كرونوس والتيتانوس ـــ مصطفى صمودي

مسرحية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:06 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مشهد (5) المفاجأة

((حديقة عامة إضاءة خافتة على كلّ من تاروس وكاروس.‏

تاروس يجلس في اليسار الأمامي للحديقة وكاروس يجلس في عمقها الأيمن.‏

الإضاءة تسلط على من يتكلم ثم تخفت بعد الانتهاء من حديثه وهكذا دواليك))‏

تاروس: ((والإضاءة مسلّطة عليه)) غريب أمر هذا الرجل ((مشيراً إلى كاروس)) لقد لمحته البارحة أكثر من مرة.. في أكثر من مكان.. ولهذا ـ من مبدأ الحيطة والحذر لم أتابع طريقي إلى المكان الذي أرسلني أسيادي التيتانوس إليه بل دخلت هذه الحديقة في هذا الصباح الباكر للتمويه وإذ به يتبعني ويدخل ورائي فوراً. على كلّ مرافقاي واقفان على الباب.. وأمرتُهما بمراقبته بكل دقّة ((تخفت الإضاءة على وجهه وتشتد على وجه كاروس)).‏

كاروس: أنا على ثقة تامة بأن هذا الرجل لم يكتشف حتى الآن بأني كنت أتبعه كظلّه منذ مدة ليست بالقصيرة ((تخفت الأضواء على وجهه وتسلّط على وجه تاروس)).‏

تاروس: هل من المعقول.. أن هذا الرجل يراقبني تحديداً؟! وإذا كان الأمر كذلك.. هل كان يراقبني من قبل؟.. أم أن ما حصل كان مجرّد مصادفةٍ ليس إلا؟!.‏

((تُتَابَع الإضاءة على وجه المتحدّث كاروس كما أسلفنا)).‏

كاروس: سأبقى وراءه وأتبعه في كلّ مكان.. حتى أكتشف مخابئ أنصار أسياده التيتانوس.. لقد أبلغت سيدي كرونوس ـ في حينه ـ بكل المعلومات التي جمعتها عن الأماكن التي زارها هذا الرجل المدعو تاروس.. كما حدّثت مولاي عن سائر الأشخاص الذين وقف معهم والتقى بهم وتحدث معهم.‏

تاروس: لكأنّي عندما رأيته قبل الآن بقليل كان يرتدي لباساً غير هذا اللباس الذي يرتديه.. ترى هل هذا الرجل هو عين من عيون كرنوس الخطيرة جداً.. ولم أنتبه إليه سوى هذه اللحظة؟!!‏

((يخاطب نفسه)) ما أغباك يا تاروس؟.. عليك أن تكون حذراً جداً وبخاصة في هذا المسائل.. التي لا تحتمل الإهمال والخطأ لأن خطأها مَقْتَل..‏

على كلٍّ لم يَفُتِ الأوان. عليّ أن أسعى سريعاً لقلب المعادلة.. وأجعل هذا الرجل ـ إذا كان يراقبني ـ أجعله مُراقَباً بدل أن يكون مُراقِباً.‏

((بعد تفكير قصير)) لكن.. أليس من الواجب أن أقطع الشك باليقين وأتأكد من صحة ماأنطق به؟.. ((كمن وجد حلاً)) أجل.. سأحاول الآن الخروج من باب الحديقة الثاني ثم أدور حولها وأعود لأدخلها من بابها الآخر.. فإن تبعني...‏

فسآمر مُرافَقيَّ بالقبض عليه ثم أقوم بإجراء اللازم فوراً وإن لم يتبعني فسيكون ما دار في خلدي مجرّد وهم تخيّلته ليس إلاّ‏

((يحاول الذهاب فيتراجع))‏

لا لا.. عليّ أن أفكر في طريقة أكثر جدوى.‏

بائع الورد: ((يتقدم من تاروس)) صباح الورد يا سيد ((لا يرد السلام عليه فيعيد إلقاء السلام))‏

أقول صباح الورد يا سيد.‏

تاروس: ((منزعجاً)) نعم؟!..‏

بائع الورد: (ملاطفاً)) سلامتك.. أنا ألقي عليك تحية الصباح فقط.‏

تاروس: ((بفظاظة)) أهلاً.. ماذا تريد؟.‏

بائع الورد: أنا بائع ورد يا مولاي.. ألقي تحية الصباح على الجميع وأبيع الورد لمن يحب الورد.. الورد الجميل.. بل هو الجمال بعينه.. انظر إلى هذه الباقة الرائعة يا سيدي.. ما رأيك فيها؟‏

تاروس: دعني منك ومنها.‏

بائع الورد: القلق بادٍ عليك كثيراً يا سيد.‏

تاروس: ((متأفّفاً)) ومن طلب منك أن تبيّن لنا رأيك فينا؟!!!‏

بائع الورد: عفواً يا سيد.. تطفّل مني.. لأني أعرف أن القلقين أمثالك لا بدّ أنهم ينتظرون أحداً.. أو بالأصّح إحداهن.. ولم تأت في الموعد المحدد هكذا شأن النساء يا سيدي..‏

((يتابع حديثه بلطفٍ ليتودد منه اكثر)) المرأة يا سيدي كالظّل الحقها تهرب منك.. اهرب منها تتبعك.. ثمّ لا تنس أنّ منظر الورد يا سيدي يريح الأعصاب ينشّط الذاكرة.. ويبهج النظر. الورد يا سيدي يزيل الهمّ والغمّ والحزن ورائحته تنعش العليل ثم إنه خير هدية لأنثى تريد أن تعبّر لها عن حبك وعاطفتك أتعرف يا سيدي.. إننا نحن في كثير من الأحايين وإن شئت في كلّ الأحايين نحن الذين نعطي الورد حسنه وجماله؟‏

تاروس: ((يلفت نظره حديث بائع الورد)) نعم؟!..‏

بائع الورد: أجل يا سيدي .. نحن الذين نعطي الورد جماله بشكل أو بآخر.‏

تاروس: وكيف؟!.‏

بائع الورد: /ها ها/.. لقد سألتني كيف.. لذا سأجيبك ليكون لديك القناعة بما أقول هل سمعت في حياتك بحيوان عامَلََ وردة على أنها وردة؟ هل سمعت يا سيدي؟ (يحثّه على الإجابة)).‏

تاروس: ((وقد شعر بأن الحديث يجذبه)) لا.‏

بائع الورد: /ها ها/.. لماذا؟ لأن الحيوان لا يفرّق بين القبح والجمال.. ولا يفرّق بين الوردة والبصلة.. يأكل الوردة كما يأكل الشوك.. الذي حولها أليس كذلك يا سيدي؟‏

((تاروس يعجب بحديثه أكثر من غير إجابة))‏

يا سيدي.. لا يعامل الوردة/ على أنها وردة/ غيرنا نحن البشر.. ومن هذا المنطلق أقول: نحن الذين نعطي الورد جماله.‏

تاروس: حديثك جميل لكن ما تقولـه بحاجة إلى تصحيح.. لأن الجّمال موجود في الورد ولم نعطه نحن جماله.. وكان الأجدر بك أن تقول: نحن الذين ندرك جمال الورد ولسنا الذين أعطيناه جماله لأن جماله صفة متأصّلة فيه.‏

بائع الورد: معك حق.. وهذا ما كنت أقصده‏

تاروس: ((يحدث نفسه)) يظهر أنه أكثر من بائع ورد ((يكلمه)) وما دمت مدركاً لجمال الورد يابائع الورد.. أليس من الأجدر بدل أن تقطفه وتبيعه.. أن تبقيه على غصنه رمزاً للجمال حتى يسرّ الجميع بمنظره؟‏

بائع الورد: عفواً يا سيدي.. مع جزيل الاحترام والتقدير لرأيك الكريم اسمح لي أن أخالفك الرأي.. لأنك لو نظرت إلى الورد من الزاوية التي أنظر منها إليها لتطابق رأيك مع رأيي.. أو لتماثل لأنه لا تطابق في هذا العالم لأن الزمان سيلان دفّاق سابقه غير لاحقه.‏

تاروس: معجباً بردوده يا أخي أنكّ أكثر من بائع ورد .. طيّب من أي زاوية تنظر أنت إلى الورد؟‏

بائع الورد: /ها ها/ صحيح أن للورد جماله وهو على أغصانه.. وجميل أن يراه الناس جميعاً.. لكن صدّقني يا سيدي أن المرء يُقَبّح الوردة الجميلة ويحقرها إن مرّ بجانبها ولم يعرها اهتمامه.‏

تاروس: أعرها اهتمامك.. لكن لا تقطعها.‏

بائع الورد: هنا محطّ الشاهد... أولاً: يا سيدي أنا لا أقطع إلا الوردة المكتملة النّمو كما ترى‏

((يعرض عليه باقة الورود)) هذه الورود إن تركتها على الغصن سقطت بعد مدّة قصيرة ثانياً: الوردات الجميلات يا سيدي تُسرّ جداً عندما تقطفها.‏

تاروس: أفكارك غريبة عن السائد والمألوف والعاديّ والمعروف.‏

بائع الورد: /ها ها/ سأقول لك لماذا.. لقد قضيت عمري كله بين الورد يا سيدي عندما تحسّ الوردة أن يداً امتدّت إليها.. فإن هذه اليد. تشعرها بقيمتها وعظمتها.. ترتاح الوردة جداً لأنها أحسّت أن هناك في هذا العالم من يقدّر جمالها وطيب عطرها أيضاً.‏

((كاروس يمطّ شفتيه ويرفع حاجبيه إعجاباً بأفكاره من غير نطق ئم يكمل بائع الورد حديثه)) كما أن هناك يا سيدي ميزة أخرى تضاف إلى الورد دون سواه أتعرف ما هي؟‏

تاروس: ما هي؟!..‏

بائع الورد: /ها ها/.‏

تاروس: غريب أمرك يا بائع الورد كلّما سألتك.. وتريد الإجابة تقول /ها ها/ (يقلّده)؟‏

بائع الورد: ((مبتسماً)) محطّ حديث يا سيدي.. عادة لا أكثر ولا أقل.‏

تاروس: ما هي الميزة يا بائع الورد؟‏

بائع الورد: الميزة يا سيدي.. أن الورد بإمكانك أن تقدّمه هدية في النقيضين بآن معاً.‏

تاروس: ماذا تعني بالنّقيضينْ؟‏

بائع الورد: /ها/ (يفطن فلا يتابع) قلت /ها/ يا سيدي مرة واحدة ولم أقل /ها ها/.. ((يبتسم))‏

تاروس: يظهر أن دمك خفيف.. ((يضحك)) أكمل..‏

بائع الورد: حاضر.. عندما تزور صديقاً في مناسبة فرح.. زواج.. نجاح..... الخ... الخ الخ.. ألا تقدّم لـه باقة ورد.‏

تاروس: أجل.‏

بائع الورد: عظيم.. وعندما تريد أن تزور مريضاً.. أو أهلاً لمتوفى ألا تقدم لهم باقة ورد أيضاً؟‏

تاروس: صحيح.‏

بائع الورد: إذاً.. ميّزة الورد في إمكانيّة استعماله في الأفراح والأتراح معاً .. أي في النقيضين.‏

تاروس: ((يتأمله معجباً به اكثر)) يظهر من حديثك أنّك فيلسوف.‏

بائع الورد: لا لا يا سيدي.. أنا بائع ورد.. لكن الحياة علّمتني الكثير.. صَقَلتْني.. هَذّبَتني.. شذّبتني.. وأكثر ما علمتني الحياة.. علمتني الأمور التي تخصّ عملي.‏

تاروس: إذاً.. أنت بائع ورد متميز.. بل قل بائع ورد متفرّد.‏

بائع الورد: أشكرك يا سيدي على هذا الإطراء الذي لم أسمعه من أحد قبلك إنك بوصفك هذا لي.. تعطيني أكثر مما أستحق.‏

تاروس: لا لا أنت فعلاً أكثر من بائع ورد بكثير، وما قلته عنك أنت جدير به فعلاً.. ((يتأمله ملياً)) كم باقة ورد تبيع في اليوم الواحد؟‏

بائع الورد: حسب التيسير يا سيدي أحياناً أبيع واحدة.. وأحياناً لا أبيع شيئاً.. وأحياناً أبيع عشر باقات دفعة واحدة.. حسب العشاق والعشيقات والمناسبات والأعياد.‏

تاروس: يعني وسطياً كم تبيع في اليوم؟‏

بائع الورد: حوالي خمس أو ست باقات.‏

تاروس: وفي أحسن الأحوال.‏

بائع الورد: في أحسن الأحوال.. عشر باقات أو أكثر باستثناء المناسبات والأعياد كما قلت لك.‏

تاروس: وبكم تبيع الباقة؟‏

بائع الورد: بقطعة فضيّة واحدة.‏

تاروس: فقط؟!! ؟!!‏

بائع الورد: طبعاً فقط.. يعني بكم تريد منّي أن أبيعها؟‏

يكفي ثمنها قطعة فضيّة واحدة.. وأرجو أن تدوم هذه النعمة عليّ.‏

تاروس: ((بخبث)) طيب.. ما رأيك إذا وجدت لك من يشتري منك عشر باقات كل يوم؟‏

بائع الورد: أقبل يديك يا سيدي.. وسأكون مَديناً لك العمر كله.‏

تاروس: أجلس.. الرجل الذي أمامك بإمكانه أن يشتري منك كل يوم عشر باقات.‏

بائع الورد: ((يتلفت حوله)) أين هو يا سيدي؟‏

تاروس: أقول أمامك.. يعني أنا هو.‏

بائع الورد: شكراً لك يا سيدي سلفاً.. وأنا أرجو أن تشتري مني كل يوم باقة واحدة فقط.‏

تاروس: لا لا.. لن أشتري إلا عشرة كل يوم.. وهذا قليل على بائع ورد فَطِن ذكيّ مثلك.. لقد أعجبتني نباهتك وثقافتك.. وأخذك وردّك.. وحسن تصرفك ولباقتك.‏

بائع الورد: كفى يا سيدي كفى.. لقد غمرتني بعطفك.. إنك تصفني بأكثر مما أستحق.‏

تاروس: ما رأيك أن نبدأ بالعمل فوراً؟‏

بائع الورد: كما تشاء يا سيدي.‏

تاروس: ولكي أثبت لك عن صدق ما أقول.. انظر هذه عشر قطع نقدية سأدفعها لك ثمن أول باقة أشتريها منك.‏

بائع الورد: لن أنسى أفضالك عليّ يا سيدي.. ما حييت تفضل.. هذه اثنتان بدل الواحدة.‏

تاروس: لا لا.. واحدة فقط.. وعليك أن تقدم هذه الباقة إلى هذا الرجل الجالس هناك ((مشيراً إلى كاروس)).. هناك..‏

بائع الورد: بكل سرور ((يهبّ مسرعاً ليقدمها له)).‏

تاروس: مهلاً... أتذهب إليه من غير أن تعرف لماذا تقدم باقة الورد إليه.‏

بائع الورد: معك حق يا سيدي.. لا تؤاخذني.. مُرْني؟‏

تاروس: سأعطيك أضعاف ثمنها.. لتقدمها إلى هذا الرجل و..‏

بائع الورد: ((مقاطعاً)) عفواً لم أفهم ما تريد يا سيدي..‏

تاروس: أريد منك أن تتعرف عليه.. على اسمه.. ما الذي جاء به إلى هذه الحديقة.. ولماذا يجلس هنا.. وإذا عرفت ذلك بشطارتك وذكائك سأضاعف لك ثمن باقة الورد.. يعني بدل العشرة سأعطيك عشرين.‏

بائع الورد: عشرون قطعة نقدية ثمن باقة ورد واحدة؟!! أكاد لا أصدق..‏

تاروس: صدّق.. ((حاثاً إياه على البدء في العمل)) هيا. وكلما أسرعت في العمل أكثر.. ازداد المبلغ أكثر.. ((يعرض عليه القطع النقدية التي في يده)) انظر..‏

بائع الورد: يعني.. المبلغ خاضع للزيادة؟!!!؟‏

تاروس: أجل.. وقد يصل إلى الثلاثين.. وعملك هو الذي يقرر ذلك‏

بائع الورد: ((فرحاً)) ويْ ويْ ويْ!!!... انتظر.. سأعود إليك بسرعة البرق حاملاً لك معي اسمه.. وأصله وفصله.. وماذا يعمل.. ولماذا أتى.. وإلى أين يذهب أيضاً..‏

تاروس: تعجبني استجابتك السريعة.. هيا..‏

بائع الورد: ((يسير نحو كاروس ويتبعه الضوء السيّار بعد أن تخف الإضاءة على تاروس لتسلط على كاروس. يحاول بائع الورد أن ينادي على الورد غناءً) ورد يا ورد.. الورد للورد ((يصل إليه)) مرحباً يا سيد..‏

كاروس: أهلاً.‏

بائع الورد: أنا بائع ورد.. أبيعه للجميل ولمن يعشق الجمال.. أبيعه لمن هم أجمل من الورد واسمح لي أن أقدم لك هذه الباقة.. هدية متواضعة لوجهك الجميل.‏

كاروس: (يأخذها) شكراً.. ما قيمتها؟..‏

بائع الورد: له لـه لـه يا سيد.. أنا أقدمها لك بمثابة هدية.. والهدية ثمنها بقيمة هاديها..‏

الهدية لا تُباع ولا تُشّرى يا سيدي.‏

كاروس: لقد اعتبرتها هدية لي.. لكن من الطبيعي أنّ من يقدم لي هدية علي أن أقدّم لـه مقابلها أضعاف ثمنها لأن عظمة الهدية ليست بقيمتها فقط .. بل في قيمة مهديها أيضاً.. قما قلت فما بالك إن كانت تحمل القيمَتينْ معاً؟! بكم تبيع الباقة؟‏

بائع الورد: ((وقد تملكه الطّمع)) أنا كنت أبيعها يا سيدي بقطعة نقدية واحدة.‏

كاروس: ((معقباً على كلمة كنت)) كنت تبيعها بقطعة نقدية واحدة.. أما الآن.. بكم صرت تبيعها؟‏

بائع الورد: حسب تكّرمك وتفضّلك عليّ.. وأنا هنا معروف في هذه الحديقة الجميع يقولون جاء أبو الورد.. راح أبو الورد.. حتى سمّاني الجميع ((أبو الورد))(2) ولا يقدّر ثمن الورد إلا من يعرف قدر الورد أمثالك.. هل لي أن أتشرف بمعرفة الاسم الكريم؟‏

كاروس: بهذه السرعة؟ ثم ما الذي يهمك من اسمي؟ ما يهمك هو ما أدفع.. لا اسمي. أليس كذلك؟‏

بائع الورد: معك حق يا سيدي ـ أنا آسف ـ‏

كاروس: عليك أن تهتم بالجوهر لا بالمظهر.. وبالفعل لا بالاسم..‏

بائع الورد: صحيح يا سيدي.. الأفعال طبعاً هي ما ينفع الناس أما الأسماء فزبدٌ بِزَبَدَ.‏

كاروس: إذاً.. دع عنك الأسماء.. وانطلق دائماً من الأهم‏

بائع الورد: كما تشاء يا سيدي.‏

كاروس: منذ متى وأنت تبيع الورد هنا.. قبل أن يسموك ((أبو الورد)) (1)‏

بائع الورد: منذ صغري يا سيدي.‏

كاروس: ماذا كان يعمل أبوك؟‏

بائع الورد: أيضاً بائع ورد يا سيدي.. مثل جدي.. لذلك كان بيع الورد بالنسبة لنا صنعة أب عن جد.‏

كاروس: هل أنت من سكان هذا الحي؟..‏

بائع الورد: ((لنفسه)) /لُك/‍‍!!!.. جئت لأسأله فبدأ باستجوابي ((يجيبه)) يا سيدي.. أنا وعائلتي من أوائل من سكن هذا الحي.. لكن.. يظهر عليك يا سيدي بأنك لست من سكان هذا الحي.‏

كاروس: وهل يهمك إن كنت من سكان هذا الحي أم من غيره.‏

بائع الورد: لا لا يا سيدي.. ((لنفسه)) يظهر أنني أمام رجل غير عادي.‏

كاروس: هل أنت متزوج؟‏

بائع الورد: نعم يا سيدي.‏

كاروس: ولك أولاد؟‏

بائع الورد: نعم يا سيدي.. وأعمل لأحصل على رزق يوفّر القوت لي ولهم.. وأنت يا سيدي.. هل لك أولاد؟‏

كاروس: ((لا يجيب عن السؤال)) كم ولداً عندك؟‏

بائع الورد: خمسة يا سيدي.. خمسة.. بعدد أصابع الكف.. لكن يا سيدي ((بتودّد وحذر)) ما استغربه منك. أني كلما سألتك سؤالاً تتجاهله وتُبادرني فوراً بسؤال آخر.. يعني ترد على السؤال بسؤال..‏

كاروس: يا بائع الورد الجميل.. هل يليق بك أن تفتح تحقيقا مع كل من تراه ومنذ الوهلة الأولى؟!!‏

بائع الورد: يا سيدي.. أنا لا أفتح تحقيقاً.. لكنه حبّ إطلاع ومجاملة لا أكثر ولا أقل.‏

كاروس: ليكن لقاؤنا لقاء تفاهم.. ودع التعارف بيننا إلى وقت آخر‏

بائع الورد: عليك الأمر.. وعليّ التنفيذ يا سيدي.‏

كاروس: على فكرة..‏

بائع الورد: نعم يا سيدي؟‏

كاروس: هذا الرجل الجالس هناك.‏

بائع الورد: ما به يا سيدي.‏

كاروس: لقد تحدثتَ معه طويلاً ولم يشتر منك أية باقة ورد هل قدمت لـه باقة ورد هدية كما قدمتها لي؟‏

بائع الورد: لا يا سيدي لقد اشتراها..‏

كاروس: إذاً أنت تبيع بالدين؟‏

بائع الورد: ((نافياً)) أبداً يا سيدي أنا لا أبيع إلا عدّاً ونقداً.‏

كاروس: ((ينظر إليه نظرة ذات مغزى)) غريب؟‏

بائع الورد: ما هو الغريب يا سيدي؟‏

كاروس: أقصد.. لا أنت أعطيته باقة ورد.. ولا هو دفع لك شيئاً.‏

بائع الورد: يظهر أنك كنت تراقبني يا سيدي وأنا أتحدث إليه؟.. أنا سأذهب إليه الآن لأقدم لـه باقة ورد وسيعطيني ثمنها فوراً.‏

كاروس: وهل ستبيعها لـه بالسعر القديم أو الجديد؟‏

يعني بقطعة نقدية واحدة؟ أم أنه سيدفع لك ثمنها حسب سخائه وكرمه؟‏

بائع الورد: لقد أجبت بنفسك على السؤال يا سيدي.‏

فعلاً. حسب سخائه وكرمه. وهذا عائد إليه. لكن يا سيدي لَفتَّ نظري بأسئلتك الموجهة إلي.. لمعرفة أهلي وحسبي ونسبي وماذا أعمل ومنذ متى الخ.. الخ.. الخ..‏

كاروس: ألم تقل أن التعارف جميل؟‏

بائع الورد: وما زلت أقول يا سيدي.. لكن ليس تعارفاً من طرف واحد فقط.‏

كاروس: تعجبني ردودك المقنعة.. فعلاً.. التعارف لا يكون من طرف واحد وسنتعارف معاً عما قريب.. لكن قل لي.. كم دفع لك هذا الرجل ثمن باقة الورد.‏

بائع الورد: لقد وعدني بأنه سيدفع لي ثمن الباقة عشر قطع نقدية.‏

كاروس: ما معنى وعدك؟.. أفهم من ذلك أنه سيعطيك هذا المبلغ لقاء عملٍ ما.. ثم لماذا يعطيك عشرة بدل القطعة الواحدة؟ إن هذا الثمن غير طبيعي لباقة ورد واحدة. وكل شيء غير طبيعي.. يحمل في طياته أمراً غير طبيعي أليس كذلك؟‏

بائع الورد: ((مُحْرَجاً)) يا سيدي.. أنا لا أعلم بنواياه.. ما أعرفه أنه دفع لي ثمن الباقة عشر قطع نقدية.. أما السبب.. فلا أعلمه.. واسمح لي أن أسأله وأعود إليك.‏

كاروس: لا. لا داعي للسؤال.. أنا واثق من كل حرف تقولـه.. ولكن أرجو أن تصدقني القول.. هل أعطاك ثمن الباقة عشر قطع نقدية.. حبّاً بك.. أمْ بالورد؟ فقط.. أم أن في الأمر سراً؟‏

بائع الورد: لم أفهم ما رَمَيْتَ إليه يا سيدي.‏

كاروس: اسمع.. ملامحك تنبئ بالذكاء وإجابتك تدل على الوعي وأبصم على ما أقول بالعشرة.. وأنت تعلم أن من يدفع ثمن الباقة الكثير.. ينتظر من وراء ذلك الكثير.‏

بائع الورد: وماذا يُنْتَظَر مني أنا الذي لا حول لـه ولا قوة؟‏

كاروس: هذا السؤال أوجهه إليك.. وأنتظر الإجابة عليه منك.‏

بائع الورد: ((وقد بدا ارتباكه واضحاً)) صدقني يا سيدي.. لا أعرف ماذا أقول..‏

كاروس: لا لا.. أمثالك يعرفون ماذا يقولون.. لكنك لا تجد الطريقة أو الأسلوب إلى القول.. قل لي بكل صدق.. ولن أنسى لك موقف صدقٍ يصدر منك.. ماذا طلب منك هذا الرجل؟‏

بائع الورد: حول ماذا؟‏

كاروس: أقول لك ((يؤكد على الجملة السابقة)) أمثالك يعرفون ماذا يقولون وماذا يفعلون أيضاً اختصر الطريق والحديث.. ولك عندي ما تريد.. قل.. ماذا طلب منك؟‏

بائع الورد: ((مرتبكاً أكثر من ذي قبل)) الحقيقة.. طلب مني أن أقدم هذه الباقة هديّة لك فقط.‏

كاروس: وماذا بعد هذا الـ... فقط؟‏

بائع الورد: ((وقد شعر بأنه مضطر للإجابة)) لقد ط.. ط.. طل.. طلب مني أن أتعرّف عليك.‏

كاروس: ثم ماذا؟‏

بائع الورد: ثم أعرف منك.. لماذا جئت إلى هنا..؟‏

كاروس: ألم تسأل نفسك لماذا يسأل عني..؟‏

ثم ما علاقته بي؟‏

بائع الورد: اسمح لي يا سيدي هذه المرة أن أوجّه هذا السؤال إليك فأنت أدرى بالإجابة.. صدقني لا أدري ما دخله بك.‏

كاروس ما دمت أنك جئت لتعرف كل شي عني مقابل عشر قطع نقدية ما رأيك أن أعطيك أضعاف أضعاف هذا المبلغ.. وسأعطيك إياه سلفاً؟‏

بائع الورد: شكراً يا سيدي شكراً.. يظهر أن أبواب الرزق مفتوحة في وجهي هذا اليوم.‏

كاروس: ((يعطيه قطعاً فضية بملء قبضة كفه)) هات باقة واحدة.. ((يأخذ منه باقة ورد)) هذه ثمن باقة لي.. ((يعطيه قطعاً نقدية أخرى ملء قبضة كفه)) وهذه ثمن باقة الورد التي ستهديها إلى هذا الرجل الذي كان يريد أن يقدم لي باقة الورد بشرط أن تعرف لي منه.. ما أراد أن يعرفه عني.‏

بائع الورد: غريبٌ أمرُكُما يا سيدي.. وغريب هذا السخاء.. لماذا ترغبان أن تجعلا مني واسطة للتعارف بينكما؟ رغم أنكما في مكان واحد..‏

لمَ لا تَلْتَقِيان فيتعرف كلّ منكما على الآخر؟‏

كاروس: دعْ عنك هذه الأسئلة الآن.. ولا تدع الفرصة تفوتك سأعطيك قبضة أخرى من القطع الفضية في الحال إذا جئتني من عنده بما طلبته منك.‏

بائع الورد: ((يبلع ريقه)) استغرب يا سيدي.. من أنا حتى يُدفع إليّ مثل هذا المبلغ؟‏

كاروس: أنت عظيم.. ولا تعرف نفسك.. على كلٍّ لكَ العُذْر في ذلك لأن سائر العظماء هكذا.. متواضعون.. لا يُقرّون بعظمتهم ولا يبالون بها.حتى أنهم لا يهتمون بمدح غيرهم لهم.‏

ثم لو لم تكن عظيماً.. ما فضلتك على غيرك.. ولما اخترتك من بين الكل لهذه المهمة.‏

بائع الورد: يكفي يا سيدي يكفي.. لم أعد أصدق‏

ما تسمعه أذناي.. وكأنني أخرج من جلدي.‏

كاروس: وحتى أوكد لك بأنك عظيم.. سأعطيك ثمن كل باقة ورد على منطوق لسانك أطلب ثمن الباقة ما تشاء.‏

بائع الورد: لا لا يا سيدي.. عقلي على قدّي.. ولم أعد أصدق ما يجري ((يعلو صوته)) يا ويلاه.. باقة ورد أبيعها بما أريد من الفضة؟‍‍!!‏

كاروس: ((يضع راحة كفه على فم بائع الورد)) لا ترفع صوتك.. ((يقترب منه هامساً)) أنا بحاجة ماسة لبائع ورد مثلك.. بإمكانه الدخول إلى أيّ مكان والحديث مع أيّ كان.. هدِّئ من انفعالك قليلاً.. واذهب إليه بشكل لا يلفت نظره.. وَعُدْ إليَّ بما أريد.. لأعطيك أضعاف ماتريد.‏

بائع الورد: حاضر ((يحاول تهدئة نفسه قليلاً ثم يذهب إلى تاروس والضوء السّيار يتابعه حتى يختفي وجه كاروس ليسلط الضوء على وجه تاروس ويحدّث نفسه قبل أن يصل إلى تاروس)) لقد توقّعاني أني غبيّ.. أنا أذكى من هذا وذاك المهم أن أحصل على الفضة.. سواء من هذا أو من ذاك..‏

تاروس: ((وقد وصل إليه بائع الورد)) هاهي القطع النقدية في انتظارك طمئني.. هل وصلت إلى ماأُريد؟‏

بائع الورد: ((لا يعرف ماذا يقول)) الواقع يا سيدي.. يعني..‏

تاروس: ماذا.. قل.. هل عرفت أم لا؟..‏

بائع الورد: أجل.. لقد عرفت يا مولاي.. عرفت.‏

تاروس: وماذا عرفت؟‏

بائع الورد: ((يحدث نفسه)) عليّ أن أخترع إجابة من عندي لأحصل على القطع النقدية فقط ((ثم يعود محدثاً إياه)) يا سيدي.. لقد قال لي: أن اسمه ((يتذكر)) إ..أ.. بوفوس.‏

تاروس: بوفوس؟!! ((يردد الاسم أكثر من مرة)) كأن هذا الاسم ليس غريباً عني.‏

بائع الورد: ((مصعوقاً وخائفاً مندهشاً)) إيه؟!!‏

تاروس: ما بك؟‏

بائع الورد: لا شيء ((لنفسه)) لقد اخترعت اسماً من ذاكرتي وإذ به حقيقة.‏

تاروس: وهل عرفت لماذا جاء إلى هنا؟‏

بائع الورد: قال لي.. قال.. يعني ما قال.. ((يظهر من خلال حديثه الاضطراب)) قال لي.. إنه ينتظر حبيبته.. وقد طلب مني أن أحضر لـه عشر باقات ورد ليقدمها لها دفعة واحدة في عيد ميلاد حبهما.‏

تاروس: أكيد؟!‏

بائع الورد: أكيد يا سيدي أكيد وقد أصرَّ على أن أُحْضِرَ لـه الباقات العشر بعد قليل لأن محبوبته تستحق ذلك وأكثر من ذلك كما قال..‏

تاروس: وهل عرفت إلى أين سيذهب بعد ذلك؟‏

بائع الورد: يا سيدي.. يعني. رجل ينتظر حبيبته في الحديقة بفارغ الصبر.. إلى أين تريد منهما أن يذهبا؟ حتماً سيجلسان في مكان بعيد عن الأنظار.. هذا هو شأن المحبين..؟ هل ذقت طعم الحبّ يا سيدي؟‏

تاروس: ماذا قُلْتَ لي اسمه؟‏

بائع الورد: إيه! ((لنفسه وكأنه بُهِت)) لقد نسيت الاسم الذي قتله ((يتذكر)) لوفوس.. طوروس.. لوغوس ((يفطن فيخاطب باروس)) إيه.. بوفوس.‏

تاروس: صحيح.. بوفوس ذاك الذي سمعته اسمه من قبل.. اسمع.. سأمرُّ من هنا كل صباح.. وسأعطيك كل يوم ثلاثين قطعةً نقدية شريطة أن تطلعني على كل ما سمعت ورأيت ومع من تحدثت.. ومن مرّ من هنا .. ومَنْ .. ينتظر مَنْ..‏

بائع الورد: بكل سرور يا سيدي.. أنا جاهز لكل ما تريد‏

تاروس: ((لنفسه)) يظهر أن ظني قد أخطأ بهذا الرجل ((يقصد كاروس)) ((إيه)) ربّ ضارة نافعة.. لقد كسبنا عيناً جديدة في هذه الحديقة ((لبائع الورد)) خُذْ هذه ((يعطيه مبلغاً)) ثلاثين قطعة نقدية وهذه ثلاثين أخرى بمثابة سلفة ليوم غد.‏

مرافق تاروس: ((يدخل مسرعاً)) سيدي تاروس..‏

تاروس: ما بك؟‏

المرافق: سيدي.. لقد هجم ثلاثة ملثَّمين على سيدي التيتانوس الثالث وأردوه قتيلاً..‏

تاروس: ماذا تقول.‏

المرافق: أجل يا سيدي إنّهم طعنوه بالسكاكين وألقوه على باب الحديقة.‏

تاروس: هيا بسرعة يخرج الجميع ويبقى بائع الورد فقط.‏

بائع الورد: لقد صدق ظني.. بهذين الرجلين ماذا يهمني.. يكفي أني حصلت على القطع النقدية ((يبدأ بعد القطع الفضية)) يا سلام.. يا بائع الورد ستكون غنياً بعد فترة.. ولن تبيع الورد بعدها.. ((كأنه يحلم)) بل سيكون لك قصور. وأملاك.. وحدائق.. و..‏

((مجموعة تحيط ببائع الورد))‏

رجل1: قف..‏

بائع الورد: وقفت.‏

رجل: التفت إلى الوراء‏

بايع الورد: التفت‏

أحد أفراد المجموعة: ارفع يديك.‏

بائع الورد: رفعت‏

أحد أفراد المجموعة: افتحهما.‏

بائع الورد: من أنتم؟‏

أحد أفراد المجموعة: نحن الذين نسألك لا أنت يا وقح.. أنت قاتل سيدنا التيتانوس الثالث خذوه‏

بائع الورد: ايه!! لست أنا يا جماعة. صدقوني لست أنا ((تسقط القطع النقدية من يديه المرتجفَتين بعد فتحهما من تلقاء ذاتهما يلتقط بعض أفراد المجموعة النقود المبعثرة)).‏

أحد أفراد المجموعة: هذا هو الدليل.. على أنك قاتل سيدنا وسارق ماله اقبضوا عليه.‏

((المجموعة تحيط به بعد أن تضربه عدّة ضربات))‏

بائع الورد: يا ناس انتظروا سأشرح لكم ما جرى ((صياح بائع الورد تختلط بهمهمات من الخارج تعلو الموسيقا وتخفت الإضاءة))‏

(تطفأ الأضواء)‏

نهاية المشهد الخامس‏

(1) وضعتها بين قوسين لأن محلها النصب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244