كرونوس والتيتانوس ـــ مصطفى صمودي

مسرحية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مشهد (6) تحوّلات

[حديقة عامة/ سيراكوس/ يظهر جالساً بينما نرى /دايدالوس/ يذرع المكان جيئة وذهاباً قلقاً على عدم وصول السيد الحكيم في الموعد المحدّد.]‏

سيراكوس: لِمَ كل هذا القلق يا ديدالوس؟!‏

ديدالوس: أَتسألني يا سيراكوس وأنت أدرى؟! ((متابعاً)) السيد الحكيم لم يصل حتى الآن.‏

سيراكوس: حتماً سيصل بعد قليل.‏

ديدالوس: اِلْغِ هذه الحتميَّة من ذهنك. والغِ أيضاً كلمة بعد قليل.. لأن السيد الحكيم.. حتماً لن يأتي‏

سيراكوس: وما أدراك؟.. ثم لماذا تطالبني بإلغاء حتمتي وقبول حتميتك؟!‏

ديدالوس: لأنك تعلم علم اليقين.. أنه هو الذي علمنا الانضباط ودقة المواعيد.. وتعلم أيضاً إذا لم يأت في الموعد المحدّد.. فهذا يعني.. أنه لن يأتي أبداً.‏

سيراكوس: ما الفائدة إذاً من انتظارنا له؟‏

ديدالوس: لعلّ وعسى.. لابد أن هناك أمراً قاهراً منعه من القدوم في الموعد المحدد.. وانتظارنا لـه.. قطع للشك باليقين.‏

سيراكوس: نأمل أن يكون المانع خيراً.‏

ديدالوس: /هَهْ/ جُمْلَتك هذه.. يمكن أن تسمع في مثل هذا الموقف ((يعيد الجملة مؤكداً قبوله لها)) عسى أن يكون المانع خيراً.‏

سيراكوس: لكن.. لماذا اختار السيد الحكيم أن يكون اجتماع اليوم في حديقة عامة بدلاً من بيته أسوة بالاجتماعات السابقة؟.. ثم.. كيف اختار هذه الحديقة مكاناً للاجتماع.. وهذه الحديقة ـ كما نعلم جميعاً ـ لا يغادرها بائع الورد مطلقاً؟‏

ديدالوس: صحِّحْ عبارتك يا سيراكوس.. السيد الحكيم لم يختر الحديقة مكاناً للاجتماع.. بل اختارها مكاناً للقاء ليتم منها الانطلاق إلى مكان الاجتماع هذا أولاً.. وثانياً أن بيت السيد الحكيم صار مراقباً من سائر المداخل المؤدية إليه.. ثالثاً هو أدرى منك ومني بمكان الاجتماع وبالتحوّل الذي طرأ على بائع الورد.‏

سيراكوس: ألا تشاركني الرأي يا ديدالوس بأن بائع الورد صار مشكلة عويصة يصعب حلها؟.. إذ بعد أن كان ملاذاً للخائفين صار مصدر خوف للآمنين لا أحد يعرف نواياه.. ولا هو من.. ولا مع من.. ولا عينٌ لمنْ.. إن تحدثت أمامه مستنكراً ما يفعله كرونوس انهال الوبال عليك.. وإذا استنكرت ـ على مسمع منه ـ أفعال التيتانوس أو سمع من أحد أنك تلفظت بذلك. فلن يعرف أحدٌ مصيرك ولا مصير المقربين إليك.‏

ديدالوس: ألم يطلب منا السيد الحكيم أن تترك لـه شخصياً موضوع بائع الورد؟ ألم يأخذ الموضوع على عاتقه وإنه سيحله بنفسه؟‏

سيراكوس: وكيف؟‏

ديدالوس: في الاجتماع.. توجه بهذا السؤال إليه.. فهو أولى مني بالرد عليك.‏

سيراكوس: طيب.. لنفرض أن بائع الورد قد جاء الآن وجاء من بعده السيد الحكيم.. كيف سنُعلم السيد الحكيم أن بائع الورد موجود هنا؟‏

ديدالوس: لا ألومك على هذه الأسئلة.. لأنك حديث العهد في انضمامك إلينا.. ((يردّ عليه بهدوء))‏

لا تخف... صحيح أن السيد الحكيم ضعيف البصر.. لكنه ثاقب البصيرة.. يرى ببصيرته مالا تراه أنت.. وأنا.. ومالا يراه سائر المبصرين.‏

سيراكوس: ((ينظر إلى خارج المسرح فيرى بائع الورد قادماً)) /هَهْ/ لقد صدق حَدْسي.. أذكر الخنزير.. وهات الجنزير.. هاهو بائع الورد في طريقه إلينا.‏

ديدالوس: غير موضوع الحديث يا ديدالوس.. دعنا نتصنّع أنّنا مخموران حتى الثمالة.‏

سيراكوس: وهو كذلك.‏

بائع الورد: ((يدخل)) عمتم صباحاً.‏

((الاثنان يردان التحية وكأنهما في حالة سُكر)) أهلاً وسهلاً..‏

بائع الورد: ((متأففاً)) أوف!!! منذ الصباح الباكر تُتَعتعان ثَمِلَيْن؟... مَنْ يشرب خمراً منذ الصباح الباكر؟!.‏

ديدالوس: نحن.‏

سيراكوس: أجل نحن.‏

بائع الورد: هل تشربان لوحدكما؟‏

ديدالوس: ((بلهجة السكر نفسها)) وحدك وحدك.. ولو جار الزمان عليك.. يعني.. هل تريد منا ـ عندما نشرب ـ أن نجمع الدنيا معنا.. أو من حولنا؟‏

سيراكوس: ((يدعوه للمشاركة)) تفضل.‏

بائع الورد: على ماذا أتفضل؟!!.هل تدعوني إلى الجلوس على مائدة عجلٍ حنيذ؟!!‏

سيراكوس: لا.. لا أدعوك لتأكل حنيذاً.. بل لتشرب نبيذاً.‏

بائع الورد: وأين النبيذ الذي تشربون؟‏

سيراكوس: خَلَصْ.. انتهى.. إنه هنا.. ((يشير إلى بطنه وهو يضحك)).‏

ديدالوس: أجمل ما في الدنيا.. أن تأكل وتشرب.. حتى تسكر.. وتغيب عمّا حولك..‏

سيراكوس: أجل.. حتى تسكر.. حتى لا تشعر بشيء وبعدها تنام/ هَهْ/ ((يشخر نائماً وهو وافق ثم يضحك هو وديدالوس)).‏

بائع الورد: يبدو أنكما قد شربتما أكثر من اللازم‏

ديدالوس: لازم.. غير لازم. المهم أننا نشرب.. لنفرح ونمرح الحياة كلها فرح ومرح عندما تشرب.. اضحك تضحك لك الدنيا.. ابك تبك لوحدك.. ((يخاطبه)) سيراكوس.‏

سيراكوس: نعم يا ديدالوس؟‏

ديدالوس: احك لنا حادثة طريفةً جرت معك.. أو هات نكتةً تلائم سُكرنا..‏

سيراكوس: حاضر يا ديدالوس.. كان هناك واحد.. ومعه آخر..‏

ديدالوس: أجل.. ثم ماذا يا سيراكوس؟‏

سيراكوس: انتهت النكتة؟!!‏

ديدالوس: ((يضحك)) هِه.. هه ما هذه النكتة الباردة؟!!‏

سيراكوس: كيف تقول نكتة باردة وها أنت تضحك؟!!‏

ديدالوس: أنا أضحك عليك لا على النكتة أو منها.‏

سيراكوس: تفضل يا سيد وارْوِ لنا نكتة نضحك منها ولا نضحك عليك.‏

ديدالوس: /إيه/ ((يتهيأ ليروي النكتة)) كان هناك واحد.. ومعه واحد آخر.‏

سيراكوس: نعم.. ثم ماذا؟‏

ديدالوس: انتهت النكتة.‏

سيراكوسك ((يضحك ساخراً)) /هه/!!.. أنا ذكرت هذه النكتة قبلك وقلت إنها باردة..‏

ديدالوس: الاثنان اللذان ذكرتهما أنا.. غير الاثنين الباردين اللذين ذكرتهما أنت إنهما من المناطق الحارّة ((يضحك الاثنان معاً طويلاً.. ديدالوس يلحظ عدم ضحك بائع الورد فيخاطبه بلطف)) اضحك معنا يا رجل.. اضحك ولا تكن عبوساً.‏

بائع الورد: ((يحدث نفسه في طرف المسرح)) أعتقد أني سأجد عند هذين الاثنين وجبة دسمة.. لأن الثمل يروي لسانه كل ما يخبئه قلبه بلا تحفظ ((يقترب منهما مبتسماً ابتسامة مصطنعة)).‏

ديدالوس: /هَهْ/.. يا رجل.. ابتسم.. كفانا هماً وغماً.‏

بائع الورد: أريد أن أسألكما..‏

سيراكوس: تفضل.‏

ديدالوس: أنت تسأل.. ونحن نجيب.‏

بائع الورد: ما رأيكما بما يجري؟‏

ديدالوس: بما يجري؟!!‏

بائع الورد ((بكل اهتمام)) نعم.‏

ديدالوس: /إيه/ النهر يجري.. الرياح تجري.. السحاب يجري.. كل شيء يجري..‏

سيراكوس: طبعاً.. كل شيء يجري.. حتى أنا أجري /هه/ ((يركض في المسرح وكأنه يقوم بتمارين رياضية)) واحد اثنان ثلاثة أربعة.. واحد اثنان ثلاثة أربعة..‏

بائع الورد: ((لسيراكوس)) توقف.. أقصد.. ما رأيكما بما يجري هنا؟‏

ديدالوس: هنا؟ وهل هناك أحدٌ غيرنا هنا؟!!‏

بائع الورد: يعني من حولنا.‏

ديدالوس: ((يلتفت حولـه)) أيضاً لا أرى أحداً من حولنا.‏

بائع الورد: ((يزفر ضجراً)) أف!! ألم تسمع.. بما يجري بين كرونوس و التيتانوس؟!‏

ديدالوس: أخبرنا.. ماذا يجري؟!‏

سيراكوس: نحن لا نفهم بالسياسة.‏

بائع الورد: ((بخبث)) وما أدراك أنها سياسة؟‏

ديدالوس: ((محاولاً إنقاذ الموقف)) يا عم.. معرفتك بأمرٍ ما.. لا يعني تعاطيه.. أو العمل به .. سياستنا يا عم.. هي طعامنا وشرابنا.. وسُكرنا..‏

بائع الورد: يا سلام.. إذا كنتم تنطقون مثل هذه الحكم في حالة سكركما.. فبأي جواهر تنطقون في لحظات صحوكما؟!!‏

ديدالوس: يا عم.. عندما يسكر الإنسان.. لا يعني أنه يفقد عقله يا عم.. أيها الرجل الطيب خلاصة الحديث كل ما تراه أنت جميلاً.. نراه نحن جميلاً وكفى..‏

سيراكوس: هل لك أن تخبرنا بما يجري..‏

بائع الورد: ((بخبث أكثر)) وهل يهمك ما يجري أنت أيضاً؟‏

ديدالوس: ((يحاول إنقاذ الموقف مرة أخرى)) يا عم.. أنت من رَغَّبنا في المعرفة.. وإذا رَغِبْنا أن نعرف.. فمن مبدأ حب الإطلاع لا أكثر ثم .. أنت من سألنا ماذا يجري.. لا نحن.‏

بائع الورد: ((يحاول استدراجهما)) أنا ((يقترب منهما ويتوسطهما ويهمس في أذنهما..)) والحديث بيني وبينكما أنا أرى أن ما يحصل ليس مُرْضِياً‏

ديدالوس: /إيه/ !!. هذه وجهة نظرك.‏

بائع الورد: هل لك وجهة نظر أخرى؟!‏

ديدالوس: في ماذا؟‏

بائع الورد: وهل كنا نغني في الطاحون؟ نحن نتحدث عن الأوضاع التي تجري بين كرونوس والتيتانوس.‏

ديدالوس: ((محتجاً)) يا عم.. لا تدعنا نتدخل في مالا يعنينا.. هذه الأسئلة لا علاقة لنا بها.. أرجوك لا تضيع علينا نشوتنا.. إذا أردت أن نجيب على أسئلتك فاسألنا.. أي نبيذ أطيب؟ نبيذ العنب؟ أم نبيذ التمر؟ أم نبيذ التين؟.. هذه الأسئلة نعرف كيف نجيب عليها..‏

سيراكوس: إنها اختصاصنا.‏

بائع الورد: ((يحدث نفسه في طرف المسرح مرة أخرى)) يبدو لي أن هذين الرجلين غير ثملين وإذا ظنا أنهما يضحكان علي.. فأنا أضحك عليهم وعلى من خَلَّفَهما وعلى آلاف مثلهما.. /إيه/ لابد.. ولو طال الحديث أن أحصل منهما على رأس خيط أستطيع من خلاله أن أجرهما إلى حيث أريد ((ضجة من الخارج.. يهرع بائع الورد إلى طرف المسرح ليستطلع من أين وما هو مصدر الضجة)) ترى ماذا يجري هناك؟.‏

ديدالوس: علمنا.. علمك.‏

بائع الورد: ((بكل اهتمام)) عن أذنكما. سأذهب لأرى ماذا يحدث هناك ثم أعود إليكما حالاً ((يخرج مسرعاً)).‏

ديدالوس: ((بصوت عال)) لا تنس يا عم أن تحضر لنا معك نبيذاً شهياً ((بصوت خفيض)) اذهب لا عدت إلينا ولا عاد أمثالك ((لسيراكوس)) ألم أقل لك..إن هناك أمراً ما.. منع السيد الحكيم من الحضور في الموعد المحدد؟‏

سيراكوس: ((حاثاً إياه)) تعال لنرى ما يحدث.. ((يحاول الخروج فيمنعه ديدالوس)).‏

ديدالوس: لا... علينا البقاء هنا.. حسب اتفاقنا مع السيد الحكيم وبخاصة بعد أن عَرَفنا أن هناك أمراً غير طبيعي.. لأنه من غير المعقول أن يأتي السيد الحكيم ولا يجد من ينتظره هنا..‏

سيراكوس: منذ أن ابتلع كرونوس ابنه الأول.. تعطلت أمور الناس.. وبعد أن ابتلع ابنه الثاني والثالث.. أصبحت الأمور لا تطاق.‏

ديدالوس: ألا تلاحظ معي يا سيراكوس.. أن كرونوس كلما ابتلع واحداً من أبنائه قتل بالمقابل واحداً من أفراد التيتانوس؟‏

سيراكوس: أجل.. وكأنهما في حربٍ خفيةٍ غير معلنة.. لكن المردود السلبي لما يحصل.. لا يطالنا إلا نحن فقط. إن وجدوا أمراً يخدم مصالحهم اقتتلوا فيما بينهم. وبالتالي نحن الخاسرون وإن وجدوا أمراً يخدم مصالحنا اتفقوا علينا.. وحرمونا من كل شيء وبالتالي نحن الخاسرون أيضاً.‏

ديدالوس: لكل شيء نهاية.‏

سيراكوس: ((ينظر باتجاه الكواليس)) انظر.. رجلٌ يسرع باتجاهنا.. إنه يركض بكل ما أوتي من قوة..‏

ديدالوس: ((ينظر معه)) هاهو يقترب. إنه يركض على الرغم من أنه كبير في السن.‏

الكهل: ((يدخل لاهثاً.. ثم يجلس على المقعد ليرتاح.. يساعده الاثنان على الجلوس))‏

ديدالوس: خيراً؟.. ما بك يا عم؟!.‏

الكهل: دعني أسترد أنفاسي.‏

ديدالوس: حاضر.. ارتح قليلاً.. ((بعد فترة)) ترى.. ماذا يجري هناك؟‏

الكهل: قلت لك دعني أسترد أنفاسي..‏

ديدالوس: لا بأس.. ((بعد فترة أيضاً)) هل تريد أن نحضر لك شيئاً؟‏

الكهل: لا..‏

ديدالوس: نحن نسأل حفاظاً عليك.. لماذا تركض بشكل لا يتناسب مع سنك أيها العم الجليل..؟!‍‏

الكهل: اضطررت للركض رغم مَرَضي.. آه الفزع يطيّر الوجع.‏

ديدالوس: ممَّ تفزع يا عم؟!!‏

الكهل: لا أعرف...‏

ديدالوس: /إيه/ !! تركض فزعاً ولا تعرف لم تهرب؟‏

الكهل: صدقني لا أعرف.. رأيت الناس يركضون.. فركضت معهم.. يا أخي.. الأوضاع غير مستقرة.. أنصحكما بالهروب.. كما يهرب الجميع ((يقف)) سألزم بيتي وأنجو بنفسي علينا أن نلزم السكوت ونأوي إلى البيوت وهذا خيرٌ لي ولكم.. ((يخرج راكضاً)).‏

سيراكوس: فعلاً كما توقعت يا ديدالوس.. هناك طارئ حدث.. دعنا نغادر المكان.‏

ديدالوس: قلت لك.. لن أغادر المكان حتى يأتي السيد الحكيم.. ((ينظر باتجاه الكواليس)) انظر.. هاهو يتجه نحونا مسرعاً يدق الأرض بعصاه ((يتجه نحوه خارجاً ويناديه بصوت عالٍ)) نحن هنا أيها السيد الحكيم..‏

سيراكوس: يبدو أن الأمر أخطر مما نتصور.. ترى ماذا جرى؟!‏

ديدالوس: ((يدخل ويدخل معه السيد الحكيم)) ارتح قليلاً أيها السيد الحكيم.‏

السيد الحكيم: لا وقت للراحة.. وعذراً على التأخير.‏

ديدالوس: نحن نقدر الظرف أيها السيد الحكيم.. وأنا متأكد أن هناك أمراً ما.. منعك من الحضور في الموعد المحدد.‏

سيراكوس: ترى .. ماذا يجري هناك أيها السيد الحكيم؟‏

السيد الحكيم: ألم يصلكم الخبر؟‏

سيراكوس: ومن أين يصلنا الخبر أيها السيد الحكيم ونحن ننتظرك هنا؟‏

السيد الحكيم: ((باهتمام بالغ)) ثلاثة قتلى.‏

ديدالوس: ثلاثة!! في آنٍ معاً؟‏

السيد الحكيم: نعم.‏

سيراكوس: وي وي وي !!‏

ديدالوس: ومن هم؟‏

السيد الحكيم: التيتانوس الرابع مع مرافقيه.‏

سيراكوس: وي وي وي!!‏

السيد الحكيم: تصورا.. ما أن وضعت /رييا/ مولودها الرابع وابتلعه أبوه كرونوس.. حتى قتل كرونوس التيتانوس الرابع ومن معه .. الحرب سجال بينهما.. والحبل على الجرار..‏

ديدالوس: هذا ما كنا نتحدث به قبل مجيئك أيها السيد الحكيم.. ما العمل الآن؟ أليس من الواجب علينا ـ قبل كل شيء ـ إبلاغ أخوتنا المجتمعين لتأجيل موعد (المُظاهرة) إلى يوم آخر؟‏

السيد الحكيم: أرسلت على الفور من يبلغهم بذلك.‏

سيراكوس: إلى متى سيبقى هذا الحال مستمراً أيها السيد الحكيم؟‏

السيد الحكيم: لا تستعجل الأمور.. قلت لكم أكثر من مرة إن كل ما يحدث هو لصالحنا على المنظور البعيد لا القريب.‏

سيراكوس: من حظنا وحظك أيها السيد الحكيم.. أنك جئت بعد ذهاب بائع الورد من هنا..‏

السيد الحكيم: بالعكس.. أنا اخترت مكان اللقاء هنا لألتقي به ((يلحظ استغراب سيراكوس)).. لا تستغرب.. فَلَدَيَّ من الإقناع ما يجعله يعود إلى جادة الصواب أنا أعرفه.. وأعرف أرضيّتَهُ وأصله وفصله وَحَسَبَهُ ونسبه وسترى ذلك بنفسك. ((صوت استغاثة من الخارج يلتفت الثلاثة نحو مصدر الصوت)).‏

ديدالوس: ((بدهشة)) سيراكوس.‏

سيراكوس: ما بك يا ديدالوس.‏

ديدالوس: انظر.. !!.. أليس هذا الرجل.. هو بائع الورد؟‏

سيراكوس: أجل يا ديدالوس.. هو نفسه.‏

ديدالوس: يظهر أنه جريح.‏

سيراكوس: يبدو ذلك.. ((يقترب نحو جهة بائع الورد فيتأكد)) فعلاً إنه جريح هذا جزاؤه.‏

السيد الحكيم: أرجو أن لا يمسّه أحدٌ منكم بسوء..‏

بائع الورد: ((يدخل مترنحاً متألماً متأوهاً يخاطب ديدالوس وسيراكوس)) أما زلتما هنا؟‏

((يرى السيد الحكيم فيركض نحوه)) أنا بحمايتك أيها السيد الحكيم.‏

السيد الحكيم: ما بك؟‏

بائع الورد: ((يئن من الألم طيلة الحوار اللاحق بصوت متقطع بين الفينة والأخرى حتى نهاية المشهد)) أيها السيد الحكيم.. لَحِقَ بي اثنان طعنني أحدهم بخنجر.. فهربت واختبأت ولو لم أختبئ لقضي علي .. إنهما يبحثان عني الآن.‏

السيد الحكيم: لا تخف.. أنت هنا في أمان. ((يدخل المواطنان اللذان كانا يبحثان عنه مسرعين))‏

مواطن/1/: /هه/ ((مشيراً إلى بائع الورد)) هاهو بائع الورد الوغد.‏

مواطن/2/: سأقضي عليه في الحال ((يتقدم نحوه)).‏

بائع الورد: ((يحتمي بالسيد الحكيم)) أنقذني أيها السيد الحكيم أرجوك ((يمسك به بقوة)).‏

السيد الحكيم: ((يمنعهما من الاقتراب منه)) قفا.. إنه بحمايتنا.. ونحن من يتكفل به بعد الآن.‏

مواطن/1/: أيها السيد الحكيم.. لقد كاد أن يودي بي إلى الهاوية ـ عند أولياء أمره ـ ظلماً وعدواناً.‏

مواطن/2/: وأنا أيها السيد الحكيم.. كاد أن يودي بي.. وبعائلتي أيضاً.‏

السيد الحكيم: بالتروي.. بالهدوء.. نصل إلى ما تريدان اتركا أمره لي وأنا سأقوم بما يجب علي القيام به ((يخاطب بائع الورد)) أتأسف عليك يا بائع الورد.. ألم تسأل نفسك كيف كنت وكيف صرت.. اسأل نفسك لم أصبحت منبوذاً من قبل الجميع.. بينما كنت محبوباً وأخاً للجميع.. كنت الأب الروحي لأطفال الحي ولسائر الأطفال الذين يزورون الحديقة.. أيهما أفضل يابائع الورد؟ ما كنت عليه؟ أم ما صرت إليه؟ ((يعود ويخاطب الاثنين اللذين لحقا به)) بعد أن يُشفى.. اعدكم بأني سأتولى أمره بنفسي.‏

بائع الورد: ((متألماً أكثر من ذي قبل)) أسعفني أيها السيد الحكيم.. أرجوك ولن أنسى فضلك علي ما حييت.‏

السيد الحكيم: من حسن حظك.. أن العراف /كالْكاس/ سيصل بعد قليل.. فلي موعد معه هنا.. سأطلب منه أن يداوي جرحك على الفور..‏

بائع الورد: ..أه.. تُرَى.. هل أعود إلى أطفالي سليماً معافى؟!‏

السيد الحكيم: ألم تفكر الآن بإحساس من أَوْدَيْتَ بهم .. كانوا يتمنون أن يروا أطفالهم مثلما تتمنى أنت ذلك الآن.. وأطفالهم كانوا يريدون أن يعيشوا في كنف آبائهم. آمنين مطمئنيّن‏

بائع الورد: الفاقة والعوز أيها السيد الحكيم.‏

السيد الحكيم: ((بكل صرامة)) لا .. بل قل الطمع والجشع.. لا الفاقة والعوز.‏

بائع الورد: أه.. ساعدني أيها السيد الحكيم.. أسعفني.. وأعدك بأنني سأعود كما كنت وتحت أمرك.‏

السيد الحكيم: قلت لك سيأتي إلى هنا /كالكاس/ بعد قليل وسيداوي جرحك اطمئن.. نحن نعامل الناس بما نريد.. وبما يمليه علينا الواجب ولا نعاملهم بما يستحقون.‏

بائع الورد: ((يتلوى من الألم)) أيها السيد الحكيم..‏

أرجو أن تسمعني جيداً.. سأفشي لك سراً هاماً يتعلق بك.‏

السيد الحكيم: وما هو هذا السر؟‏

بائع الورد: ((بصوت متقطع))لقد اتفق كرونوس والتيتانوس على أن يتخلصوا منك.‏

السيد الحكيم: وما هو الجديد في ذلك ومتى كانوا يحافظون عليّ؟! ثم أن هذا لا يهمني ما دمت أحمل لواء الحق ومطلب الناس.. أنا لا أخاف من القتل..‏

بائع الورد: لن يقتلوك.. حتى لا يجعلوا منك بطلاً في أذهان.. الناس لكنهم سيشكلون من أجلك محكمةً وهميةً.. ويوجهون إليك اتهامات مُلَفَّقَةً.. ثم سَتُصْدِر حكم الإعدام على نفسك بنفسك.‏

السيد الحكيم: ((مستغرباً مما سمع)) هل بدأت تهذي‏

يا بائع الورد؟ كيف أصدر بنفسي حكم الإعدام على نفسي؟!!‏

بائع الورد: سيهيئون في المحكمة صندوقاً به ورقتان ستسحب إحداهما.. ثم تحكم على نفسك بالإعدام آه ((يغيب عن الوعي قليلاً)).‏

السيد الحكيم: لم أفهم ما رمى إليه بائع الورد هذا؟!!‏

ديدالوس: يقصد.. على ما أعتقد.. أيها السيد الحكيم أنهم سيضعون في الصندوق ورقتين الأولى كُتب عليها حياة والثانية كُتب عليها موت.‏

بائع الورد: ((يعقب على ما قيل بغاية الصعوبة)) لا لا.. الورقتان متماثلتان.‏

السيد الحكيم: ما معنى متماثلتان.‏

بائع الورد: يعني أي ورقة ستسحبها.. مكتوب عليها إعدام نعم .. الورقتان مكتوب عليهما اعدام ((يصرخ بشدة من الألم)) أسعفوني أرجوكم.. أكاد أموت..‏

كالكاس ((يدخل فيرى الجميع ملتفين حول بائع الورد)) خيراً أيها السيد الحكيم؟‏

السيد الحكيم: ((يخاطب كالكاس)) كالكاس.. بائع الورد مطعون وعليك أن تسعفه في الحال‏

كالكاس: هذا جزاؤه وجزاء أمثاله.‏

السيد الحكيم: لا مجال للأخذ والرد الآن .. بعد شفائه سنتحدث في هذا الشأن.. أسعفه الآن لأننا في حاجة ماسة إليه.‏

كالكاس: ((بعد أن يتفحصه بسرعة)) جرحه عميق... لكنه غير خطير.. احملوه إلى بيتي لأسعفه حالاً ((إلى السيد الحكيم)) لقد قمت بما كلفتني به أيها السيد الحكيم.‏

السيد الحكيم: لا أشك في ذلك.. أنا سألحق بكم ريثما أنهي مهمتي هيا.. ((يحمله سيراكوس والاثنان اللذان طعناه ويلحقان بكالكاس الذي يسير أمامهما)).‏

ديدالوس: ((إلى السيد الحكيم))ما رأيك بما قاله بائع الورد أيها السيد الحكيم؟‏

السيد الحكيم: أمر محسوب ومدروس..‏

ديدالوس: لكن.. أيها السيد الحكيم ليس بالشكل الذي سمعناه.. قال الورقتان مكتوب عليهما إعدام.. يعني إعدام لا محالة أيها السيد الحكيم.. إعدام..‏

السيد الحكيم: وهل يختلف موت الإعدام عن أي موت.. الموت واحد والأساليب كثيرة لا تُحصى.‏

ديدالوس: أرجو أن تهرب أيها السيد الحكيم..‏

السيد الحكيم: ((مندهشاً)) ديدالوس!! أنت من يشير إلي أن أهرب؟!!‏

ديدالوس: حباً لك وحفاظاً عليك أيها السيد الحكيم..‏

السيد الحكيم: يا ديدالوس.. من يسقط من المحنة الأولى لا يستطيع الوقوف ثانية.. ثم أنا من يطالب الناس أن يتسلحوا بمبادئهم مهما كلفهم ذلك من ثمن فكيف تريدني أن أتخلى عن مبادئي وأهرب؟!‏

ديدالوس: طيب.. اختفِ عن الأنظار الآن.. ولو لبرهة‏

السيد الحكيم: ((بكل إصرار)) لا يا ديدالوس علي أن أبقى في دائرة الضوء سأواجههم في وضح النهار.. وسأدخل المحكمة رافع الرأس أبياً.. لأكون أسوة وقدوة حسنة للآخرين الذين انضموا إلي وللآتين من بعدي.. صحيح يا ديدالوس أن الرذيلة ضد الفضيلة في كل مكان لكن صدقني يا ديدالوس ((مؤكداً)) صدقني. حتى الرذيلة ـ بينها وبين نفسها ـ تقف احتراماً للفضيلة وتحني رأسها لها.‏

ديدالوس: لكن أنصارنا ما زالوا أقلة.‏

السيد الحكيم: الإيمان بعدالة قضيتنا يا ديدالوس.. يجعل الواحد منا مئة رجل في رجل.. بل ألف رجل في رجل.. هاهم أنصارنا يزدادون يوماً بعد يوم.. عليك أن تدرك يا ديدالوس أن أعداءنا يخافون منا حتى في منامهم.. يخافون منا ولو كُنّا عندهم في الأسر.. يخافون حتى من جثثنا بعد الموت صدقني يا ديدالوس.. يخافون من جثثنا.. يسمعون صراخها وهي هامدة.. فما بالك إذا كنا ننبض بالحياة ونجابههم وجهاً لوجه؟!!‏

سيراكوس: ((يدخل مسرعاً)) أيها السيد الحكيم..‏

السيد الحكيم: ما بك يا سيراكوس؟‏

سيراكوس: بلغني أن أعداءنا أتباع كرونوس والتيتانوس قبضوا على عدد من أنصارنا وهم يبحثون عنك الآن.‏

السيد الحكيم: ((ينظر إلى الأمام نظرة ذات مغزى)) كلما ضاقت فُرجت.. عليكم أن تجعلوا حتى من الهزيمة بعداً من أبعاد النصر.. تفاءلوا بالنصر يكتب لكم ولنكن جميعاً جسر عبور نحو النور.. فالطريق الطويلة تبدأ بخطوة هيا...‏

(تطفأ الأضواء، نهاية المشهد السادس)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244