ المجروح..‏

خرجَتِ أُمُّهُ مسرعةً، أحضرَتْ قطناً وضماداً ومُعقِّماً، وحاولَتْ جاهدةً، أنْ تسعفَهُ، وتقطعَ النزيف..‏

بعدَ هذا الحادثِ، غابَ ديبو عنِ المدرسةِ ثلاثةَ أيّام، وعندما صارَ قادراً على الكلام، سألَتْهُ أُمُّهُ:‏

ـ أخبرْني الآنَ، كيفَ حصلَ لكَ ما حصل؟‏

ـ أنا قرضْتُ لساني بأسناني.‏

ـ لماذا؟!‏

ـ لأنَّهُ طويلٌ يُؤذي الآخرين.‏

قالَتِ الأمُّ:‏

ـ يا حبيبي.. إذا أردْتَ أنْ تسلمَ، فزنْ كلامَكَ قبلَ أنْ تتكلَّم.‏

ـ لساني عَجول، ينطلقُ بلا استئذان، ولا أقدرُ على إمساكهِ!‏

ـ يجبُ أنْ تملكَ لسانَكَ، وأنْ تُعوِّدَهُ الكلمةَ الطيِّبة.‏

ـ إذا فعلْتُ ذلكَ، هل أكسبُ محبَّة زملائي؟‏

قالتِ الأمُّ:‏

ـ مَنْ لانَتْ كلمتُهُ، وجبَتْ محبَّتُهُ.‏

ورنّ جرسُ البيت.. ذهبَتْ أمُّ ديبو، وفتحَتِ البابَ، وإذا بضعةُ أولادٍ، بادروها بالسلامِ، وقالوا:‏

ـ نحنُ زملاءُ ديبو، جئنا لزيارتهِ.‏

ـ أهلاً بكم يا أولادي، تفضَّلوا، ادخلوا.‏

دخلَ أسامةُ وحسّانُ وخالدٌ، وعبيدةُ وصالح وزكوانُ، يحملونَ في أيديهم الهدايا، وعندما رآهم ديبو، قفزَ من الفرحِ، وأقبلَ عليهم، يعانقُهم، ويعانقونَهُ، والسرورُ يغمرُهم أجمعين..‏

وسألَ الأطفالُ:‏

ـ لماذا غضضْتَ لسانَكَ؟!‏

ـ ليتني قطعْتُهُ.‏

ـ لماذا؟‏

ـ لأنَّهُ أساءَ إليكم.‏

ـ لقد سامحْناكَ، وافتقدْناكَ في المدرسة.‏

انهمرَتْ دموعُ ديبو، فمسحَها لـهُ أصحابُهُ، وأخذوا يُمازحونهُ، حتّى أشرقَ وجهُهُ، وبرقَتْ أساريرُهُ، وحينما ودَّعوهُ، وانصرفوا، رافقَهم قلبُهُ ونظرُهُ..‏

وعادَ ديبو إلى المدرسة، ولكنَّهُ لم يعدْ إلى سلوكهِ القديم، فقد اعتادَ الكلمةَ الطيِّبةَ، واكتشفَ تأثيرَها الساحرَ، فأعادَتْ إليهِ الأصحابَ، وألَّفَتْ حولَهُ القلوبَ، فعاشَ سعيداً مسروراً..‏

وكانَتْ تلكَ العضَّةُ، هي العضَّةَ الأخيرة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | دليل الأعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244