كرونوس والتيتانوس ـــ مصطفى صمودي

مسرحية ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 02:07 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مشهد (8) إيقاعات التوافق والتّضاد

(بقع ضوئيّة دائريّة مسلّطة من الأعلى تملأ فضاء المسرح يميناً ووسطاً ويساراً وأماماً وعمقاً تسلّط على المتكلّمين أثناء حديثهم ثمّ تُحجب عنهم بعد انتهاء الحوار لتُسلّط على مُتحدّثين جُدُد وهكذا..‏

واقترح أن تُقَدِّم للمشاهدين بلا خلفيّات لسرعة الانتقال ومحدوديّة الضوء الذي لا يُظهر سوى المتحدّثين فقط).‏

((بقعة ضوء دائريّة في عمق يمين المسرح. تُظهر اثنين يتحادثان)).‏

غني /1/: هل صحيح أن السيد الحكيم سيُحاكم غداً؟‏

غني /2/: أجل.‏

غني /1/: وَهل سيصدرون حكم الإعداد بحقه.‏

غني /2/: نعم.. ولكم كنت أتمنّى أن يعدموه قبل ذلك بكثير.‏

غني /1/: ولِمَ؟!!..‏

غني /2/: كيف تسألني لِمَ؟!! أليس هو السبب في بلائنا وقطع أرزاقنا؟! أين الصفقات التي كنّا نعقدها مع من هم في صَف موالينا كرونوس والتيتانوس والتي كانت تعود علينا بالأرباح الخياليّة أين هي؟! أَلَمْ تتوقف بعد أن حمل حضرة هذا المُسمّى بالسيد الحكيم لواء المعارضة وصار يجمع من حولـه أنصاراً لـه؟.. من يومها تغيّرت أحوالنا وانقلبت أمورنا رأساً على عقب وذَهَبُنا وفِضَّتُنا يّذوبان ويتناقصان يوماً بعد يوم.‏

غني /1/: أنا معك.. لكن أليس هناك من طريقة غير الإعدام؟‏

غني /2/: إعدامه خير ما يفعلون.. وعلينا أن نُؤيّد ونُؤكّد ذلك وندعمه بشخوصنا وبما لدينا من ذهب وفضة.. لأن إعدامه يهمّ مصالحنا.. ومصالحنا فوق كلّ اعتبار.. ولو أدّى ذلك إلى إعدامه وإعدام سائر أنصاره دفعة واحدة.‏

غني /1/: ((مُحْتَجّاً على الإعدام)) أنا من جهتي لا أرى في الإعدام...‏

غني /2/: ((يقاطعه)) كم مرّة قلت لك لا تَدَعْ للشفقة مكاناً في قلبك الإعدام خير وسيلة لإزالة الخصم عن الوجود... حينها بإمكانك أن تتحرّك بلا عوائق.. اسمع.. سنكون في المحكمة غداً مع بعض المؤيّدين لنا لنقوم بما هو مطلوب منّا.‏

غني /1/: ما هو المطلوب منّا؟‏

غني /2/: المطلوب منّا وحتى ولو لَمْ يُطلب منّا ـ علينا أن نقوم به بمبادرة ذاتيّة سَنَنْدَسُّ بين جموع الحاضرين.. ونطالب باسم الشعب أن يُعْدَم أعداء الشعب وفي طليعتهم هذا المسمّى بالسيد الحكيم.. دعنا الآن من هذا الحديث فقد صار لسان حال النّاس جميعاً لأحدّثك في أمرٍ خطيرٍ جدّاً أهم من كلّ ما تحدّثنا به سَأُطْلِعُكَ عليه لِمَا بيننا من شراكة ومصالح قديمة وجديدة.‏

غني /1/: ما هو؟‏

غني /2/: ((بهمسٍ)) موضوع كرونوس والتيتانوس.‏

غني /1/: هل من جديد.‏

غني /2/: طبعاً ((بحذرٍ أكثر)) القوّة التي كانت في قبضة مولانا كرونوس صارت ـ أو في طريقها إلى أن تصير ـ في قبضة موالينا التيتانوس.‏

غني /1/: ((مندهشاً)) نعم؟!!!.. وكيف عرفت؟!‏

غني /2/: لو كنت معي البارحة ـ في أثناء زيارة قمت بها إلى مولاي التيتانوس الأول ـ لعرفت ذلك بنفسك كما عرفته أنا.. أنت تعرف أنّنا عندما نسمع حديثاً ما... نستقرئ الحديث وما وراء الحديث.. فنكتشف‏

ما سيحدث... من المقدمات إلى النتائج‏

غني /1/: كلامك صحيح.‏

غني /2/: لقد اكتشف موالينا التيتانوس أنّ من كان وراء مقتل أخوتهم الأربعة.. هو مولانا كرونوس نفسه فبدءوا يُبَيّتُون لـه.. لكن.. سيفعلون ذلك بعد محاكمة السيد الحكيم وإعدامه.‏

غني /1/: ماذا تقصد بكلمة يبيّتون؟!!‏

غني /2/: يعني.. ربّما.. ((يُحجم عن الذكر)) لا لا.. لا أريد أن ألفظها.‏

غني /1/: فَسِّر ما تريد..‏

غني /2/: دع التّفسير للزمن.‏

غني /1/: ((مهتمّاً)) أفهم من كلامك..‏

غني /2/: أنا لم أتكلم.‏

غني /1/: أفهم من إحجامك عن الكلام.. أن مولانا كرونوس ربّما يكون مصيره كمصير موالينا التيتانوس الأربعة.‏

غني /2/: أنا لم أقل ذلك.. أنت الذي قلت.. ما قلته أنا.. هو مُجَرَّد تخمينٍ وشك.. والشّك كما تعلم مسألة ظنيّة لا قطعيّة.. ما أعرفه أن القادم ـ فيما يتعلق بمصير مولانا كرونوس ـ غير محمود العواقب. وهذا أقلّ ما يُقال‏

غني /1/: أنت خبيث.. دائماً تُلَمّح ولا تُصَرِّح.‏

غني /2/: اسمع.. لو سُمِعَ هذا الحديث نقلاً عن لسانك أو عن لساني لكان مصيرنا معاً.. كمصير موالينا التيتانوس الأربعة ((يقترب منه مؤكّداً)) لا أنا سمعت.. ولا أنت قلت.. مفهوم؟‏

غني /1/: أَرْسل حكيماً ولا تُوْصِه.‏

غني /2/: صفقاتنا واتفاقاتنا معهم هي الأهم.. ماذا يهمنا نحن سواء كانت القوة بيد هذا الطرف أو ذاك.. مادمنا نحتفظ بعلاقات ودّية مع الطرفَيْن.. ومصالحنا تسير وفْق ما نريد..‏

ليكن لك أكثر من وَجْهَيْن‏

وفي كل وجه أكثر من عَيْنين‏

وفي فمك أكثر من لسانَيْن‏

وفي صدرك أكثر من قلبين‏

وفي عقلك أكثر من احتمالين‏

لتكون مرَّة هنا.. وأخرى هناك وثالثة بَيْنَ بَيْنْ.. كن دائماً مع أقوى الطرفَيْن علينا منذ الآن تغيير دفّة المعادلة... نحن الطرف الأول وموالينا التيتانوس هم الطرف الثاني ماذا..‏

غني /1/: موالينا التيتانوس هم الطّرف الثاني.‏

غني /2/: أحسنت.. فلنبدأ بذلك منذ اللحظة هذه‏

((تطفأ بقعة الضوء اليمنى ويسلّط ضوء البقعة الوسطى على اثْنَيْن آخرَيْن يتحادثان)).‏

1 ـ السيّد الحكيم.. سَيَصْدُرُ بحقّه حكم الإعدام غداً.‏

2 ـ أعرف.‏

1 ـ يقولون: إن هذه الرّغبة.. هي رغبة مولانا كرونوس.‏

2 ـ لكن بعضهم يقول: إنها رغبة موالينا التيتانوس.. وآخرون يقولون: إنّها رغبة مشتركة بينهما.‏

1 ـ وماذا يهمّ ذلك؟.. سواء كانت رغبة هذا الطّرف أم ذاك المُحَصِّلة واحدة.. هي الإعدام.‏

2 ـ وما رأيك في ذلك؟‏

1 ـ أنا في الحقيقة.. لَمْ أسألْ نفسي هذا السؤال مِنْ قبل ثم.. حتى لو كان لي رأيي في هذا الموضوع.. ما أهميّة رأي؟ ومَنْ يَسْتَجِب لـه؟ أنا.. أتمنى للسيد الحكيم السلامة ولا أتمنّى لـه الإعدام.‏

2 ـ وأنا أتمنّى ذلك أيضاً.. لكن.. ماذا تفيده تمنيّاتنا؟‏

1 ـ يكفي أنّنا معه بحسّنا وحواسّنا.. بعطفنا وعاطفتنا.. هذا أقصى ما نستطيع أن نفعله.‏

((تُطفأ بقعة الضوء الوسطى لتُسلّط بقعة ضوء أخرى على عمق يسار المسرح على اثنَيْن آخَرَيْن يتحادثان)).‏

1 ـ كيف نستطيع وقف حكم الإعدام الذي سيصدر بحق السيد الحكيم؟‏

2 ـ ما تطمح إليه.. أمرٌ مستحيل.‏

1 ـ لِمَ تراه مستحيلاً؟‏

2 ـ لأنّ إيقاف حكم إعدامٍ صادر عن قويّ بحقّ ضعيف.. بحاجة إلى قوّة أخرى أقوى من التي أصدرت الحكم.. أو قوة مماثلةٍ لها على الأقل ونحن مازلنا ضعفاء ((يؤكّد على الكلمة)) ضعفاء.‏

1 ـ ربما لا نستطيع قهر قويّ ـ لكن أليس بإمكاننا نصرة ضعيف؟‏

2 ـ طبعاً.‏

1 ـ إذاً.. بالإمكان القول: إنّ ضعيفَيْن قد يَغْلِبان قويّاً.‏

((تُطفأ بقعة الضوء هذه وتسلّط بقعة ضوء أخرى في الطّرف المقابل على اثنَيْن غيرهما يتحادثان))‏

1 ـ علينا أن نحاول منع حكم الإعدام الذي سيصدر بحق السيد الحكيم بأيّة طريقة كانت.‏

2 أنا معك.. لكن هل تتصوّر طريقة ما؟‏

1 ـ ((بحماس)) ندخل إلى قاعة المحكمة ونمنعهم من إصدار حكم الإعدام بحقّه.‏

2 ـ لكنّهم ـ كما سمعت ـ قد أصدروا بلاغاً يمنعون فيه دخول المحكمة لغير المدعوّين من قِبَلِهم.. وهذا يعني.. أن حكم الإعدام بحقّ السيد الحكيم.. مُفَصّلٌ وجاهز قبل أن يُصدر في المحكمة حكم إعدامه. يعني سيعدم لا محالة.‏

1 ـ نكسّر الأبواب وندخل قاعة المحكمة رغماً عنهم ولو كلّفنا ذلك حياتنا. لمنعهم من إعدامه.‏

2 ـ الحرّاس على الأبواب لا يسمحون لأحد بالاقتراب حتى من ساحة المحكمة فما بالك بالوصول إلى الأبواب؟‏

1 ـ ((بحماس أكثر)) ماذا نفعل إذاً؟ علينا أن نقدّم خدمة للسيد الحكيم الذّي قدّم حياته من أجلنا.‏

2 فكّر بحلّ سليم ونحن معك.‏

1 ((بانفعال واضح)) صدّقني.. إن أصدروا حكم الإعدام بحقّه سأحرق الأخضرَيْن.. وسأشعل الدنيا ناراً في وجوههم ومن تحت أقدامهم..‏

((بقعٌ ضوئيّة متتالية تضيء المسرح تباعاً من سائر جوانبه بلا استثناء بشكل متناوب متضاد مرّة يمنياً وأخرى يساراً ثمّ وسطّاً وهكذا حتى يضّج المسرح بالحركة .......))‏

1 ـ أنا مع الإعدام.‏

2 أنا ضدّ الإعدام.‏

((بقعة أخرى))‏

1 ـ الموت للحكيم.‏

2 ـ الحياة للسيد الحكيم.‏

((بقعة اخرى))‏

1 ـ الموت للمسمّى بالحكيم ولأنصاره.‏

2 ـ الموت لأعداء السيد الحكيم.‏

تكرَّر الجمل السابقة في كل جهات المسرح مصحوبة بإضاءة وموسيقى تُصْعّد من وتيرة المشهد... حتى يغدو المسرح حركة موّارة بسائر اللغات السّمعيّة والبصريّة ثمّ يُرَكَّز أخيراً على جملة‏

1 ـ إعدام‏

2 ـ لا إعدام‏

3 ـ إعدام‏

4 ـ لا إعدام‏

5 ـ إعدام‏

6 ـ لا إعدام‏

(أصوات تَنُوس بين اعدام ـ ولا اعدام).‏

ثمّ تطفأ الإضاءة وتصمت الموسيقى فوراً إثر ضربة صنج قويّة وكأنّها تعلن عن نهاية المشهد.‏

(تطفأ الأضواء، نهاية المشهد الثامن)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | دليل الاعضاء | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244